wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
ندوة بعنوان " التنويريون في الميزان
الأحد, February 16, 2020

عقد المنتدى العالمي للوسطية ندوة بعنوان " التنويريون في الميزان وذلك يوم الأحد الموافق 16/2/ 2020، بداية رحب المهندس مروان الفاعوري الأمين العام للمنتدى بالضيوف وقدم كلمة ترحيبية قال فيها الحمد لله الذي جعل الظلمات والنور، والظِّلَ والحَرور..

الحمد لله نور السماوات والأرض الذي ضرب لنوره مثل المشكاة والمصباح وجعل النور مبدأ الهدى وغاية الصلاح..

وبعد أيها الأخوة والأخوات، فإن مما استفاض على الألسنة، وعقدت له الندوات منذ مطالع قرننا هذا وما سبقه من عقود، هذا الحديثُ الدائرُ عن التنوير مناهِجِه وأدواته ومقاصِدِه، ومبلغِ حاجة أمم الأرض ولا سيما أمتنا العربية إليه، وهو أمر اتخذ له المنتدى العالمي للوسطية عُدّة النظر منذ قيامه، وتولاه بالإضاءة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وسعى سعيه لكي يكون هو السمة الغالية على حياتنا الفكرية والسياسية، توسلاً إلى الرشاد والسداد، ودفعاً للظلمة وضيق الإفق ونَزَق التفكير، تشهد بذلك المؤتمرات العديدة والندوات المتتابعة التي عقدها المنتدى منذ عام 2004م إلى يومنا هذا كما تشهد به الكتب والنشرات التي أصدرها، وأعداد دوريّة " الوسطية" التي ينتظم صدورها منذ قيامه.

على أن " التنوير " على ما يفهم باديَ الرأي من دلالته قد لايكون هو المقصود من معظم الدعاوى التي اتخذته شعاراً، ولابد لنا من تنخُّل هذه الدعاوى وتبيّن منطلقاتها وأهدافها، ومعرفة مهاب رياحها، إذ لطالما التبس علينا أمرها ولطالما استشعرنا ضرورة أن نتسلح بفراسة المؤمن إزاء ما يخرج به علينا كثير من الخلق بإسم الإستنارة والتنوير والأنوار، وما شئت من شعاراتٍ مرفوعة بإسم العقل والوعي والتسامح وما جرى مجرى ذلك كله أو كان على سبيل منه معوّج أو مستقيم.

وإن من مفارقات زماننا هذا أن نرى إلى مؤمنين بلا حدود إلا ما يرسمها لهم الصهاينة ودوائر الإستعمار، وأن دعاة " إبراهيمية" لا يعتقدون برب إبراهيم الواحد الأحد الفرد الصمد، وإلى دُعاة سلام يستبطنون حرب الإسلام وإلى دعاة حقوق يهتضمون أبسط الحقوق، وعلى ذلك يطرد القياس لمن كان له سمع أو ألقى السمع وهو شهيد " ونحن في كل حال لا ننخدع بهذا كله أبداً "

أيها الأخوة والأخوات الحضور، فُضلاء وفاضلات،،

نتوخى، في هذه الندوة التي تأتي في سياقها من أعمال الإصلاح والتنوير التي ما يزال يباشرها المنتدى العالمي للوسطية منذ ستة عَشَرَ عاماً ونيّف أن نقدم إسهاماً معرفياً معتبراً في إضاءة جوانب من مسألة " التنوير " هذه وأشكال من دلالاتها.

ونحن نستضيف لهذه الغاية النبيلة كُلاً من الأستاذين الدكتور رائد عكاشة المستشار في المعهد العالمي للفكر الإسلامي في الأردن ومعالي الدكتور محمد أبو رمان وزير الثقافة السابق، آملين أن نكون بهما ظاهرين على حقيقة التنوير المعاصرة وعلى ما يتعلق بها من تساؤلات أو يتداخل فيها من أسباب ودواعٍ ومقاصد، مؤكدين ابتداء حسن انتفاعنا بما سيكون في ندوتنا هذه، التي سيديرها مشكوراً الأستاذ الدكتور محمد الرواشدة، وآملين أن يُقيّض الله سبحانه وتعالى لنا نُجحَ المسعى وأجر المجتهدين.

تناولت الندوة محمورين، الأول الإطار المفاهيمي والسياق التاريخي لحركة التنوير، التعريف والأسباب والأهمية مالها وما عليها، قدمه الدكتور رائد عكاشة مستشار المعهد العالمي للفكر الإسلامي وقال:

مدخل ومحددات منهاجية:

  1. في هذه الدراسة أحاول الاستقراء والتوصيف والتحليل والنقد، وتبقي عملية وضع البدائل رأياً وليست الرأي. وسأستقرئ الاصول التأسيسية التي بنى عليه التنويريون أفكارهم مع التطبيق عليها.

  2. التنوير كلمة مراوغة: الانتقال من المصطلح إلى المفهوم (السياق الإسلامي والسياق الغربي والسياق التداولي الحالي. فقد نجد استخداماً إيجابياً لها كما هو في جذرها اللغوي والآيات اوالأحاديث التي تصف النور وصفاً إيجابياً، كذلك عند المتصوفة هو اليقين وانشراح الصدر وهو الحق سبحانه. وعند الغزالي هو العلم الوهبي والإلهامي... . ومن منّا لم يطلع على كتاب التحرير والتنوير لابن عاشور. وقد نجد استخداماً سلبياً له من خلال التماهي مع الفكرة الغربية التي أنتجت الحركة الحداثية، والتي سنتحدث عنها بعد قليل. وبناء على هذا التمايز ينتج تمايز آخر بين المتنويرين أنفسهم، فثمة من تعامل مع القشرة وهناك من تبنى الأفكار الغربية حذو النعل بالنعل.

  3. بسبب بعض الممارسات أصبح الحديث عن العقل والمنهج العقلي والعقلانية حديثاً سلبياً (وأدّى إلى استفزاز العقل الجمعي للمجتمع سواء أكان على مستوى العناوين أو التطبيقات: اليسار الإسلامي/الإسلاميون التقدميون/ سؤال نشأة الله إلخ.

 فهمي جدعان:

على دعاة التنوير أن يدركوا أولاً أن التنوير، في ذاته، لا يعني حتماً، وبالضرورة، "الخروج من الدين" أو "معاندة الدين"، لأن استخدام العقل والحرية لا يقودان بالضرورة إلى إنكار الإيمان، إذ للإيمان وضده أسبابٌ وأحكامٌ ليست بالضرورة عقليةً، وإن الحرية يمكن أن تتجه إلى الإيمان، مثلما يمكن أن تتجه إلى الإنكار...
وعلى دعاة التنوير أن يدركوا جيداً أن "المقاربة الاستفزازية" لقضايا الدين عند أهل الدين، أي عند المؤمنين، باسم العقل والعقلانية، هي أسوأ المقاربات القمينة بأن تُنكِّبَ المؤمنين عن معتقداتهم "اللاعقلانية"، لأن الذي يحدث، في الواقع، أنها تزيدهم تشبثاً وتعصّباً لهذه المعتقدات. وعلّة ذلك أن الأثر المباشر الحاسم لهذا الضرب من المقاربات أنه يخرق القطاع الوجداني، وينال من الحساسية الذاتية لدى المؤمن، ويمكن أن يؤدّي إلى "العنف"... أقول إنه لا مسوّغ أبداً لأن يدعو أحد "مثقفي التنوير" إلى أن قضيته، بما هو "تنويري عربي"، تطلب "إسقاط فرضية الله"!، أو أن يتكلّم آخر على "تاريخ الله"!، والأمثلة كثيرة.

 

  1. أهمية البيئة في عملية التغيير/ لسان قومه (اللسان غير اللغة)/كتاب الأخلاق البروتستنية: ماكس فيبر/ مقولة محمد عبده عن مصر/مصر الفاطمية لم تتشيع

  • يقول محمد عبده: "أهل مصر قوم أذكياء، يغلب عليهم لين الطباع، واشتداد القابلية للتأثر، لكنهم حفظوا القاعدة الطبيعية وهي: أن البذرة لا تنبتُ في أرض إلا إذا كان مزاج البذرة يتغذى من عناصر الأرض، ويتنفس بهوائها، وإلا ماتت البذرة بدون عيب على طبقة الأرض وجودتها، ولا على البذرة وصحتها، وإنما العيب على الباذر.. أنفس المصريين أشربت الانقياد إلى الدين، حتى صار طبعاً فيها، فكل من طلب إصلاحها من غير طريق الدين فقد بذر بذراً غير صالح للتربة التي أودعه فيها، فلا تنبت، وضاع تعبه، وخاب سعيه..."

  1. ثقافة الانتقال والعبور

  2. أهمية المعيار في عملية التغيير والتنوير. ومن هنا تأتي أهمية المرجعيات (الدينية والفكرية والفقهية والأصولية واللغوية والأدبية إلخ.

  3. التمييز بين الأداة والفلسفة (التفكيك مثالاً)

  4. عصر التنوير يمثل المركزية الغربية في النظر إلى العالم

  5. معظم التيارات الفكرية والأدبية والاجتماعية نابعة من فلسفة ورؤية كلية للوجود

  6. أسئلة التنوير كانت تتفاوت من زمن إلى آخر (التمدّن والتقدُّم واللحاق بالغرب لا سيما في المجال المادي: رفاعة والأفغاني وعبده/ سؤال الهوية طه حسين وسلامة موسى ولويس عوض/ سؤال منهجية التعامل مع الدين والفهم الديني (الإصلاح الفكري والديني: أدونيس وآركون وحنفي وأبو زيد وشحرور إلخ)

  7. التمييز بين الأصول التأسيسية والتراث في أي رؤية أو منهج تجديدي

  8. هذا الموضوع يدخل في محور المثاقفة مع الآخر: ماهية المثاقفة في الحضارة الإسلامية

  9. المثاقفة على نوعين: تزامنية وتعاقبية(الاستيعاب والتجاوز)

 

مفهوم التنوير:

- في الإطار المعجمي: تعريف معجم اللغة العربية (الوسيط) لمصطلح التنوير حَرَكَةُ التَّنْوِيرِ : حَرَكَةٌ قَامَتْ بِأُورُوبَّا تَعْتَمِدُ فِكْرَةَ التَّقَدُّمِ وَإِعْمَالِ العَقْلِ فِي فَهْمِ وَاقِعِ الْمُجْتَمَعِ وَالتَّخَلِّي عَنْ أفْكَارِ الْمَاضِي

 

- في الإطار الغربي: كما عرفها كانط: "خروج الإنسان من حالة الوصاية عليه، التي هو المسؤول عنها. وحالة الوصاية هذه هي عجزه عن استعمال عقله دون إرشاد من غيره. إن حالة الوصاية هذه ليست آتية من نقصٍ في الإدراك العقلي، بل من نقص في الإرادة والشجاعة في استعمال العقل دون توجيه من الغير. فلتكن لك شجاعة الاهتداء بعقلك وحده. ذلك هو شعار الأنوار." وقد تجلت فلسفة الأنوار في جميع المجالات لا سيما في الإصلاح الديني الذي مثلته حركة الإصلاح البروتستنتي.

- في الإطار التداولي: يعرفها مراد وهبة "التنوير مفاده أنه لا سلطان على العقل إلا للعقل نفسه.. وهو من هذه الزاوية أساس الليبرالية والماركسية على الرغم من تناقضهما. وتفسير ذلك مردود إلى أحد قوانين الجدل وهو وحدة وصراع الأضداد."

مرتكزات التنوير في الفكر الغربي: الأصول التأسيسية التي قامت عليها حركات التنوير

لعل الإطار العام لهذه المرتكزات قائم على مبدأ الحرية والفردانية والعلمانية، ومثلت الفلسفة الداروينية القائمة على الصراع والفلسفة الوضعية الإطار العام لهذه الحركات.

1. القطيعة:

    - قطيعة مع عالم الغيب أي مع الدين (ممارسة الإكليروس/فضلاً عن أن النص لاديني لم يقدم إجابات تشريعية وعملية للإنسان في النطاق الغربي) وأصبح عندنا أنسان بلا غيبيات، وجاءت العبارة المشهورة لماكس فيبر (نزع الطابع السحري عن العالَم) وهذه العبارة التي تأثر بها كثير من المفكرين التنويرين العرب ومن أهمهم أدونيس وآركون. ودعا فيبر إلى محو عالم الغيب من تصورات الإنسان، فالإنسان في الزمن الحديث مطالب بالاهتمام بالعالم الواقعي الحسي. كذلك وجدنا إنساناً بلا غيبيات عند ماركس؛ إذ رأى أن هذا الكون لا يوجد فيه إلا الإنسان والطبيعة وأن تاريخ الإنسان يبدأ من لحظة انفصاله عن الطبيعة. وقام دوركايم بإحلال الضمير الجمعي (التضامن الآلي) محل الإله فألغى الآمرية الإلهية وقدّس آمرية المجتمع. وجاء فرويد بمقولته المشهورة: "الدين مرض نفسي أصاب الإنسانية في مرحلتها التاريخية البدائية.. وتقودنا أبحاثنا إلى الاستنتاج بأن الدين ما هو إلا عصاب تشكو منه الإنسانية" والعصاب من دون استثناء هو نتاج اضطرابات جنسية.

    - قطيعة مع التراث: ولأن فكرة التقدم والواقع فكرة مركزية في الخطاب التنويري، فلا بد من التخلص من معيقات هذا التقدم ومن أهمها التراث والتاريخ بصورة عامة ومن ضمنه التراث الفلسفي الأرسطي، فالتراث يُعدُّ في نظر التنويرين ضرباً لكل الصيغ التقليدية الراسخة في تدبّر التجارب وتأملها، لذلك نرى الاحتفاء بالمدرسة الرومانسي على حساب المدرية الكلاسيكية كما أن التراث والتاريخ يربط الإنسان بمرجعية ما، والتنويرير لا يرى إلا مرجعية واحدة وهي مرجعية العقل ومرجعية ذاته. يرى طه عبد الرحمن أن هذا الانبتات عن التراث، والانفصال الجوهري عنه، حين أُلغيت حرمة التراث، بزعم تحرير إرادة الإنسان حتى يشرّع لنفسه بنفسه، سيؤدي إلى آفة التزلزل؛ إذ إن الانفصال عن التراث أطلق عقلَ الإنسان من عقاله، ولكنه أغرقه في بحر من الظنون والشكوك التي لا تنتهي.

    (التطبيق العربي)

على الرغم من أن المحطات الأولى في سؤال التنوير والنهضة كانت ترفض مبدأ الصراع مع عالم الغيب، وترفض إسقاط الدين من أي مشروع تنويري، مثل الأفغاني الذي حذّر من البدء من حيث انتهى الأوروبيون. إلا أن حركة التنوير بصورة عامة كانت تنهج نهج القطيعة والتمرد بشكل كبير، وإذا كان ثمة تركيز فسيكون على اللامألوف أو الخارج عن الوعي الجمعي، وسأركز على أدونيس بشكل خاص بسبب التنظير والإبداع مثل:

  • يقول أدونيس عن التنوير والحداثة "ثورياً، تعني نشوء حركات ونظريات وأفكار جديدة ومؤسسات وأنظمة جديدة تؤدي إلى زوال البنى التقليدية القديمة في المجتمع وقيام بنى جديدة."

  • أدونيس:وينبغي على المجتمع العربي أن يعي الحقيقة المرّة، وهذه الحقيقة: "هي تجاوز العائق المعرفي، هي الجهر بتفكيك هذا النظام، وتجاوزه، هي الجهر بنهاية المطلق."

  • أدونيس: ينبغي تحرير العقل العربي بهدم "البنى الثقافية-الاجتماعية التي يرثها المجتمع العربي وتسوده، على مستوى الأنظمة والمؤسسات: مستوى العائلة والمدرسة والتربية والجامعة والتشريع والقيم والعادات والأخلاق. فهذه البنى لا تزال، على الأغلب، استمراراً تكرارياً نمطياً للبنية الماضوية."

  • حتى يتحقق الوجود والحضور العربي الإنساني ينبغي نقض هذا التراث بعد نقده، كما دعا إلى ذلك أُنسي الحاج في مجموعة (لن)؛ إذ رأى أن المرحلة العربية الإسلامية مرحلة انحطاط مستمر، وأن واجب التمرد، الذي يمثله هو وجماعة شعر، العمل على هدم هذه المرحلة هدماً تاماً. وينبغي العمل كذلك على استرداد أصوله المعرفية، كالاتجاه صوب حضارة المتوسط كما فعل أدونيس ويوسف الخال.

  • يتساءل غالي شكري: كيف "يمكن تجديد المحتوى إذا ظل الإسلام هو المضمون الفكري الذي لا ينبغي تجاوزه عند الشاعر العربي.

  • يصل أدونيس إلى نتيجة مهمة وهي:"مشكلة التراث هي، في أساسها، دينية."

  • دُعاةُ الحداثة ليسوا مهتمّين بالماضي إلاّ بمقدار ما يوفّر لهم غطاءً مسوِّغًا لهدمه وإلغاء ما فيه، ويمنحهُم نماذجَ خارجةً عليهِ يستندونَ إليها في دَعاواهُم. اللاماضي هو سرُّ الحداثيّين؛ والتّراث لا قدسيَّةَ له عندَهم (أدونيس)"لأنّه مهما يكن غنيّاً لا يصحُّ أن يكونَ بالنسبة إلى المبدِع أكثر من أساس ثقافيّ يؤكّد به التّجاوُز والتّخطّي لا الانسجام والخضوع." هكذا، غدا العهدُ الذي تُحتَرَم فيه الثقافةُ الشّعريَّة القديمة "عبثاً نتمسّك به وننفخُ فيه،" وأصبحت معوّقات النّهوض بالشِّعر والأدب"كامنةً في تُراثنا،"

  • يرى أدونيس، ومِنْ خِلْفِه كثيرٌ من منظّري الحداثة، أنّ التّراثَ ليسَ"مركزاً لنا؛ ليس نبعاً وليسَ دائرةً تُحيطُ بنا؛ حضورُنا الإنسانيّ هو المركزُ والمنبَع، وما سواهُ -والتّراث من ضمنِه- يدورُ حولَه. كيف يريدوننا إذن أن نخضع لما حولَنا؟ لن نخضع، سنظلّ في توازٍ معه، سنظلّ في محاذاتِه وقُبالتَه. وحين نكتبُ شِعراً سنكونُ أمناءَ له قبل أن نكون أمناء لتراثنا. إن الشّعر أمام التراثِ لا وراءه، فليخضع تراثُنا لشِعرنا نحن، لتجربتنا نحن. لا يهمّنا في الدّرجة الأولى تراثُنا، بل وجودُنا الشّعريّ في هذه اللحظة من التّاريخ، وسنظلّ أمناء لهذا الوجود. ومن هنا الفرقُ الحاسمُ بيننا وبين الإرثيّين: لا يقدّم نتاجُهم إلاّ صورةَ الصّورةِ، أمّا نحنُ فنخلقُ صورةً جديدةً. كلّ ما هو موجودٌ بالوراثةِ، بالتّقليدِ، بالعادةِ، يجب أن يعادَ النّظر فيه، أن يُرْفَض. هذه طريقُنا، ومن يسيرُ فيها يختارُ لنفسِه أن يكون فاتحاً ورائداً. الوراثةُ، التقليدُ، العادةُ؟ يا لهذهِ المستنقعاتِ المقدّسة، ويا لمأساةِ الإنسان الذي يجابهها في مجتمعاتِنا العربيَّة!"

  • أدونيس يتعاشق التجربة الغربية في تدنيس المقدس؛ ويندفع ليقول: "كلنا يعرف من هو المسيح، ولعلنا جميعاً نعرف كيف خاطبه "رامبو": "يسوع يا لصاً أزلياً يسلب البشر نشاطهم" حين تصل جرأة الأدب العربي إلى هذا المستوى، أي حين تزول كل رقابة، يبدأ الأدب العربي سيرته الخالقة، المتغيّرة، البادئة، المعيدة..."

  • يقول آركون: العقل المسلم التقليدي غير قادر على مسايرة المستحدث من الأفكار والأدوات والمناهج والمفاهيم؛ لأنَّ المسلم الذي تشكّلت ثقافته تحت مظلة الأرثوذكسية (التقليد) "لا يمكن أن يتصور إمكانية طرح مشكلة فكرية حول الله، أو مناقشة فكرية حول وجود الله. والسبب هو أن الخطاب القرآني يملأ مشاعره كمسلم أو كعربي بوجود الله. إنه يملأ أقطار وعيه ومشاعره إلى درجة أنه لا يبقى في وعيه أية مساحة لإثارة مناقشة فكرية حول وجود الله، فهذا فضاء وعي المسلم أو المسيحي الشرقي، محتل كليّاً من الناحية المعنوية والدلالة اللغوية إلى حد أنه يصعب طرح مسألة فلسفية معاصرة بشأن مفهوم الله على بساط البحث. لهذا السبب أقول، إنه ينبغي أن يهجم شيء من الخارج ويخترق هذا الفضاء المليء أو المسدود من قبل تجربة تاريخية طويلة من تكرار العلاقات بين اللغة والفكر داخل الساحة الثقافية العربية."

  • يقول أدونيس: "إذا كان ينظر إلى البعد السماوي باعتباره تعبدية تقليدية فأنا لست من هذا النظر، لكن إن كان يفهم به اللامرئي والغامض والسري وما لا يمكن قوله، فأنا من هذه الناحية ممن يؤمنون بالسماوي." فالإله بالمفهوم الأدونيسي مفارق كلياً للإله بالمفهوم الثقافي الحضاري الديني للمجتمع والأمة، فهو أقرب إلى المفهوم الكانطي المتعلق بالميتافيزيقيا.

  • أدونيس: إعلان الإلحاد بوصفه خروجاً على المركز وتحرراً للذات من سيطرة المتعالي والمتجاوز، "فتجاوز الوحي إذن هو تجاوز لإنسان الوحي؛ أي تجاوز اللاإنسان إلى الإنسان الحقيقي، إنسان العقل... ولهذا كان الإلحاد توكيداً على إرادة الإنسان الخاصة، بحيث يكون عقلُه، شريعَتَه وقوَّتَه. المقدس، بالنسبة إلى الإلحاد، هو الإنسان نفسه، إنسان العقل، ولا شيء أعظم من هذا الإنسان. إنه يحلّ العقل محلّ الوحي، والإنسان محلّ الله."

 

2. العقل:

    - عقلانيات بلا روحانيات: لم تعد هناك صلة بين العلم والدين، وتم الفصل بينهما، وأصبح الدين أشبه بالأسطورة التي أنتجتها الإنسانية، وغداً ممكناً إخضاعه للدراسة باستخدام المنهج العلمي الوضعي. (إشكالية مفهوم الموضوعية). وعند ماركس أن الإنسان كائن مادي ينتمي إلى عالم الطبيعة، وأن معارضة العقل بالكتاب المقدس هو قتل الفكر الحر بواسطة الخرافة.

    - المقولة الأساس في الفكر التنويري: "فلتكن لك شجاعة الاهتداء بعقلك وحده". فالعقل قادر بشكل مطلق على معرفة العالم، لذلك فالبحث فيما هو خارج المكان والزمان وفي وجود خالق من عدمه يعتمد اعتماداً كلياً على العقل الإنساني، فالعقل الإنساني في نهاية المطاف يستطيع معرفة كل شيء وأن يحقق السعادة للإنسان. وهو الذي يحقق له وجوده وذاته، وهنا نستحضر مقولة ديكارت "أنا أفكر إذن أنا موجود" التي تعطي الأولوية والأهمية للعقل في بناء المعرفة على باقي مصادر المعرفة الأخرى.

    - فالإنسان العاقل المزود بالعقل النقدي الفعال (الذي لا يقبل إلا البدهيات الواضحة وما يتفق مع المنطق)، والحواس (التي لا تقبل إلا ما يُقاس)، والتجريب (الذي تخضع له كل الموجودات) يرفض أي حقائق متجاوزة للواقع المادي المحسوس مثل الاساطير والأوهام والغيبيات والعقائد. وهذه الرؤية تمنح صاحبها تفاؤلاً عميقاً وتحرر الإنسان من مخاوفه وتضعه في مركز الكون وتنصبه مرجعية نهائية.

    -  التجريب لا بد أن يجرى على المتعين والمحسوس والملموس المباشر والحاضر؛ إذ لا يمكن إجراء التجارب على الغيب واللامحدود وغير المنظور وغير المقاس.

    - المراحل التاريخية حسب الرؤية الغربية: المرحلة اللاهوتية والميتافيزيقية والعلمية. ونحن الآن في المرحلة العلمية وهي قمة التقدم.

    - وبما أن العقل هو مصدر المعرفة، وعالمه عالم الحس، فينبغي لكل النصوص والعلوم التطبيقية والاجتماعية والإنسانية والدينية أن تخضع للنقد  والحفر الأركولوجي على حد تعبير آركون، وأن يتحول النص المتعالي المقدس إلى نص بشري لنقده بآليات النقد والقراءة: تاريخانية وبنيوية وتفكيكية وتأويلية وسيميائية إلخ. وهذا الذي فعله اسبينوزا في تفكيك النص المقدس؛ إذ طالب بأن يُدرس النص الديني كأي نص عادي آخر، وكأي مجموعة من الوقائع.

    - لعل اسبينوزا من أهم المفكرين الذين تأثر بهم المتنورون الذي تطرقوا إلى تجديد الخطاب الديني وفلسفة الدين بشكل عام (آركون وشحرور وحسن حنفي ونصر حامد أبو زيد)

    - يرى دعاة الداروينية الاجتماعية أن القوانين التي تسري على عالم الطبيعة والغابة هي نفسها التي تسري على الظواهر الإنسانية التاريخية والاجتماعية. ولا بد من تطبيق المناهج العلمية على الإنسان حتى تصبح العلوم الإنسانية في دقة العلوم الطبيعية؛ لإن ثمة قانوناً واحداً يسري على الطبيعة والإنسان. حتى إن الإنسان نفسه خضع للتجريب. واختزلت حياته بنماذج تحليلية كمية.. يقول بيجوفيتش "وهكذا رأينا علم الاجتماع الديني يقضي على الجوهر الاساس للدين، وعلم النفس يقضي على النفس، وعلم الأنثربولوجيا يقضي على الشخصية الإنسانية، وبيّن علم الأخلاق أن الذي نحسبه أخلاقاً هو مجرد نوع من الأنانية المستنيرة، أي إن الأخلاق نفي للأخلاق.."

 

كيف استقبل العرب هذه الأفكار:

- التطبيقات التنويرية العربية لمسألة مركزية العقل ظاهرة ومنتشرة، ولعل محمد آركون من أكثر من نظّر لهذا الأمر.فقد اشتغل آكون على محاولة "زحزحة مسألة الوحي من أرضية الإيمان العقائدي "الأرثوذكسي" والخطاب الطائفي التبجيلي.. إلى أرضية التحليل الألسني والسميائي الدلالي المرتبط هو أيضاً بممارسة جديدة لعلم التاريخ ودراسة التاريخ". وتهدف هذه الزحزحة إلى الكشف عن " كل آليات التقديس ودراستها وتفكيكها، وكذلك آليات التعالي وخلع الصبغة الأنطولوجية واللاهوتية أو الأسطرة والأدلجة أو التأليه أو القولبة الشكلانية"

وأول زحزحة يبغي أن يقوم به العقل التنويري في نظر آركون إعادة النظر في مسألة ما يسميه العقل الإسلامي التقليدي –حسب تعبير آركون- المصحف. فهو وإن كان يمثل عند المسلمين كتاباً منزلاً من عند الله وهو نفسه القرآن، فهو –عند آركون- "عبارة عن مجموعة من العبارات الشفهية في البداية ولكنها دُونت في ظروف تاريخية لم توضح حتى الآن أو لم يُكشف النقاب عنها، ثمّ رُفعت هذه المدونة إلى مستوى الكتاب المقدس بواسطة العمل الجبّار والمتواصل لأجيال من لافاعلين التاريخيين، اعتبر هذا الكتاب بمثابة الحافظ للكلام المتعالي لله والذي يشكّل المرجعية المطلقة الإجبارية التي ينبغي أن تتقيّد بها كل أعمال المؤمنين وتصرفاتهم وأفكارهم"(كتاب الفكر الاصولي واستحالة التاصيل)

ومن هنا تعتبر لحظة الانتقال من الثقافة الشفاهية إلى الثقافة المكتوبة لحظة مفصلية في القراءة الآركونية "قراءة تتراوح باستمرار بين القطاع الذي سيطرت عليه الثقافة الشفهية، والقطاع الذي سيطرت عليه ظاهرة الكتابة" من خلال هذه الرؤية يصبح النبي صلى الله عليه وسلم "رجل دين وإنساناً يحب التأمل والتفكّر، ولكنه رجل ممارسة ونضال منخرط في قضايا التاريخ الدنيوي المحسوس.. وجد أمامه مجتمعاً ذا ماض قديم ومؤسسات معروفة، وعادات وتقاليد وقيم ودين وثقافة.. وأراد تغييره والانتقال به إلى إطار مؤسساتي آخر، وطريقة أخرى في الحياة، وإلى طراز ثقافي وقانوني مختلف. وعملية الانتقال هذه هي التي يقوم بها القرآن الشفهي (أو يعبر أو يعكسها) ومجمل هذه العبارات الشفهية سوف يسجل في ما بعد في كتاب بالمعنى الثقافي والعادي للكلمة هنا وليس بالمعنى المتعالي للكتاب الموحى".

وهذا الكلام يؤكده مترجم كتابات آركون وهو هاشم صالح؛ إذ يقول " القرآن لم يثبت كلياً أو نهائياً في عهد عثمان عكس ما نظن، وإنما ظلّ الصراع حوله محتدماً حتى القرن الرابع الهجري حين أُغلق باتفاق ضمني بين السنة والشيعة؛ وذلك لأن استمرارية الصراع كانت ستضر بكلا الطرفين، بعدئذ أصبح يعتبر كنص نهائي لا يمكن أن نضيف إليه أي شيء أو أن نحذف منه أي شيء"

والنتيجة عند آركون "نقد القصة الرسمية لتشكيل القرآن: النص الرسمي المغلق بتعبير آركون". ويتم هذا النقد بالرجوع إلى الوثائق التاريخية ونقدها، والكشف عن قيمة كل ما ألغاه الإسلام الرسمي الأرثوذكسي مثل:تاريخ النص القرآن وإشكالياته والحديث النبوي والشروط التاريخية والثقافية لتشكّل الشريعة ومسألة الوحي  إلخ."فالدراسة الحديثة للمجاز والرمز والأسطورة تتيح لنا القيام بقراءات أخرى للقرآن، مختلفة جداً عن تلك التي خلّفها لنا التراث التفسيري الكلاسيكي"

- لأن آركون ينفي التعالي عن النص القرآن ويتعامل معه كأي نص بشري، فينبغي أن يخضع هذا النص "لمنهجية النقد التاريخي والحفر رالآركولوجي في الأعماق. وإذا كان هناك نظام لحقيقة يستحق الاستثناء فسيُجبْر لا محالة على أن يجدد بيانه وبراهينه وتأصيله، بحسب ما تقتضيه عولمة الذهن البشري" أي سيصبح النص القرآني سائلاً قابلاً لأي تأويل.

- يرى آركون أن علم السميائية عند الناقد المتقدم مثلاً "يجبر العقل أن يترك جانباً جميع الاعتقادات، جميع المقدمات والتصورات.. أن يتحرر من الحساسية الخاصة بكل شخص، فعندما نقرأ القرآن مثلاً، نقرأه بإحساس إسلامي لا نملكه: والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها.. عندما أسمعه بوجداني وأحس بطرب كالطرب الشعري، ويختلط بالدين والروحانية. فإذن هذه الإحساس الذييؤثر فينا عندما نقرأ النصوص.. يجب أن نتحرر منه... ليفرغ بالنا وعقلنا لتُفهم النصوص كنصوص.

- وحسن حنفي يرى تحويل "الإسلام إلى نظريات وعلوم شاملة في المنطق والطبيعة والإلهيات، لا تعتمد على النص بل على العقل الخالص" ونصر حامد أبو زيد يعيب التفسير الحرفي للنص " ما زال الخطاب الديني يتمسك بصورة الإله الملك بعرشه وكرسيه وصولجانه ومملكته وجنوده الملائكة، وما زال يتمسك بالدرجة نفسها من الحرفية بالشياطين والجن والسجلات العقاب التي تُدوّن فيها الأعمال. والأخطر من ذلك تمسكه بحرفية صور العقاب والثواب وعذاب القبر ونعيمه ومشاهد القيامة والسير على الصراط.. إلى آخر ذلك من تصورات أسطورية"

- وتتكرر هذه الأفكار لا سيما تاريخانية النص القرآني عند حسن حنفي ونصر حامد أبو زيد

 

3. الأنسنة:

    - كما عرّفها معجم لالاند "مركزية إنسانية متروّية، تنطلق من معرفة الإنسان، وموضوعها تقويم الإنسان وتقييمه، واستبعاد كل ما من شأنه تغريبه عن ذاته، سواء بإخضاعه لحقائق ولقوى خارقة للطبيعة البشرية أم بتشويهه من خلال استعماله استعمالا دونياً دون الطبيعة البشرية"، فهي رد على التقديس.

    - ويعرفها كل من آركون وهاشم صالح "هي تركيز النظر في الاجتهادات البشرية لتعقُّل الوضع البشري، وفتح آفاق جديدة لمعنى المساعي البشرية لإنتاج التاريخ، مع الوعي أن التاريخ صراع مستمر بين قوى الشر والعنف وقوى السلم والخير والجمال والمعرفة المنقذة من الظلام" بعبارة أخرى: الأنسنة تعني الاعتقاد بأن الإنسان هو ذات خالقةٌ للمعنى. وأن الإنسان الفاعل الأول في التاريخ.

    - ولأن الإنسان يمتلك العقل الذي هو مقدّس فهو بذلك مركز الكون ومصدر معرفته.

    - والإنسان مكتف بذاته وهو النقطة المرجعية النهائية ويولّد معياريته من داخله. بما فيها الأخلاق.

    - ترى حركة التنوير العربية أنه ينبغي تفكيك هذا العقل التقليدي، ومن ثم إعادة اكتشاف ذاته مرة أخرى من خلال النظر في موقعه الأرضي لا النظر في السماء، فينتقل من مجتمع الوحي والتقليد والثبات والمحافظة إلى مجتمع العقل والإبداع والتحوّل والتمرد. وهذا –كما يرون- يتطلب من الإنسان التخلِّي والتحلِّي؛ التخلِّي عن الأصول التأسيسية التي شكّلت فكره ومعارفه، والتحلِّي بالعقلانية بوصفها التجلّي الأكبر لمفهوم الحداثة؛ فالجاهلي لم يكن مبدعاً إلا لأنه تخلى عن الإله، و"لم تكن تُحرِّكُه فاعلية دينية نحو تعالٍ إلهي يُخلص له. فهو عالق بالأرض يبحث، من خلال وثنيته، عن تعالٍ من نوع آخر، هو التعالي الأرضي.". وتبلغ التخلية أوجها باتباع التعاليم النيتشوية بقتل الإله وإزالة ظلاله من أجل بناء عالم جديد؛ إذ لا سلطة تعلو على سلطة الإنسان، وبقتل الإله يسترد الإنسان صورته الحقيقية.

    - ولعل هذا ما يفسر تواتر صورة بروميثيوس في الأدب الحداثي؛ إذ فيه دلالة على نقل مركز الكون من الذات الإلهية إلى الكينونة البشرية، وتهوين المقدّس وإعلاء المدنّس، والنظر إلى بروميثيوس على أنه "أول شهيد في التقويم الفلسفي" وكذلك سيزيف الذي يصارع الإله.

وتبرز التحلية في الحداثة في إعلان الإلحاد بوصفه خروجاً على المركز وتحرراً للذات من سيطرة المتعالي والمتجاوز، "فتجاوز الوحي إذن هو تجاوز لإنسان الوحي؛ أي تجاوز اللاإنسان إلى الإنسان الحقيقي، إنسان العقل... ولهذا كان الإلحاد توكيداً على إرادة الإنسان الخاصة، بحيث يكون عقلُه، شريعَتَه وقوَّتَه. المقدس، بالنسبة إلى الإلحاد، هو الإنسان نفسه، إنسان العقل، ولا شيء أعظم من هذا الإنسان. إنه يحلّ العقل محلّ الوحي، والإنسان محلّ الله." (أدونيس: الثابت والمتحول)

ويبرز التجلّي الأكبر للتحلية في التأكيد على أن الإنسان هو مركز الكون، وهو مرجعية ذاته، ومقياس كل شيء. وهو كائن خلاق، يشارك في الخلق الإلهي.أدونيس. وهو يقابل الله ندّاً بند، ففي الحداثة العربية "لم يعد الإنسان مكاناً، أي محلاً للأوامر والنواهي أو قوانين القوى الخارجية عنه، بل قطباً آخر يقابل هذه القوى." برادة: اعتبارات نظرية لتجديد مفهوم الحداثة

  • نظريات التلقي احتفاء بالقارئ على حساب المؤلف، وهنا يرد ذكر البنيوية وموت المؤلف الذي يساوي موت الإله. وكذلك التفكيكية التي تجعل القارئ يأوّل النص ضمن مرجعيته الذاتية فيبقى النص مفتوحاً لمختلف المعاني والدلالات دون معيار إلى معيار الإنسان ذاته، وتغدو الأخلاق نسبية.

  • ومفهوم النسبية مفهوم مركزي في خطاب التنوير، فكل فرد يصل إلى الحقيقة بمفرده (التجربة الشخصية)، وبذلك فالنسبي هو المطلق الوحيد ما دامت ذاتية الإنسان هي مرجعيته في المعرفة (ورأينا هذا الملمح في انتشار مفهوم التدبر على حساب التمكن من علوم القرآن: انتشر على الفضائيات الشاب المصري الذي لا يعرف قراءة القرآن ولكنه مشهور بدورات التدبر)

 

إشكالية التلقي

ثمة فائدة قدمتها حركة التنوير بأنها سلطت الضوء على قضايا عديدة لم يتنبه إليها الفكر العربي والغسلامي ولم يولها أهمية في تأسيساته النظرية وتطبيقاته العملية مثل: موضوع التنظيمات الإدارية والدولة المدنية وموضوع الإنسان بصورة عامة: الحرية والمكانة والدور إلخ. مما أدى إلى حراك وتثوير للفكر كي يناقش هذه القضايا. ولكن هناك إشكاليات في التلقي أبرزها:

    1. الانتماء إلى النظام المعرفي الغربي: (الاستلاب الثقافي)

              - طه حسين في كتابه مستقبل الثقافة في مصر: "علينا أن نصبح أوروبيين في كل شيء، قابلين ما في ذلك من حسنات وسيئات"

        - سلامة موسى في كتابه ما هي النهضة: "لا أستطيع أن أتصوّر نهضة عصرية لأمة شرقية ما لم تقم على المبادئ الأوروبية للحرية والمساواة والدستور مع النظرة العلمية الموضوعية للكون" (بسبب تركيز سلامة موسى على الفلسفة الوضعية نراه يترجم الثقافة بالأمور المادية)

    - أدونيس: " وأنا شخصياً أجد نفسي أقرب إلى نيتشه وهيدغر وإلى رامبو وبودلير مني إلى كثير من الكتاب والشعراء والمفكرين العرب"

   

    2. تقليد المناهج الغربية في التعامل مع النص: عدم التفريق بين الأداة والفلسفة

        *مثال البنيوية:

        - البنيوية موت المؤلف وقيمة الشيء مسجون بلغته (موت المؤلف= موت الإله)

        - التضحية بمنشئ النص ليصبح النص هو الفاعل

        - البنيوية كفلسفة (قتل الذات والإله يعني قتل المرجعية وكل ما يأتي من خلالها         مثل الأخلاق

        - البنيوية قائمة على المنهج التجريبي والعلمي القائم على البيانات والمعلومات

        - البنيوية تحتفي بقتل التاريخ لأنه لا يهتم بالحاضر، وهو يعيق دخول العلوم الإنسانية مجال العلوم التجريبية. وقتل التاريخ يكون بهدم التراث.     

    *مثال التفكيكية: سيولة النص عدم يقينية القراءة

   

    3. النظريات الغربية سياقية محلية وليست كونية 

        - طه عبد الرحمن: قيم الحداثة الغربية ليست كونيةً إطلاقية، وإنما كونية سياقية؛ لأن التطبيق الحداثي الغربي الذي نشهده ونحياه غير كوني، وإنما هو تطبيق محلي تولّى أصحابه إلزام الشعوب به، وفرضه على واقعها، فهو محلي رُفع عنوة إلى رتبة الكوني.

- توماس فريدمان/دولة الأقواس الذهبية

        - مقدمات الاحتلال: طعام/مراكز ثقافية/لباس

    4. عدم الوعي بالبنية الثقافية والمعرفية والعقدية للمجتمع:

        -تجديد الخطاب الديني: فهم علوم الشريعة وفلسفاتها: مثال التاريخانية

        - تجديد الخطاب المجتمعي وخطاب المرأة: الخطاب القرآني وفلسفته وعلم النفس الإسلامي وعلم الاجتماع الإسلامي..

        - بناء النظريات الاجتماعية: معرفة بناء المفاهيم 

        - رؤية العالم: مصادر المعرفة وأدواتها

- طه عبد الرحمن: يتحدث عن آليات الاشتغال في النص القرآني عند الحداثيين/التنويرين:

    * التأنيس: إذ اختصت خطة التأنيس منها بنقل الآيات من الوضع الإلهي إلى الوضع البشري، قاصدة إلغاء القدسية منها، فصارت إلى تقرير المماثلة اللغوية بين القرآن وسواه من النصوص البشرية.

*واختصت خطة التعقيل بالتعامل مع الآيات القرآنية بجميع المنهجيات والنظريات الحديثة، قاصدة إلغاء الغيبية منها. فانتهت إلى تقرير المماثلة الدينية بين القرآن وسواه من النصوص الدينية. 

*وأخيراً اختصت خطة التأريخ بوصل الآيات القرآنية بظروفها وسياقاتها المختلفة، قاصدة إلغاء الحكمية فيها، فتأدت إلى تقرير المماثلة التاريخية بين القرآن وما عداه من النصوص.

    5. عدم الوعي بمفهوم التقدُّم

        - الانبهار الحضاري  والنظر إلى الجانب المادي من النهوض: وبهذا ترجم سلامة موسى معنى الثقافة

- المركزية الغربية في نقل المعرفة (والدليل على ذلك أن التنوير لا يتحدث عن اليابان والصين والهند)

    6. منهجية التعامل مع مصادر المعرفة وأدواتها

    7.  إسقاط التجربة الماضية على الحاضر

    8. الخلل في سؤال التنوير ومنهجية التعامل معه من خلال تقليد مسيرة الإصلاح الغربي: (إذا كان سؤال التنوير قد ركّز في بداية المثاقفة على التمدّن والتقدّم (سؤال أرسلان) وما مثّلته أفكار رفاعة والأفغاني وغيره. وجاء سؤال التنوير المعاصر مركزاً على التجديد الديني ضمن رؤية تقليدية واستجلابية للنموذج الغربي في هذا الإصلاح لا سيما في العلاقة مع التراث والماضي والغيب والواقع؛ فإننا بحاجة إلى سؤال آخر في التنوير يحاول المواءمة بين مكونات الرؤية الكلية وإزالة الفصام بين النص والعقل، وبين مصادر المعرفة وأدواتها إلخ.

سؤال التنوير بحاجة إلى تمكين الدين والقيم في مختلف العلوم وأهميته في ظل موجة الإلحاد التي تعصف بالعالم.

 

تطبيق على الخلل المنهجي في التلقي: التيار النسوي أو الحركة النسوية

- الخلل الكبير في تأطير هذه الحركة أنها بُنيت على الداروينية الاجتماعية القائمة على فكرة الصراع

-التيار النسوي متفاوت من الراديكالية التي تنادي بتفوق العنصر النسوي على الرجل إلى من تنادي بالمساواة المطلقة وتوجه نقداً لاذعاً إلى البطريركية.

- مع تنوع الأساليب التي تتخذها التيارات النسوية  إلا أنها تشترك في أمرين: مفهوم النوع (Gendar) ومفهوم الضحية. فمفهوم النوع يدعو إلى إلغاء الفوارق بين الجنسين بل إلغاء مسمى ذكر وأنثى ومن ثم التشكيك في كل ما يتصب الأسرة. أما مفهوم الضحية فالمرأة ضحية الرجل ومن ثم ثمة صراع مستمر بينهما حسب مفهوم الداريونية الاجتماعية.

- مبادئ التيار الجندري:

    * النظرة الفردية المطلقة للمرأة بمعزل عن السياق الاسري والمجتمعي، وعليه من حقها الكامل اتخاذ قرار الإنجاب أو عدمه دون الرجوع إلى الزوج، وكذا الإجهاض وغيرها.

    * القول بتماثل الجنسين: أي المناداة بإلغاء كامل الفوارق بينهما بما فيها الطبيعية.

    * فكرة الحرية في الميول الجنسية.

    * تكريس مفهوم الضحية بوصف المرأة ضحية للتسلط الذكوري، حتى إن أية علاقة لا تخضع لرغبة المرأة تعد اغتصاباً. (مفهوم الصراع الدارويني)

    * تمكين المرأة: أي استقواء المرأة : مناصفة الحصص في كل المجالات.

- دعاة التمركز حول الأنثى يدعون إلى إعادة كتابة التاريخ من وجهة نظر أنثوية، ومن هنا كانت الدعوة إلى التفسير الأنثوي للقرآن الكريم.

- الصراع بين الأنثى والذكر انتقل إلى اللغة، فثمة هجوم على ما يُسمى ذكورية اللغة ولا بد من تأنيث اللغة

- التركيز على الحرية المطلقة للمرأة

- التفسير الأنثوي للقرآن الكريم: الدكتوره هنليس كولوسا من أكاديمية برلين: التفسير القرآني النسائي: "على مر التاريخ الإسلامي كل المفسرين كانوا ذكوراً وأن هذه الذكورية كان لها تأثيرها حيث أسست فهماً أبوياً للقرآن والسنة مستمداً من الجنس الذكوري، ومن العادات والتقاليد أنتجت هذه الذكورية الكثير من المواضيع، مثل ضرب الرجل المرأة ومسألة القوامة ومسألة شهادة المرأة والحجاب وخروج المرأة من بيتها."

- ألّفت الكاتبة اللبنانية عام 1928 كتاباً بعنوان (السفور والحجاب) وضعت فيه القواعد المنهجية الأولى للتفسير النسوي. وتبعها في هذا كتاب (المرأة والقرآن) للدكتوره أمينة داوود (وهي أول امرأة أمّت الرجال في صلاة جمعة مختلطة) 

- والكاتبة الهولندية من أصل مصرية ناهد سليم لها كتاب (نساء النبي) بالهولندية وتُرجم إلى العربية بعنوان (انزعوا القرآن من أيدي الرجال) وتدعو فيه إلى ضرورة تفسير القرآن بما يتماشى مع متطلبات العصر، وزعمت أنه يوجد في القرآن آيات تمييزية لغير صالح المرأة مثل قضية الميراث

- وكتبت فاطمة المرنيسي كتاباً بعنوان (الحجاب والنخبة الذكورية تفسير نسوي للإسلام)

وعقدت مؤتمرات متعددة في هذا الموضوع من أهمها: مؤتمر بعنوان(التأويل الذكوري للشريعة الإسلامية والقرآن الكريم) اسبانيا 2006

-  حاولت فاطمة المرنيسي ونوال السعداوي استخدام التاريخانية لإبقاء النصوص (التمييزية) في سياقها الزماني والمكاني فقط.

- انتبهت فاطمة المرنيسي منذ البداية إلى أن فهم المشاكل الاجتماعية واليومية للنساء لا يتحقق إلا بإنجاز قراءة تاريخية تفكيكية للأسس الفكرية والدينية وللخلفيات الثقافية التي تؤسس النظام الأبوي والمتخيل الذكوري، وصد مظاهر الدونية والتهميش التي تعاني منها المرأة.

 

أما المحور الثاني تناول حركة التنوير وأسئلة التغيير، والإصلاح والنهضة( ضرورة أم ترف فكري) وقدمه معالي الدكتور محمد أبو رمان.

وقال: 

" إن مدارس الإصلاح في الفكر الإسلامي المعاصر " كانت متعدّدة كما هو معروف ، لكن ارتبطت كل مدرسة من هذه المدارس بحقبة تاريخيّة وبتحدّيات خاصّة . وقد ركّزت في أطروحتي للدكتوراه ، في البداية ، على ما سمّى المسألة الثقافيّة بروافدها المتعددة والمتنوّعة ، وفي مقدمتها مدرسة الإصلاح الديني أو ما يطلق عليها البعض التنوير ، وقد كان من أبرز روادها وشيخها الرئيس هو الإمام محمد عبده الذي تحدث عن أهمّيّة وأولويّة الإصلاح الديني على الإصلاح السياسي ، ومن بين الرموز الذين تناولتهم من بين تلك المدارس مالك بن نبي الذي تحدث عن سنن التغيير المعروفة ، كذلك المعهد العالمي للفكر الإسلامي الذي تناول الأزمة الفكريّة واعتبرها جوهر المشكلة .

ما كان هناك موقف وما يزال موجودا المدرسة تيّار الفكر الإسلامي الذي لا يرى أي أهمّيّة في الإصلاح السياسي الداخلي إلا في ضوء أهمّيّة أو أولويّة العامل الخارجي وضرورة مواجهة المشروع الصهيوني الإسرائيلي والاستراتيجيّات الدوليّة الكبرى ، وبالتالي يسف أو يقبّل من شأن التنمية الاقتصاديّة والإصلاح السياسي ، وقد ركزت في هذا الجانب على الأستاذ منير شفيق ومقولاته وعلى اعتباره الدولة القطريّة هي أساس البلاء .

انتقل الخطاب الإسلامي من التركيز على الناس الذين يقومون بمواجهة الجمود والتقليد إلى الطليعة المقاتلة التي تقاتل الطاغوت والتي تقيم الدولة الإسلاميّة ، والأدبيّات التي سادت في هذه المرحلة خوّنت بدرجة ما مدرسة الإصلاح الديني ، وهناك العديد من الكتب التي تمّ الترويج لها والتي ترى في مدرسة الإصلاح الديني بأنها مهادنة للاستعمار والاستبداد بنوع ما ، حتى نهاية القرن العشرين ، المدرسة الإحيائيّة الحركيّة بكل تفاصيلها الإخوانيّة ومن ثم السلفيّة بتفاصيلها المختلفة المتعدّدة كلها قامت على مقولات إنّ الإسلام ليس بحاجة إلى تجديد بالمعنى الذي دعت إليه مدرسة الإصلاح الديني ، وإنما بحاجة إلى تنقية وتحريك ، وبحاجة إلى تجنيد وتعبئة 

كانت هناك فلسفة ثاوية وراء الاهتمام بالإصلاح الديني ، إذ لم يكن منعزلا عن الموضوع السياسي ، لكنه كان مقدّمة للعمل أو للموضوع السياس ، لأنّه بالنسبة لهم كانت الطبقتان الوسطى والدنيا هما مناط الإصلاح الديني ؛ بمعنى أنّ الإصلاح الديني يؤدّي إلى ثورة صناعيّة وعلميّة ، الثورة الصناعيّة والعلميّة تؤدّي إلى حراك اجتماعي ، والحراك الاجتماعي يؤدّي على مواجهة السلطة المستبدّة من خلال مجتمعات استطاعت أن تتحرّر عقليًا وفكريّا وصناعيّا وعلميًا .

و الرسالة الأخيرة التي أود أن أتركها للنقاش لكنها كانت دائما ما تخطر في بالي ، الفترة الأولى كان هناك تركيز على العمل التنويري ، العمل التجديدي ، الإصلاح الديني واستبعاد العمل السياسي بشكل كبير ، أصبح كأنه هناك غربة ما بين الإصلاحيين التنويرتين المثقفين الذين يعملون في هذا الحقل ، وما بين الشعوب وما بين المجتمعات .

وفي نهاية الندوة التي أدارها الأستاذ الدكتور محمد الرواشدة أجاب المحاضرون على أسئلة الحضور ومداخلاتهم.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.