wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
هجرة الرسول المعصوم الى المدينة المنورة
الثلاثاء, November 26, 2013

نحن نرى ان التوثيق الكامل لن يدفعنا دائما الى قبول الخبر وان التوثيق الناقص لن يدفعنا دائما الى الطرح الخبر، فلن يدفعنا التوثيق الكامل (على ندرته في سيرة ابن اسحق- التي خلفه عليها ابن هشام، ولم يحسن ابن اسحق كان له قرابة ثلاثين - حديثا في كتب الحديث، ما كان صحيحا وما لم يكن صحيحا. اما ابن هشام فهو عُرْيٌ من ذلك، اذ ليس له ولا حديث واحد في كتب الحديث، فلا خبرة ولا معرفة، ولا علاقة - بالتوثيق) - لن يدفعنا التوثيق الكامل، على ندرته في السيرة، على تصديق الخبر - استنامة لصحة السند - كما كان يفعل رجال الحديث/دراية - في القديم والحديث، فلا بد من الشك في متن الخبر ومناقشته، حتى يثبت، او يطرح، بناء على ما ورد في القرآن الكريم عنه، او مسايرته لطبيعة مجرى الاحداث، او لقوانين الاجتماع، او - لطبيعة محور الشخصية الذي يخصه، او طبيعة الاجتماع في الجماعة التي جرى حولها الخبر، او موافقة الخبر او مخالفته للواقع او التجربة او منطق العقل (وليس المنطق الفلسفي، او منطق علم الكلام - المبني على هذا المنطق الفلسفي السفسطائي).
- ولن يمنعنا التوثيق الناقص (الضعيف) للخبر، او عدم التوثيق - البتة - على اطراحه، بل تنظر فيه -بناءا- على المعايير التي اجملناها - آنفا، فقد نصدقه ونقره، بناء على مضمونه، وقد نكره ونطرحه، بناء على مضمونه كذلك.
هجرة الرسول المعصوم.
على هذا.. ننظر في هجرة الرسول المعصوم (ومعظم اخبارها غير موثقة توثيقا كاملا):- فلا بد ان الرسول المعصوم - معصوم - من ان يصيبه الناس بما يسبب له اهانة من ضرب او غيره - قد اذن لصحابته - رضي الله عنهم- ان يهاجروا - سرا افرادا وجماعات، قبل ان يهاجر، حتى لم يبق في مكة المكرمة معه الا ابو بكر - وعلي، رضي الله عنهما - وانه - صلى الله عليه وسلم - لم يهاجر الا بعد ان - اذن - له ربه: قال -صلى الله عليه وسلم- لابي بكر: (ان الله قد اذن لي في الخروج والهجرة) - السيرة - 2/82.
ولا شك ان قريشا، وفيهم ذوو الاحلام: (ام تأمرهم احلامهم بهذا ام هم قوم طاغون) - (الطور 32) - ادركوا.. ان محمدا امر اصحابه فهاجروا، وانه ينوي ان يلحق بهم، فلو لحق بهم - هكذا تقول قريش - فانه سيجهز جيشا لغزونا وقتلنا. واذن - لا بد من ان نثبته (نجعل عليه اقامة جبرية) او نقتله، او نخرجه الى بلد بعيد لا يعرف العربية - فكارس او الحبشة - حتى لا يصل الى ما يخطط له. وقد اثبت رأيهم هذا القرآن، قال تعالى: (واذ يمكر بك الذين كفروا، ليثبتوك او يقتلوك او يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) - (الانفال 30) - ولذا فامر طبيعي ان يثبتوا على موقف من المواقف الثلاثة. وقد ثبتوا على - القتل- ولذا.. من المعقول ان يكونوا قد جندوا مجموعة من شبابهم الصناديد، ليحيطوا بداره - صلى الله عليه وسلم - ليقتلوه، عندما يخرج منها لصلاة الفجر، في المسجد الحرام (السيرة - 2/80).
اما ان ابا جهل - الذي كان في الخمسين - كان مع الشباب ام لم يكن - فهذه من التفاصيل التي قد تصحّ وقد لا تصحّ (السيرة -2/83). واما ان الرسول المعصوم خرج من داره منتصف الليل، فلم يروه، والقى عليهم قبضة من تراب فاصابت عيونهم ورؤوسهم - او انه - صلى الله عليه وسلم - بات في دار ابي بكر -رضي الله عنه- وترك عليا في فراشه، ليوهمهم بوجوده - صلى الله عليه وسلم - في بيته، وليردّ عليٌّ الودائع.. فهذه تفاصيل قد تصحّ وقد لا تصحّ (السيرة - 2/82).

 

في غار ثور

اما ان الرسول المعصوم الحكيم - كمن - في غار جبل ثور - ثلاث ليال وثلاثة ايام حتى يئست قريش من وجوه حول مكة.. فامرٌ طبيعي، لانه يعلم بحكمته العالية: (وانزل الله عليك الكتاب والحكمة) - (النساء 113) - ان قريشا ستجد في طلبه، للقبض عليه وقتله - حاشاه - ولماذا لا؟ وقد يكون احاط صناديد شبابهم بداره ليقتلوه - حاشاه - عندما يخرج لصلاة الفجر، في المسجد الحرام؟ (السيرة - 2/81).
اما ان عبدالله ابن ابي بكر.. كان يريح اليهم الغنم في المساء، فيذبحون ويطعمون.. فخبر مشكوك كفيه. لان ذلك فعل قوم لا طلب وراءهم، وبالهم فمن لملء بطونهم لحما غريضا! (السيرة 2/84).
واما ان الرسول المعصوم الحكيم اتخذ دليلا هو عبدالله ابن اريقط، وكان خريتا في الصحراء (خبيرا) مع انه كان مشركا.. فامر معقول، لان الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو احد اهل مكة، ولا يخفى عليه ما عليه كل رجل بارز في مكة من الاخلاق، وقد خبر عبدالله هذا.. بانه رجل يوثق به ولا يفشي سرا - خاصة انه - صلى الله عليه وسلم - لم يطلعه على وجهة الرحلة، ولا على المكان الذي كمن فيه، حتى يبلغ بموعد السفر ووجهة السفر (السيرة - 2/84). وانه لامر طبيعي ان يتخذ دليلا، وهو - صلى الله عليه وسلم - بحكمته لا يريد ان يسلك الطريق العامة المعروفة للجميع، وانما يتجشم طريقا وعرا، لا يعرفه الا خريت في الصحراء، لكي لا يعرض نفسه، للقوم يلحقونه، اذا سلك الطريق المطروقة، ومع ان الدليل مشرك غير انه من امثال من قال فيهم القرآن من اليهود:(ومن اهل الكتاب من ان تأمنه بقنطار يؤده اليك....) (آل عمران - 75).وهو يعلم الرسول المصطفى انه من هذا الفريق.
اما ان سراقة ابن جعشم لحق به - صلى الله عليه وسلم - (والرسول صاحبه، والدليل وخادم ابي بكر) فغاصت اقدام فرس سراقة في الرمال، مرارا، ووعده الرسول - صلى الله عليه وسلم - ان يرجع، وله سوارا - كسرا.. فهذا خبر قد يصح وقد لا يصح. وليس له وزن كبير (السيرة - 2/88).

 

خيمة ام معبد

تقول الرواية بان الرسول المعصوم ومن معه، لم يبق معهم زاد، فرأوا في الصحراء خيمة - فعمد الرسول المصطفى ومن معه اليها - فوجد فيها عجوزا، وبقربها شاة عجفاء غارز - فسألها طعا، فما كان عندها شي، فاستأذن الرسول ان يحلب هذه الشاة.. فأذنت، فمسح على ضرعها، فامتلأ لبناً، فحلب - صلى الله عليه وسلم - منه، فشرب، وسقى من معه، وسقى ام معبد. ثم ملأ الاناء، واعطاهُ - اياها- ليكون لأبي معبد، عندما يعود بشويها في المساء.. (السيرة - 2/85).
هذه رواية قد تصح وقد لا تصح، وانا لا استبعد صحتها، لان الرسل - لهم كرامات (بل ان الاولياء لهم كرامات). ولكن الكرامة ليس لها قانون فيزيائي، بحيث تأتي عندما تتوفر الشروط. وانما تقوم على قانون غيبيّ، لا نعلمه، وانما يأتي ضمن ظروف كونية، قد يكون لقاؤهنّ سهلاً - احياناً- وعسيرا - احياناً. (وقد فصلنا ذلك في كتابنا - كرامات شفيفةٌ ومواقف منيفة- في حياة رسولنا المعصوم (1). ولكن عدم صحتها - ايضا - لا يتوقف عليها امر مهم. فاذا لم تصح. تصح غيرها، لان الرسل لهم كرامات يؤيد ذلك الاخبار الصادقة عن حياة الرسل- عليهم السلام.
ولا شك ان الرسول الحكيم المؤيد من ربه امضى في الطريق ما بين عشرة ايام الى خمسة عشر يوما، لان المسافة بين مكة المكرمة، والمدينة المنورة - حوالي اربع مئة وخمسين كيلو مترا، والابل - وركابها - لا يستطيعون ان يسيروا في اليوم اكثر من 40-50 كيلو مترا - فلا بد من الراحة، والطعام، والنوم، حتى يقوى الركب على لاسير اياما كثيرة.
وبعد؛ فللحديث بقية. ولكن نختم بالتأكيد بان صحة السند - حسب منهج المحدثين - لا يعني، دائما، صحة مضمون الخبر - وخاصة في السيرة الشريفة التي قامت على روايات الاخباريين - كابن اسحاق، وابن هشام - لا على تحقيقات المؤرخين الموثقين - وان عدم وصل سند الحديث (نقصان السند) لا يمنع احيانا من صحة الخبر واحيانا من تكذيبه- بناء على النظر في مضمون الخبر حسب المعايير التي اوردناها قبل وخاصة في السيرة المشرفة عند جميع من كتبوها، قديما وحديثا - والله تعالى اعلم.

 

 د. عودة الله منيع- القيسي 

 

هامش

 (1) نظ: كرامات شفيفة ومواقف منيفة- في حياتنا رسولنا- 35 ، 36/ دار البداية 2007

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.