wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
تقرير المعرفة العربي 2009/2
الأحد, December 8, 2013 - 23:15

نحو بناء خطاب أكثر وفاء لقيم العقل والعدل والتوازن (2)

     يمثل تقرير المعرفة للعام 2009 الذي جاء تحت شعار "نحو تواصل معرفي منتج" خلاصة جهد مشترك لتحليل أوضاع المعرفة في العالم العربي، باعتبارها أداة رئيسية للتنمية الإنسانية والنهضة والتقدم. 
     ويتسع مفهوم المعرفة، في التقرير الذي أطلق في مدينة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة أواخر تشرين الأول (اكتوبر) الماضي، ليغطي مجمل المخزون المعرفي والثقافي بوصفه ناظما رئيسيا لمجمل النشاطات الإنسانية التنموية الرامية إلى توسيع خيارات وفرص تقدم الإنسان العربي وحريته وعيشه الكريم. 
     ويأمل التقرير، الذي أطلقته مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي/ المكتب الإقليمي للدول العربية، إلى جعل المعرفة (انتسابا وإنتاجا وتوطينا وتوظيفا) أداة وغاية للمجتمع ككل تصل إلى مختلف الشرائح على قدم المساواة.

 

  ويتصدى التقرير الذي تنشر "الغد"، على نحو حصري، فصوله كاملة على حلقات يومية، لمعاينة الملامح العامة والمكونات الرئيسية لمجتمع واقتصاد المعرفة، علاوة على رصد الفجوة المعرفية التي تفصل المنطقة العربية عن العالم، وتبيان العديد من أوجه القصور في المجالات المعرفية الرئيسية، مع التركيز على الحريات كمتطلب أساسي لإقامة مجتمع المعرفة، والتأكيد على التلازم بين ثلاثية التنمية والحرية والمعرفة، من منطلق الحق في المعرفة.
   ويعتبر التقرير إيصال معرفة ونشرها مسؤولية مجتمعية. ومن هنا نبعت رغبة “الغد” في الإسهام بهذا الجهد من أجل مواصلة دورها التنويري الذي يستند إلى أن النهوض بالأداء المعرفي يشكل مدخلا لإصلاح الوضع التنموي العربي، ويحفز على ولوج بوابة النهضة والتقدم الحضاري. 

   ومن المؤكد أنه يصعب علينا كثيراً الاقتراب من عمليات التنمية من دون كسر الضغوط على الحريات التي ينظر إليها التقرير باعتبارها حزمة شاملة لا تتجزأ، وأنها دعامة مركزية للنهوض بالأداء المعرفي في العالم العربي الذي ما يزال أغلبه يعاني من الأمية المعرفية والرقمية.

 

ويعد هذا التقرير أداة مثالية لصنّاع السياسة العرب للعمل على خلق مجتمع المعرفة الذي يعزز القدرة على المنافسة على الصعيد العالمي، لا سيما وأن 70 بالمائة من السكان العرب تحت سن الثلاثين، ما يشكل طاقة كبيرة وثروة حقيقية للدول العربية التي يتعين عليها توفير 200 مليون فرصة عمل للشباب العربي بحلول العام 2020، ولا يمكن تحقيق هذا الإنجاز من دون العمل لتحسين جودة التعليم وربطه بمتطلبات سوق العمل. 
 

  

وثمة من يقيم تماثلا بين وضع المستوى المعرفي للدول العربية الآن، مع وضع الدول الأوروبية غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث لم يكن أمامها إلا التعاون الذي أدى إلى مزيد من التكامل، وأسهم بدوره في تعزيز سائر القطاعات الأخرى. 
     تبنى تقرير اليونسكو الصادر سنة 2005 مفهوم مجتمع المعرفة، واستعمله بصيغة الجمع "مجتمعات المعرفة"، معتبرا انه الاكثر مطابقة للتحولات الجارية في عالم يشكل البعد التكنولوجي فيه حجر الزاوية، كما يشكل الاقتصاد الجديد وشبكات الاتصال المظهرين المركزيين في بنيته العامة، وفي ما يفرزه من مظاهر وتجليات تنعكس بدورها على واقع الانسان، وتضع البشرية أمام تحديات جديدة وأسئلة مختلفة. ومن هنا تبرز اهمية توسيع الدلالات للاحاطة بمجمل التغيرات والتحديات المجتمعية المتأثرة بهذه النظرة الجديدة، ان لم نقل هذا العالم الجديد.
 

    إن أهمية توسيع دلالات مفردة المعرفة في مفهوم مجتمع المعرفة، يقتضي ان لا يظل المفهوم مقتصرا على البعدين العلمي والتقاني، كما هو واضح في مرتكزات ومؤشرات اقتصاد المعرفة الدارجة في بعض الادبيات كتقارير البنك الدولي. صحيح ان المعرفة العلمية مهمة، الا ان المجال المعرفي ارحب من ذلك. ولهذا السبب، فإن توسيع الدلالة يعد امرا مطلوبا، وهو يستدعي بناء منظور ارحب للمعرفة الانسانية، منظور يدرجها في باب المعرفة المتكاملة، التي لا تغفل الانسانيات ومختلف العلوم الاخرى في الجماليات والقيم والفنون، بل وفي مختلف تجليات المنتوج الرمزي الصانع لحكمة الانسان، ولقدراته اللامتناهية في الابتكار، وفي الانتاج المادي والرمزي.

    تمنح عملية توسيع الدلالات مفهوم مجتمع المعرفة كفاءة اكبر في الاحاطة بجوانب عديدة من الفاعلية النظرية للانسان التي لم يعد احد يجادل في ترابط وتفاعل ادوارها، حيث تعادل قدرة التعقل كفاءة التخيل، وحيث يصبح التركيب المعرفي فعلا مستوعبا لمحصلة الجهد الانساني في الفهم وفي الابداع (اليونسكو، بالفرنسية، 2005)، ان ما يدعم ارادة التوسيع هو نزوع تقارير بعض المنظمات الدولية الى تغليب معطيات معرفية تتعلق بمجتمعات معينة. فالفحص النقدي للمرتكزات والمؤشرات، التي بلورها البنك الدولي، في موضوع مجتمع المعرفة واقتصادات المعرفة على سبيل المثال، يكشف ان وحدة التحليل في التقارير المذكورة تعتمد معطيات الغرب الاوروبي والولايات المتحدة الاميركية. فكيف يمكن نقل المفردات وتعميمها على نماذج مجتمعية اخرى لم ترد في لحظات البحث وبناء المفردات؟ بل كيف يمكن انجاز اصلاحات اقتصادية أو اصلاحات في البيئة التمكينية لمجتمع المعرفة، دون تشخيص دقيق لصور التراكم المعرفي والفجوات المعرفية المرتبطة بالواقع العربي؟
  

   إن مجتمع المعرفة، الذي تكتفي بعض التسميات بنعته بـ"المجتمع الرقمي"، هو مشروع مجتمع، وهو أكبر من أدواته وأكبر من الشبكات. يضاف الى ذلك أن أوضاع المعرفة العربية بفجواتها المتعددة، تدعونا الى بلورة تصور يساعدنا على تهيئة المداخل المناسبة لمقتضيات الاوضاع المعرفية العربية. وفي هذا السياق، نرى ان العناية المعرفية بالمشروع النهضوي العربي، وخصوصا في وجهه التنويري، تندرج ضمن توجهات هذا التقرير.
 

  إن الرؤية العربية لمجتمع المعرفة التي نتبناها في هذا التقرير تنحو منحى شموليا، فهي تنزع نحو بناء مجتمع تصبح فيه المعرفة محصلة للجمع بين تقانات المعلومات، والخبرة، والقدرة على الحكم من أجل ترشيد الموارد، واستخدام الوسائل المتاحة في اتجاه بلوغ النهضة وتملك مكاسب التنمية الانسانية. يتسع مفهوم المعرفة المعتمد في التقرير ليستوعب رؤية تربط المعرفة بالتنمية الانسانية، وهو منطق يروم توسيع خيارات وفرص تقدم الانسان العربي وتحقيق حريته وعيشه الكريم. وبذلك تصبح المعرفة -اكتسابا وإنتاجا وتوطينا وتوظيفا- اداة وغاية للمجتمع ككل، تصل الى جميع الشرائح على قدر المساواة، وفي جميع المجالات المعرفية، بما فيها العلمية والفنية والثقافية والتراثية والخبرات المجتمعية المتراكمة.
مرجعيات مجتمع المعرفة

 

     من الضرورة بمكان الكشف عن المرجعيات الفكرية والأسس الفلسفية للتقارير الدولية حول مجتمع المعرفة، باعتبار انها تؤسس لأهدافها ومؤشراتها واستراتيجيات العمل التي ترسمها. وإذا كانت هذه التقارير تصدر في الغالب بلغة محايدة، وتستند إلى الطرق الكمية، وتحرص في المقاربة على الاستفادة من تجارب اجيال من الخبراء والباحثين المتمرسين ببناء المعطيات، الا ان كل هذا لا يمنحها الطابع الموضوعي والمحايد، بحكم صعوبة الحياد في مقاربة اشكالات التحول الجارية في العالم. ولا تعني هذه الملاحظة التشكيك في القيمة العلمية والعملية للتقارير الدولية أو التحفظ على نتائجها ومقارباتها، بل انها تتوخى، أساسا، إلقاء الضوء على "نسبية" نتائجها وخلاصاتها في زمن تزايدت فيه الصلات بين الدول والمجتمعات، وتزايدت فيه اسئلة العيش المشترك، من اجل بناء فضاء انساني أكثر إنسانية وأكثر تعاونا.
  

   إن الغرض من فهم النظام المرجعي لهذه التقارير والابحاث، هو استيعاب رسالتها التي لا تبدو واضحة كل الوضوح، اضافة إلى اننا نريد الاستفادة من معطياتها في ضوء اسئلتنا وتوجهاتنا الرامية إلى تملك ما يسعفنا بالانخراط في مجتمع المعرفة. ان تقرير البنك الدولي عن مجتمع المعرفة لسنة 2002 واقتصادات المعرفة لسنة 2007، وتقرير اليونسكو "نحو مجتمعات المعرفة" 2005، وكذلك تقرير التنمية الانسانية العربية لسنة 2003، والتقارير الاخرى التي صدرت خلال التسعينيات في موضوع المعرفة والتنمية، تستعمل مفاتيح نظرية، وتوظف مرجعيات فلسفية بعينها وتنطلق من منهجيات محددة، وتستند إلى بيانات ومؤشرات متقاربة، في مواجهة موضوع الاداء المعرفي في عصرنا.
 

    يمكن ان نقرأ مقدمات وخلاصات وبرامج عمل التقارير التي صدرت في موضوع مجتمع المعرفة، سواء من طرف البنك الدولي أو الامم المتحدة ومؤسساتها المعنية بالتربية والثقافة والعلوم، بوصفها جهودا ترمي إلى تجاوز المأزق الذي ارتبط بقاموس التحليل الاقتصادي، وظل سائدا بعد نهاية الحرب الباردة. فقد بذلت جهود هامة من طرف باحثين وخبراء في بلورة مفردات جديدة تتجاوز التوقعات الايديولوجية، التي ظلت تصف احوال العالم الاقتصادية بمفاهيم الازمات التي ولدتها الرأسمالية في العالم. وقد اتخذ الجهد النظري في اعمالهم أبعادا متنوعة، تمثل ابرزها في بناء الموضوعات التي تشخص معضلات عالمنا، حيث بنيت اطروحات هامة في موضوعات متنوعة كالبيئة والنوع الاجتماعي والسلم العالمي، وقضايا الصحة والتغذية في العالم، وغير ذلك من الموضوعات التي كانت تبرز تحت مسميات اخرى، وأصبحت اليوم عنوانا لمجالات بحثية جديدة، في قضايا التنمية الانسانية الشاملة.
    وإذا كان من المؤكد ان هذه التقارير تندرج ضمن تقليد جديد في البحث والكتابة، فإن المواقف السلبية التي تتجه لرفضها كليا قد لا تكون مبررة. وهذه المواقف السياسية والايديولوجية الحادة في مواجهة هذه التقارير مواقف قبلية في الاغلب الاعم، وقد لا تكون مجدية لتحقيق مبدأ التواصل مع العالم ومؤسساته، وما يصدر عنها من تقارير. ولا يعني هذا مطلقا اغفال متطلبات الروح النقدية الملتزمة، التي تضع من بين اهدافها المساهمة في إغناء الحوار وتطوير الجدل وإثراء مقدمات ونتائج هذه التقارير، وذلك باستخدام المحلي والخصوصي في مقاربة مؤشرات وأدوات التحليل، وهو الامر الذي يساهم في تطوير المفاهيم وتنويع دلالتها.

    ضمن هذا الأفق الايجابي، يمكن التعامل مع التقارير الدولية حول مجتمع المعرفة، من اجل تعديل وتطوير المناهج والنتائج في ضوء الوضع الذاتي للاداء المعرفي العربي، والسعي العربي لتجسير فجوة المعرفة والولوج إلى عصر المعلومات. وتكشف المراجعة النقدية للتقارير الدولية حول مجتمع المعرفة انها تستوعب نظامين مرجعيين كبيرين على الاقل:

  1. نزعة وضعية يطغى فيها المنحى الكمي الذي يخل بشمولية الظواهر المبحوثة، اضافة إلى تسليمها بالحتمية التقنية للمسار التنموي والمعرفي، حيث لا يبقى هناك خيار آخر امام نتائجها وقراراتها. ويشكل هذا الموقف من انتصار التقانة وهيمنتها عنوانا لعصر ما يزال في طور التشكل.
  2. نزعة التحديث السياسي التي تستحضر أسس ومبادئ مواثيق حقوق الانسان الدولية، وهي تتسم بالاختزال وتتضمن كما كبيرا من التناقضات والمفارقات (رقية المصدق، ورقة خلفية للتقرير).

   ومن المهم، قبل توضيح تناقضات هذه المرجعيات، التأكيد أن الهدف من هذه المراجعة ليس التقليل من قيمة هذه التقارير، بل محاولة كشف محدوديتها، وإبراز نواقصها، وخصوصا في الجوانب التي لها علاقة بالمجتمع العربي، وذلك بهدف الارتقاء بالخطاب النظري العربي حول اقامة مجتمع المعرفة.

 

المنحنى الكمي 

  يحتفي المشهد المعرفي المعاصر بالنزعة الوضعية، في بعدها المنجذب نحو العلم والتقانة. وإذا كان من المؤكد ان هذه النزعة الوضعية تشكل امتدادا قويا لأفكار النهضة وفلسفة التنوير، فإن التطورات التي آلت اليها اوضاع الانسانية في العالم اليوم، تدعو إلى التحفظ على المسار العام لهذه النزعة وتوجهها المتفائل والواثق من نفسه في النظر إلى مسارات التاريخ، على الرغم مما اتسمت به هذه النزعة من تمكين للانسان في تعامله مع صعوبات الطبيعة والحياة. وأكثر ما يميز النزعة الوضعية في مقاربة الظواهر هو اللجوء إلى الطرق الكمية في بناء نماذجها في المعرفة. ومع ان هذه المقاربة تسمح بدراسة الظواهر بقدر مهم من الحياد والموضوعية، فإن نتائجها النهائية تدعو عادة للأخذ بخيارات فكرية مقررة سلفا. وتتمثل ابرز اوجه القصور، في النزعة الوضعية السائدة في ادبيات المؤسسات الدولية، في التركيز على البعد الاقتصادي وفي النظر إلى قيم التجربة الغربية كنموذج وحيد، ثم العمل على تحويل معطياتها إلى مؤشرات تقيس بناء عليها ما يجري في بقية العالم.

 

     لا يمكن للرؤية الموضوعية والتاريخية لمجتمع المعرفة ان تنحصر في الاكتفاء برصد علاقة المعرفة بالتقانة، والبحث في اقتصادات المعرفة. ففي الوضع الراهن للمعرفة، نفترض ان يكون البحث اكثر شمولية، وأن يتجه لمقاربة موضوع مجتمع المعرفة في ابعاده التي لا تغفل اهمية النقد في تركيب المعرفة وتحقيق مطلب الابداع، فإذا لم نتمكن من بناء معرفة مستندة إلى حس نقدي، سنظل نمارس عمليات في توصيف الظواهر وإحصائها، دون تشخيص العلل العميقة المتحكمة في الوضع المعرفي العربي (العربي الوافي، ورقة خلفية للتقرير).
    لا تشكك هذه الملاحظات النقدية في قيمة النموذج المعرفي الذي تبلور في جهود الباحثين والخبراء، الذين طوروا كثيرا من آليات دراسة الظواهر الجديدة، وعملوا على تشخصيها في كثير من جوانبها، لكن لا بد من الوعي بالابعاد الايديولوجية المستخدمة بكثير من النعومة في التقارير الدولية، والتي ندعو للحذر عند قراءة نتائجها وتوصياتها.
     فعلى سيبل المثال، تكشف مؤشرات مرتكز تقانة المعلومات والاتصالات التي طرحها البنك الدولي اننا امام منجز في التكميم لا يعير ادنى اهتمام لخلفيات المعطيات الكمية، بل يكتفي بحسابها قياسا إلى معيار السكان والدخل ومستوى الانفاق. وقد نبه بعض الدارسين إلى نواقص المؤشرات المذكورة واعتبر انها لا تولي اهتماما كافيا لثمرات المعرفة الاقتصادية والاجتماعية. كما انها لا تعنى بالجانب النوعي. فمؤشرات التعليم، على سبيل المثال، تركز على اعداد الطلاب الملتحقين بالتعليم ولا تتناول الجوانب الاخرى الأكثر صلة بالمعرفة، كنوعية التعليم المتوافرة من معلمين مؤهلين وأبنية ومختبرات علمية وما إلى ذلك.

  

  إن نماذج المؤشرات المذكورة اعلاه، بنزعتها الاجرائية التي تدعي الحياد، وبانحيازها لرؤية قائمة على نوع من الحتمية التكنولوجية، قد تكون مفيدة في المجتمعات التي تشكلت فيها. وقد تصبح ذات نجاعة محدودة خارج نطاقها التاريخي، لكن ذلك لا يعفي من اجراء التعديلات والاضافات بهدف تحويلها إلى مؤشرات مكافئة لوحدة تحليل جديدة تتعلق بوقائع جديدة كالواقع العربي.
    وهذا الاختيار يمنح الوسائل المنهجية طابعها الكوني، حيث يشكل امتحانها، في مجال بحثي مغاير، مناسبة لإعادة تركيبها أو ابداع بدائلها في ضوء مقتضيات جديدة. فالتقارير الصادرة عن المؤسسات الدولية لم تتخلص من النزعة الوضعية، والمؤشرات والمفاهيم المبتكرة فيها ليست مجرد أوعية لخزن كل شيء ولا شيء. كما ان فجوة المعرفة التي تقاس كميا لا تعفينا من تشخيص اكثر عمقا لحال الاداء المعرفي العربي. ذلك ان ما يحصل في مجال المعرفة في الوضع العربي يضاعف فجوة المعرفة بحكم ما هو سائد من مرجعيات في الثقافة والنظم السياسية العربية لا علاقة لها بما يجري في العالم من حولها. وهذا ما يجعل تحديات تجسير فجوة المعرفة في الوطن العربي مركبة ومضاعفة. فنحن، بالفعل، في أمسّ الحاجة إلى ردم الفجوة المعرفية القائمة، الا اننا في الوقت نفسه في حاجة ايضا إلى خلخلة سواكن معارفنا وثوابت قناعاتنا ومسلمات تصوراتنا، بالصورة التي تسعفنا في تجاوز المرجعيات المعرفية النصية والتقليدية، حيث تصبح امكانية توسيع دوائر البحث في المعرفة، في بعدها النقدي بالذات، وسيلة من وسائل توسيع خياراتنا في الحياة وإقامة مجتمع للمعرفة مطابق ومكافئ لطموحات مجتمعاتنا.

 

استحضار الحقوق الإنسانية
    تستند المرجعية الثانية التي تتحكم في بناء تقارير مجتمع المعرفة، كما برزت في نهاية القرن الماضي ومطلع الألفية الثالثة، إلى مقدمات التحديث السياسي، الداعم لكثير من التصورات السياسية الليبرالية والليبرالية الجديدة.
     تتضح هذه المرجعية عند مراجعة المبادئ الصادرة عن القمتين العالميتين لمجتمع المعلومات (جنيف 2003، تونس 2005)، وخصوصا في ارتباطها الوثيق بمفردات حقوق الانسان الواردة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان 1948، ومواثيق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي توالت في الصدور بعد ذلك سنة 1966 و1976. ويستخدم تقرير اليونسكو "نحو مجتمعات المعرفة" 2005، بصورة واضحة، الافق المرجعي نفسه، ويتجه إلى تعميقه من خلال دعوته إلى التمسك بمبدأ "الحق في المعرفة" ودفاعه عن مبدأي التسامح والتضامن.
     ويتم تأطير بعض بنود حقوق الانسان، في اطار الدفاع عن قيم الشفافية والاصلاح الديمقراطي كشرط من شروط تهيئة البيئة التمكينية للمعرفة، حيث يتحول الحق في المعرفة والحق في النفاذ إلى المعلومات وكذلك حق الاختلاف، إلى مسلمات لإقامة مجتمع المعرفة والنهوض بالاداء المعرفي (اليونسكو، بالفرنسية، 2005).
  

ومما يلفت النظر ان اعلانات المبادئ الملتزمة بالدفاع عن الحق في التنمية والمعرفة، والنفاذ إلى المعلومات، لا علاقة لها بما يجري في الواقع. انها عبارة عن اعلانات نوايا وآمال تستخدم لغة التضامن والتعاون ووحدة المصير (مركز اوروبا والعالم الثالث، بالفرنسية، 2007). وما يتحكم بما يجري من افعال في الواقع. هو منطق القوة والغلبة الذي ازداد صلابة بفعل تناقضات مجتمع المعرفة. وقوة مالكيها، بحيث اصبحت فجوة المعرفة ترادف الفقر والضعف والهامشية، ثم التبعية والرضوخ.

    وتتميز نزعة التحديث السياسي بقدرتها على ترسيخ قيم سياسية مرتبطة بالنموذج الليبرالي الجديد، وهي تلتقي بخيارات سياسية واستراتيجية داعمة لمصالح الاقوى، مصالح من يملك المعرفة ويوظفها في ادارة العالم. اضافة إلى ذلك، نلاحظ ان هذه النظرة "النيوليبرالية" لا تتردد في تركيب منحى برغماتي معلن في النتائج التي تنشئها التقارير. ويؤكد هذا الامر غياب التطابق بين اهداف السياسة الاقتصادية في اقتصاد المعرفة، والاهداف السياسية في المشروع السياسي الديمقراطي، باعتبار ان هذا الاخير يصبح عند تحققه هو الصانع والمرتب لشبكة المؤسسات والقوانين المتحكمة في العالم.
     لا يمكن ان نكتفي في رهان التنمية واقتصادات التنمية في الوطن العربي بمزايا "اليد الخفية" للسوق، وهي اليد التي تشكل الخيط الرابط في كثير من التقارير المهتمة بموضوع التنمية والمعرفة. ذلك ان اليد الخفية قد تقوم بعملها، ويمكن ان تقوم به عن طريق الخنق. والخنق هنا وفي مجال المعرفة بالذات، يمارس عملية ايقاف التدفق المانح للحياة، وخصوصا عندما ترتبط الحياة بالمعرفة.

 

    وتكشف الازمة المالية العالمية التي انطلقت مع نهايات عام 2008 ان الاختيارات المالية القائمة على اليد الخفية والانفتاح التام للسوق دون اي رقابة مجتمعية فاعلة تترك بالضرورة آثارها السلبية على مختلف البيئات التمكينية والاسواق القائمة، مما يكشف جوانب من المأزق الحاصل في الاختيارات التي تدار بها المؤسسات المالية العالمية. هناك، إذن، صعوبات لا حصر لها امام امكانية تجسير الفجوة المعرفية في الوطن العربي، لارتباطها الشديد بالمشاركة في امتلاك القوة. وذلك ما قد يجعل دعوات التضامن والتعاون والعمل المشترك في نهايات التقارير وبياناتها مجرد أقنعة لإخفاء جوانب القوة الفعلية، الصانعة للفجوات، والموسعة لها (مركز اوروبا والعالم الثالث بالفرنسية 2007). ولدى قراءة الفصل العاشر في تقرير اليونسكو 2005، الذي يتناول (تجديد الممارسة الديمقراطية في مجتمعات المعرفة)، وقبله الفصل التاسع الداعي إلى (التعددية اللغوية، وتعزيز التنوع الثقافي وتقاسم المعرفة)، يبدو اتساع المسافات الناشئة بين خطابات التقارير وواقع الحال في دول الجنوب بما فيها الدول العربية. كما يتضح سمك الجدران العازلة بين المعرفة والآليات الخارجة والصانعة لفجوة المعرفة وتواضع الاداء المعرفي العربي.
  

   لا يعني هذا اننا مطالبون بنسخ واستعارة قيم الآخرين، كما انه لا يعني التبعية والامتثال لإرادة القوة، ولا تقليد الغالب بالعبارة الخلدونية التي تشير بدقة الى ولع المغلوب بتقليد الغالب. بل ان ما نحن بصدد التفكير فيه يعني، أولا وقبل كل شيء استيعاب ما هو متاح اليوم للبشرية جمعاء (عبد الله العروي، 1996). ونقصد بذلك قيم المعرفة والعلم، وقواعد السياسة والاقتصاد والتدبير وفي هذا المجال بالذات نحن نعتبر ان الانفتاح على العالم يعني نوعا من الارادة الهادفة إلى انجاز نوع من التصالح مع الذات التاريخية ومع العالم، وبلوغ مرمى التنمية الانسانية الذي نتطلع اليه.
     كما يظهر ان معركة التحديث السياسي ما تزال جارية بصيغ عديدة، مثلما انه ما تزال درجات استيعاب قيم التنوير العقلانية متواصلة بصور عديدة في اغلب الدول العربية، وذلك من اجل بناء خطاب سياسي اكثر وفاء لقيم العقل والعدل والتوازن (كمال عبد اللطيف، 1997). وهي القيم المشتركة التي تسعى الانسانية جمعاء لإعادة تركيب قواعدها العامة، بروح تسلم بأهمية التعاقد والتوافق والتآزر في العلاقات الدولية، مع لزوم الاستفادة من المعطيات الجديدة لبروز مجتمع المعرفة. فبواسطة الادوات التي صنعت ثورة المعرفة يمكن تحويل اعلانات المبادئ والنوايا إلى افعال، والعمل، لا من اجل تحقيق التحديث السياسي في المجتمع العربي فحسب، بل لتحقيق التحديث السياسي المعزز بالتضامن والتعاون في العالم اجمع.

 

إشكالات مجتمع المعرفة
    يثير مجتمع المعرفة، بمكوناته وبرامجه كواقع في طور التشكل، كثيرا من الاشكالات النظرية والمسائل العملية التي تحتاج إلى بناء تصورات واتخاذ مواقف. وإذا كانت ثورة تقنية المعلومات قد ساهمت في التهيئة لميلاد اقتصادات جديدة، ورسمت حدود المعرفة في مجتمع جديد، توصف في الغالب بالثورة الناعمة، فإن النعومة هنا مجرد مظهر سطحي لأفعال تتجه لحفر اتجاهات جديدة في عالم يتعولم بإيقاع قوي. ان نعومة الرموز المستخدمة في ولوج عوالم الصورة والعولمة والاسواق وتدبيرها بأساليب جديدة، تدعو للانتباه إلى الاشكالات التي حصلت -والتي ستحصل- بفعل نعومة الفعل المؤسس لمجتمع جديد. ومن هنا، ينبغي النظر في هذه الاشكالات التي ترتبت على هذه الثورة، وخصوصا عندما نكون معنيين بها وبنتائجها، ومعنيين ايضا بضرورة الانخراط في مجتمع المعرفة والتواصل مع مكاسبه ومنجزاته.
   

لا ينبغي ان نؤجل مسألة معالجة الاشكالات التي يطرحها مجتمع المعرفة، المحلية منها والعالمية، بدعوى ان اغلب الدول العربية لم تلج هذا المجتمع بعد. فمهما كانت درجات تأهيل المنطقة العربية لتوطين مجتمع المعرفة، فإن الاهتمام بتداعيات هذا المجتمع تعتبر مسألة ملحة، فنحن معنيون بكل ما يجري في العالم، باعتبارنا طرفا فاعلا -حتى وإن كنا، كعرب مجرد فاعلين في الدرجة الثانية أو الثالثة وباعتبارنا في الوقت نفسه طرفا شاهدا على وقائع حصلت امامنا، وأخرى منتظرة الحصول. وهذا الامر بالذات يمنحنا فرصا جديدة لتأهيل أنظمتنا في المعرفة وفي مباشرة معالجة قضايا المجتمع الجديد.
  

  ونظرا لكثرة الاشكالات التي تبلورت في بدايات تشكل الملامح الكبرى لمجتمع المعرفة، وقع الاختيار على عينة محدودة منها ترتبط بمجتمع المعرفة في علاقته بالهوية، واللغة العربية، والقيم الاخلاقية الجديدة، وأداء المرأة العربية في مجتمع المعرفة، علاوة على واقع المشاركة السياسية، دون اغفال موضوع التقنية باعتباره موضوعا مركزيا في عصرنا. وواضح ان الاشكالات المذكورة يتداخل فهيا المحلي بالكوني والخاص بالعام. وما يعزز اختيار هذه العينة هو ارتباطها، مجتمعة، بالواقع العربي، ورغبتنا في تطوير النقاش الموضوعي في اتجاه التهيئة النظرية المواكبة لإنضاج البيئة التمكينية التي تضع العرب قولا وفعلا وفي الطريق لتجسير فجوة المعرفة والتواصل المعرفي مع العالم (كمال عبد اللطيف، 2003).

 

منقول عن صحيفة الغد الأردنية 
بتاريخ:2/11/2009

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.