wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
“من جاء بالحسنة فله خير منها، وهم من فزعٍ يومئذ آمنون”

د. محمد المجالي

هذه آية من أواخر سورة النمل، وتكملة الآية بعدها: “ومن جاء بالسيئة فكُبَّت وجوههم في النار، هل تُجزون إلا ما كنتم تعملون”، وقد تكرر مثل هذا المعنى في القرآن مع اختلاف يسير في اللفظ، وهي آيات تكمّل بعضها أو تشرح بعضها، فقد ورد أيضا: “من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون”، وورد أيضا: “من جاء بالحسنة فله خير منها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون”.
مثل هذه الآيات تؤكد قانون الجزاء، فالله سبحانه أرشد وهدى، وأرسل الرسل ليقيم بهم الحجة، وأرسل معهم رسائل واضحة ووحيا إلهيا، وأيّد كل رسول بمعجزة ملائمة لطبيعة ما اشتُهر به قوم ذاك الرسول، ليصلح التحدي الذي هو من أكد عناصر المعجزة، وحين تقام على العبد الحجة: “رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل”، حينها يكون كل إنسان مسؤولا عن عمله وما قدم في حياته، فالله لم يخلقنا عبثا: “أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا تُرجعون؟”، فالعبثية مستحيلة عليه سبحانه، ولا بد للإنسان العاقل أيضا أن يصد نفسه عن العبثية، فيلتزم أوامر ربه ونواهيه، ويستشعر محاسبة الله له، فيحاسب نفسه ويوقفها عند حدود الله تعالى.
والخيرية الواردة في الآيتين وضحتها الآية الأخرى، فمن جاء بالحسنة فله خير منها، المقصود أن له عشر حسنات، وهو الحد الأدنى الذي أخذه الله على نفسه، وإلا فيمكن أن يكون الأجر مضاعفا إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة كما ورد في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم، وقد بينت آية النفقة في سورة البقرة هذا الأمر في قوله تعالى: “مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء”، فالأمر يعتمد على درجة الإخلاص وصدق الإقبال على الله، ومدى الرضا بينه وبين خالقه وانغماسه في طاعته، وتنزيه النفس عن المن والأذى، وانصياع النفس أمام طاعة الله، انقيادا واستسلاما وحبا.
الآية هي من سورة النمل، وسورة النمل هي سورة الجندية والقيادة، نلحظ هذا في النمل نفسه، فعالمه منظم متفان متعاون، وما أجمل ما قالته تلك النملة: “يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون”، فهي قائدة حكيمة نبهت قومها إلى الخطر، وهي حريصة على قومها، تسد أبواب الهلاك وتدعو إلى الانتباه والحذر والاستعداد، ولعل في هذا درسا للبشر، ولذلك سميت السورة بالنمل لا بأي شيء آخر مما ورد في هذه السورة، فلم تسمَّ سورة سليمان مثلا، رغم طول قصته هنا مع ملكة سبأ.
ونلحظ القيادة والجندية أيضا في شخصية سليمان وأعوانه، وكذلك في شخصية ملكة سبأ رغم ضلالها وظلمها لنفسها، حين عبدت وقومها الشمس من دون الله، فقد كانت حكيمة في معالجة الأزمة التي تعرضت لها بسبب رسالة سليمان عليه السلام لها، وجدنا الشورى واختبار الخصم، وهي ملامح –لا شك- تدل على عقلية راجحة.
وتطرقت السورة لأنواع الفساد الذي يعصف بالأمن المجتمعي عموما، فإضافة إلى الفساد العقدي الذي أتى على ملك ملكة سبأ، فهناك قصتان مختصرتان وردتا في السورة، ولم تردا عبثا، بل مقصودتان للإشارة إلى خطر الفساد في تضييع هيبة الحكم وإشاعة الفوضى، فقص الله علينا قصة الرهط من ثمود، وهم تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يُصلحون، وقصة قوم لوط في فاحشتهم المعروفة، ففساد الرهط من ثمود عام فيه القتل والتآمر والكيد وخلخلة المجتمع، وفساد قوم لوط أخلاقي لا يقل عن الأول، وكلاهما نذيرا شؤم على أي مجتمع بالزوال، وهو ما حل بالقومين، فزال كل قوم بعذاب من عند الله.
لهذه الأجواء في السورة، جاءت العبارات نوعا ما شديدة، فموضوع فعل الحسنة معروف، والله يعاملنا بالإحسان لا بالعدل، وهذا من كرمه تعالى ومنه وفضله، فالحسنة بعشر أمثالها، بينما السيئة بواحدة، ولكن التعبير في حق الظالمين كان شديدا: “فكبّت وجوههم في النار، هل تُجزوْن إلا ما كنتم تعملون”، فلا بد من ترهيب لهؤلاء الذين يقلقون مضاجع المجتمع كله، ويتعدى منكرهم وفواحشهم دائرتهم الخاصة، لتعم المجتمع، فوجب التشديد، ولا يجزي الله عبدا إلا بما قدم: “هل تجزون إلا ما كنتم تعملون!؟”، فلا يظنن ظان أن الله يظلم الناس: “إن الله لا يظلم الناس شيئا، ولكن الناس أنفسَهم يظلمون”.
هي دعوة للعيش مع النفس تصويبا، ومع المجتمع إصلاحا، ومع المسؤول نصحا وإرشادا، بأن أمن المجتمعات لا يقل خطورة عن الأمن الخارجي، بل إن المجتمعات إن انهارت أخلاقها وقيمها، حينها يسهل لعدوها ابتلاعها.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.