wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
مقال اليوم / أهمية التعليم في الإسلام
الأحد, September 20, 2020

تدل الأحاديث النبوية على أن النبي كان يحث على طلب العلم ويعجب بهِ، فهو من هذهِ الناحية يختلف عن معظم المصلحين الدينيين فيقول: "مَن سلك طريقاً يطلب علماً سهل الله لهُ طريقاً إلى الجنة" "يوزن مداد العلماء بدم الشهداء فيرجح مداد العلماء بدم الشهداء"(1). ولقد كان اتصال العرب بالثقافة اليونانية في بلاد الشام مما أيقظ فيهم روح المنافسة العلمية القوية لليونان، ولم يمضِ إلا زمناً قليل حتى أصبح العالم والشاعر من أصحاب المكانة العليا في الإسلام.

وكان تعليم الأطفال يبدأ منذ اقتدارهم على الكلام. فكانوا من هذه اللحظة يعلمون النطق بالشهادتين " أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" فإذا بلغ الأطفال السادسة من العمر ألحق بعض أبناء الأرقاء، وبعض البنات، وجميع الأولاد، عدا أبناء الأغنياء (الذين كانوا لهم مدرسون خصوصيون) بمدرسة أولية ملحقة في العادة بأحد المساجد، وفي بعض الأحيان بجوار عين ماء عامة في الخلاء. وكان التعليم في هذه المدارس عادة بالمجان، فإن لم يكن فقد كان أجره تافهاً يستطيع أداءه جميع الناس، فقد كان المعلم يتناول من والد الطفل ما لا يزيد على مليمين في الأسبوع، أما باقي النفقات فكان يؤديها المحسنون الخيرون. وكان منهاج التعليم من هذا النوع في المدارس غاية في البساطة يشمل ما يكفي لأداء الصلاة، ويمكن الطفل من قراءة القرآن، ثم حفظ القرآن نفسه ومعرفة ما فيه من أحكام الدين، والقصص، ومبادئ الأخلاق، والشريعة الإسلامية. وتركت الكتابة والحساب للتعليم الأعلى من هذه الدرجة، وربما كان سبب ترك الكتابة أنها في الشرق فن يحتاج إلى تدريب خاص، فضلاً عن أن الكتبة، كما يقول المسلمون، يستطيع كل من يطلبهم أن يجدهم(3) وكان جزء صغير من القرآن يحفظ كل يوم عن ظهر قلب، ثم يتلى بصوتٍ عالٍ، وكان الهدف الذي يبغيه كل متعلم أن يحفظ القرآن كله عن ظهر قلب؛ والذين يصلون إلى هذا الهدف يُسَمّونَ بالحفّاظ وتكون لهم في البلاد مكانة عالية. وكان من يتعلم الكتابة؛ والرمي بالقوس، والسباحة هو عندهم "الرجل الكامل". وكانت طريقة التعليم هي المذاكرة، وأداته هي العصا، وكان العقاب المعتاد هو الضرب بعصا من جريد على باطن القدم. ومن أقوال هارون الرشيد لمعلم ولده الأمين:"ولا تمر بكَ ساعة إلا وأنتَ مغتنم فائدة تفيده إياه من غير أن تحزنه فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه: وقوَّمه ما استطعت بالقرب والملاينة فإذا أباهما فعليك بالشدة والغلظة"(4).

وكان التعليم الأولي يهدف إلى تقويم الأخلاق، والثانوي إلى معرفة العلم. وكان المعلم يجلس مستنداً إلى عمود أو جدار في مسجد، ويلقي دروساً في التفسير والحديث، والفقه، والشريعة. وحدث في وقت غير معروف أن وضعت الحكومة هذه "المدارس الثانوية" تحت إشرافها وتكلفت بالإنفاق عليها. وأضيف إلى المنهاج الديني الأساسي علم النحو، وفقه اللغة، والبلاغة، والأدب، والمنطق، والعلوم الرياضية، والفلك. وكان علم النحو يلقى اهتماماً خاصاً لأن اللغة العربية كانت تعد أقرب اللغات إلى الكمال، وكان استعمالها صحيحة أهم ما يمتاز به الرجل المثقف المهذب. وكان التعليم في هذه المدارس بالمجان. وكان المعلمون والطلاب يتناولون مرتباتهم ونفقاتهم في بعض الأحيان من الحكومة أو من أموال البر والصدقات(5) وكان شأن المعلم في هذه المدارس أعلى من شأن النصوص التي يعلمها ما عدا نصوص القرآن، فكان التلاميذ يدرسون الناس أكثر مما يدرسون الكتب، وكان الطلاب يجوبون أطراف البلاد الإسلامية ليقابلوا معلماً مشهوراً. وكان على كل طالب علم يريد أن تعلو مكانته في بلده أن يسافر إلى مكة، أو بغداد، أو دمشق، أو القاهرة، ليستمع في واحدة منها أو أكثر من واحدة إلى كبار العلماء. وكان من الأسباب التي يسرت انتشار الأدب العربي في بلاد الإسلام المختلفة وجعلته أدباً دولياً واحداً أن لغة التعليم والأدب في جميع البلاد الإسلامية-مهما اختلفت أجناس أهلها-هي اللغة العربية، التي بلغت من سعة الانتشار ما لم تبلغه اللغة اليونانية. فلم يكن الزائر إذا دخل مدينة في أي بلد من بلاد الإسلام يخالجه شك في أنه يستطيع الاستماع إلى محاضرة علمية في مسجد المدينة الأكبر في أية ساعة من ساعات النهار تقريباً. وكان الطالب الجائل في كثير من الأحيان يجد في المدرسة المأوى والطعام مدة من الزمان، فضلاً عن التعليم المجاني(6). ولم تكن المدرسة تمنح درجات علمية، وكل ما كان يبتغيه الطالب أن يحصل على شهادة فردية من الأستاذ الذي حضر عليه تثبت كفايته فيما درسه. وكان الهدف الأعلى للطالب هو تحصيل الأدب بأوسع معانيه-العادات الحسنة، وسمو الذوق؛ وسرعة البديهة، والكياسة والظرف، والمعارف السهلة التي تكون في مجموعها صفات الرجل الكامل المهذب.

ولما فتح المسلمون سمرقند (712) أخذوا عن المسيحيين صناعة استخراج عجينة من الكتان وغيرها من النباتات ذات الألياف، ثم تجفيف هذه العجينة بعد صنعها رقائق رفيعة. ودخلت هذه الصناعة في بلاد الشرق الأدنى واستعملت فيه بدل رقائق الجلد في وقت لم يكن نبات البردي قد نسي فيه بعد. وافتتح أول مصنع للورق في بلاد الإسلام في بغداد عام 794 على يد الفضل بن يحيى وزير هارون الرشيد. ونقل العرب هذه الصناعة إلى صقلية وأسبانيا ومنهما انتقلت إلى إيطاليا وفرنسا. وقبل هذا نجد الورق مستخدماً في بلاد الصين منذ عام 105م، ثم نجده في مكة سنة 707، وفي مصر سنة 800، وفي أسبانيا سنة 950، وفي القسطنطينية سنة 1100، وفي صقلية سنة 1102، وفي إيطاليا سنة 1154، وفي ألمانيا سنة 1228، وفي إنجلترا سنة 1309(7). ويسّرَ هذا الاختراع تأليف الكتب في كل بلد انتقل إليه، ويقول اليعقوبي إنه كان في بغداد على أيامه (891) أكثر من مائة بائع للكتب، كانت حوانيتهم تستخدم، فضلاً عن بيع الكتب، لنسخها، وكتابة الخط المزخرف، كما كانت ندوات أدبية. وكان كثير من الطلاب يحصلون على أرزاقهم بنسخ المخطوطات، وبيعها لتجار الكتب، ونسمع في القرن العاشر الميلادي عن أناس يجمعون توقيعات العظماء وخطوطهم، وعن غواة للكتب يسعون لجمعها ويعرضون أثماناً عالية للمخطوطات النادرة(8). ولم يكن المؤلفون يحصلون على شيء من كتبهم؛ وكانوا يعتمدون في معاشهم على وسائل للرزق أثبت من هذه وأقوى أساساً، أو على هبات الأمراء أو الأثرياء. ذلك أن الأدب والفن كان يُقصد بهما إشباع ذوق طبقة الأشراف من ذوي المال أو الحسب والنسب.

وكانت في معظم المساجد مكتبات، كما كان في معظم المدن دور عامة للكتب تضم عدداً كبيراً منها، وكانت مفتحة الأبواب لطلاب العلم. وكان في مدينة الموصل عام 950 مكتبة عامة أنشأها بعض المحسنين، يجد فيها من يؤمونها حاجتهم من الكتب والورق، وبلغت فهارس الكتب التي اشتملت عليها مكتبة الري العامة عشر مجلدات. وكانت مكتبة البصرة تعطي رواتب وإعانات لمن يشتغلون فيها من الطلاب، وقضى ياقوت الجغرافي في مكتبتي مرو وخوارزم ثلاث سنين يجمع المعلومات التي يتطلبها كتابة معجم البلدان. ولما أن دمر المغول بغداد كان فيها ست وثلاثون مكتبة عامة(9)، فضلاً عن عدد لا يحصى من المكتبات الخاصة، ذلك أنه كان من العادات المألوفة عند الأغنياء أن يقتني الواحد منهم مجموعة كبيرة من الكتب. ودعا سلطان بخارى طبيباً مشهوراً ليقيم في بلاطه فأبى محتجاً بأنه يحتاج إلى أربعمائة جمل لينقل عليها كتبه(10). ولما مات الواقدي ترك وراءه ستمائة صندوق مملوءة بالكتب، يحتاج كل صندوق منها رجلين لينقلاه. "وكان عند بعض الأمراء كالصاحب بن عباد من الكتب بقدر ما في دور الكتب الأوربية مجتمعة"(12). ولم يبلغ الشغف باقتناء الكتب في بلد آخر من بلاد العالم-اللهم إلا في بلاد الصين في عهد منج هوانج-ما بلغه في بلاد الإسلام في القرون الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر. ففي هذه القرون الأربعة بلغ الإسلام ذروة حياته الثقافية. ولم يكن العلماء في آلاف المساجد المنتشرة في البلاد الإسلامية من قرطبة إلى سمرقند يقلون عن عدد ما فيها من الأعمدة، وكانت إيواناتها تردد أصداء علمهم وفصاحتهم، وكانت طرقات الدولة لا تخلو من الجغرافيين، والمؤرخين، وعلماء الدين، يسعون كلهم إلى طلب العلم والحكمة؛ وكان بلاط مئات الأمراء يرددون أصداء قصائد الشعراء والمناقشات الفلسفية، ولم يكن أحد يجرؤ على جمع المال دون أن يعين بماله الآداب والفنون. وسرعان ما استوعب العرب ذوو البديهة الوقادة ثقافة الأمم التي فتحوا بلادها، وبلغ من تسامح المغلوبين أن أصبحت منهم الكثرة الغالبة من الشعراء، والعلماء، والفلاسفة الذين جعلوا اللغة العربية أغنى لغات العالم في العلوم والآداب. وإن كان العرب الأصليون أقلية صغيرة بين هؤلاء الفلاسفة، والعلماء، والشعراء.

وقد قوى علماء الإسلام في ذلك العهد دعائم الأدب العربي الممتاز بدراساتهم الواسعة للنحو الذي جعل اللغة العربية لغة النطق والقياس، وبما وضعوه من المعاجم التي جمعوا فيها ثروة هذه اللغة من المفردات في دقة ونظام، وبموسوعاتهم ومختصراتهم، وكتبهم الجامعة، والتي جمعت كثيراً من أشتات الآداب والعلوم لولاها لخسرها العالم، وبمؤلفاتهم في النصوص، والأدب، والنقد التاريخي. ولا حاجة بنا إلى ذكر أسماء هؤلاء العلماء الأعلام، وحسبنا أن نعترف بفضلهم ونمجد أعمالهم.

وأكثر من تحتفظ الذاكرة بأسمائهم من بين أولئك العلماء هم المؤرخون، لأننا مدينون لهم بما نعرفه عن تلك الحضارة التي لولاها لظلت غامضة غموض حضارة مصر الفرعونية قبل شمبليون. ومن هؤلاء المؤرخين محمد ابن إسحق (المتوفى عام 767) كاتب سيرة النبي؛ وقد راجعها وزاد عليها ابن هشام (763) فكانت أقدم كتاب عربي منثور ذا شأن عظيم وصل إلى أيدينا-إذا استثنينا من ذلك القرآن (الكريم) نفسه. وقد كتب العلماء الباحثون المجدون كتباً جامعة في سيرة الأولياء الصالحين، والفلاسفة، والوزراء، والمشترعين، والأطباء، والخطاطين، وكبار الحكام، والعشاق، والعلماء. وكان ابن قتيبة أحد علماء الإسلام الكثيرين الذين حاولوا كتابة تاريخ العالم، ولقد بلغ من الشجاعة درجة أوحت إليه أن يجعل نصيب الدين الذي ينتمي إليه لا يشغل من الكتاب إلا ذلك الحيز المتواضع الذي يجب ألا يزيد عليه تاريخ أية أمة أو أي دين في كتاب تاريخ جماع لأحداث الدهر الكثيرة. واخرج محمد بن النديم عام 987كتابه "فهرست العلوم" أرخ فيه لكل كتاب ظهر في اللغة العربية، مؤلفاً كان أو مترجماً، في كل فرع من فروع العلم، وأضاف إلى أسماء الكتب ترجمة نقدية لمؤلفيها، ذكر فيها فضائل كل مؤلف وعيوبهَُ. وفي وسع القارئ أن يحكم على ثراء الأدب الإسلامي أيامه إذا عرف أ، الكتب التي ذكرها-على ما نعلم-لم يبقَ منها الآن واحد في الألف(13).

وشبيه بليفي في الغرب أبو جعفر محمد الطبري (838-923) عند المسلمين(14). وكان أبو جعفر من أصل فارسي كما كان كثيرون من المؤلفين المسلمين، ولد في طبارستان الواقعة في جنوب بحر قزوين. وبعد أن ظل عدة سنين يطوف في بلاد العرب والشام ومصر، كما يطوف الفقراء من العلماء من أهل زمانه، استقر في بغداد واشتغل بالفضاء. ووهب أربعين عاماً من حياته لكتابة تاريخ عام سماه كتاب أخبار الأمم والملوك قص فيه تاريخ العالم من بدأ الخليقة إلى عام 913. والجزء الباقي إلى الآن من هذا الكتاب يشمل خمسة عشر مجلداً كبيراً، ويقول المؤرخون أن ما فقد منه يبلغ عشرة أمثال هذا الجزء الباقي. ويرى الطبري، كما يرى بوسويه Boussuet، يد الله في كل حادثة تقع في العالم، وقد ملأ الفصول الأولى من كتابه بعبارات تشهد له بالتقوى ولكنها خالية من المعنى كقولهِ "في امتحان الله تعالى أبانا آدم عليه السلام وابتلائه إياه بما امتحنه به من طاعته" وبأن الله أنزل على الأرض بيتاً مشيداً من الياقوت ليسكنه آدم، فلما أن عصى آدم ربه عاد فرفعه عن الأرض(16). ونهج الطبري نهج التوراة فيما كتبه عن تاريخ اليهود، وقال إن مريم العذراء ولدت المسيح (وإنها حملت به لأن جبريل نفخ في كمها)(17). وختم الجزء الأول من كتابه بصعود المسيح إلى السماء. أما الجزء الثاني فهو أقرب إلى العقل من الجزء الأول، وفيه يقص تاريخ فارس في عهد الساسانيين قصصاً مقبولا حياً، ذا روعة في بعض المواضع. ويتبع في طريقة إيراد الحوادث مرتبة حسب تواريخ وقوعها عاماً بعد عام، وهي في العادة مصنفة منقولة من راوٍ عن راوٍ قبله حتى يصل بها إلى من شاهدها بعينه، أو وقعت في أيامهِ. وفضل هذه الطريقة أنها تعنى بذكر المصادر؛ ولكن الطبري لا يحاول تنسيق الروايات المختلفة ليكون منها قصة موحدة متصلة، ولهذا فإن تاريخه يبقي أكداساً من ثمار الجهد المضني لا عملاً من أعمال الفن.

ويرى المسعودي، وهو أعظم من جاء بعد الطبري من المؤرخين، أن الطبري أعظم من سبقه منهم. كان أبو الحسن علي المسعودي من أصل عربي في بغداد، وجاب بلاد سوريا، وفلسطين، وبلاد العرب، وزنجبار، وفارس وأواسط آسية، والهند، وسرنديب (سيلان)، بل يقول هو إنه وصل إلى بحر الصين. وقد جمع ثمار رحلاته هذه في موسوعة تشمل على ثلاثين مجلداً، رآها علماء الإسلام أنفسهم، وهم المعروفون بغزارة مادتهم، أطول مما يطيقون؛ ثم نشر موجزاً لها كان هو الآخر أطول مما يجب، ولعله رأى آخر الأمر أن قراءه لا يجدون من الوقت الذي يصرفونه في القراءة مثل ما يجد هو منه ليصرفه في الكتابة، فاختصر كتابه مرة أخرى إلى الحد الذي نعرفه الآن وسماه بذلك الاسم الغريب "مروج الذهب ومعادن الجوهر". ودرس المسعودي جميع أحوال البلاد الممتدة من الصين إلى فرنسا من النواحي الجغرافية والنباتية، والحيوانية، والتاريخية، كما درس عادات أهلها، وأديانهم، وعلومهم، وفلسفتهم، وآدابهم، فكان في العالم الإسلامي كما كان بلني وهيرودوت في العالم الغربي. ولم يوجز المسعودي في كتابته إلى الحد الذي يجعلها عقيمة جافة، بل كان في بعض الأحيان يتبسط فيها، وينطلق على سجيتهِ، فلا يحاجز نفسه عن أن يروي بين الفينة والفينة قصة ممتعة مسلية. وكان متشككاً في بعض الشيء في الدين، ولكنه لم يفرض قط تشككه على قرائهِ. وقد لخص في آخر سنة من حياتهِ آراءه في العلم، والتاريخ، والفلسفة في كتاب الاستذكار لما مر في سائر الأعمار، وكتاب ذخائر العلوم وما في سائر الدهور. وقد أشار إلى تطور الكائنات من الجماد إلى النبات، ومن النبات إلى الحيوان، ومن الحيوان إلى الإنسان(18). ولعل هذه الآراء قد جرته إلى المشاكل مع المحافظين من أهل بغداد، فاضطر على حد قوله إلى مغادرة المدينة التي ولد فيها وشبّ وترعرع، وجاء إلى القاهرة وهو آسف على فراق موطنه. وقال في هذا إن من طبيعة ذلك الزمان أن يفرق الناس جميعاً ويباعد بينهم... وإن الله يبارك للأمم إذا أحب أبناؤها مواطنهم، وإن من أمارات التقى والاستقامة أن يحن الإنسان إلى مسقط رأسهِ، ومن علامات النبل وكرم المحتد أن يبغض الانفصال عن داره وموطنه(19).

ووافته المنية في القاهرة بعد عشر سنين قضاها بعيداً عن بلدهِ.

وخير ما يقال عن هؤلاء المؤرخين أنهم يفوقون غيرهم في اتساع دائرة جهودهم، ونواحي نشاطهم، واهتمامهم، وأنهم يربطون الجغرافية بالتاريخ ربطاً موفقاً صحيحاً، وأنهم لا يفوتهم شيء مما يتصل ببني الإنسان، وأنهم يعلون علواً كبيراً على معاصريهم في العالم المسيحي. ولكنهم مع هذا كله كثيراً يضلون في دياجير السياسة، والحرب، والبلاغة اللفظية؛ وقلما يعنون ببحث العلل الاقتصادية، والاجتماعية، والنفسانية التي تتحكم في الحوادث، وإن مجلداتهم الضخمة لتعزوها الطريقة البنائية المنتظمة، فلسنا نجد فيها إلا أكداساً من حقائق غير مرتبطة ولا متناسقة-عن الأمم، والحادثات، والشخصيات، وهم لا يرقون إلى مستوى بحث المصادر بحثاً دقيقاً نزيهاً، ولشدة تقواهم وتمسكهم بالدين كانوا يعتمدون اعتماداً كبيراً على الإجماع وتسلسل الروايات تسلسلاً قد تكون مصدره حلقة من حلقاته خاطئة أو مخادعة. ومن أجل هذا تهبط قصتهم في بعض الأحيان إلى مستوى أقاصيص الأطفال، وتمتلئ بالنذر، وأخبار المعجزات، وبالأساطير. وكما أن في وسع كثيرين من المؤرخين المسيحيين (مع استثناء جبن Gibbon على الدوام) أن يكتبوا تاريخ العصور الوسطى، بحيث يجعلون الحضارة الإسلامية كلها ذيلاً موجزاً للحروب الصليبية، كذلك اقتضب كثيرون من المؤرخين المسلمين تاريخ العالم قبل الإسلام فجعلوه كله يدور حول الاستعداد لرسالة النبي محمد. على أننا نعود فنسأل أنفسنا كيف يستطيع العقل الغربي أن يصدر على الشرق حكماً صحيحاً نزيهاً؟ إن اللغة العربية تفقد جمالها في الترجمة كما تفقد الزهرة جمالها إذا انتزعت من شجرتها، وإن الموضوعات التي تمتلئ بها صحائف المؤرخين المسلمين، وهي التي تبدو ذات روعة وجمال لبني أوطانهم، لتبدو مملة خالية من المتعة الطبيعية للقراء من أهل الغرب الذين لم يدركوا حتى الآن أن الصلات الاقتصادية بين الشعوب واعتماد بعضها على بعض يتطلبان أن يدرس كلاهما الآخر ويفهمه حق الفهم.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.