wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
الحمد لله

(الحمد لله)، منذ أمدٍ أحاول تجشُّم الولوج في شرح هذه الجملة الكريمة؛ كونه لا يُحمد الحمد كله سواه تعالى، لوفير جوده وجليل فضله، ولعظيم سلطانه تعالى، وسابغ إنعامه على سائر مَن خلَق.

وكان يمكن الاكتفاء بالاختصار أداءً لدين في عنقي أن أمجِّد الله تعالى بعض تمجيدات، علها تولي بعضًا مما يحتويه الفؤاد من تعظيم، أو جانبًا مما يمكن أن يعبر عنه لساني، لكن عظمة من أحمده ومحبة من أجلُّه سبحانه، تفرض أن أجول في جنبات الحمد، لعلي أُصيب بعض إصابة، وإنها لمهمة عظيمة لكنه سبحانه المعين.

(الحمد لله) قمنٌ بها أن تنال ذلكم النيل من البيان، حتى ما يخلص الفؤاد إلى يقينه؛ حمدًا له سبحانه على كل حال يكون عليها عبد منيب، وفي كل حين تراه حمادًا لمولاه أن قد أنعم عليه بحمده واصطفاه، ذلك أن نفرًا حُرِموا أن ينالوا شرف تحريك لسانهم بحمده، وأن نفرًا آخرين ويكأنهم انخلعتْ قلوبُهم لما سمعوا قولنا: (الحمد لله).

وإن نفرًا آخرين من رحمات ربهم بهم أن كانت منَّته عليهم تيسير حمده أبدًا؛ ليكون لسانهم بها رطبًا، وإنك لتدرك معنى (رطبًا) إذا عشتَ قليلًا من حالة جفاف اللسان من ماء، وكأن حياة المرء دائرة بين ذكره (الحمد لله) ليكون رطبًا، وبين ماء جار ليعيش حيًّا.

ولست أطيل النظر في التقعيد ولا أريد، وإنما هي طبيعة فرضتها أهمية موضوع (الحمد لله).

وغاية أمرنا أن السياحة في حمده تعالى أمنٌ للعباد ورزق للحاضر والباد، ولعبد أن يلهج بدعاء ربه أن يُلهمه حمده كما يدعوه أن يهبه رشدَه.

إن جملة (الحمد لله) كان من لطفها انسيابها على كل لسان مسلم عربي وعجمي بلغتها العربية المجيدة؛ ذلك لأنها اللغة الأم، ولأنها أفصح بيانًا وأبلغ لسانًا.

وليس أجمل من ألا يجدَ عبد له ملاذًا سواه تعالى؛ ليحمده على كل حال، في سرائه شكرًا لمولاه وفي ضرائه صبرٍا على بلواه، ويكأنها حاملة بين جنباتها الأفراح وعلاج الأتراح معًا؛ لتؤتي أكلها هنا مرة، ولتهدي ثمارها هنالك مرة أخرى، وذلكم من عجيب عملها ومن كريم تأثيرها على جنبات سبيل الموحدين، حتى لكأنهم مستغنون عن المشفى بقولهم: (الحمد لله).

وإن (الحمد لله) لترياق الموحدين وشفاء المضطرين ودواء المعوزين؛ من حيث كبير أثرها، وعظيم فضلها، ومن أسرار اختيارها ذِكرًا حسنًا عطرًا فوَّاحًا لكل أمل، ناشرًا في الآفاق راحة بالٍ واطمئنان فؤاد مقابل وصفة من كلمتين ينطق بهما العبد، مالئًا بهما لبابه، ناطقًا بهما لسانه، تيسيرًا على العباد، ولطفًا من رب العباد.

 

ذلك أنه من أفضال الله تعالى الواسعة على عباده أن يسَّر عليهم عباداتهم، فجعل منها قولًا ليسهل عليهم أداء ما افترض عليهم، وتيسيرًا من ربهم، فـ(لا إله إلا الله) قول، والشكر لله قول وأستغفر الله قول، وأتوب إلى الله قول، والحمد لله قول، وسبحان الله قول، والله أكبر قول، وهكذا نجد فضله واسعًا وعطاءه وافرًا، ومنه وجب له حمد، فـ(الحمد لله).

ويبيِّن ذلك أنه تعالى لما جعل توبة أمة محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قولًا مثل: (أستغفر الله، وتبتُ إلى الله)، وفي جانب آخر لما أمر سبحانه بني إسرائيل أن يتوبوا إليه، وجعل من توبتهم فعلًا؛ كما في قوله: ﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ ﴾ [البقرة: 54]، كيف؟ ﴿ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ [البقرة: 54]! ولعاقل إذًا أن يقارن بينهما، فذلك رحمة منه وفضل، فاستحق بذلكم حمدًا.

ومن لطائف جملة (الحمد لله) مجيئها مقرونة مع لفظ الجلالة (الله)، وذلك أيضًا لبيان أن الألوهية تقتضي حمدًا له تعالى على كونه إلهًا لنا معاشر البشر، وعلى كونه سبحانه إلهَ كلِّ ما برَأ، ومن لطائفها ورود لفظ الربوبية أحيانًا بعد ذكر لفظ الألوهية؛ كما في قوله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2]، وكما في قوله سبحانه: ﴿ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الجاثية: 36]، وذلك ربط بين الألوهية والربوبية لإحكام الفضل ولبيان السلطان القويم لله تعالى، في تعدُّد ملموس لذكر صفات الرحمن المحمود أبدًا، وعلى كل حال فإن تعدُّد أسمائه وصفاته من دلائل عظمته.

ومن لطائفها مجيئها معرفةً في كتاب ربنا الرحمن سبحانه؛ استغراقًا للحمد كله لله تعالى، ومن لطائفها اشتقاقها من مادة (حمد)، فَحمِد الشَّيءَ: رضي عنه وارتاح إليه‏، والحمد‏: الثناء والشكر لله تعالى على عطائه، والحَمْدُ: الثناءُ بالجميل‏.

وكلها معان توجب سكنًا وراحةً ورحمةً ودعة واطمئنانًا، وثناءً حسنًا جميلًا، فدل إذًا على إعجاز في اختيار لفظ الحمد؛ كونه بهذه الصفات، ومتلبسًا بتيكم النعوت.

 

ومن لطائفها: كثرةُ ورودها في كتاب الله تعالى القرآن الكريم، وهو دليلُ فضلٍ لها ومزيد مَزيَّة لها، ومن لطائفها: تضافُر كلامه تعالى بها كما في: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ [الأنعام: 1]، وملائكته كما في: ﴿ وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الزمر: 75]، ورسله كما في: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾ [إبراهيم: 39]، وعباده الصالحون كما في: ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ﴾ [فاطر: 34] في حياتهم كما في: ﴿ وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النمل: 15]، وفي حشرهم كما في: ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ﴾ [الزمر: 74]، وقوله: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الزمر: 75].

ومن لطائفها أن جاءت في القرآن الكريم خبرًا كما في: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا ﴾ [فاطر: 1]، وجاءت في الذكر الحكيم إنشاءً كما في: ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ﴾ [الإسراء: 111].

ومن لطائفها أن بدأ الله تعالى بها بعض سور القرآن المجيد كما في: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ [الكهف: 1].

ومن لطائفها أن ختَم الله تعالى بها بعض سور كتابه الفرقان الحكيم كما في: ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ﴾ [الإسراء: 111]، وقوله: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الزمر: 75].

ومن لطائفها كما قال قتادة رحمه الله تعالى: فتح الله أول الخلق بالحمد لله, فقال: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض, وختم بالحمد فقال: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾.

ومن لطائفها لدى الشعراء:

الحَمْدُ للهِ الذِي بالقلمِ *** قدْ عَلمَ الإنسَانَ مَا لمْ يَعْلمِ

وقيل:

الحَمدُ للَّه الَّذِي أَعْطَى الخِيَرْ *** موَالِيَ الحَقِّ إِنِ المَوْلى شَكَرْ

وأقول: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.