wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
المبادئ راسخة.. وهي فوق المصالح الآنية

د. محمد المجالي

هذا أساس إنساني قيمي أخلاقي، وليس إسلاميا فقط، فالشرائع كلها تؤكد المبادئ، ولا تُغفِل المصالح معها، بل أجزم أن المصالح الحقيقية هي من لب المبادئ، أدركَ الإنسانُ هذا الشيء أم لم يدركه. ولكن إن تعارضت المبادئ مع المصالح الآنية، فالأولوية للمبادئ، وأزعم أن فوضى الأخلاق وازدواجية المعايير والظلم الحاصل في العالم مردّه إلى تقديم المصالح وازدراء المبادئ.
من المبادئ: العدل واحترام حقوق الإنسان وأهمها حريته التي هو بها إنسان مكرّم، وينبثق عنها تكاتف المجتمع، إسلاميا كان أم غير إسلامي، لتحقيق كرامة الإنسان وسعادته، فالشرائع إنما أنزلها الله تعالى- بعد هدف عبادته وحده- لتدفع الضر والشر، وتجلب النفع والخير، ويناط تحقيق هذه بالمسؤولين والأفراد والمجتمع معا، فكلهم مكلفون بتحقيق هذه المبادئ، ولا يجوز التهرب منها، أو تقديم مصالح عليها.
يُجمع الفقهاء على أن للشرائع كلها مقاصد، وهذه المقاصد نفسها قد راعت مصالح الناس، ورتبوها وفق ثلاثة حقول هي: الضروريات والحاجيات والتحسينيات، والضروريات خمس مرتبة: حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، والحاجيات منزلة دونها، والتحسينيات أقل منهما، وهذا يقودنا إلى فقه الأولويات والموازنات، ليفهم المؤمن أن الأمور في الدين ليست فوضى، فهناك مهم وأهم وأقل أهمية، هناك كبير وأكبر، صغير وأصغر، فرد ومجتمع، مجتمع ودولة ودول، مؤمن وغير مؤمن، نفع خاص ونفع عام، روح وجسد، عقل وعاطفة، دنيا وآخرة، وهكذا.
يؤكد هذا أن القيم والمبادئ مقدمة على أي مصالح آنية، ولعل نقطة الانطلاق التي ينبغي أن تستقر في عقول الجميع هي قوله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم"، ومظاهر تكريمه كثيرة لا مجال للحديث عنها هنا، ولكن أهم دعامة من دعائم هذا التكريم هي حرية الإنسان، فبها هو إنسان، ومن دونها هو عبد مقيّد بلا إرادة حقيقية، وكل ما يسمو بالإنسان فهي مبادئ يسعى الإنسان إلى تحقيقها، وهي مستندة إلى شرائع لا مجرد اجتهادات بشرية، يقول الشاطبي: "إن الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادا لله، وهذا المعنى إذا ثبت لا يجتمع مع فرض أن يكون وضعُ الشريعة على وفق أهواء النفوس، وطلب منافعها العاجلة كيف كانت، وقد قال ربنا: "ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن"، (المؤمنون:71)
وعودة إلى حقوق الإنسان في الإسلام، فهي كما قلنا جزء من إنسانيته، لا يجوز للحاكم ولا لأية سلطة في هذه الأرض أن تساومه عليها، وهي ليست منّة من الحكام يمتنون بها على الناس، فإن وجدت فهذا هو الأصل، وإن فقدت فهو اغتصاب لهذه الحقوق واعتداء على إنسانية الإنسان وكرامته، وما أكثر ما تتبجح به الدول والمدنيات والحضارات من إعطاء الإنسان حقه، وفي الواقع فهو الاستعباد الذي أذل الناس وأنقص من قيمهم الحقيقية، وخاصة العبودية لله تعالى، وحرية الناس.
وعودة إلى مفهوم المبادئ والمصالح، ففي سنة النبي صلى الله عليه وسلم نموذج يؤكد رسوخ المبادئ، وإن كان المثال الذي سأذكره حدا من حدود الله، ولكن مقصدي هو أن يفهم الناس أن هناك حدودا وثوابت لا بد من احترامها، فلننظر إلى قصة المرأة المخزومية التي سرقت، وتدخلت العاطفة والقبلية لمحاولة العفو عنها، فما وجدوا غير أسامة بن زيد رضي الله عنه، الحِبّ بن الحِبّ كما كان يُلقَّب، لعله يشفع لها أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليعفو عنها، وربما في ذلك تحقيق مصالح وتطييب خواطر، وهو مناقض للمبادئ التي أكدتها الشريعة، وبرغم حب النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد، إلا أنه غضب، وأنكر الفكرة: أتشفع في حد من حدود الله؟! وقال ما ينبغي أن يكون مبدأ واضحا: "إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، فأنهى صلى الله عليه وسلم أية وسيلة تريد التهرب من المسؤولية، أو تنقض بنيان المبادئ، لأن المبادئ راسخة، والمصالح مرنة مُقَدَّرة، تابعة لاجتهادات الإنسان، ولا يعني هذا أن لا تراعى المصالح، بل أن لا تتصادم مع المبادئ.
ومن الأمثلة التاريخية على هذا الأساس ما روي أن امرأة بصنعاء غاب عنها زوجها، وترك في حجرها ابنا له من غيرها غلاما يقال له أصيل، فاتخذت المرأة بعد زوجها خليلا فقالت له: إن هذا الغلام يفضحنا فاقتله فأبى، فامتنعت منه فطاوعها، فاجتمع على قتل الغلام الرجل ورجل آخر والمرأة وخادمها فقتلوه، ثم قطعوه أعضاء، وجعلوه في عَيْبة (وعاء من جلد) فوضعوه في بئر لم تطو في ناحية القرية ليس فيها ماء، فأُخِذ خليلها فاعترف ثم اعترف الباقون، فكتب يعلى (وهو يومئذ أمير صنعاء) بشأنهم إلى عمر رضي الله عنه، وهو أمير المؤمنين، فكتب عمر بقتلهم جميعا، وقال: والله لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتله لقتلتهم أجمعين.
نرى كيف تُدمَّر بلاد وتقتل شعوب وتجوّع من أجل مصالح مادية وعلاقات تجارية، ونرى تناقض سياسات عالمية بمواثيق تدّعي حرية الشعوب وديمقراطيتها، ولكن الحقيقة المؤلمة أن أبسط المبادئ الإنسانية تضيع مقابل أي مصلحة، فلا عدالة ولا مساواة ولا كرامة لنفس بشرية، هنا نستشعر قيم الإسلام في تأسيس العدل وقول الحق، والتأكيد على حرية الرأي ولو كان مخالفا، تلك التي يظنها الناس عادات غربية، مع أنها من صميم المبادئ الإسلامية، ورضي الله عن الصديق والفاروق حين قالا: لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها"، وقول عمر: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.