wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
مقال اليوم - مصلحة الدعوة
السبت, August 29, 2020

" مصلحة الدعوة "
                     في ميزان الإسلام
"مصلحة الدعوة" هذا المصطلح الملتَبس ، ما أصله؟ وما حقيقته؟ ومتى استخدم؟ وما المقصود منه؟. لذلك سوف نبحث أولاً بمصطلح "المصلحة" لغةً وفقهاً ، لندلف بعد ذلك الى حقيقة  مصطلح "مصلحة الدعوة" وما ضوابطه في الشرع .
كلمة المصلحة مشتقة من صَلُحَ  ، وهي عكس فَسَدَ ، والصالح هو الحسن والسليم والنافع الذي لا فساد معه ، والمصلحة لغة تعني صلاح شيء أو حال ، وكذلك تعني المنفعة ، وتعني أيضاً هيئة أو قسم من وزارة أو دائرة ... وأصلح الشيء أزال فساده وأعاده الى حالته السليمة ، وصلّح بالتشديد تعني قوّم وصحح ، والصُلحُ هو انهاء حالة خصومة أو حرب.
ومصطلح المصلحة لم يكن مصطلحاً قرآنياً ولا نبوياً ، فلم ترد بهذا النص تحديداً آية أو حديث، ولكن هذا المصطلح برز متأخراً بكتب الفقه ، فقد عرّف الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله المصلحة بأنها المحافظة على مقاصد الشريعة الخمس ، وهي الحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسل والمال ، فكل ما يحفظ هذه الأصول فهو مصلحة معتبرة ، وكل ما يفوتها فهو مفسدة يجب دفعها ، ولكن ابن تيمة رحمه الله زاد على هذه الأصول وقال : المصلحة كل منفعة قصدها الشارع الحكيم في أمور الدين والدنيا وليس في الشرع ما ينفيها على أنها منفعة راجحة التحقق .
وقد قسم العلماء المصالح الى ثلاثة أقسام كما يلي :-
1ــ المصلحة المعتبرة : وهي كل مصلحة شهد الشارع الحكيم باعتبارها مثل الأصول الخمس والجهاد والحدود والدعوة الى الله ...  
2ــ المصالح الملغاة : وهي كل أمر شهد الشارع الحكيم ببطلانها ولو حققت بعض المنافع مثل الربا والزنى والخمر والميسر ... لأن هذه الأمور اثمهم أكبر من نفعهم .
3ــ المصلحة المرسلة : وهي كل أمر لم يشهد لها الشارع الحكيم بالاعتبار ولا الإلغاء ولكنها محققة لمقصود الشارع مثل جمع القرآن والوقف الإسلامي ، ولا بدّ أن تكون المصلحة المرسلة مستندة الى دليل معتبر من الشارع الحكيم غير أنه لا دليل يتناولها بخصوصها ، وإنما يتناول الجنس البعيد لها .
وقد قسم العلماء المصلحة من حيث قوتها الى ثلاثة أقسام :-
1ــ المصلحة الضرورية : وهي التي قال عنها الإمام أبو حامد الغزالي تحفظ الضروريات الخمس السابقة وهي أقوى المصالح ، وقال عنها الشاطبي هي المصالح التي تقوم عليها مصالح الدين والدنيا وبفقدها نفقد كل معاني الدين والدنيا وتفسد الحياة .
2ــ المصلحة الحاجـيّة : وهي المصلحة التي تؤدي الى التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب الى المشقة والحرج مثل المعاملات البيوع والإيجارات والقروض .. والنكاح الشرعي .. والرخص المخففة الى لحوق مشقة في السفر أو المرض .
3ــ المصلحة التحسينية : وهي المصلحة التي تكون من قبيل تحسين وتزيين وتيسير حياة الناس ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات وبها كمال حياة الأمة بحيث تعيش آمنة مطمئنة مثل ستر العورة وآداب الأكل ومكارم الأخلاق ... والنوافل التي تزيد من تقوى العبد وقربه من الله .
ثم وضع العلماء ضوابط للمصلحة بحيث لا تخرج عن أصول الشرع ولا تُستغـل من أهواء الناس ورغباتهم أو مصالحهم الخاصة ، ومن هذه الضوابط ما يلي :-
1ــ لا بدّ أن تكون المصلحة موافقة تماماً لمقصود الشارع الحكيم ، ومن جنس المصالح المعتبرة وليست غريبة عنها.
2ــ لا بدّ أن ترجع المصلحة الى حفظ أمر ضروري ورفع حرج لازم في الدين .
3ــ يجب أن تكون المصلحة حقيقية لا مصلحة متوهمة أو متخلية ، وفيها منفعة متحققة ، ويجب أن تكون المصلحة حقيقية النظر والتأمل ، ولا يوجد فيها مضار خفية .
4ــ عدم تفويتها مصلحة أهم منها من حيث القوة والشمول ، فلا تقدم المصلحة الحاجية على المصلحة الضرورية ، ولا تقدم المصلحة التحسينية على المصلحة الحاجية ، ولا تقدم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة ، ولا تقدم مصلحة الأفراد على مصلحة الجماعة ، ولا مصلحة الجماعة على مصلحة الأمة ، لذلك قال ابن القيم رحمه الله " وقاعدة الشرع والقدر تحصيل أعلى المصلحتين وإن فات أدناهما".
فمما سبق فإن من أهم ضوابط المصلحة أن لا تعارض الشرع وإن كان فيها بعض المنافع ، فإذا التبس في أمر المصلحة فلا بدّ من الرجوع الى العلماء الصادقين المخلصين الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم إذا تضاربت المصالح بعضها مع بعض مصداقاً لقوله تعالى" فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" 43 النحل .
أما "مصلحة الدعوة" فهذا مصطلح استحدث في العصر الحديث بعد نشوء الحركات والجماعات الإسلامية التي تعمل على استئناف الحياة الإسلامية ، وتطالب بتحكيم شرع الله ، بعدما ضُيعت الخلافة الإسلامية نتيجة التآمر العالمي على وأدها كقوة حامية وجامعة لأمة المسلمين .
وممن تناول هذا المصطلح بالحديث عنه منطلقاً من التأصيل الفقهي السابق ومن                 [ الضوابط الشرعية ] التي وضعها خيرة علماء الأمة المفكر الملهم الكبير الشهيد سيد قطب رحمه الله ، فقد جاء في تفسيره في ظلال القرآن في سورة الحج للآيات 52ـ 54 " وما أرسلنا من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيّته فينسخ الله ما يُلقي الشيطان ثم يُحكم الله آياته والله حكيم عليم * ليجعل ما يُلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد * وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا الى صراط مستقيم" فيروي سيد رحمه الله بعض المناسبات في كتب التفسير ثم يعقب عليها بقوله : وفي حياة النبي "صلى الله عليه وسلم" وفي تاريخ الدعوة الإسلامية نجد أمثلة تغنينا عن تأويل الكلام الذي أشار اليه الإمام ابن جرير رحمه الله .
نجد في ذلك مثالاً في قصة ابن أم مكتوم "رضي الله عنه" الأعمى الفقير الذي جاء الى رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يقول : يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله ، ويكرر هذا القول والنبي مشغول بأمر الوليد بن المغيرة ومعه صناديد قريش يود لو يهديهم الى الإسلام ، وابن أم مكتوم لا يعلم انشغال النبي بهذا الأمر ، حتى كره رسول الله "صلى الله عليه وسلم" إلحاحه فعبس وأعرض عنه .. فأنزل الله في هذا قرآناً يعاتب فيه الرسول عتاباً شديداً " عبس وتولى * أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكى * أو يتذكر فتنفعه الذكرى * أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك ألا يزكى * وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى * كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره .." وبهذا رد الله للدعوة موازينها الدقيقة وقيمها الصحيحة ، وصحح تصرف رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام الذي دفعته اليه رغبته في هداية صناديد قريش طمعاً في إسلام من وراءهم وهم كثيرون ، فبين الله له : أن استقامة الدعوة على اصولها الدقيقة أهم من إسلام أولئك الصناديد ، وأبطل كيد الشيطان من الدخول الى العقيدة من هذه الثغرة ، وأحكم الله آياته ، واطمأنت الى هذا البيان قلوب المؤمنين.
ولقد كان رسول الله بعد ذلك يُكرم ابن أم مكتوم ، ويقول إذا رآه " مرحباً بمن عاتبني فيه ربي" ثم يقول له : هل لك من حاجة. واستخلفه على المدينة مرتين .
كذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : كنا مع النبي عليه الصلاة والسلام ستة نفر, فقال المشركون للنبي : أطرد هؤلاء لا يجترئون علينا , قال وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيتهما , فوقع في نفس رسول الله عليه الصلاة والسلام ما شاء الله أن يقع ، فحدث نفسه ، فأنزل الله عز وجل " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجه الله " وهكذا رد الله للدعوة قيمتها المجردة ، وموازينها الدقيقة ، ورد كيد الشيطان فيما أراد أن يدخل من تلك الثغرة ، ثغرة الرغبة البشرية في استمالة كبراء قريش بإجابة رغبتهم في أن لا يحضر هؤلاء الفقراء مجلسهم مع النبي ، وقيم الدعوة أهم من هؤلاء الكبراء ، وما يتبع إسلامهم من إسلام الألوف معهم وتقوية الدعوة في نشأتها بهم ، كما كان يتمنى الرسول عليه الصلاة السلام ، والله أعلم بمصدر القوة الحقيقية ، وهو الإستقامة التي لا ترعى هوىً شخصياً ولا عرفاً جارياً .
ثم يسرد قصة زينب بنت جحش وزواجها من متبنى النبي زيد بن حارثة رضي الله عنهما ويسرد الآيات ويعلق ويقول : ولقد صدقت عائشة رضي الله عنها وهي تقول : لوكتم محمد صلى الله عليه وسلم شيئاً مما أوحى اليه من كتاب الله تعالى لكتم "وتُخفي في نفسك ما الله مبديه * وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه" وهكذا أنفذ الله شريعته وأحكمها ، وكشف ما خالج خاطر رسول الله عليه الصلاة والسلام من كراهية القوم لزواجه من من مطلقة دعيّه ، ولم يمكن للشيطان أن يدخل من هذه الثغرة , وترك للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم يتخذون من هذه الحادثة مادة للشقاق والجدال وما تزال .
هذا ما نطمئن إليه في تفسير هذه الآيات ، والله الهادي الى الصواب ، ولقد تدفع الحماسة والحرارة أصحاب الدعوات ــ بعد الرسل ــ والرغبة الملحة في انتشار الدعوات وانتصارها .. تدفعهم الى استمالة بعض الأشخاص أو بعض العناصر بالإغضاء في أول الأمر عن شيء من مقتضيات الدعوة يحسبونه هم ليس أصيلاً فيها ، ومجاراتهم في بعض أمرهم كي لا ينفروا من الدعوة ويخاصموها ! ولقد تدفعهم كذلك إلى اتخاذ وسائل وأساليب لا تستقيم مع موازين الدعوة الدقيقة ، ولا مع منهج الدعوة المستقيم , وذلك حرصاً على سرعة انتصار الدعوة وانتشارها , واجتهاداً في تحقيق (مصلحة الدعوة) ومصلحة الدعوة الحقيقية في استقامتها على النهج دون انحراف قليل أو كثير , أما النتائج فهي غيب لا يعلمه إلا الله , فلا يجوز أن يحسب حملة الدعوة حساب هذه النتائج ، إنما يجب أن يمضوا على نهج الدعوة الواضح الصريح الدقيق ، وأن يعوا نتائج هذه الاستقامة لله ، ولن تكون إلا خيراً في نهاية المطاف .
وها هو القرآن الكريم ينبهم إلى أن الشيطان يتربص بأمانيهم تلك لينفذ منها الى صميم الدعوة ، وإذا كان الله قد عصم أنبياءه ورسله فلم يمكن للشيطان أن ينفذ من خلال رغباتهم الفطرية إلى دعوتهم ، فغير المعصومين في حاجة إلى الحذر الشديد من هذه الناحية ، والتحرج البالغ ، خيفة أن يدخل عليهم الشيطان من ثغرة الرغبة في نصرة الدعوة والحرص على ما يسمونه "مصلحة الدعوة" .. إن كلمة "مصلحة الدعوة" يجب أن ترتفع من قاموس أصحاب الدعوات ، لأنها مزلة ، ومدخل للشيطان يأتيهم منه ، حين يعز عليه أن يأتيهم من ناحية مصلحة الأشخاص ! ولقد تتحول " مصلحة الدعوة" إلى صنم يعبده أصحاب الدعوات وينسون معه منهج الدعوة الأصيل ! .. إن على أصحاب الدعوة أن يستقيموا على نهجها ويتحروا هذا النهج دون التفات إلى ما يعقبه هذا التحري من نتائج قد يلوح لهم أن فيها خطراً على الدعوة وأصحابها ! فالخطر الوحيد الذي يجب أن يتقوه هو خطر الانحراف عن النهج لسبب من الأسباب ، سواء كان هذا الانحراف كثيراً أو قليلاً ، والله أعرف منهم بالمصلحة وهم ليسوا بها مكلفين ، إنما هم مكلفون بأمر واحد ، ألا ينحرفوا عن المنهج ، وألا يحيدوا عن الطريق , انتهى الإقتباس .
وخلاصة لما سبق وبعد الإطلاع على آراء العلماء في معنى المصلحة بشكل عام وضوابطها الدقيقة ، ورؤية المفكر العميق في طرحه الدقيق في استنتاجه سيد قطب رحمه الله ، وبعد التحليل العميق ، والمحاكمة الدقيقة لآراء أهل العلم والذكر فإن "مصلحة الدعوة" اليوم التي يكون فيها مداهنة ومسايرة وملاينة أعداء الأمة على حساب المباديء والمنهج والقيم ليست مصلحة ، مصداقاً لقوله تعالى "فلا تطع المكذبين * ودّوا لو تُدهن فيدهنون" 9،8 القلم .
و"مصلحة الدعوة" اليوم التي يكون فيها الركون والميل والاستناد والاطمئنان للظلمة والطغاة ليست مصلحة ، مصداقاً لقوله تعالى "فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعلمون بصير * ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون" 113،112 هود .
و "مصلحة الدعوة" التي تنفذ مخططات أعداء الدعوة ليست مصلحة ، و"مصلحة الدعوة" التي تنفذ طلبات هؤلاء الظلمة والطغاة حتى وإن كانت مصحوبة بالتهديد والوعيد ليست مصلحة ، لأنها تقوي الباطل وتضعف الحق ، و"مصلحة الدعوة" التي فيها منافع متوهمة وليست حقيقية ليست مصلحة ، ولنا في رسول الله عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام رضوان الله عليهم والسلف الصالح رحمهم الله قدوة وأسوة في الثبات على الحق والمبدأ والمنهج وقيم الشرع دون مهادنة ولا ركون ولا استسلام ، وهذا هو طريق الحق الذي أمرنا الله التزامه والإستقامة عليه.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.