wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
من " فقه القرآن"

بسم الله الرحمن الرحيم
       من " فقه القرآن"
الحلقة الثانية: المحن الظاهرة والمنح الباطنة.
يمكن تقسيم سيرة يوسف (ع) زمنيا إلى أربع مراحل كبرى:
- الأولى  من الحلم إلى غيابة الجب.
- الثانية من غيابة الجب إلى ظلمة السجن.
- الثالثة من ظلمة السجن إلى تبوأ خزائن أرض مصر.
- والرابعة من الوزارة إلى وفاته بعد أن صار "عزيز مصر" ورئيس خزانتها العمومية.
          في الحلقة الأولى استعرضنا عناوين الدروس العشرة الأولى التي غطت حياة يوسف (ع) بين رؤيته أحد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين. وبين إلقائه في الجب بأيدي إخوته بإجماع باطل. 
       في هذه الحلقة نضع بين أيديكم العناوين الكبرى للدروس العشرة الموالية ببن انتشاله من الجب ودخوله السجن.
١- نعم الله كثيرة لا حصر لها ولا عد، ولكن كثيرا من الناس لا يشعرون بها إلا إذا فقدوها او سلبت منهم عنوة، ومنها نعمة تسخير الأسباب، فكثير من الناس يعتقدون أن الأسباب المسخرة لهم من الله " حتميات تاريخية" فإذا فقدوها أيقنوا أنها هبات ربانية، فصارت عطايا الأمس أمنيات اليوم. هكذا تتجلى قدرة الله للإنسان بتسخيره الأسباب إذا تقطعت به. فيوسف الطفل انتزع من بين يدي والده عنوة بحيلة الذهاب به:  "يرتع ويلعب" يوسف: ١٢، وألقي في البئر فتعلق بما بقي له من أسباب، فلم يقع في الماء ولم يغرق. فلما تقطعت به أسباب الأرض مد الله إليه بسبب من السماء، وأرسل له قافلة تنتشله من محنته. وأوحى إليه أنه سينبئ إخوته بما صنعوه به بعد حين (دام هذا الحين عشرين عاما):" وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون" يوسف: ١٥. فخذ بالأسباب مهما كانت واهية وثق في مسخرها فسوف يأتيك مدد السماء من حيث لا تحتسب.
٢- مهما بلغ بك الضعف لا تيأس ولا تستسلم واستمر في المحاولة وخذ بالمتاح لك وتعلق بالقشة الأخيرة من الأمل في الله، واتخذ من الأسباب ما هو متاح لك. فلو لم يتعلق يوسف بدلو وارد القوم ما اكتشف السيارة وجوده في البئر:" وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشراي هذا غلام" يوسف: ١٩.
٣- مصائب قوم عند قوم فوائد، فإخوة يوسف كانوا يرون فيه مصدر إزعاج ومصاب بسبب إيثار أبيهم له عنهم، فلما تخلصوا منه صار بشرى لمن اكتشف وجوده فصاح:" يا بشراي". وألحقه بما كان عنده من بضاعة، وباعه وتكسب به بعض الدراهم وهو لا يعلم من هو؟
٤- لا تزهد في شيء يبدو لك صغيرا، ولا تغتر بأمر يبدو لك كبيرا، فيوسف الذي كان الله (جل جلاله) يعده ليكون نبيا، بيع بثمن بخس لم يتجاوز عشرة دراهم لزهادة السماسرة فيه. فصار بعد عشرين عاما عزيز مصر. فلا تحتقرن البدايات الصغيرة حتى ترى خواتيمها.
٥- الابتلاء سبيل التمكين، ومن لم يذق شيئا من المرارة في مسار حياته لا يطمع أن يمكن الله له. فلولا ما ابتلى الله به يوسف من لحظة ميلاده ويتمه بوفاة أمه، ثم وفاة عمته (كافلته) بعد اتهامه بسرقة حزام جده..!! وتآمر إخوته عليه وبيعه ومحنته مع امرأة العزيز وسجنه.. لما كان له شأن يذكر. فالتبر لا يصير إبريزا حتى تفتنه النار:" والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" يوسف: ٢١.
٦- إذا ضاع منك شيء عزيز على قلبك، فتذكر الأشياء التي لم تضع منك. وما أكثرها لدى كل إنسان. فعندما أيقن يعقوب (ع) أن أولاده دبروا له مكيدة لحرمانه من فلذة كبده يوسف تجلد بالصبر  واكتفى بتكذيب روايتهم والالتجاء إلى ربه:" قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون" يوسف: ١٨. ثقة في الله الذي انتزع منه واحدا وترك له أحد عشر. وظل يبكيه حتى ابيضت عيناه من الحزن، فلما جاءه أبناؤه بخبر رهن صغيره بنيامين لدى عزيز مصر بتهمة سرقة صواع الملك..!! كرر مقالته القديمة وزاد عليها ثقته بالله أنه سيرد له ولديه يوسف وبنيامين:" قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا" يوسف: ٨٣. فردهما الله إليه.. فأي يقين هذا؟؟
٧- قاعدة اليقين الإيمانية تقول: إذا فقدت شيئا عزيزا على قلبك فعالج داءك بتذكر من فقد كل شيء، وفوض أمرك لله الذي أعطى والذي أخذ، بصبر جميل وتسليم واحتساب لمن يعطي بقدر ويأخذ بقضاء، فهو الذي وهب يعقوب (ع) اثني عشر كوكبا، ثم ابتلاه بتغييب واحد، فصبر ولكن عيناه لم تطاوعاه ولم تمسكا الدمع حتى ابيضتا. فابتلاه الله بسجن ولده الثاني بنيامين ( وهو آخر العنقود). فلما أيقن أن الله قد يأتي بهما معا ردهما إليه ورد عليه بصره وجمع الأسرة كلها في أرض مصر وخروا له سجدا ورفع أبويه على العرش.. وتحققت رؤيا يوسف (ع) وجعلها ربي حقا.
٨- حذار.. حذار.. فدخول القصور محفوف بالمكاره، فخلف أسوارها حياة أخرى غير التي يظنها كثير من الناس، فلو بيع يوسف لفلاح أو لتاجر.. لكان مسار حياته غير الذي كابده من محن، لكن ابتاعه سكان القصور وأدخلوه إلى "حريم السلطان" فأكرموا مثواه طفلا، فلما بلغ أشده بدأت المحن تحاصره وتطارده حتى انتهت به من القصر إلى السجن، ذلك ليعلم الناس أن ما كل داخل "قصور السلاطين" ناج، فخلف الأبواب المغلقة معارك:" هيت لك" يوسف: ٢٣. فإذا قذفت بك الأقدار من البئر إلى القصر فأعد زادك لما بعد هيت لك:" قال ربي السجن أحب إلي مما يدعونني إليه.." يوسف: ٣٣. فالصعود السريع من لا شيء إلى كل شيء يتلوه ابتلاء عظيم او سقوط مريع إلى الهاوية، إلا من عصمه الله:" وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين" يوسف: ٣٣.
٩- منبع مشكلات الملوك والأمراء والحكام أزواجهن، ففرعون مصر أوتي من قبل زوجته لما ألغت " قراره الفرعوني"  بقرارها العاطفي ألا يقتل موسى (ع) لتتخذه ولدا..!! فكانت نهاية فرعون على يديه. وكذلك حال عزيز مصر، فقد حمل لها زوجها غلاما بهي الطلعة ليتخذاه ولدا وأوصاها بأن تكرم مثواه كحاضنة ومربية. فسولت لها نفسها مراودته عن نفسه وتدبير مكيدة سجنه لتثبت لنسوة المدينة أنها هي سلطانة القصر وليس زوجها: " قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما أمره به ليسجنن وليكونن من الصاغرين" يوسف: ٣٢. وسجن بأمر منها، ولكنه ظل عزيزا وذلت هي وزوجها لما شاع خبر ما صنعت بطهارة فراشها. وفتح الملك تحقيقا تكميليا مع نسوة المدينة فتوالت شهاداتهن بأن يوسف ملك كريم مما اضطرها إلى الاعتراف بما كان منها:" قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين" يوسف: ٥١.والاعتراف سيد الأدلة.
١٠- إذا كنت مظلوما ولم تجد لك ناصرا في الأرض ففرارك إلى الله هو بداية نصرتك، ولو بسؤاله السجن، إذا أيقنت أن دينك مهدد داخل القصور، فضيق السجن في طاعة الله خير من سعة القصر في معصيته: " قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه" يوسف: ٣٣، ذلك أن يوسف صار هدفا للغواية من حريم القصر ومن نسوة المدينة. فلم يجد ملجأ مما ابتلاه الله به سوى الفرار إليه وسؤاله السجن ليكون الحرمان هو قمة العطاء والضيق هو أرحب فضاء. ولا عجب فقد فر أهل الكهف من قصر "دقيانوس" إلى كهف ضيق في جبل فنشر الله لهم من رحمته وهيأ لهم مز أمرهم مرفقا. وفر يوسف (ع) من معاصي القصور إلى ضيق السجن فرفعه إلى مقام ملك مصر: "وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء.." يوسف: ٥٦.   
                    ... يتبع...

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.