wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
مقال اليوم / " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا "
الأحد, September 13, 2020

ولا تركنوا الى الذين ظلموا "

هذا العنوان جزء من آية في سورة هود ، وقبلها الآية التي تدعوا إلى الإستقامة ، وآية الإستقامة هي الآية التي شيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن محض الإستقامة على أمر الله يحتاج إلى منتهى الجهد بالصدق والإخلاص والتقوى مع منتهى الحذر والإنتباه والدقة ، لأن النفس البشرية مجبولة على الضعف والقصور ، والحياة الدنيا كلها فتن ومغريات قد تستزل المؤمن عن طريق الإستقامة ، وتحيد به عن الحق المبين ، مما قد يصعب على المسلم أن يسير بتام الإستقامة وكمالها ، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنه " ما أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد ولا أشق من هذه الآية [ فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير * ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ] 112،113 هود.
وتقرر الآية الكريمة أن مما يحرف المسلم عن خط الإستقامة أمران ، الأول ــ الطغيان وهو الإفراط في تجاوز الحدود التي حدّها الله في كتابه وسنة رسوله كما فهمها وطبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ، والتي حذرنا الله من تجاوزها أو تعديها ، وهذا السلوك في الإفراط والفهم السقيم مارسه (الخوارج) سابقا ، وأنكر عليهم صحابة النبي رضوان الله عليهم شنيع فعلهم  ، ومارسه حالياً ما سمي بـ (داعش) وأنكر عليهم هذا الفهم العقيم والسلوك الخاطيء أهل السنة والجماعة ، وهذا الموضوع ليس مجال حديثنا في هذا المقال .
الأمر الثاني الذي يحيد بالمسلم عن الإستقامة هو الركون إلى الذين ظلموا وهو التفريط بإضاعة أمر الله بالركون إلى الظلمة والطغاة ، وكلا الأمرين الإفرط والتفريط كل منهما مذموم ومنهي عنه ، وفيه تحذير كبير من الله لكل مسلم بعدم ممارسته بأي شكل من الأشكال لأن نتيجة ذلك هو سخط الله وعذابه .
ولقد سبق وأن كتبت مقالات عن معاني الإستقامة وأهميتها للمسلم كمفهوم شرعاً وتطبيقاً ، واليوم سوف أبحث فقط بهذا الجزء الخطير الذي يحرف المسلم عن خط الإستقامة ، وهو الركون إلى الذين ظلموا ، وكم فيه من تفريط بدين الله يجتال الناس عن دينهم الحق ويودي بجهدهم إلى الخسارة والضياع دنيا وآخرة .
فما هو الركون ؟ ومن هم الظلمة ؟ ولماذا حذر الله من الركون بشدة ؟ ولماذا كان جزاء الركون دخول النار ؟.
الركون لغة : ركن على أو إلى الشيء (مثال جدار)  مال واستند اليه ، أو اعتمد عليه ، أو وثق به ، أو سكن واطمأن اليه ، أو رضي به .
إذاً الركون هو الإعتماد والإستناد والميل والسكون والإطمئنان والثقة بهؤلاء الظلمة من الطغاة والحكام ، وهذه الصفات السابقة تؤدي حتماً إلى المصاحبة والمخالطة والمؤانسة ، ثم تستزل الإنسان إلى المودة والمطاوعة والممالأة والمحابات والتعاون والحميمية ، وهذا الأمر قد يفضي إلى المدح والتعظيم والثناء والإدهان لهؤلاء الظلمة وتبرير ظلمهم وجورهم وسلوكهم وأعمالهم وتصرفاتهم ، فالركون يجر المسلم من خطوة إلى خطوة أكثر خطورة ، وينزل به من درك إلى درك أشد خسارة على دينه ودنياه .
والركون إلى الطغاة الظلمة هو اقرار لهم على صنيعهم المنكر ، والجرأة على ممارسة الباطل ، ومحاربة الحق والصواب .
والركون لأهل الظلم من أهل الحق ودعاته ، قد يترتب عليه تجاوزات تجر من حال إلى حال أسوأ بمنتهى الخطورة والسوء ، يعمل على إيهام عامة الناس أن هؤلاء الظلمة على حق فيسير الناس على خطاهم ، ويركنون لهم مما يحطِم كل معاني انكار المنكر والعمل على تغييره ، ويتحمل هذا الإثم الكبير الدعاة المستبصرين .
والظلمة : هم الحكام الطغاة الذين كفروا بالله وأشركوا به ما لم ينزل به من سلطان ، والكفر والشرك ظلم عظيم مصداقاً لقوله تعالى " يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم " 13 لقمان ، وهؤلاء الطغاة الظلمة أمرهم واضح بيّن لكل ذي عقل ولب وحتى عامة الناس .
والأخطر مما سبق هم الظلمة الطغاة من الحكام المنافقين الذين يدّعون الإسلام قولاً ومظهراً ، ويحاربونه عملاً وسلوكاً وتطبيقاً ، وهم الذين عطلوا الحكم بما أنزل ، وأقصوه عن التطبيق إلا من مظاهر شكلية غير جوهرية يضعون في دستورهم دين الدولة الإسلام فقط لتحسين صورتهم أمام شعوبهم ، وذر الرماد في العيون ، وهؤلاء الظلمة على ثلاثة أصناف :-
1ــ صنف لم يطبق شرع الله اعتقاداً منه أنه لا يصلح للحكم في هذه الأيام بحجة أنه شرع قديم متخلف لا يواكب العصر ، وهذا الصنف اعتقاده كفر يخرجه من الملة ، وهم معظم حكام المسلمين اليوم وصدق فيهم قول الله سبحانه " ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذّب بآياته إنه لا يفلح الظالمون " 21 الأنعام . وهؤلاء لمن استطاع القوة الممكنة للتغير وجب الخروج عليهم للخلاص من ظلمهم وكفرهم .
2ــ صنف يقول أنه يقر أن شرع الله صالح لكل زمان ومكان ، ولكنه يخاف من الدول الكافرة إن طبقه ، وهذا فاسق فسوقاً يضعه في خانة الطغاة الظالمين خاصة إذا كان موالياً لليهود والنصارى وركن اليهم ، وعادى أولياء الله الصالحين ، وقرب منه أهل الفجور والفسق ، فهو من أخطر الحكام الذين يجب عدم الركون اليهم لقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين " 51 المائدة . والموالاة هي المحبة والنصرة والتنسيق الأمني مع أعداء الله .
3ــ وصنف يعتقد بصلاحية شرع الله للحكم ، ولكن خوفه من النظام العالمي أن ينقلب عليه ويحاربه يجعله يسوّف الأمر لتحكيم شرع الله ، وقد يكون قلبه مطمئن بالإيمان "... إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان..." وهو يناصر أهل الحق ، ويقرّب منه المصلحين ويبعد عنه الفاسدين ، فهذا وجب نصحه للعمل على تطبيق شرع الله في كل حين مع تعظيم ما عنده من إيجابيات ، ومحاربة ما لديه من سلبيات حتى يصحح المسير ، مع عدم الركون اليه ، وبنفس الوقت عدم معاداته لعل الله يهديه للحق لحسن نواياه في سعيه للتغيير البطيء في خطوات يعتقد أنها مقدمة للوصول إلى تطبيق شرع الله .
فمن هنا فإنني أنصح نفسي وإخواني الدعاة بعدم الركون إلى الظلمة لأن مسايرتهم فيما يخططون ركون لهم ، ولأن العمل على تنفيذ مخططاتهم غير البريئة ركون لهم ، ولأن مناصرتهم فيما يعظّمون به وسائل الباطل ركون لهم ، ولأن الرضوخ لمطالبهم ولأهدافهم المخالفة لأمر الله ركون لهم ، ولأن الإعتقاد بأن بيدهم الضر والنفع وأن مجاراتهم خوفاً هو ركون لهم ، ولأن الخوف المتوهم على ( مصلحة الدعوة ) ركون لهم .
ولأن الركون لهؤلاء الظلمة والطغاة والإستناد والإعتماد والطمأنية لهم سيكون نتيجته وخيمة وقاسية وخطيرة عندما يُركمون في نار جهنم سيكون الراكنون معهم مصداقاً لقوله تعالى " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من وأولياء ثم لا تُنصرون " 112 هود .

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.