wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
الحوار مع الآخر
الأحد, December 8, 2013 - 23:45

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين وصحبه الصالحين. وبعد: 
  هذه كلمة قدمت في ندوة عقدها معهد البحرين للتنمية السياسية بتاريخ (14/5/2007) ، والتي حضرها نخبة من الشخصيات السياسية والصحفية ومن أعضاء مجلس الشورى والمجلس الأعلى للمرأة وبعض الأساتذة من جامعة البحرين.
 

المحور الأول: التأصيل القرآني للبحث...
إنّ لثقافة الحوار في الإسلام أسساً قرآنية واضحة لبناء السلوك الإنساني الرفيع مع الآخر. أستقصي هنا سبع آيات منها للتدليل على ما منحه القرآن الكريم من أهمّية لمبدأ القبول المجتمعي والحوار مع الغير القريب والبعيد:
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء)
  

    هذا خطاب الخالق العظيم إلى عموم المخلوقين بكل ألوانهم الفكرية والبدنية.. بأنهم منذ الأساس قد خلقهم الله من نفس واحدة تشعّبت عبر قانون الزوجية إلى تعدّدية بشرية كثيرة من رجال ونساء. وهذه الحقيقة التكوينية تسلب كل إنسان مبرّرات التكابر على نظيره الإنسان، فكيف تسمح له نفسُه ذلك وهو ينحدر معه من أصل آدميّ واحد ونفس إنسانية واحدة ويشترك معه في المصير والمنتهى.. قد صاغه وبني جنسِه ربٌّ واحد وبتصميم أحَدِيّ لا شريك له فيه سبحانه. فالتكوين الإلهي للتعدّدية البشرية جاء بهذه الهندسة الحكيمة، والخروج عليها من قِبَل المخلوقين خروجٌ على إرادة الخالق جلّ شأنه وعلى مخطَّطه الحكيم.
معرفياً.. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾

     وهنا يعلّل الخالق الكريم فلسفة التعدّدية البشرية بأنها معرفية كغاية أولى لغاية التكامل المشترك، فعلى الناس أن يتعرّفوا على بعضهم ويكتشفوا مكامن القوّة عند غيرهم ولا ينطووا على أنفسهم ويحبسوها عن الآخر. وهذا يدعو إلى الانفتاح والتواصل ومدّ جسور الحوار لنقل الثقافات والمفاهيم، وفيه اعتراف بالآخر كمقدّمة ضامنة لحقوق الإنسان وتقدّم الشعوب.. وإلا فلن يكون هناك شيء اسمه تعارف ولا اعتراف وبالتالي يحلّ التضارب محلَّ التقارب كما هو الحال البشري على وجه العموم الأغلب ربّانياً.. قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾
     

قصّة إبليس وربّ العالمين، فيها الدروس الكثيرة على صعيد الحوار مع الآخر.. الحوار بين قمّة الشرّ والرذيلة من ناحية وقمّة الخير والفضيلة من ناحية أخرى.. ترى إبليس وهو الشرّ المطلق والضعيف يطلب من الله الخير المطلق القويّ المتعال أن يمهله لمشروع تخريبي طويل المدى! وربّ العالمين القادر على نسفه وإبادته يوافق على طلبه ويعترف بكيانه وحرّيته ويعطيه حسب رغبته بعد أن سمح له بالحوار الصريح. فما أعظم هذه الحرية التي يلتزم بها ربّنا جلّتْ عظمتُه مقابل أرذل خَلْقه ذلك الشيطان الرجيم!
   

   فالقصّة.. يستعرضها القرآن الكريم لكي نتعلّم منها كيفية ممارسة الحوار حتى مع العدو وإنْ كنّا أقوياء وكان العدو ضعيفاً؟! أليس المطلوب منّا أن نتخلّق بأخلاق الله!؟ 
سلوكياً.. قال الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً﴾.

   

  وفي هذه الآية يدعونا الله سبحانه إلى ضرورة السلوك العملي باحترام قناعات الآخرين حينما يجعل الله العلم بالأهدى جزءً من اختصاصاته. فليس للإنسان أن يتدخّل فيما لا يعنيه فيُدخِل مَن يشاء إلى الدين ويُخرِج منه مَن يشاء. وبناءً عليه فلا يجوز تكفير الآخر لمجرد اختلاف في وجهات النظر، فالله عزّوجل لم يفوّض أحداً أن يأخذ مكانه!
     فمن الصحيح أن يقود كل واحدٍ نفسَه على الطريق الذي اقتنع به من مقدّمات سليمة أو معذور فيها عند الله ثم لا يميل على غيره ميلةً تكفيرية في العقيدة ولا ضربةً تسقيطية في السياسة... كمثل الواحد منّا يسوق سيّارته على طريقه السويّ، فما أن ينحرف عنه يميناً أو شمالاً حتى يسبّب لنفسه ولغيره حادثة
     حضارياً.. قال الله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ (وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ 
     

   إنّ الله لا ينهانا عن ممارسة البرّ والقسط والعدل والمحبّة مع الآخرين الذين لم يقاتلونا ولم يظلمونا ولم يخرجونا من أوطاننا.. ولكنهم حتى لو فعلوا هذا فإنه كذلك لا ينهانا عن الحوار معهم ليكفّوا عن فعلهم غير السويّ سيّما عند فَقْدان التكافؤ في القوى. ومع نفاد الأدوات السلمية لمنع الظلم الدموي فهنالك يأذن الله بالجهاد الدفاعي والقتال النزيه ضمن شروط موضوعية ذكرها الفقهاء لمنع التصرّفات الشخصية المؤدّية لمزيد العناء. هذا ما كان عليه النبيّ محمد (ص) من حوارات حضارية ومفاوضات ومعاهدات مع اليهود والنصارى ومشركي قريش قبل وبعد فتح مكّة، ولم يقاتل أحداً منهم إلا إذا كان يخرج عن المعاهدة شاهراً سيفه.. كما تبيّنه الآية الثانية بعدها.
    وتعني هذه الآية قبول النبي صلى الله عليه وسلم المعايشة مع غير المسلمين والتعاطي السلمي معهم في قضايا الوطن المشتركة وهي من مصاديق البرّ والقسط دون مَن يثبت عليه الفعل الحربيّ.  

 

أدبيّاً.. قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾
     مهما افترض المسلم غيره منحرفاً و مهما استيقن بصحة آراء نفسه لم يكن ليصل إلى مستوى النبي الأكرم (صلى الله عليه وسلم في يقينه بصحة آرائه الهادية ويقينه بضلال أعدائه المشركين، ومع ذلك تجد ربّنا عزّوجل يذكّره بأسلوب المحادثة مع أهل الضلال، وهو من باب (إياك أعني واسمعي يا جارة) كي يتعلّم المسلمون آداب الحوار وأخلاقيات التفاوض.. والتي منها أن لا تقمع الطرف الآخر بكلمة نابية ولا بكلمة الإدانة وخاصّة إن كنتَ في بداية الدعوة له.. ومن هنا قيل أنّ "من سعادة المرء أن يكون خصمه عاقلاً."
أخلاقياً.. قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
   

  هنا يبني قرآننا العظيم الموقف من الآخر المعادي (شنآن) بناءً أخلاقياً يميّز المسلم عن غيره بمدى التزامه العدل والعفو والرأفة والسماحة، فلا يجوز الانجرار مع الكراهية والتورّط في الظلم على العدو.. إنّ هذا النبل في المواجهة الغاضبة مع العدو تصنعه التقوى الحقيقية.
      وإذا عرفنا أن الهدف من الصراع بين الحق والباطل هو الانتصار للقيم الإنسانية في الحياة وليس للانتقام والتشفّي فقد عرفنا كم تكون للأخلاق مساحتها الواجبة في صراعنا مع الآخر على خط التدافع من أجل الخي.. 
 

    لقد قسّم علماء الاجتماع الآخر إلى قسمين: الآخر الخارجي والآخر الداخلي.. والآية هنا ناظرة إلى العدل مع الآخر الخارجي لتؤكد لنا من باب مفهوم الأوْلى وجوب العدل مع الآخر الداخلي؛ لأن أهمّية العدل مع الأقربين وعلى قاعدة أولوية المعروف للأقرب تُشكّل حلّاً قويماً للأزمة مع الآخر الداخلي حيث يصبّ مباشرة في الاستقرار والتماسك وتحقيق الأمن الاجتماعي والسلم الأهلي.. وهذا من دون تردّد يترك أثراً فعّالاً على تسديد الحوار مع الآخر الخارجي من موضع القوّة. ومن هنا نعرف السرّ في المقولة الاستعمارية المشهورة (فَرِّقْ تَسُد). فالاستعمار يضرب الوحدة بين الناس لكي يفرض أجندته عليهم وهم ضعفاء.. والقرآن الحكيم يرشدنا إلى معالجة الموقف مع الآخر الداخلي ليسهّل علينا الموقف مع الآخر الخارجي، وهو ما كفلتْه لنا الأخلاق الكريمة التي ترقى بأداء الحوار وتنظّم مسارات الكلام وتثقّف الإنسان في موقفه من الإنسان الآخر مهما افترق عنه بلغته أو لونه أو دينه أو مذهبه أو وطنه أو فكره وثقافته.. فكانت الأخلاق ضمانة نجاح التنافس نحو الخير والتكامل في سبيل السعادة.
      فمن الخطأ أن نقلّل قيمة الأخلاق في العملية التواصلية مع الآخرين وقرآنُ ربّنا عزّوجل يقول: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.
 

 

المحور الثاني: الإرادةُ الذاتية، بدايةُ كل بداي.
قد يحمل الفرد ثقافة واسعة من المفاهيم الحوارية ومعلومات جيّدة في حقل العلوم الإنسانية وتلاقي الحضارات، ولكن المهم كيف يكون عند المحك وماذا يصنع حين الاختبار؟!
    هنا تبرز الازدواجية في المعايير لمّا تصل المواقف حدّ الاصطكاك ويحين وقت المصالح وتوزيع الغنائم، لينطبق على المتنازعين (المؤمنين) قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ).
      فلكي لا يكون علمنا بلا عمل - مثل شجرةٍ بلا ثمر- ولكي لا نقع فريسة شعاراتنا الخاوية - حتى على مستوى علاقاتنا العائلية - فإنه لابد من زرع نوازع الورع والصدق والإخلاص في القلب وسقيها دائماً حتى تثمر القبول بالحق كما تقرّه مرآة الفطرة.. وتثمر القبول بالحقوق كما يقرّها صفاء الضمير.. ومن ثماره تبادل الرضا بالتقاسم المبدئي والقبول بالتنازل المرحلي حتى تحقيق الهدف المشترك الذي في ظلّه يتم التعويض عمّا يتصوّره الفرد خسارة في المفاوضات والحوارات، ولن يخسر الإيجابيّون شيئاً في تطبيق المبدأ الاسلامي (حِبّ لأخيك ما تُحِبّ لنفسِك) والذي به ينعم الجميع بالخير والبركات.

  

    الحديث هنا عن التربية وتهذيب النفس وترويض الغرائز وجلد الذات ومجاهدة الهوى حديثٌ عن بداية كل بداية، فهذا هو الميدان الأول كما أكّدتْه التعاليم الإسلامية التي تضيف أيضاً بأن الإنسان لو فلح فيه لَفلح في الميادين الأخرى بالتأكيد.. فهي النفس إنْ عدّلها صاحبُها اعتدلتْ وإنْ حرّرها طَغَتْ ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. 
وتفيدنا أنّ المفاهيم الثقافية في الحرية والحوار لا تنفع خطباءها ودعاتها ما لم تكن وراءها إرادة متصلة بها من داخل النفس.. تحرّكهم لينتجوا التغيير على أرض الواقع.
  

  ومن هذا المنطلق بيّن القرآن الكريم مقاصد الشريعة المحمّدية عندما قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾[13] فتعليم الكتاب والحكمة يأتي بعد تزكية النفس وتنظيفها من الأدران والخبائث والأحقاد من حيث الأهمية، وإن كان التعليم مقدَّماً على التزكية من حيث المنهجية.. فكما لا فائدة من أثاث جديد في منزلٍ رديء كذلك لا فائدة من علم وحكمة في قلب يحسد ويبغض ويكره ويعادي ويغلّ على الذين آمنوا.
     لذلك قد سمّى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذه الممارسة التربوية من جهاد النفس بالجهاد الأكبر في الوقت الذي سمّى جهاد العدو (عسكرياً) بالجهاد الأصغر، وذلك حتى لا يخوضه مَن لم يربِّ نفسه ويقهر هواه.. بداهة أن الضعيف أمام نفسه الأمّارة بالسوء يكون ضعيفاً أمام العدو الخارجي، وبالتالي قد يشترك معه في الخيانة والجريمة، أو يسرف في ظلم الآخرين بأساليب إرهابية دموية محرَّمة في الإسلام، أو يمزج في القتل بين البريء والمذنب وهو يحسب أنه يحسن صنعاً.  
   

فالمجاهد لهواه يكون أقرب إلى السّلم وقبول الآخر وأبعد عن العنف ورفض الآخر، ممن اتّبع هواه ولم يجاهد نفسه الأمّارة بالسوء.
    ويتميّز المسلم القابض على إرادته عن المسلم التابع لهواه.. بالنقاط التالية:    

  1. يقرأ الآخر قراءة مباشرة ولا يعتمد الوسائط والإشاعات.
  2. يقرأه شمولياً ولا يأخذ بالجزء الذي يدينه ويترك الجزء الذي يدفع عنه التقييم الخاطئ
  3. يقرأه بهدف المعرفة وقصد الوصول إلى حقيقة الطرف الآخر، فلعله يجد لديه من الإيجابية البنّاءة فيشترك معه فيها
  4.  لا يسحب عليه ذنب أهله أو أصدقائه أو جماعته، لأن القرآن يقول: ﴿لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ 
  5. لا يأخذ عليه موقفاً كان فيه من قبل والآن قد غيّره بناءاً على معطيات زمنية جديدة وتبدّلات في الظروف الموضوعية.
  6. لا يُطلِق تحليلات ظنّية عن الآخر وهو يجد له ما يبرّر سلوكه. ففي الحديث عن الإمام علي  " لا تظنّن بكلمة خرجتْ مِن أحد سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً"[15].
  7. يقوم بتقييم الآخر حيادياً، فيعترف له بإيجابياته ويذكر سلبياته بموضوعية وإنصاف بلا تضخيم. فكم كان اليهود يتآمرون على الإسلام والمسلمين ولكن الله تعالى حينما يذكر الأمانة يقول: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾].
  8. يوفّر لنفسه حرية كافية للأخذ بالنتائج مادامت قد أتتْ على ظهر الدليل، فلم يتعصّب للمسبقات ولا يكبّل عقله بالموروثات على حساب الآفاق الجديدة.

 

 

المحور الثالث: نحن والغرب، قراءتان متقابلتان!
     مع أن الإسلام أمر بالقراءة وحثّ على طلب العلم ونشره وأشاد بمنزلة العلماء عموماً وعلماء الدين الصالحين خصوصاً وجعلهم ورثة الأنبياء وبنى على قواعد العلم والمعرفة حضارة متوازنة الأبعاد لازال المؤرّخون الغربيّون يذكرونها بخير...

ومع أن الإسلام أمر بالسير في الأرض لإحياء مواتها من أجل سعادة الإنسان.. وأمر بغزو الفضاء لتسخير ما في السماء لخدمة الحياة الإنسانية الراقية..
    

ومع أنّ المسلمين في الأزمنة الأولى قد خاضوا معارك ضارية على مظاهر الجهل وفلول الجاهلية، ولكنهم بعد ذلك التاريخ الحضاري الحافل بالعطاء المتميّز لإنقاذ الأمم الأخرى، لماذا جمدوا وانكفؤا على أنفسهم وتأخروا عن رسالتهم الأولى؟
     ذكر الباحثون لهذه الظاهرة التراجعية الخطيرة أسباباً كثيرة. وأنا أكتفي منها بما يلتقي مع موضوع الحوار والقبول بالآخر، وهو حركة الاستشراق التي في جوهرها تكمن حُبّ الاستطلاع وقراءة الآخر. وقد بدأت هذه الحركة العلمية في القرن (13) الميلادي حينما انتشرت لدى الغربيين ظاهرة الاهتمام بالقراءة حول قضايا الشرق بكل جزئياته وكتبوا في ذلك آلاف الكتب والدراسات، حتى أنشئوا في القرن (18) كلّيات في العواصم الأوروبية لتدريس اللغات الشرقية وخاصة العربية لتسهيل معرفة تاريخ البلدان الأخرى وثقافات الشعوب وسجّلوا فيها أدقّ القضايا. وكانت هذه المعلومات قد استفاد منها ساستُهم لغزو البلدان واستعمارها واستعباد شعوبها. 
    

عكْسُهم العرب والمسلمون حيث لم يهتمّوا بقراءة الغرب وحياتهم.. ولم ينشئوا لذلك حتى مراكز دراسات تخصّصية لمعرفة طريقة التفكير عند الغربيين وأهداف قادتهم كي يدفعوا عن بلدانهم خطر الاستعمار والاحتلال. ولا غرابة في هذه الظاهرة! لأن السيكولوجية الشرقية في الغالب منطوية على ذاتها وغارقة في لذّاتها، لذلك تدور أكثر اهتمامات الإنسان الشرقي حول ترويج ذاته على الغير وتهميش الآخر في الطريق إلى المزيد من كسب المصالح للأنا، وكثيراً ما يكون على حساب حقوق الآخرين ومصادرة حرّياتهم ونقيضاً للمُثُل الإسلامية العليا وسبباً للتجاذبات بينهم من أعلى المستويات إلى أصغرها في الزقاق والبيوت.. بحرٌ متلاطم بالصراعات والنزاعات والحروب من أجل غلبة الذات، وغالباً أساسها الجهل بالآخر وعدم الاستعداد لقراءته ومعرفته.

 

   يُذكَر بهذه المناسبة.. ما جرى في تونس (سنة 1993م) إذ دعت الجمعية العربية لعلم الاجتماع إلى ندوة دولية تحت عنوان (صورة الآخر) فأتى الباحثون الغربيون بأبحاثهم عن الآخرين من منظارهم.. بينما أتى الشرقيون عكس المطلوب فكانت أبحاثهم تركّز على التعريف بأنفسهم وتحسين صورتهم عند الآخرين! مما اضطرّ الجمعية إلى إعادة الندوة عام (1996م) حتى يكتب الشرقيون أبحاثهم كما هو المطلوب (صورة الآخر) لديهم!
   

ومن ذلك ما تناقلته وكالات الأنباء من إقبال الأمريكيين على قراءة كتبٍ عن الإسلام والمسلمين بعد كارثة (11 أيلول – سبتمبر) ليعرفوا الخلفية الأيديولوجية التي تقف وراء التفجير المرعب للبرجيْن العملاقيْن. بينما لا نجد مثل هذا الإقبال لدى المسلمين لمعرفة خلفية العقل الغربي الذي يغزوهم في عقر دارهم ويحتل بلدانهم ويملي على أكثر حكوماتهم سياساتها، فلعلّهم عبر هذه القراءة يكتشفوا أسراراً تُسقِط الحسابات كلها لصالح قضاياهم العادلة فيصبحوا أعزّة على الكافرين أذلّة على المؤمنين وليس العكس!!
  

  لقد حاول الدكتور حسن حنفي قبل عشرة أعوام تقريباً أن يؤسّس لحركة الاستغراب.. داعياً إلى قراءة الغرب بكل مكوّناته الحديثة وجذوره القديمة وكتب في ذلك كتابه (مقدّمة في علم الاستغراب)
     فلماذا الإنسان الشرقي بشكل عام مأخوذ عليه التطبّع بالأنا.. فهو إن كان غنيّاً بالمال يسعى للمزيد منه ولو بسحب البساط من تحت رِجْل الآخرين في السوق! وإن كان حاكماً استبدّ وتجبّر وقال أنا ربّكم الأعلى! وإن كان عالماً اغترّ وانفرد برأيه حتى ولو تضرّر الآخرون! وإن كان ربّ أسرة صار فرعونها أو كضابطٍ في ثكنة بأحكام عسكرية! وإن كان مثقّفاً تكبّر ورأى غيره تحت أنفه ! وإن كان سياسياً باع وطنه ودينه وتآمر عليهما من أجل البقاء في المنصب! وإن كان عاملاً فقيراً يدور حول نفسه، فلا يطوّر أدواته ولا يفكّر في الخروج من أزمته أو لوّث نفسه بلقمة الحرام والخساسة!

  

  وبكلمة واحدة: الشرقي بشكل عام.. لا يطمح أن يتكامل بشيء من التنازل للآخر حتى يتقاسم معه النجاح في أشياء أخرى.. فهو بالتالي مستعدّ ليخسر كل شيء سوى غروره وشخصنته وأنانيّته!!
وتنعكس هذه النفسية السلبية على مواقفه التالية:

  1. عدم المبالاة بمستقبله ومستقبل أمّته وفق أسس علمية رفيعة الغايات 
  2. عدم الاستماع للغير ومحاولة فهم الآخر.
  3. عدم الإيثار والتضحية من أجل القضايا الكبرى.
  4. التعصّب والعناد والتكبّر والاستبداد في سبيل الحفاظ على موروثه دون تفكيرٍ فيما لدى الآخرين من أمور قد تكون هي الأصحّ والأفضل.      
  5. القبول بالأمر السلبي الواقع والتثاقل إلى الأرض. 

  

  ومن سمات هذا الإنسان أنه قد يجيد الكلام بالمبالغات لتضخيم ذاته الفئوية أو تصنيم ذاته المقدّسة! ولكنه لا يجيد فنّ الاستماع لرأي الآخرين حتى لو كانوا من أقرب المقرّبين إذا ما وجدهم في الاتجاه المعاكس لمصالح الحزب أو منافع الأنا!!
  ومَن يكون على هذه الشاكلة، حتى لو استجاب للحوار مع الغير تحت ضغط الأجواء ومستجدّات الظروف فإنه:

  1. يرفع صوته على الآخر ولا يعطيه فرصة لبيان رأيه.
  2. يفكّر في هجومه ودفاعه أكثر من أن يفكّر في فهم كلام الطرف الآخر.
  3. يناقش ولكن لا لكي يصل إلى هدف يبني خيراً في الواقع بل لكي يبرّئ نفسه من أي اتهام محتمل وأن يخرج منتصراً لقناعاته فقط ولو بالمغالطات السوفسطائية.
  4. يجهل الطرف الآخر ويكيل عليه التهم ويلصق به ما ليس له مِن واقع أبداً.
  5. يستغل كل مهاراته لتقزيم الآخر وإظهاره بمظهر الجاهل المتطفل على العلم.

  

   يعيش هذا الإنسان في بعض درجاته العدوانية عقلية المؤامرة ومهارة سحب البساط وفنّ التسقيط للآخر حتى تصدق عليه صفة الإقصائيّة والإيذائية والشرّية المطلقة، ويزداد فيها كلّما غابت الرقابة المجتمعية وأَمِن العقاب القانوني العادل.
     ويكشف لنا الإمام علي بكلمته "الناس أعداء ما جهلوا" كيف أن هذا الإنسان الإقصائيّ يستطيع أن يبحر في ذاته ويستمر في رفضه للآخر عن أية شراكة عادلة وأن يدير ظهره لأي حوار تفاهميّ إذا ما استطاع إبقاء الناس من حوله في ظلام الجهل ونجح في تشغيلهم بعداوات وهمية مع الآخر الذي يظنّه مزاحماً لمرامه الذاتي حتى يفلت نفسه عن المحاسبة...
     وإذا ما أردنا معرفة الطريق إلى الشراكة الشمولية وتأمين الحقوق العادلة ومعرفة خطورة الإقصائية وجهل المصفّقين وطبايع الاستبداد على ثقافة الحوار والقبول بالآخر وخطورتها أيضاً على أخلاقيات التعاون وسلامة الوطن من الأمراض السياسية والفكرية والاجتماعية الفتّاكة.. فإنه لابدّ لنا من وعي الأبجديات المذكورة.

 

 

بقلم الشيخ: عبد العظيم البحراني

نقلا عن شبكة النبأ المعلوماتية بتصرف
22/7/2009
http://www.annabaa.org/nbanews/67/362.htm

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.