wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
التعليم الديني وصدمة المستقبل

د. أحمد ياسين القرالة

صدمة المستقبل عنوان كتاب لعالم المستقبليات الأميركي آلفن توفلر ألَّفه قبل نصف قرن استوحى عنوانه من مصطلح الصدمة الثقافية التي تصيب الشخص بانتقاله من بيئة ثقافية إلى بيئة ثقافية أخرى مباينة لها، ومصدر هذه الصدمة ومبعثها هو التغير العلمي والتكنولوجي الهائل والمتسارع الذي يحصل في عالم ينام فيه الإنسان في المساء على عالم فيستيقظ في الصباح على عالم آخر، مما يسبب له صدمة نفسية واجتماعية هائلة كتلك التي تصيبه عندما يتحول من ثقافة إلى أخرى.
أمام هذا التغير المذهل والمدهش فإنّ صدمة الإنسان في الدول النامية والمتخلفة علمياً وتكنولوجياً سوف تكون أعنفَ وأشدَّ وطأة؛ فهو مصاب بصدمة الحاضر فضلاً عن المستقبل، مما قد يحمله على الانسحاب من هذا العالم الذي لم يعد له فيه من وجود وليس له من قيمة سوى أنه سوق استهلاكية ومجرد رقم في ميزان الصادرات يعتاش على ثروات جاد بها باطن الأرض ليس له فيها من جهد يحمد ولا فضل يذكر، فهو مجرد قنٍّ -أي عبد- لا هو مع المنتجين فتراعى مصالحه ولا مع المستهلكين فتراعى احتياجاته، كما وصفه المفكر مالك بن نبي.
وليس التعليم الديني بمنأى عن تلك الصدمة حيث يجد نفسه يتلقى إفرازات حضارة صنعها غيره ومنتجات غريبة لا تشبهه، فيصاب بالصدمة فيتحرك غريزياً لإنكارها ورفضها، ثم يجد نفسه بهذا السلوك معاندا لطبيعة الحياة وقوانينها فيضطر مكرهاً للاعتراف بها والتعامل معها؛ فيسعى لتكييفها ومحاولة دمجها في الحضارة والثقافة الإسلامية وهو في ذلك ما بين نجاح وإخفاق.
ولن يكون الفقيه المسلم قادراً على استيعاب هذه المنتجات وتكييفها وبيان حكمها إلا إذا تأهل تأهيلاً علمياً خاصاً، وهذا لن يكون إلا بالاستجابة لمقتضيات العصر والتكيف مع ثورة المعلومات والاتصالات؛ إذ من المتعذر في هذا العالم معالجة مشكلات الحاضر بأدوات الماضي.
لذلك لا بد أن يتوجه تعليمنا الديني نحو التعليم الإبداعي باعتماد أسلوب حل المشكلات والابتعاد عن التعليم البنكي-التلقيني الذي يحوّل الطالب إلى مجرد قرص ممغنط حافظ للمعلومات، ولكنه غير قادر على التعامل معها أو توظيفها لإنتاج معرفة جديدة أو حل مشكلة حياتية.
وهذا يقتضي تغييراً كاملاً وشاملاً في طرق التعليم الديني ومناهجه، ابتداء من المدرس بتأهليه ليكون قادراً على التعامل مع أدوات العصر، وتزويده بأساليب وطرائق التدريس الحديثة وقواعد القياس والتقويم، ثم الانتقال بعد ذلك إلى المقررات التدريسية من حيث مضمونها ولغتها وأسلوبها، ومن الضروري جداً في هذا الأمر اعتماد الدراسات البينية والتشريك بين التخصصات التي لا تنفصل عن بعضها بعضا، ولا بد أن يكون ذلك كله مغلّفاً بالحوار واحترام الآخر وتعزيز الحرية الفكرية وتقبل النقد الذاتي والموضوعي، وبغير ذلك سنبقى نعاني دُوار الصدمة ودهشتها.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.