wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
تقرير المعرفة العربي 2009
الأحد, December 8, 2013 - 23:15

ثلاثية المعرفة والتنمية والحرية بوابة العبور إلى النهضة والتقدم
    

يمثل تقرير المعرفة للعام 2009 الذي جاء تحت شعار "نحو تواصل معرفي منتج" خلاصة جهد مشترك لتحليل أوضاع المعرفة في العالم العربي، باعتبارها أداة رئيسية للتنمية الإنسانية والنهضة والتقدم.
     ويتسع مفهوم المعرفة، في التقرير الذي أطلق في مدينة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة أواخر تشرين الأول (اكتوبر) الماضي، ليغطي مجمل المخزون المعرفي والثقافي بوصفه ناظما رئيسيا لمجمل النشاطات الإنسانية التنموية الرامية إلى توسيع خيارات وفرص تقدم الإنسان العربي وحريته وعيشه الكريم.
     ويأمل التقرير، الذي أطلقته مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي/ المكتب الإقليمي للدول العربية، إلى جعل المعرفة (انتسابا وإنتاجا وتوطينا وتوظيفا) أداة وغاية للمجتمع ككل تصل إلى مختلف الشرائح على قدم المساواة.
   

  ويتصدى التقرير الذي تنشر "الغد"، على نحو حصري، فصوله كاملة على حلقات يومية، لمعاينة الملامح العامة والمكونات الرئيسية لمجتمع واقتصاد المعرفة، علاوة على رصد الفجوة المعرفية التي تفصل المنطقة العربية عن العالم، وتبيان العديد من أوجه القصور في المجالات المعرفية الرئيسية، مع التركيز على الحريات كمتطلب أساسي لإقامة مجتمع المعرفة، والتأكيد على التلازم بين ثلاثية التنمية والحرية والمعرفة، من منطلق الحق في المعرفة.
  

   ويعتبر التقرير إيصال معرفة ونشرها مسؤولية مجتمعية. ومن هنا نبعت رغبة "الغد" في الإسهام بهذا الجهد من أجل مواصلة دورها التنويري الذي يستند إلى أن النهوض بالأداء المعرفي يشكل مدخلا لإصلاح الوضع التنموي العربي، ويحفز على ولوج بوابة النهضة والتقدم الحضاري.
  

   ومن المؤكد أنه يصعب علينا كثيراً الاقتراب من عمليات التنمية من دون كسر الضغوط على الحريات التي ينظر إليها التقرير باعتبارها حزمة شاملة لا تتجزأ، وأنها دعامة مركزية للنهوض بالأداء المعرفي في العالم العربي الذي ما يزال أغلبه يعاني من الأمية المعرفية والرقمية.
  

   ويعد هذا التقرير أداة مثالية لصنّاع السياسة العرب للعمل على خلق مجتمع المعرفة الذي يعزز القدرة على المنافسة على الصعيد العالمي، لا سيما وأن70   بالمائة من السكان العرب تحت سن الثلاثين، ما يشكل طاقة كبيرة وثروة حقيقة للدول العربية التي يتعين عليها توفير 200 مليون فرصة عمل للشباب العربي بحلول العام 2020، ولا يمكن تحقيق هذا الإنجاز من دون العمل لتحسين جودة التعليم وربطه بمتطلبات سوق العمل. 
    

وثمة من يقيم تماثلا بين وضع المستوى المعرفي للدول العربية الآن، مع وضع الدول الأوروبية غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث لم يكن أمامها إلا التعاون الذي أدى إلى مزيد من التكامل، وأسهم بدوره في تعزيز سائر القطاعات الأخرى. 
  

  يمكن تحديد اطار نظري عام لمجتمع المعرفة انطلاقا من أربعة محاور كبرى تشدّها هواجس وأسئلة إقامة مجتمع المعرفة ضمن المشروع الشامل للنهضة العربية، وتتدرج المحاور ليقدم أولها الأسس والمنطلقات الموجهة لمعطيات مجتمع المعرفة.
   

  المحور الثاني يقدم البناء المفاهيمي للخطابات التي حاولت إلقاء الضوء على التحولات التي عرفتها المجتمعات المعاصرة بعد ثورة المعلومات، وقد عملنا في هذا المحور على تركيب تعريف إجرائي لمجتمع المعرفة في الوطن العربي، بناء على الجهد المبذول في فصول التقرير.
    أما في المحور الثالث فقد حاولنا تركيب النواظم المرجعية التي وجهت وتوجه خطاب المعرفة في العالم المعاصر، للتعرف على الأبعاد والخيارات التي تقف وراء التقارير الصادرة حول مجتمع المعرفة
 

   المحور الرابع اتجه لمعاينة بعض الإشكالات التي يطرحها التطور المعلوماتي والمعرفي في المجتمع المعاصر، وذلك لتصورنا بأن التفكير في هذه الإشكالات يؤطر المساعي الهادفة إلى تجاوز الفجوات المعرفية في الوطن العربي وتحقيق مطلب التنمية الإنسانية الشاملة.
  

   وإذا كانت فصول التقرير اللاحقة سترصد الأبعاد الكمية والنوعية لأهم مرتكزات المعرفة، فإن مهمة هذا الفصل تتحدد في البناء النظري للأداء المعرفي العربي إضافة إلى تركيبه لجوانب من المرجعيات الفكرية المؤطرة له، بهدف منحها الدلالات النظرية المساعدة في عمليات امتلاك مفاتيح مجتمع المعرفة، ما يساعد في تطوير المجال المعرفي العربي، ويدعم مبدأ التواصل الإيجابي مع مكاسب المعرفة في عصرنا.
ثلاثية المعرفة والتنمية والحرية
  

   منطلقان اثنان يشكلان رافعتين مركزيتين في تقرير المعرفة العربي ويوجهان مختلف فصوله، سواء منها هذا الفصل الذي يتناول بالبحث المفاهيم والمرجعيات والإشكالات أو الفصل الثاني الذي يخوض في البيئة التمكينية، وكذلك باقي الفصول التي اعتنت بأهم مرتكزات وتجليات مجتمع المعرفة، ويتحدد المنطلق الأول، في تصورنا من العلاقة التي تفترض بين ثلاثية المعرفة والتنمية والحرية.
 

    فعندما نتحدث عن علاقة التنمية الإنسانية بالمعرفة، نكون قد استحضرنا الجانب الغائي الذي يجعل المعرفة في خدمة التنمية، وعندما نتحدث عن الحرية نكون بصدد التفكير في الأطر الاجتماعية والسياسية المساعدة في عملية العناية بالمعرفة والإبداع بحكم التفاعل الخلاق القائم بين توسيع فضاءات الحرية وبناء المعرفة.
   

  أما المنطلق الثاني، فترسمه العلاقة بين مطلب التنمية وبناء مجتمع المعرفة، حيث أصبح من المؤكد اليوم أن تجليات المعرفة اتجهت لتفعيل الجهود التنموية المجتمعية، بما فيها الجهود الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الرامية إلى مغالبة النواقص التي تحد من إمكانية توسيع وتعميم الرفاه البشري.
    إن المعرفة حق إنساني، وهي طريق يروم تذليل العديد من الصعوبات والعقبات التي تعترض طريق الإنسان، إضافة إلى أنها تشكل اليوم ضرورة تنموية بالغة الأهمية، وتؤكد معطيات الحاضر في البلدان التي بلغت عتبات متقدمة في مجال امتلاك وحيازة المعرفة وتقنياتها أن التوظيف الناجع لمنتوج المعرفة، في جميع مجالات النشاط الاقتصادي والاجتماعي، يساهم بفعالية في توسيع خيارات الإنسان، وفي تحقيق المزيد من التحرر من أجل تحقيق التنمية الإنسانية الشاملة.

    

  ويجدر التأكيد هنا على أن التلازم والترابط بين المعرفة والتنمية لا ينبغي أن يفهم في إطار أي نوع من الحتمية الميكانيكية، بل ينبغي أن يتم استيعابه في إطار الجدل التاريخي الذي يقيم تفاعلات متشابكة بين هذه الأسس، ليتم تركيب تجليات وأقطاب مجتمع المعرفة انطلاقا منها، وذلك ما ستكشف عنه بوضوح محاور هذا الفصل.

 

حدود التشبع المعرفي
    تنتمي المفاهيم السائدة في أدبيات عصر المعلومات إلى فئتين: فئة المفاهيم المركزية التي تؤسس لقضاء هذا العصر، وهي ما تزال في طور التشكل والنضج النظريين، وفئة المفاهيم الوسيطة التي تدرج في باب إنتاج وإعادة إنتاج الخطاب حول المعرفة، وقد بلورت جهود المهتمين بمجتمع المعرفة مجموعة من المفاهيم الرامية إلى الإمساك بالتحول الحاصل في عوالم المعرفة الجديدة، لكن هذه المفاهيم لا تتمتع بالوضوح اللازم، وتتقاطع فيها الدلالات المختلفة، ما يؤدي إلى توسيع درجة الالتباس وتعميق الفجوة في عصر يحمل مكاسب في المعرفة لا يمكن الاستغناء عنها.
  

   وزاد من صعوبة المفردات جدتها وسرعة إيقاعها، لأن عمر معظمها لا يتعدى أربعة عقود ولم يتجاوز زمن تداولها ثلاثة عقود بعد، مما يفقدها التشبع المعرفي، حيث يغلب عليها الطابع الإجرائي ويصبح موضوع الاتفاق حول حدودها أمرا صعبا.
    من هنا، فإن الهدف من البناء المفاهيمي في عملنا يتمثل في البحث عن حدود التشبع المعرفي والوقوف، في الآن نفسه، على البعد الإجرائي الذي يقف وراء تكون المفاهيم، وذلك من أجل تحقيق حد أدنى من التوافق حول الدلالة المرسومة للمفهوم في الخطاب المعرفي المعاصر.

 

من المعرفة إلى مجتمع المعرفة
     تستخدم مفردة "معرفة" في الموروث اللغوي والثقافي العربيين، في عدة أوجه، وتحيل إلى أكثر من دلالة، فالمعرفة هي نقيض الجهل، حيث يطلق اسم "العارف" على من يتقن عملا يقوم به، وعندما تبلورت اختصاصات معرفية عديدة في الفكر العربي الإسلامي في العصور الوسطى، أصبح العارف (محصل المعرفة وحاملها) يشير إلى المختص في دقائق المعلومات في مجال معرفي بعينه. يستوعب الاستعمال العربي لمفردة "المعرفة" بعدا قيميا إيجابيا، بحكم أن نقيضها (الجهل) حامل لقيمة سلبية.
    

ويركب معجم "العين"، على سبيل المثال، مجموع الدلالات التي تشير إليها مادة (ع.ر.ف) وما طرأ عليها من تغير جراء علامات شكلها أو اشتقاقها، فالمعرفة تعني الظهور والكشف عن المستور، والمعروف هو "الواضح النظر"، حيث تستوعب كلمة "النظر" الرؤية والمعاينة، كما تستوعب الفكرة، وفي هذا السياق، تفيد مفردة المعرفة الانتقال من وضع إلى آخر، أي الانتقال من الجهل إلى العلم.
    

وفي تطور لاحق، اغتنت اللغة العربية بتفاعلها مع منتوج الفكر الإسلامي، الذي يعكس كثيرا من أوجه المثاقفة الحاصلة في أزمنة تنوع وازدهار الثقافة الإسلامية، وتقدم بعض المعاجم المختصة ما يبرز نوعيات التحول الذي طرأ على معاني مفردة المعرفة. ففي معظم "التعريفات" للجرجاني ما يوضح أن المعرفة هي "ما وضع ليدل على شيء بعينه"، أي أنها "إدراك الشيء على ما هو عليه"، والتحول في المعنى يتمثل في النزوع نحو دلالة الكلمة في مجال معرفي محدد، مثل النحو والفقه والمنطق والتصوف، حيث بدأت تتم عمليات التمييز بين المعرفة والعلم وبين العارف والعالم (الجرجاني، 1985).
    

وظلت كلمة "المعرفة" حاملة لدلالاتها القديمة الواردة في معاجم اللغة إلى حدود القرن العشرين، حيث اتسعت بعد ذلك في ضوء عمليات المثاقفة الثانية، التي عرفها الفكر العربي مع تيارات الفكر الأوروبي الحديث في عصر النهضة العربية، فأصبحت الكلمة تحيل إلى الإنتاج العقلي والفلسفي والبحث في مختلف العلوم والنظريات، غير أن هذه المفاهيم تطورت في العقدين الأخيرين تحت تأثير العديد من التغيرات والمستجدات في أسس المعرفة وقواعدها، بما في ذلك الأسس الفلسفية والعلمية والثقافية، وانتقالها من الاقتصار على النخب إلى كونها أصبحت حقا لجميع أفراد المجتمعات ومتطلبا للتنمية الإنسانية، علاوة على توافر الآليات والسبل التي تتيح للمعرفة القيام بهذه الأدوار، كما هو الحال في ثورات تقنية المعلومات، ففي إطار التحولات السائدة في عصر المعرفة بامتياز، بدأت تتم عملية تغير جذري في الدلالة، ومنحت مفردات ومعاني جديدة ومختلفة عن دلالاتها الواردة في الموروث الثقافي العربي، ما يشير إلى حدوث تطور واضح ربما يرقى إلى حد الاختلاف بين مفردة المعرفة في الموروث العربي الإسلامي، والدلالات التي يحملها اليوم المفهوم المركب لـ "مجتمع المعرفة".
   

لقد استعملت مفردة المعرفة في الموروث اللغوي والفكري العربي لتشير إلى الحصول الرمزي والبحث العقلي ومختلف الخطابات، وسمي أهل المعرفة بالصفوة أو النخبة، أي القلة الحاملة لكفاءات استثنائية في النظر والتأمل، إلا أن الثورة المعرفية التي حصلت في نهاية القرن العشرين، خصوصا في مجال تقانات المعلومات، نقلت المجتمع الإنساني إلى عتبة عصر جديد، أصبحت فيه المعرفة محصلة مزج بين تقانات عالية، وخبرة إنسانية متطورة، وتولد عن ذلك انقلاب في كثافة ووفرة المعرفة، وفي توسع الأدوار الاقتصادية والاجتماعية والترفيهية الجديدة التي توفرها مجالات وعوالم الإنتاج المتنوعة الصانعة لمجتمع المعرفة.
المعرفة وآلية التأويل
    

يرد مفهوم مجتمع المعرفة في الاستعمالات المعاصرة مرادفا لمجموعة من الكلمات التي لا يمكن الحديث عن تكافؤها النظري أو الوظيفي، بل إنه يشير إلى صعوبات عديدة يتداخل فيها منطق التسمية بآليات التأويل المتنوعة.
    

إن ارتباط مجتمع المعرفة بمفاهيم واسعة الانتشار، كمجتمع المعلومات والاقتصاد المعرفي والمجتمع الشبكي والمجتمع الرقمي ومجتمع المعلومات ومجتمع التكنولوجيا، لا يجعلنا أمام شيء واحد، كما ان الانشطار الذي توحي به المرادفات، يعكس غياب عملية "التشبع المعرفي" للمفهوم المركزي، لنجد انفسنا امام مفاهيم تنشأ جنباً الى جنب بدلالات تحمل في أغلبها ايحاءات تربطها صلة ما بمفهوم مجتمع المعرفة.
  

  تختلف ايحاءات مفردة "المعرفة" في مجتمع المعرفة عن دلالاتها في اقتصاد المعرفة، وفي تقانات المعلومات. كما ان مفردة المعلومات لا تكافئ مفردة المعرفة نظرياً، ففي المعرفة ما يتجاوز الحصر الكمي للمعلومات والبيانات، وفي المعلومات ما يقع في قعر مفهوم المعرفة، عندما تتم عمليات ردها الى كم المعارف المستوعبة في الانفجار المعلوماتي الذي يصنع الملامح الكبرى في المشهد المعرفي الانساني في صوره الجديدة التي تؤسس اليوم لعالم جديد ومجتمع جديد.
    

وقد لا تكفي صعوبة التسميات وعدم تكافؤ المرادفات لمعاينة ما نحن بصدد بنائه، فمرجعيات الباحثين في ميادين تخصصهم تتحكم بدورها في بناء التسميات. واذا كان المهندسون يرون انهم وراء ابداع التكنولوجيا الذكية، التي ازاحت المثقف التقليدي من الفضاء المعرفي الجديد، ليحتل مكانه المهندس الاعلامي والتقني المتخصص، فإن الاقتصاديين يرون ان اقتصاد المعرفة يعبر عن التحولات الكبرى في العصر، ويدرجون المفهوم في سياق حديثهم عن معالم اقتصادات ما بعد المجتمع الصناعي. بالمقابل، يلجأ علماء الاجتماع لتأطير مجتمع المعرفة ضمن مواصفات عصر ما بعد الحداثة، حيث تتشكل الملامح الكبرى لهذا المجتمع في اطار منظومة جديدة من التصورات والابتكارات التقنية الدقيقة، المولدة لعالم مركب.
  

   بناء على ما سبق، نتبين الاختلاف الكبير بين مفردة المعرفة في الموروث اللغوي العربي ومفهوم المعرفة في مجتمع المعرفة المعاصر، وربما لا توجد ايضاً علاقة بين المعرفة في مجتمع المعرفة ونظرية المعرفة في تاريخ الفلسفة. فالعالم يقف اليوم امام دلالات جديدة تسندها ثورة المعلومات وتقنيات الاتصال والهندسة الوراثية، الى جانب الرياضيات وعلوم الاجتماع والانثربولوجيا والاقتصاد واللغة. وهذا الامر لا علاقة له بالنظرة التي تكتفي بتسليع المعرفة، مغفلةً تعقد دلالتها المركبة.
    

وقبل بنائنا لتعريف إجرائي منسجم مع تصورنا لمكونات تقرير المعرفة، سنحاول تجاوز الارتباك الحاصل في دلالة التسمية باختزال المسألة في اقطاب كبرى تساعدنا على الاقتراب بصورة افضل من موضوعنا. ذلك ان التداخل والاختلاط الحاصلين في دلالة مفهوم مجتمع المعرفة اليوم يدفعان الى بناء مخرج يقدم التفكير في الموضوع ويسعفنا في التواصل مع منجزات عصرنا.
أقطاب مجتمع المعرفة: ثلاثية المجتمع والاقتصاد والتكنولوجيا
    

ننطلق هنا من اعتبار أن مفاهيم المعرفة ومجتمع المعرفة ما تزال، كما بينا، في طور التشكل وهي تعرف في مطلع الألفية الجديدة لحظة من لحظات الاستواء التي تعرفها المفاهيم عادة اثناء صيرورة تولدها، او انتقالها من مجال معرفي الى آخر. ويستدعي ذلك التزام الحذر في إطلاقها واستعمالها، من اجل تحقيق التواصل والحوار المنتجين بشأن محتواها. الا ان تنوع المرادفات يظهر وجود ثلاثة حدود كبرى متقاطعة مع صلب المفهوم، وهي التكنولوجيا والاقتصاد والمجتمع، حيث امام تكنولوجيا المعرفة، واقتصاد المعرفة ومجتمع المعرفة (وولتون، بالفرنسية، 1997). ونشير هنا الى انه ليس هناك جدال في أهمية تقنية المعلومات في مجتمع المعرفة، مثلما لا يقلل احد من اهمية الدور الذي تلعبه في بلورة المفهوم ذاته. وهناك اجماع ايضاً في بلورة المفهوم ذاته. وهناك اجماع ايضاً في التحول الذي تمارسه تقنيات المعرفة في الاقتصادات والمجتمعات الجديدة، ومعنى هذا أن التقنية والاقتصاد والاجتماع تُعد في مختلف تجلياتها المعاصرة عناصر قاعدية في فهم مجتمع المعرفة.
   

  يتأسس العصر الجديد داخل دائرة هذه الاقطاب، بكل ما يحمله من آفاق وآمال، في توسيع دائرة خيارات الإنسان في الحياة. وفي هذا الإطار، لا ينبغي أن نغفل أيضاً الدلالة الطوباوية التي يحملها المفهوم، فالحديث عن مجتمع المعرفة هو أساساً حديث عن أفق تاريخي مفتوح وفي طور التشكل (بريتون، بالفرنسية، 1997) و(نور الدين أفاية، ورقة خلفية للتقرير). وتشير مفردة المعرفة ايضاً الى محصلة الجمع بين المعلومات والخبرة والقدرة على الحُكم، وهذه المحصلة تتيح بناء المعرفة، وتفتح آفاقاً لا محدودة في مزيد من سيطرة الانسان على الطبيعة، وذلك بامتلاك موارد وأنظمة في مجال العمل والمعرفة والإنتاج. على أن أكثر المجتمعات اقتراباً من الملامح الكبرى لمجتمع المعرفة هي المجتمعات الرائدة في مجال تقنية المعلومات وتطوير أنظمة التعليم المبدعة للابتكار والاختراعات في جامعاتها ومراكز بحوثها، علاوة على توافرها على بيئة تمكينية ومؤسسات وقوانين وقاعدة صلبة من الحريات الفردية والسياسية المحفزة على الإنتاج واستخدام المعرفة.
     

لقد أدت التحولات التي عرفتها المجتمعات الإنسانية في نهاية القرن الماضي، نتيجة للعديد من التغيرات في محتوى وآليات مجتمع المعرفة كما هو الحال في ثورة تقنية المعلومات، الى ضرورة إعادة تنظيم المجتمع والاقتصاد. وترتب على ذلك انقطاعات عديدة في مختلف مجالات الحياة. فالنماذج المعرفية والآليات التطبيقية التي كانت تتحكم في الظواهر داخل المجتمع لم تعد مناسبة للتحولات البنيوية التي أفرزتها هذه الثورة. ولم تعد مفردات الاقتصاد والمجتمع والثقافة والتعليم والاعلام تفهم بمنطق القرن التاسع عشر والنصف الاول من القرن العشرين، بل اصبحت تتطلب مقاربة جديدة بآليات مبتكرة، بهدف الاستجابة لمتطلبات عصر جديد. وضمن هذا الأفق، تبلورت اقتصادات جديدة، ووسائط جديدة في الاتصال، وقواعد جديدة في العمل والنظر والتعامل، ولم يعد مطلوباً القيام بالفعل الصحيح فقط، بل اصبح المطلوب ايضاً القيام بالفعل بصورة صحيحة.
  

   لقد اصبحت التقانة مظهراً من مظاهر الوجود، واصبح عصرنا فعلاً "عصر التقانة". وهيمنت طرق المعلومات السيارة والسريعة، وتحولت الى اسواق الكترونية تنتج وتوزع السلع والخدمات بصورة لا نهائية. وساهمت العولمة باقتصاداتها الجديدة في تحويل الانسان الى كائن مستهلك. وقد ترك هذا الفعل المركب المتمثل في اقتصاد المعلومات والمعرفة، التي وفرتها تقانات المعلومات، آثاره الفعلية في الذهنيات والسلوكيات.
  

   تتقاطع في مجتمع المعرفة، كما ابرزنا، التكنولوجيا والاقتصاد والمجتمع، بشكل تفاعلي تحتضنه بيئة تمكينية تهيئ له المؤسسات والتشريعات. وهو يقوم على الحرية والتواصل والانفتاح. وان كان مجتمع المعرفة يتأسس ويتطور في ضوء المتغير التكنولوجي، فإنه يبني، في الوقت نفسه، الملامح الكبرى للاقتصاد الجديد، الذي تتحكم فيه شبكات المؤسسات العابرة للقارات، والمولدة للمنافع والخدمات الجديدة المستفيدة من الخبرة والذكاء الإنسانيين. كما تفتح له ابواب العولمة القادرة على بناء اسواق جديدة، في عالم تسقط فيه يومياً ملامح الحدود المرئية وغير المرئية.
 

    اما الضلع الآخر لمثلث مجتمع المعرفة، فيتمثل في المستهلك الجديد داخل المجتمع، الذي يتميز بأنماط سلوكية جديدة، وأنماط ثقافية وتواصلية متعولمة، مما يولد ظواهر جديدة على النحو الموضح في الشكل (1-1)، الذي تتم فيه مقارنة بين الأقطاب المذكورة بالصورة التي تتيح لنا تشخصياً يتوخى الإحاطة بكثير من مظاهر التحول الجارية.
  

ليست العناصر المستخدمة في هذا الشكل البياني معطيات تامة.    إنها عبارة عن مساع في بلورة جوانب من ظواهر في طور التشكل والانتقال من المجتمع الصناعي الى مجتمع المعرفة. انها محاولة لمعاينة ما يجري في عالم متغير. ومع ان المجتمعات العربية ليست مجتمعات صناعية، وعلى الرغم من فجوة المعرفة القائمة بين البلدان العربية والعالم المتقدم، فإن العرب جزء من هذا العالم الذي يطمح الى المزيد من التوجه نحو تملك المعرفة العلمية والتقانة.
   

  وتتيح معطيات الشكل السابق التقدم في الإحاطة بدلالة المفهوم المكون من ثلاثية التقانة والاقتصاد والمعرفة. ذلك ان للتقانة حدودها، مع انه لا حدود للإبداع، وللاقتصاد فضاءاته، مع ان فضاءات الاقتصادات الجديدة تنشأ خارج الأمكنة وخارج الحدود. ومع ذلك، فإن مفردة مجتمع المعرفة تتجاوز الانفتاحات المستوعبة في المفردتين السابقتين، لتستقر في المجتمع وفي الذهن القادر على بنائها وتطويرها.
    

  وفي معرض الحديث عن هذه الأقطاب، ينبغي التشديد على خاصية التفاعل، وليس المحاذاة او التجاوز. فالتفاعل يجعلنا امام عمليات مخصبة، وهو يضيق المسافات وينتج صوراً من التداخل يصعب فيها الفرز او العزل الا عندما يكون ذلك لأسباب منهجية مؤقتة وعارضة.
مجتمع الشبكات وعصر المعلومات
     

نجد من المرادفات القوية لمفهوم مجتمع المعرفة مفهوم المجتمع الشبكي، الذي ولد بدوره مترادفات عديدة مثل المجتمع الرقمي والفجوة الرقمية. وقد صدرت في نهاية القرن الماضي أطروحة مهمة في ثلاثة مجلدات لمانويل كاستلز بعنوان "مجتمع الشبكات، عصر المعلومات". ويتمتع هذا العمل الضخم بكثير من الجرأة والقوة والإبداع، حيث يقف على العديد من الجوانب المركبة لروح عصرنا. فهو يرى أن السمة الرقمية لمجتمع المعرفة تثير قضايا متعددة. فهي تعد الخاصية الأكثر إثارة في ثورة المعلومات، بحكم السهولة التي اصبحت تستعمل بها الأدوات والتقنيات والبرمجيات في أنظمة الإنتاج. غير أن هذه السهولة تؤدي، في الآن نفسه، الى نتائج وإشكالات تعد من صميم الانتقال الى نظام التقنيات الدقيقة والعالية في مجتمع المعرفة. وقد اوضح تقرير اليونسكو نحو مجتمعات المعرفة هذه المسألة باستعارة دالة، مشيراً الى ان صعوبة إيجاد المعلومة المناسبة في عصر المعلومات تعادل "صعوبة شرب الماء من المضخة المستعملة في إطفاء الحريق. فالماء غزير، لكن حذار من الغرق".(اليونسكو بالفرنسية، 2005)
    

ويقف كاستلز في المجلد الثاني من اطروحته "قوة الهوية" (كاستلز، بالفرنسية، 1999) امام مجتمع الشبكات ليوضح ان عصر المعلومات محكوم وموجه بقطبين مركزيين: قطب الشبكة، وقطب الذات الفاعلة. ذلك ان مفهوم الشبكة لا يشير الى شبكة بعينها، بل الى شبكات متعددة تتحكم في مصادر الثورة والثروة والمعلومة المسلحة بالتكنولوجيا الرقمية. ان الشبكة هي: "البنية الاجتماعية الجديدة لعصر المعلومات، عصر المجتمع الشبكي المكون من شبكات الإنتاج والقوة والتجربة، حيث تقوم هذه الشبكات بدورها في بناء ثقافة افتراضية في اطار التدفقات المعولمة، متجاوزة بذلك مفهومي الزمان والمكان. فقد حصل في عصرنا هذا اختراق لكل المجتمعات بالفعل الجارف للمجتمع الشبكي". ومقابل التشبيك المتعولم، الذي يعد الظاهرة الأبرز في مجتمع المعرفة، تقف "الذات"، التي يشير الى الهويات الفردية والجماعة (الفرد والمواطن والانسان والجماعة) الهادفة الى المحافظة على حياتها، في خضم التحولات المعرفية الكاسحة. وينتج هذا التناقض بين "الشبكة والذات" صورا جديدة من الصراع الاجتماعي، أبرزها الطابع المعرفي لهذا الصراع. فبدلا من الصراع الطبقي تصبح البشرية امام صراع تلعب فيه الشبكات، بقواعدها الرمزية المتعددة، دورا بارزا في تأجيج وترتيب ملامحه الكبرى. ومن هنا تأكيد كاستلز على الادوار التي تمارسها الحركات الاجتماعية والثقافية الجديدة، مثل حركة الطلبة والنساء، وحركة السلام، والحركات البيئية، ففي مختلف هذه الحركات، كما في انهيار المعسكر الاشتراكي، وتداعياته المتواصلة، وكذلك تراجع رمزية النظام الأبوي في الاسرة وداخل المجتمع، ما يندرج ضمن التناقضات التي فجرها عصر المعلومات.
   

   تتمثل اهمية مفهوم المجتمع الشبكي في هذا المنظور في محورين: المحور الاجتماعي والمحور المعلوماتي. ولأن كاستلز معني بإبراز دور المعلومات في عصرنا، فإن نموذج العالم الجديد هو النموذج المعلوماتي، باعتباره محصلة للنظم التقنية والنماذج البيولوجية في تعقدها. ويعني ذلك ان الشبكة عبارة عن فعل مركب، انها تشبه خريطة الجينوم البشري المسنود معرفيا بفعل معطيات رياضية متطورة ودقيقة جدا. والقبول بمفهوم الشبكة يعني ان تكون التكنولوجيا وتقانة المعلومات بالذات وراء التنظيم الاجتماعي، وتصبح الرأسمالية المعلرماتية، بتعبيرات كاستلز، هي البديل لما كان يسميه ماركس في القرن التاسع عشر بـ "الرأسمالية الصناعية".
  

   أما شبكة الإنترنت، فقد أصبحت أول أداة وسائطية في الإعلام الدولي، بل انها اصبحت قادرة على عولمة العالم (كاستلز، بالفرنسية، 2002). وقد ساهمت في زعزعة كل أدوات الاتصال، واعادت بناء معمارها وصيغ استعمالها وأنماط إنتاجها، مثلما غيرت عادات العمل وممارسة السلطة والسيطرة.
     تتميز أفعال الإنترنت بكونها تشكل اليوم اضخم سجل للمعلومات المرجعية في مختلف مجالات المعرفة، اضافة الى أن شبكاتها توفر إمكانات تفاعلية داخل أنسجة المجتمع من خلال آليات رقمية سريعة. 
 

   ويترتب على ذلك أن "المكان" اصبح في مجتمع الشبكات عبارة عن "تدفقات"، إنه ليس مكانا فيزيقيا.
     ان تدفقات رؤوس الاموال، وفيض المعلومات لا علاقة لهما اليوم بمكان بعينه، انهما في اللامكان المرادف لكل مكان. كما اصبح "الزمان"، حسب كاستلز، هو "اللازمان"، اذ لم يعد موصولا بالساعة المرتبطة بدورها بعصر الصناعة، انه في مجتمع الشبكات عبارة عن آنية تسمح لنا بالحضور في أمكنة عديدة في الآن نفسه.

 

قوة المعرفة
     ان "قوة المعرفة" ويمكن ان اقول : المعرفة القوية - هي الواقعة الاولى التي يلقيها الينا عصرنا الحالي , ولست ابتدع بهذه القضية كشفا جديدا "فكلنا يعلم ان التحول من المعرفة , بما هي تأمل - على النهج اليوناني - الى المعرفة بما هي قدرة "  مع جابر بن حيان وبيكون والغرب الحديث, ليس بالامر الجديد . وكلنا يعلم ان التكنولوجيا الحديثة والمعاصرة هي الثمرة المباشرة العظمى لهذا الفهم . من الضروري ان نستحضر هنا ان المعرفة ليست تكديسا للكشوف العلمية , وانما هي "قبل اي شيء اخر منهج يطال قواعد النظر الى جملة معطيات العالم" : "الانسان والطبيعة والمجتمع والقيم والمبدعات والمصنوعات" , وان للمعرفة آلاتها النقدية والمنهجية الصارمة وان طابعها الاداتي او الذرائعي لا يتعلق اليوم بالوجوه التطبيقية او التقنية فحسب, وانما يشمل ايضا جملة انشطة الانسان والمجتمع والدولة حتى اذا توافرت  ( المعرفة العلمية ) بذلك كله أمكن التحول للفعل, اي ان المعرفة تصبح (اداة) لـ (سياسة) الانسان والمجتمع والدولة . وما نسميه بـ "العلوم الانسانية" وبـ "العلوم الاجتماعية" يتوخى ادراك هذه المقاصد على وجه التحديد. فليس ثمة اليوم من ينشد "هذه المعرفة لذاتها, اي للتمتع بسحرها وغرابتها او كشوفها او جمالها ", وانما نحن في الغالب الاعم نطلب ذلك من اجل (الفعل) . والعلوم اللغوية والفنون الادبية نفسها تهدف في نهاية  المطاف الى التواصل الانساني او المتعة  , وما يسميه سبينوزا بـ "فرح المعرفة" لا يخرج عن هذه المقاصد ايضا  .
  

  وتتجلى قوة المعرفة, اليوم في شتى الاشكال وبوجه اخص في القطاع التقني , حيث يتكشف قصورنا وضعفنا وبؤسنا اذا كنا عاجزين عن انتاج المعرفة التقنية, وقد لا يتهيأ لنا ذلك في المدى المنظور , ومشاركتنا في ذلك لا تتم الان الا في اطار الفضاء المنتج لها , اي في ثنايا (الغرب الاوروبي) او (الغرب الاميركي ) لكن ليس ثمة ما يحول دون ان نكون منتجين لـ (المعرفة الانسانية والاجتماعية ) نوجه بحوثنا الى قضايا الانسان وقيمه والمجتمع وقيمه والدولة ومبادئها في فضاءاتنا الوطنية, فنعالجها وفق مناهج علمية عقلانية, ونفيد منها في عملية اعادة تشكيل الانسان والمجتمع والدولة , فنضفي بذلك على المعرفة قوة ليست لها الان على وجه الحقيقة .

 

المصدر : فهمي جدعان , 2002 , رياح العصر - المؤسسة العربية للدراسات والنشر , بيروت ص 14 - 15 – 16

منقول عن صحيفة الغد الأردنية
 بتاريخ:1/11/2009

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.