wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
الباحثون عن السعادة

الباحثون عن السعادة

بقلم: أ.د محمد أحمد حسن القضاة

يحسب كثير من الناس أن السعادة تتحقق بحيازة المال والقصور ،أو تتحقق بالشهرة وذيوع الصيت ،أو تتحقق بالجاه والإرتقاء في المكانة الاجتماعية ،أو تتحقق بالبذخ والإسراف بلا حساب ،صحيح أنّ الإنسان ينال نصيباً من السرور والبهجة وراحة النفس في ظل ما ذُكر ،لكن هذه السعادة الوقتية لا تدوم عند تحقق الأشياء السابقة ،لأنه كلما أصاب شيئاً منها طلبت نفسه المزيد ،والنفس الإنسانية مجبولة على حب الدنيا واقتناص المتع واللذائذ أنّى وجدت ،وعندما يصل الإنسان إلى أفق معين فيظن أنه سيطمئن قلبه ،وترتاح نفسه بعد معاناتها ،لكن النتيجة أنه يزداد حباً وشغفاً وعطشاً وتتمنى نفسه الحصول على المزيد اللا محدود ،وقد عبّر الرسول صلى الله عليه وسلم عن حالة الإنسان المتلهف على الدنيا بقوله :" لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب أحبَّ أنّ يكون له وادياً آخر ،ولا يملا فاه إلا التراب والله يتوب على من تاب ".

لذلك نجد كثيراً من الأشخاص في عالمنا المنظور أقدموا على قتل أنفسهم بالإنتحار بعد أن امتلكوا الأموال والجاه والسلطان والمكانة الإجتماعية ،وما ذلك إلا لأنّ نفوسهم لم تجد السعادة الحقيقية في ظل المادة الباهتة التي عذبت الإنسان ،فأصبحت حياته كالسراب ،ومتى كان عالم المادة يجلب السعادة والراحة النفسية والقلبية للإنسان ،بل تحول كثير من الناس إلى عبيد للمال والشهوات التي قتلت فيهم النخوة والشجاعة الأدبية ،والقدرة على تحرير النفس من قيودها التي ألصقها بالطين ،وقد صور القرآنُ العظيمُ حالة الإنسان العبد الذي اتخذ إلهه هواه وقد أُضل على علم ،بقوله عز وجل :" أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه ،وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون " ،إنها صورة محزنة للإنسان الذي أصيب بعمى البصيرة والبصر ،وانتهى به المطاف أن يؤله أهواءه وشهواته بعد أنّ غرته وخدعته الدنيا ،وحجبت عنه النور ،فهو حينما يسقط في هذا المستنقع الكدر يسقط عن علم ويضل عن علم ،والنتيجة المؤلمة أن يختم الله على قلبه وسمعه وبصره ،وتصبح جوارحه منافذ للشقاوة والتعاسة والبؤس .

وحتى يتكامل بناء السعادة لا بد من توازن حقيقي بين مطالب الجسد ومطالب الروح ،لأنّ الله عز وجل أودع في أعماق الإنسان السوي الأشواق الروحية والغرائز المادية ،وقد دعا القرآن الكريم إلى اشباع عنصري المادة والروح باعتدال وتوسط ,دون تغليب جانب على آخر ،فالإسلام لم يستقذر اشباع الغرائز الجسدية بطرق شرعية مهذبة ،بل اعتبر ذلك من العبادة والتقرب إلى الخالق عز وجل ،كما دعا إلى عدم الغلو في العبادات وغيرها من تشريعات الإسلام بحيث لا تطغى على حياة الإنسان ،لأنّ بعض الناس يجدُ السعادة في تعذيب النفس وقهرها وصدها حتى عن سبل الحلال بحجة قتل الشهوات وتحقيق ما يزعمه من السمو والطهارة الروحية والبعد عن أوضار الحياة الدنيا ،وما يفعله هؤلاء بعيد عن منهج الله القويم ،ومنهج رسوله الأمين ،بل هو الفساد والهلاك بعينه ،والإنسان الخير الفطن الباحث عن السعادة يدرك بعمق قول الله تعالى :" وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخره ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ،ولا تبغ الفساد في الأرض " ،والسبب في رفض الإسلام لأسلوب الغلاة العقيم هو أنّ الله لم يخلق هذه الشهوات والغرائز المادية عبثاً ،إنما خلقها لتكون دافعاً للإنسان من أجل إعمار الكون .

إنّ طريق تحقيق السعادة الحقيقية للإنسان هو أنْ يكون عبداً طائعاً لخالقه في السر والعلن ،لأنه بذلك يكون قد انسجم مع كل معطيات الكون ،ومع الحقيقة التي خلق الله الجن والأنس لها وهي عبادته قال تعالى :" وما خلقت الأنس والجن إلا ليعبدون " ،والذين فشلوا في تحقيق السعادة والأمن النفسي هو نتيجة الخواء الروحي الذي يعانون منه ،عاشوا وهم يعانقون شهوات الدنيا ،وماتوا وهم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً إنّ لذة الركون إلى الله والرضا بقضائه وقدره نعمة لا يمكن أن تعادلها سعادة أو فرح ،وقد بين الرسول الكريم في أحاديثه هذا المعيار الصادق بقوله :" ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً ،وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً " .

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.