wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
صحيحا البخاري ومسلم (1)

غيث هاني القضاة

عندما ألف الدكتور محمد الغزالي رحمه الله كتابهُ الأكثر إثارة للجدل “السُنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث” ثارت ثائرة نفوس أساتذة شريعة في معظم العالم الإسلامي وأُلِّف أربعة عشر كتابا في أقل تقدير للرد عليه ولنسفه من جذوره، كيف لا وهو الذي رد بعض الأحاديث في صحيح البخاري! ناهيك عن المئات من المقالات والكتابات المُعارضة للفكرة، وكانت معظم الكُتب تُشخصن المسألة بكل أسف؛ حيث أسهب بعضهم في شتم الغزالي وإخراجه من الدين والملة ! ومن الجدير بالذكر أن بعض من انتقده عاد ليتبنى بعض آرائه بعد وفاته ! ذكر الغزالي في منهجه الجريء قائلا: ” إني أعرف الرجال بالحق ولا أعرف الحق بالرجال، فما أكثر الأخطاء التي وقع فيها مجتهدون من كبار الأئمة! والدهماء عندنا ميالون إلى القول بعصمة الأكابر، ونحن لا نعرف في تاريخنا إلا معصوما واحدا، هو محمد بن عبد الله صاحب الرسالة الخاتم، وقد نقدت مرويات في الصحاح رأيتها تمسُّ الصميم من ديننا! وتفتحُ ثغرات مخوفة ينفذ منها عدونا”، ويضيف: “ما قصدت بذلك أن ألمز كبيرا أو أضع من قدره، ولا قصدت بذلك أن أرفع خسيستي (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) وإنما كان نصحي لله ورسوله، ومصلحة الدين الذي شرفتُ بالانتماء إليه، والدفاع عنه، وأكد كذلك أن فهم السُنة يجب أن يكون في ضوء القرآن وأن شرطه في الاحاديث المقبولة: خلوها من العلة والشذوذ، وأن يصحّ متنه وسنده معًا، لا الاكتفاء بصحة السند والغفلة عن المتن “ومن المفارقات اللطيفة أن الغزالي قد مات ودُفن في البقيع، وعندما جاء موعد الدفن وجدوا مكانا فارغا بين القبور هناك، وعندما دققوا وجدوا المكان يقع بين الامام مالك والامام نافع، فكان في قبره أيضا وسطا بين إمام الفقه وإمام الحديث، فسبحان الله.
دعونا نناقش بهدوء مقصود ومطلوب وبطريقة أكاديمية موضوعية وبعيدا عن الصخب والغضب والانفعال هذه القضية المتعلقة بصحة بعض الأحاديث في الصحيحين، رضي الله عن أصحابهما ورحمهما الله برحمته الواسعة، وأعلمُ أن الدرب صعب والطريق شائك ورصاصات الاتهام والتشكيك جاهزة ولكنني أريد اقتحام العقول ونقاشها ومحاورتها لأن سبيل العلم المناصحة والمحاورة لا المضايقة والتحدي، ومن قرأ سيرتيْ البخاري ومسلم لا يستطيع أن يُنكر أن هذين العالمين كانا آية من آيات الله في العلم والحفظ والتقى والورع والتدقيق ويدرك رغبتهما الشديدة في حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي السنة المهمة والمصدر الثاني للتشريع والوحي الصادق بعد وحي القرآن الذي لا يمكن التنازل عنه، وكان المُنتج يستحق العناء والتعب؛ كتابان عظيمان حُفِظتْ سُنة النبي محمد بين دفتيهما، لكنهم في حرصهم وجمْعهم للسُنة كانوا بشرًا وليسوا أنبياءَ معصومين، فهل يمكن لنا أن نقول على الإطلاق بأنهما أصحُ الكتب بعد القرآن الكريم وأنهما معصومان، وتتوقف العبارة عند هذا الحد ؟ أم لا بد أن نضيف إليها عبارة اخرى تلتصقُ بها؛ كأن نقول أيضا بان جُملة ما فيهما صحيح ولكن فيهما مواضع خطأ وانتقاد يسيرة، لانه جهد بشري يحتمل الصواب ويحتمل الخطأ، والبشر يعتريهم النقص والضعف بطبيعة الحال.
ولا حاجة للتأكيد على أن ما أريد نقاشه والتعليق عليه يتعلق بنقاش فكرة رد بعض الأحاديث في الصحيحين والتي لا يُردُّ بردها شيءٌ من أصول الدين أو عقائده أو أصول الأخلاق وإنما نردُ أخبارًا من الواضح لمن حقّق وبحث أنها قد لا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن الانتقاد يجب أن يكون بعلم ووعي وبإرادة الخير لهذه الامة وبقصد النصيحة، وليس القصد أن نُشكك في مرجعياتنا المهمة بل بقصد تحصين هذه المرجعيات والحفاظ عليها ونقدها نقدًا يُغربل ما فيها من أخطاء ويُقربها من الصواب، وإنزال ما يُروى على أنه من السنة النبوية منزلته الصحيحة أمام القرآن الكريم، ويحضرني ما روي عن الامام أبي حنيفة بأنه كان يعرض الحديث على ما اجتمع له من الحديث، ثم يعرضها على كتاب الله وما عارض منها كتاب الله سماها شاذًا، وكان يقول في منهجه هذا بأنه لا يردُّ على رسول الله خبَرَهُ وإنما يرد الباطل الذي نُسب إلى رسول الله.
اذا أردنا البحث في هذا الموضع فلا بد أن نمشي مشي الهوينا لتفادي استثارة المشاعر كما ذكرت أو استثارة من يدّعون الوصاية على الأحاديث والصحاح والسُنة – وماأكثرهم – ويعتقدون أن من يناقش ذلك فهو عدو من أعداء الله وجبت محاربته !كما ولا بد لنا كذلك من أن نرسم مسارًا نضع فيه خطوطا وحدودا وقواعد متعددة وضوابط منهجية في النقد تجعلنا نعود إلى الصواب كلما أرادت نفوسنا أن تتبع الهوى أو ضلّت السبيل،وكنتُ أتساءل هل ما يقوم به بعض العلماء والباحثون من هذه المراجعات لم يُسبَقوا إليها ؟أم أنه كان نهجًا أصيلًا واضحًا عند علماء الأمة وفقهائها ومُحدِّثيها منذ البداية. وعند البحث نجد أن كبار العلماء قد تصدوا لنقد الصحيحين فنجد الإمام النسائي كان قد طعن في جملة رُواة كان البخاري قد روى عنهم، والدار قطني ردّ وعلق على 200 حديث في الصحيحين إما سندا وهي كثيرة أو متْنا وهي قليلة، وللتوثيق جاء العسقلاني بعده ليرد على نقده هذا ليجاوبه عن 110 أحاديث فقط انتقدها الدار قطني وليوضح ما غفل عنه الدار قطني في رفضه للأحاديث، غير أن العسقلاني لتواضعه وموضوعيته ذكرَ في ردّه عبارة مهمة مفادها أنه قد أجاب بإجابات بعضُها قوي، وبعضها مُحتمل، وبعضها فيه اعتساف وتكلُّف وليست إجابات وافية أو قوية، اذن من المهم أن نعرف هنا كيف أجاب العلماء على شكوك وانتقادات بعض العلماء الآخرين لبعض الاحاديث في الصحيحين، وأن لا نكتفي -كما يقال دائما – بأن ابن حجر قد رد على الدارقطني دون التمحيص والتدقيق ! ومن المهم كذلك أن نعلم أن بعض الردود والإجابات كانت ضعيفة وغير مقنعة وما زالت تدور حولها أسئلة كثيرة خصوصا ما تعارض منها مع صريح آيات القرآن أو ما تعارض مع أحاديث صحيحة أخرى، وجاء كذلك علماء كُثر بعضهم ردّ عشرات الأحاديث وبعضهم ردّ أحاديث معدودة سأتطرق لها تفصيلا في مقالات قادمة توخيا للدقة والموضوعية، فنقدُ الأحاديث الصحاح ليس جديدًا ولا طارئا في علم الأحاديث كما يُحب البعض أن يُقنعنا، وهنا يأتي سؤال مهم هل قام الأئمة الأربعة بردّ أحاديث قام بعدهم البخاري ومسلم بوضعها في صحيحيهما ! إذن أين تكمن المشكلة؟
ما هي الضوابط المنهجية التي يجب أن نتبعها حتى لا نقع في الخطأ أو الزلل؟ وما هي الطريق المناسبة لذلك ؟ وهل يمكن لنا أن نناقش او ننتقد أو نرد حديثًا ورد في الصحاح ؟ وهل من يرد حديثا في الصحاح كما يقال فكأنه قد ردّ السنة، أو رد على رسول الله ! وهل هنالك أحاديث ضعيفة في الصحاح ؟ خصوصا إذا علمنا بأن الأحاديث التي يدور حولها النقاش لا يسقط بردها ركن من أركان الإسلام ولا يسقط بردِّها أصلٌ من أصول الاعتقاد والإيمان -وهذا من الضوابط المنهجية في نقد الأحاديث ونقاشها- و إذا علمنا كذلك بأن أعلى أسانيد البخاري كانت في ثلاثة رواة وأنزلُها كان في تسعة رواة مما يعني بأن عدد الرواة الذين كانوا بينه وبين الرسول عليه الصلاة والسلام حوالي الستة أشخاص، وقد يُخطىء بعض هؤلاء الرواة وقد يقعون في الوهم أو يتعرضون للنسيان وهذا حال البشر، وقد كان الإمام السرخسي يقول في بعض كتبه بأنه يؤمن إيمانًا كاملًا بجميع ما يأتي في حديث رسول الله لكنه كان يقول بأن “منشأ ” الشُبهة في الحديث هو النقل وهو نقطة الانطلاق المهمة، وسوف استعرض في مقالات لاحقة بعض هذه الاحاديث التي انتقدها وردها العديد من علماء الأمة ومفكريها وفيها شُبهة في المتن أو شُبهة في السند، على أنني أتفق مع العبارة الجميلة والقيمة التي كان يرددها الدكتور محمد عمارة بأننا نفهم النقل بالعقل، ونضبط العقل بالنقل.
هنالك ضابطة منهجية علمها النبي محمد عليه الصلاة والسلام لاصحابه وزوجاته وقد رباهم عليها، تتعلق بفهم الأحاديث عند ردها ومقابلتها بالقرآن الكريم، حيث كانت عائشة رضي الله عنها اذا سمعت شيئا من الحديث راجعت فيه حتى تعرفه، فعندما سمعت الحديث القائل بأن من حوسب عُذّب، قالت يارسول الله أليس يقول الله فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا وينقلب الى أهله مسرورا؟ فقال لها النبي ذلك العرضُ يا عائشة، وقد حدث مثله لحفصة رضي الله عنها في قصة اخرى، وغيرهم من الصحابة أثاروا بعض الاسئلة وحول هذه الضابطة قال ابن حجر في كتابه “فتح الباري” بجواز مقابلة السنة بالكتاب، وقد جاء الدكتور يوسف القرضاوي بكتاب قيّم ماتع ومفيد وعميق في هذا النهج عنوانه ” كيف نتعامل مع السنة النبوية” وضع فيه ضوابط مُحكمة للتعامل مع السنة النبوية سأتعرض لها ايضا في مقالات قادمة مع بعض التوضيح.
ولا بدَّ من الإشارة وبكل أسف أنَّ مساحة جهود العلماء والدارسين في علم الحديث كانت محدودة جدا في نقد المتون، وقد بذلوا جهودا غير معقولة في علم الأسانيد لكنهم فقدوا التوازن المطلوب بين دراسة وتمحيص السند والمتن معا، وتم استخدام السُنة النبوية بكل أسف كسلاح بين الفرق الإسلامية المختلفة وأحيانا لإسقاط الخصوم واشتفاء النفوس! وتم تقديس بعض كتب الحديث ومنحها عصمة غير معقولة، وعند الاستعراض والبحث في هذه الجهود نجد أن علم المتون لا يكاد يأخذ أكثر من عُشر الجهد المبذول على علم السند وعلم رجال الحديث والتفتيش عليهم؟ وكان كلما جاء مفكر أو عالم ليقترب من نقاش الأحاديث الصحيحة يُفاجأ بحجم الهجمة العظيمة عليه لصدّه وردّه،فتراجع بعضهم وأحجم الآخر وكتب غيرهم على استحياء وتخّوف أخرون أحيانا أخرى

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.