wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
مسؤولية المسلم الفردية والمجتمعية

بقلم: د. هاشم غرايبة

تكونت المجتمعات الإنسانية كضرورة، لأن الإنسان مدني بطبعه، ولا يمكنه العيش منفردا، بسبب تعدد احتياجاته والتي لا يمكنه تحقيقها بذاته.
وهكذا فالمجتمع هو مجموعة من الأفراد المتعاونين كجماعة لتلبية متطلباتهم كأفراد.
الفارق الأساسي بين المجتمع في النظام الإسلامي الذي شرعه الله، لكنه غير مطبق حاليا، والمجتمع في النظام الليبرالي المتبع في كل المجتمعات المعاصرة، هو في الجوهر.
الإسلام يعتبر الأفراد كالخيوط التي يتألف منها النسيج، الخيوط بذاتها لا تستر عورة ولا تدفئ جسدا إن لم تكن منسوجة متداخلة، وفي النظام الليبرالي الإنسان يملك حريته الكاملة لذا فيبقى كيانا مستقلا أي أن كل خيط هو نسيج وحده، لكنه يمكن أن يكون حبلا مضفورا، يحمِل ويُحمل أي ينتفع وينفع، لكنه لا يستر غيره ولا يدفئ إلا نفسه.
بما أن الدين جاء ليقوم النفوس ويصلح المجتمعات، لذا فقد رتب على معتنقه جملة من الواجبات، وأوجب على متبعيه استحقاقات سلوكية والتزامات مادية.
لقد تعلم البشر بالتجريب، ان منطق الحياة يؤكد أنه كلما كان الجهد المبذول في عمل مكلفا، كلما كان مردوده أعظم، قد لا يكون المنتج فوريا ولا مباشرا، لكنه متحقق حتما لفاعله ولغيره.
ولما كان للإيمان كلف مادية وجسدية، وتحقيق المنفعة الفردية المباشرة بعيد المدى، ولما كان الإنسان يميل لتحقيق المصلحة المباشرة ولو كانت ضئيلة، ويرغب عن تلك الآجلة ولو كانت أكبر، لذا كانت مغريات النظام الليبرالي أقوى، وأصبح المتملصون من أداء الكلف وطالبو النفع السريع، هم الأكثر حماسة لمحاربة الدين ومنع جعله منهاجا للمجتمع، وبالطبع فهؤلاء هم أكثر الناس.
التدين أصلا فردي، لأنه مبني على قناعة وجدانية شخصية، تبدأ بالإيمان بالله، وتتعمق بالتعرف عليه، من خلال التأمل في صفاته المثلى (الأسماء الحسنى)، ويظل يرتقى حتى يصل إلى أعلى درجة وهي الإحسان، وذلك حينما يتحقق حب المخلوق لخالقه، فيصبح إليه أقرب، محبة وليس طمعا في ثوابه ولا خوفا من عقابه.
أغلب الناس لا يصلون إلى هذه الدرجة، فيكون إيمانهم تقوى، أي مخافة غضب الله ورغبة في نيل رضاه، وهذا كاف لتحقيق صلاح النفس، لذلك تركزت أهداف الدين على إيصال المؤمن الى حالة التقوى، لأن شمول كافة الأفراد بهذه الحالة في أي مجتمع، تعني صلاحه بالمطلق، لكن كل شيء نسبي، وعليه فكلما كانت نسبة انتشار التقوى أوسع كلما كان صلاحه أكثر.
وهكذا نفهم أن الصلاح الفردي ليس هو المقصود بذاته، بل بهدف الصلاح المجتمعي، فاللبنة المصنوعة من الطوب يجب أن تكون سليمة لاستعمالها لكي تحمل ما فوقها، لكنها وإن كانت صالحة ولم تستعمل في البنيان فلا نفع منها.
لذلك ندرك عقم الدعوة إلى الصلاح الفردي، وفساد فكرة أنه على كل أمرئ أن يصلح نفسه وكفى، لأن فعل المصلحين كالبناة، هم من يجمعون الطوب الصالح بعضه فوق بعض ويربطونه جميعا بالملاط لكي يعلو البنيان ويؤوي الناس.
هكذا فالجدلية التي تفرض نفسها هي: هل الصلاح الفردي هو السبيل الى صلاح المجتمع، أم أن الصلاح المجتمعي يقوّم الأفراد ويضبط سلوكاتهم.
من الصعب بل قد يكون مستحيلا ضبط الأفراد في نسق صالح موحد، فالنفوس متباينة واستجاباتها متفاوتة، لذلك كان منهج الإسلام في هذه المسألة الإهتمام بالصلاح الجمعي، والأدلة على ذلك كثيرة، منها:
1 – في كل ركعة يصليها المسلم يبدأ بمناجاة ربه بقوله: (إياك نعبد وإياك نستعين) بصيغة الجمع وليس المفرد، سواء كانت صلاته جماعة أم منفردا، كما يكون دعاءه: (إهدنا الصراط المستقيم) وليس إهدني.
وهكذا فالتعبد ليس أمرا فرديا والخضوع لله ليس مسألة رأي شخصي، فالمسار الصحيح على الطريق القويم ليس محصلة المسارات الفردية، وإنما هو جمعي، تنضبط مسارات الأفراد ضمنه.
2 – صحيح أن الإنسان في الآخرة يحاسب على أعماله في الدنيا، ولا يحمل عن أحد آخر أوزاره، لكن هنالك حسابا جماعيا أيضا، بدليل قوله تعالى: “يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ” [الإسراء:71]، وقوله تعالى: ” وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَراً” [الزمر:71].
لذلك فالإنسان عليه مسؤوليتان: الأولى عن صلاحه الفردي والثانية المسؤولية عن انتمائه الفكري والعقدي.
3 – مسؤولية الفرد تجاه صلاحه لا تعفيه من مسؤوليته تجاه الصلاح الجمعي، وبحسب ما آتاه الله من قدرات وإمكانات، فعليه التدخل المباشر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا الأمر ليس تبرعا بل جاء بأمر من الله تعالى: ” وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ” [آل عمران:104].
كما قال صلى الله عليه وسلم: ” من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع.”.. .
4 – لا يعفى من المسؤولية من كان صالحا بنفسه، ولم يسعَ الى إصلاح غيره، فقد أهلك الله أقواما فاسدين رغم أن فيهم صالحين، لكنه ينجي القوم الذي فيه مصلحون: ” وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ” [هود:117].
نستخلص مما سبق أن الدعوات لفصل الدين عن حياة الناس بإبقائه مجرد معتقد فردي وشأن شخصي، مخالف لمرادات الخالق، فما أنزل الله الدين للناس ليبقى مجرد فكرة نظرية، بل ليكون منهاج حياة، بدليل أنه تشريعات وأسس مفصلة بشكل تعليمات تعالج كل جزئيات الحياة اليومية ابتداء من تفصيلات القاء التحية (الراكب على الماشي والواقف على القاعد) وانتهاء بالعلاقات الدولية بين الأمم والشعوب (لتعارفوا).
ولا يمكن أن تتحول هذه التعليمات الى ممارسة إلا أن يتبنى النظام السياسي هذا المنهج الإلهي ولا يتعالى عليه، بحجة أن التجارب البشرية ترى غير ذلك، لأن هؤلاء التجريبيين ما لجأوا الى ماعرفوه لو عرفوا الإسلام.
لذلك وإلى أن يتاح للإسلام تكوين ذلك المجتمع المأمول، لن يتحقق المجتمع الصالح الذي أراده الله محققا لكفاية الناس واحتياجاتهم، وسيبقى البحث دائبا فقط في سبل ترقيع المجتمعات وستر عوراتها.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.