wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
التناسق الموضوعي في سورة لقمان

د. محمد المجالي

سورة لقمان من السور الست المفتتحة بالحروف المقطعة (ألم)، فهناك سورتان في أول المصحف (البقرة وآل عمران)، وأربع سور متتالية في بداية الثلث الأخير من القرآن هي (العنكبوت والروم ولقمان والسجدة)، وما يميز هذه السورة تركيزها على جوانب الحكمة، تصريحا أو تلميحا، الحكمة في التصور والسلوك، في الظاهر والباطن، وفي عظيم الأمور وصغيرها، لأن القرآن يربي المؤمن على المنهج الأمثل الأقوم.
هناك تشابه عام بين مطلع سورتيْ لقمان والبقرة، فهنا في لقمان يقول تعالى: “هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”، لكن البقرة ذكرت الهدى للمتقين، وهنا في لقمان ذكرت الهدى والرحمة للمحسنين، فالإحسان درجة فوق التقوى، لذلك اجتمع معه الهدى والرحمة، وقد أعاد الله تعالى الحديث عن الإحسان بعد منتصف السورة حيث التأكيد على الاستقامة والاستسلام لله: “ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى”.
والملحظ الرئيس في مطلع السورة أن الله تعالى وصف الكتاب بالحكيم، وهي إشارة إلى الحكم التي يريد عرضها وتفصيل بعضها في هذه السورة العظيمة رغم قصرها.
فقد ورد في السورة ذكر الحكمة أو مشتقاتها أربع مرات، حيث: (الكتاب الحكيم) في مطلعها، ووصف الله تعالى نفسه بـ (العزيز الحكيم) مرتين، في أول السورة ونهايتها، وجاء أيضا ما له علاقة باسم السورة، حيث إيتاء لقمان الحكمة: “ولقد آتينا لقمان الحكمة”.
ابتدأت السورة بالحديث عن صفات المحسنين: يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويوقنون بالآخرة، فهم على هدى من ربهم وهم المفلحون، وبعدها مباشرة تتحدث الآيات عمن يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم، ويستهزئ بها، ويتولى عنها حين يُذَكَّر بآياته، فمن التهى عن الجادة فهو قطعا يسير في طريق التيه واللهو واللعب، وهذا مناقض للحكمة التي هي وضع الشيء في مكانه الصحيح، فقد خلقنا الله لعبادته ولم يخلقنا عبثا حتى نعيش العبثية بأشكالها، ومن هنا فقد حذرنا الله تعالى في آخر السورة ألا تغرنا الحياة الدنيا، ولا يغرنا بالله الغرور.
بعدها ينقلنا السياق إلى الحديث عن خلق السماوات والأرض وإنزال الماء من السماء وبعض المظاهر الكونية، فهو خلق الله، فماذا خلق الذين من دونه، وأعاد السياق الحديث عن مظاهر الخلق أكثر من مرة، وهذه بحاجة إلى حكمة لفهمها.
ثم يذكر الله تعالى ما آتى لقمان من الحكمة، وأولها موضوع الشكر، الذي هو إقرار بتفضل المنعِم سبحانه، جاء ذكر الشكر ثلاث مرات: “أن اشكر لله، ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه”، وجاء أيضا في معرض الوصاية بالوالدين: “أن اشكر لي ولوالديك”، وجاء في آخر السورة بعد تعداد آيات الله ونعمه قوله تعالى: “إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور”.
ثم تسترسل الوصايا الحكيمة بالنهي عن الشرك، والحث على بر الوالدين خاصة الأم، وإقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث فاعلية الإنسان وإيجابيته، وهذه كلها بحاجة إلى صبر، ثم التحذير من بعض الأخلاق السلبية التي هي عوامل هدم للإيمان، فإضافة إلى الشرك واللهو والعناد المذكورة في أول السورة، هناك الاستكبار والإعراض عن الناس، ومشية المختال الفخور، ورفع الصوت المنبئ عن تعظيم النفس، وكل ذلك معارض للحكمة.
وأضيف إلى هذه ما ذكره الله أيضا من العناد والاتباع الأعمى للآباء “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ”، وكذلك الجحود بالله والإعراض عن آياته “وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور”، وهناك الآيات التي تبين أسلوبي التحدي والإقرار في الدلالة على قدرة الله وأنه الخالق وحده سبحانه، فبين سبحانه دقة الخلق وعظم قدرته، وما أوجد من منافع موجبة للشكر والعبادة له وحده، وهذه في حقيقة الأمر تدعو إلى التفكر والتأمل، وكل ذلك مطلوب من أمة الحكمة.
ورد في آخر هذه السورة قوله تعالى: “وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”، والعلماء على أن كلمات الله هنا هي معاني القرآن، فلا يدركها إلا أهل الحكمة.
وورد في آخرها أيضا ذكر الغيبيات الخمسة الوارد ذكرها بالإجمال في سورة الأنعام فقال فيها “وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا الله”، وفسرها هنا في قوله: “إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت، إن الله عليم خبير”.
يمكنني القول تعليقا على التناسق بين هذه السور الأربع التي افتُتحت بـ (ألم)، إن سورة العنكبوت تحدثت عن اتخاذ غير الله أولياء، فمثلهم كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت، وفيها الحديث عن تصدع العلاقات الداخلية من الأسرة إلى الولاء العام، فإن حصل هذا التصدع فهو الإغراء للأعداء بأن يغزوا المسلمين، فجاء الحديث عن الروم، وهم أكثر من نال من المسلمين عبر التاريخ، وفي سورة الروم حديث عن وسائلهم في السيطرة ومنها الربا المشير إلى الجانب الاقتصادي، وفي سورة لقمان بيان طريق الخلاص باتباع الحكمة وضرورة العزيمة والصبر، فإن سلكنا هذا الطريق فنحن في اتجاه العبودية الحقة حيث أمة السجود فجاءت سورة السجدة. والله أعلم.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.