wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
قراءة في كتاب لا تطرف ولا إرهاب في الإسلام للدكتور عباس الجراري
الاثنين, December 9, 2013 - 02:15

مقدمة
     صار إثبات الوجود شيئا مصيريا لدى كل نفس بشرية، برغم اختلاف الثقافات والملل، وليس بإثبات الحدود، لأن الحدود يمكن أن تتغير في أي ظرف من الزمن، وبحسب تبادل المكان بين نقاط القوة والضعف في العالم. 
    في مقابلها يبقى إثبات الوجود أكثر شيء وأخطره يراود كل ذات بشرية، مهما كانت قوية أم ضعيفة،منتجة أو مستهلكة،فإيمانها بوجودها يتأرجح بين المطلق والنسبي،فهل الموجودات بهذا المعنى المخلوقات هي جزء من الوجود أم أنها الوجود نفسه، أهي حقيقة أم زوال؟ وأفكارها أهي مبدأ أم مسلمة أم إيمان؟ هذه الأفكار لم تجد جوابا لها عبر سلسلة متراكمة من الدراسات الأكاديمية سواء كانت منها فلسفية وجودية، أو حتى سياسية دينية.
     فالعالم الآن والظروف التي يمر بها، جعلت ضعفاء هذا العالم يبحثون عن كيانهم فيه، كما أن الأقوياء دائما هم في صراع على تثبيت وجودهم، والكل يبحث وينحت في الصخر على هذا الإثبات، لكن تختلف الطريقة باختلاف مواقعهم، فمن توجد لديه القوة والاقتصاد والسياسة يسارع في تثبيت وجوده، ومن لا يحمل سوى نقطة من ماء الديناميت فإنه يتسابق على البحث عن وجوده، في عالم تتسارع فيه الأفكار والإيديولوجيات. وكان نتاج ذلك ظهور فكرة يسودها الضباب بين إثبات الوجود مع التمسك بقيم سلوكيات الحياة، حتى يكون هناك أمان وطمأنينة وسلام، وبين إثبات الوجود في صيغة التمرد والطغيان والتعصب والتطرف، مما ولد عالما آخر يسود فيه القلق الدائم وعدم الاستقرار داخل منظومة موحدة، فكان من الطبيعي على المفكرين والأكاديميين والباحثين والسياسيين البحث عن جوهر علاج هذا الخلل الذي حل بالعالم، خلل التطرف والإرهاب. 
    

 

هذا ما سنعالجه من خلال قراءتنا المتواضعة لكتاب الدكتور عباس الجراري(3) مستشار جلالة الملك محمد السادس ملك المغرب "لا تطرف ولا إرهاب في الإسلام"، فقد عالج في كتابه موضوعات عدة، ناقشها من خلال رؤى متعددة، في مجال اللغة والاصطلاح والسياسة والدين، لمفاهيم: 
     التطرف، الإرهاب، سماحة الإسلام ووسطيته، معادلة السلم والحرب،أسباب التطرف وسيرا على خطى هذه الدراسة العلمية، فقد افتتح الدكتور عباس الجراري كتابه السالف الذكر بمقدمة عرض فيها أن العالم الآن في ظل هذه الأجواء الساخنة فيه، وانعكاسات وقائع التي أثرت بشكل مباشر في مجريات التاريخ وتغيير الخريطة السياسية بعد أحداث 11 من أيلول )شتنبر( بالولايات المتحدة، والتي أدخلت العالم العـربي والإسلامي خاصة قفص الاتهام، فليس الإسلام هو المقصود، فقد ورد في هكذا منحى قول جورج بوش في خطابه(4): "إنني أريد اليوم أن أتحدث مباشرة إلى شعوب الشرق الأوسط الكبير، بلدي يرغب في السلام، إن المتطرفين ينشرون دعاية تدعي أن الغرب منغمس في الحرب ضد الإسلام، هذه الدعاية كاذبة وغايتها أن تربككم وتبرر الأعمال العدوانية، إننا نحترم الإسلام، لكننا سنحمي شعبنا من أولئك الذين يحرفون الإسلام لكي يبذروا بذور الموت والدمار". 
    فالإسلام دين منزه عن أية شائبة بإثارة العنف والتطرف والإرهاب، بل المسلمين هم المقصودين الذين يشكلون خمس سكان العالم يقفون شبه مستسلمين ضعفاء، عاجزين عن رفع التحديات الكثيرة والكبيرة التي تواجههم وتهدد وجودهم،في هذا الإطار نشرت عدة كتب تروج الاستفزاز وإثارة غضب المسلمين وجدت سوقا رائجا لدى المتحاملين عليهم، وكذلك حب الاضطلاع للذين يريدون معرفة الدين الإسلامي من خلال الشعوب المنتمية إليه، وما لهم من رؤى ومواقف من الديانات الأخرى. 
   

 

في مقابل ذلك نشرت كتابات أخرى تبين للعالم سماحة الدين الإسلامي وموقفه من السلم والحرب،خاصة بعد أحداث 11 من أيلول2001، وما أعقبها من أحداث أخرى يوم الجمعة الأسود 16 ماي 2003 بالدار البيضاء، والخميس 11 مارس 2004 بمدريد، ناهيك عن حدث في الخبر بالمملكة العربية السعودية 29 ماي 2004، لذا فالاستغراب لا يمكن أن يثور إذا ما أقيمت ندوات ومؤتمرات على ضوء هذه الأحداث الأليمة والتي راح ضحيتها الأبرياء، سواء على المستوى الإقليمي العربي والإسلامي أو المستوى العالمي للتعريف بالإسلام و وسطيته كدين سمح، وإبراز موقفه الرافض للتطرف والإرهاب.
    فالموضوع شائك وحساس لدرجة لا يمكن أن تغفو علينا نحن- العرب المسلمين-، وقبل أن نكون كذلك نحن ننتمي إلى عالم الإنسانية، فأي فعل هو خارج عن إطار غير إنساني وغير عقلي فهو عمل إجرامي في حق الإنسانية جمعاء. 
     فما هو الخلل الكامن من وراء نزعة التطرف؟ أهو مقصور فقط على ملة معينة أم أنه عبارة عن إيديولوجية،تهدف إلى نشر ثقافتها بالقوة (الإسلام السياسي).

 

 

التطرف

    فلفظ التطرف كما يترجم حرفيا في اللغة الإنجليزية:Extremism والذي يعبر أيضا على هذه المفاهيم التي تستعمل اليوم وهي:
Intergrism – Radicalism –Fundamentalism -Fanatismبحيث أن هذه الظاهرة كانت موجودة في الغرب منذ وقت مبكر، قبل أن تلصق التهمة بالعرب و المسلمين كالغلو والتشدد والتنطع والتعصب، فما الغلو إلا إذا أفرط الشخص في الدين وتشدد وجاوز الحد والقدر اللازم فيه، وما التشدد إلا صلابة وصعوبة وكله مرتبط بمعنى التكلف وإجهاد النفس، والتنطع هو كل تعمق قولا وفعلا، ويطلق على المتشدق في الكلام والمتعمق فيه، والتعصب هو ما ضم الشيء إذا ما تفرق منه .
     فهو كان نتيجة ولادة مفهوم العصبية القبلية التي كانت معروفة في المجتمع العربي في فترة ا لجاهلية، وما تولد عنها من تطاحنات وصلت إلى حد الاقتتال وومع مجيء الإسلام الذي سوى بين جميع ا لناس )لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى(، في إطار كل وما فعلت يداه وكل وتقواه. 
     لذا ينبغي كما يذكر الدكتور التفريق بين التطرف وبين مجرد اتباع مقتضيات مذاهب أخرى السائدة في بلد معين، وقد أعطى مثالا للمذهب الحنبلي الذي يعرف أنه مذهب متشدد وأكثر انتشارا في أواسط الناس لأسباب كثيرة، منها تأخره الزمني عن المذاهب السابقة، وعدم مساندة السلطة له مما جعل القضاة لا يعينون في غالب من الحنابلة. 
  

 

   وكانت الانطلاقة الجديدة لهذا المذهب على يد تقي الدين أحمد بن تيمية، وقد اعتمده زعيم الإصلاح في المملكة العربية السعودية محمد بن عبد الوهاب، وهو ما يستند إليه بعض الخطباء والوعاظ، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمبالغة في معاملة العامة إلى حد الزجر الذي قد يصل مع السلف إلى التكفير ومن هكذا مثال فقد قال محمد بن عبد الوهاب(5) :"من استغاث بالنبي )ص (أو بغيره من الأنبياء والأولياء والصاحين أو ناداه أو سأله الشفاعة فإنه مثل هؤلاء المشركين الذين قال فيهم تعالى : "ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون"(6). 
    وقد وصل حد هذا الزجر إلى القتل حيث قال الشيخ أحمد زيني دحلان(7): "يمنع مشايخ محمد بن عبد الوهاب الصلاة على النبي)ص) على المنائر بعد الآذان حتى أن رجلا صالحا أعمى كان مؤذنا وصلى على النبي بعد الآذان، فأتوا إلى محمد بن عبد الوهاب فأمر به أن يقتل فقتل"، لهذا كان من الضروري والواجب التمييز بين التطرف والتوجهات الإصلاحية التي تهدف إلى تصحيح الأفكار وتقويم السلوك، انطلاقا من الدعوة إلى حقائق الدين الإسلامي ومبادئه الأساسية وقيمه المثلى، ونبذ كل تخلف من شعوذة وطرقية وخرافات وانحراف،في نشر الوعي بين أفراد المجتمع لكن ليس عن طريق التشدد الذي لا يقبل الاختلاف المذهبي ويكفر صاحبه، بأسلوب لا يتناقض ولا يتعارض مع ما يدعو إليه الإسلام من السماحة والرفق في التعامل والمجادلة التي هي أحسن فأضحت لنا الضرورة إلى التفرقة بين الممارسة الشخصية للتطرف وبين الدعوة إليه و مهما يكن من التشدد المختار عن طواعية ذاتية مادام لم يتجاوز سلوكه الفردي إلى الدعوة لاتباع طريقه.
   

 

  كما نجد مصطلح Intergrism، الذي كان يطلق على حزب كاثوليكي متطرف إسباني لمؤسسه Candido Nocedal سنة 1872 أن تكون الحكومة تابعة لسلطة الكنيسة، ويعني هذا المصطلح Intergrism اتجاه فكري ديني يتمسك بالتقاليد ويرفض كل تطوير وقد انتشر في أوربا خلال القرنين 19و20،ولم ينحصر في هذا المصطلح بل تعداه إلى Fanatism ،وهو شعورا ذاتيا مبالغ فيه نحو ديانة أو مذهب أو حزب أو شخص، يدفع إلى استعمال العنف ولو بالتضحية بالنفس.
     وقد عرف هذا المصطلح تداولا كبيرا وسط رهبان بلون Belloneوهي آلهة الحرب عند الرمان وأخت مارس أو زوجته الذين تظاهروا في روما وهم يرتدون السواد ومسلحين بشواقيرو يضربون الطبول وينفخون المزامير، مندمجين في حالهم إلى حد رقص بعضهم عراة ومن شدة التأثر،وهذا ما تأثرت به بعض المذاهب المسيحية الصوفية في كل من ألمانيا وبريطانيا والأراضي المنخفضة.
 

 

   أما مصطلح Radicalism فهو مفهوم معروف جدا وشائع في الفلسفة والسياسة والاقتصاد،انتشر عند الجمهوريين الليبراليين و اللائكين الذين لهم دور كبير في عهد الجمهورية الثالثة في فرنسا عام 1899، وينسب كل من Bentham و،Stuart Mill ،
أهم ملامحه في الليبرالية الاقتصادية النفعية والفردية والعقلانية. 
     وفي المرحلة المعاصرة أقرب منها إلى الماركسية بحيث تدعو إلى قراءة جديدة للاقتصاد، فأول بوادر ظهور هذا المصطلح Radicalism كان أواخر القرن 18 في بريطانيا، ثم فرنسا بعد الثورة الفرنسية، ثم الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب الأهلية في منتصف القرن 19،وهو توجه متطرف يدعو إلى البحث في أصول الأخطاء والانحرافات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى معالجتها بالتغيير انطلاقا من Radicalis وهو الأصل والجذر.
    وفي نفس الفترة أي خلال القرنيين 18و 19 ظهر مصطلح Fundamentalism في الولايات المتحدة الأمريكية حيث أضحى بارزا في أواخر القرن19، حيث رفض التيار المحافظ في بعض أواسط البروتيستانية بتاتا أية قراءة نقدية، تاريخية، أدبية للكتاب المقدس خاصة بعد ظهور نظرية داروين حول التطور ووصل الأمر إلى حد اتخاذ أسلوب الطرد من الكنيسة الذين اعتبروا متحررين)ليبراليين(، وإبعاد المسؤولين عن سلطة القرار في مراكز الدولة بسبب ذلك،وبلغ الأمر ذروته سنة 1909،على نشر مجموعة كتب بعنوان الأصول و الأسس The Fondaments وهي اثنا عشر سفرا كان لها انتشار كبير في الولايات المتحدة الأمريكية خاصة في البيئة القروية لأمريكا الجنوبية وبالضبط في كاليفورنيا، حيث كانت أكثر استعدادا لتقبل الأفكار الأصولية إلى حد تقنين عدم درس النظرية الداروينية في المؤسسات التعليمية و كذا منع كلما يعارض النصوص الدينية، مع محاكمة المدرسين الذين لا يمتثلون لذلك، ولم يتم إلغاء هذا القانون إلا سنة 1968 باعتباره يتعارض والدستور الأمريكي.
 

 

    فهذه التعدديات في الاصطلاحات لا تخرج من كون أن مصطلح الأصولية والذي يختلف جذريا في مدلوله العربي الإسلامي عن باقي الاصطلاحات السابقة، فهو مرتبط بالتشريع بما يقاس عليه الفرع في الأحكام وما يعرف به الحكم غيره ويقاس عليه، فعلم "أصول الفقه" المنصب على أدلة الأحكام الشرعية والقائم على الكتاب والسنة والإجماع والاجتهاد، وهو مجموع القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام مما يشكل فلسفة الفقه الإسلامي، كذلك علم " أصول الدين" الذي يبحث في أصول العقيدة لإثباتها والدفاع عنها بالحجج العقلية وهو ما يطلق عليه كذلك ب" علم الكلام ".
     ومهما تعددت مصطلحات التطرف سواء من حيث اللغة أو الاصطلاح ، فإن اليمين المتطرف آخذا في النمو بروسيا وكثير من الدول الأوربية و تأييدا لمثيله في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما يظهر جليا بعد انعكاسات 11 من أيلول والتي نبهت الأوربيين الحفاظ على أمنهم ومراجعة موقفهم من العرب والمسلمين والمهاجرين والزائرين، والأحداث التي توالت بعد ذلك من تفاقم ظاهرة الإرهاب و فما هو مفهومه؟وهل له انتماء إلى دين معين أم أنه عبارة عن شطحات مجنونة لفاعل لا يستحق أن ينتمي إلى الأسرة الإنسانية.
الإرهاب
 

 

    قبل أن نخوض في بحر تعاريف مصطلح الإرهاب ، يمكن أن نبين لكل متتبع لأحداث العالم وتطوراته السريعة اليومية ، أن ظاهرة الإرهاب انتشرت بصورة كثيفة ولم تقتصر على بؤرة معينة سواء منها المحلية أو الإقليمية بل تجاوزت حتى أصبحت عالمية،واكتسب هذا المفهوم مصطلحا جديدا وهو" الإرهاب الدولي"، مما ولد مشاعر القلق لدى قادة الدول وشعوبها الراغبة في حياة آمنة يسودها الحق والعدل والسلام .
    فمثلما وجد الشر وجد معه الخير،وجد العدل الملازم للظلم ، وجد التشدد والعنف في مقابله يوجد اليسر والسماحة، فظاهرة الإرهاب ليست وليدة هذا العصر وإنما وجدت بوجود الخليقة وعلى امتداد عصورها، ولا سيما من اتخذ الدين الذي هو أقدس شيء عند الإنسان، والذي يستتر خلفه، لما للدين من أثر وقوة عميقين في تكييف وجود الإنسان على البسيطة وتحديد أسلوب حياته وتنظيمها وفق طقوس دينية وثقافية معينة .
 

 

   فظاهرة الإرهاب وما يكتسيها من غموض باعتبارها فعلا إجراميا، كيفما كانت أشكالها وتنظيماتها، ومهما كانت دوافعها وأهدافها، فالإرهاب كما ذكر الدكتور عباس الجراري(8) : "هو سلاح للذي يعجز عن إثبات ذاته وتحقيق أهدافه بهدوء واتزان وعقل، فيلجأ للتوسل بالأساليب التي تستجيب لها شهوته ويمليها عليه هواه، بعيدا عن السلوك المنضبط الذي تقتضيه العلاقات الإنسانية القائمة على التفاهم والتسامح والتساكن وتبادل الرأي والمصالح والمنافع".
    فقد دعت جميع الرسالات السماوية أسلوب الحوار وتبادل الرأي والاعتراف بالآخر ووجوده والاختلاف معه، تفاديا للوقوع في التعنت والتشدد جلبا للمصالح ودرءا للمفاسد، لقوله تعالى(9):"ولقد كرمنا بني أدام"، لذلك فأي فعل يمس بالإنسان هو عمل إرهابي سواء أقام به أفراد أم دولة أم منظمات أم جماعات فوضوية كما ذكرها الدكتور عباس الجراري .
    فمبدأ العنف لا يستند على أساس منطقي رغم أنه يتخذ طريقا لنيل حق مشروع دفاعي، وهذا الأخير لا ينطبق و فكر الإرهاب، بحيث أن المقاومة تختلف جذريا عن الفعل الإرهابي فهي دفاع عن النفس وعن الوطن والتحرر من الاحتلال واسترجاع الأرض ، وفي هذا السياق ذكر الرئيس الأمريكي جورج وولكر بوش في حديث مجلة ) (Paris Match أول يونيو 2004، صرح بأن العراقيين الذين يقاومون الاحتلال الأمريكي ليسوا كلهم إرهابيين، وأكد قوله أنه هو نفسه لن يتحمل أن تحتل بلاده(10) .
    فبهذا التعريف البسيط جدا نرى الفرق شاسع بين مفهومين المقاومة والإرهاب ، فماذا تعني هذه الظاهرة؟ وهل هي مقصورة فقط على فئة أو ملة معينة أم أنها تجاوزت ذلك ؟

     لقد عرف مصطلح الإرهاب في لسان العرب وهو من فعل رهب بمعنى خاف، ومنه ترهب إذا توعد، وأرهب إذا خاف، وفزع ومنه الرهبة اشتقت الرهبانية والرهبنة،وهي كلها دالة على الانعزال للتعبد.
وقد وردت هذه الكلمة بمختلف صياغتها في اثنا عشر آية: 

  1. رهبة: "لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله"(11).
  2. رهبا: "إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين"(12).
  3. رهبا: " اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء، واضمم إليك جناحك من الرهب "(13).
  4. ترهبون: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم"(14).
  5. يرهبون: "ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون"(15).
  6. فارهبون : " يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون"(16).
  7. فارهبون : " وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو غله واحد فإياي فارهبون"(17).
  8. استرهبوهم: "قال ألقوا فلما القوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم "(18).
  9. رهبانية : " وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها"(19).
  10. رهبان: "ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون"(20).
  11. رهبان : " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله"(21) .
  12. رهبان : " يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله"(22).

    والمتتبع لهذه الآيات الكريمات من القرآن الكريم يلاحظ أنها كلها تدور حول ثلاث نقاط أساسية :

  1. خشية الله وتقواه .
  2. الرعب والخوف .
  3. الردع .

     وهذا تماشيا مع السنة النبوية الشريفة التي تفسر القرآن ، لقوله )ص(: "رب اجعلني لك ... رهابا..."(23)، وكذلك عندما سئل )ص( عن إطالته للصلاة ذات يوم فقال : إني صليت صلاة رغبة ورهبة ..."(24).
     ومهما وردت من المعاني الكثيرة في القرآن الكريم من ألفاظ مشتقة من الإرهاب فإنه لا يعني بحال من الأحوال عن الذي يقصد به حاليا هذا المصطلح. 
    

في هذا السياق أورد مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي تعريفا للإرهاب بأنه(25): "العدوان أو التخويف أو التهديد، ماديا أو معنويا، الصادر من الدول أو الجماعات أو الأفراد على الإنسان، دينه أو نفسه أو عرضه أو عقله أو ماله بغير حق، بشتى صنوفه وصور الإفساد في الأرض".

    كما فرق المجمع نفسه بين الإرهاب والجهاد مؤكدا أن: "الجهاد والاستشهاد لنشر العقيدة الإسلامية والدفاع عنها، وعن حرمة الأوطان ليس إرهابا، وإنما هو دفاع عن حقوق أساسية، لذلك كان من حق الشعوب المغلوبة على أمرها والخاضعة للاحتلال أن تسعى للحصول على حريتها بكل الوسائل التي تتاح لها". 
   هذا ما ينص عليه القانون الدولي الإنساني أو قانون الحرب، خاصة منه معاهدة جنيف الأربعة، التي ألزمت العديد من الدول بتطبيقها، وهي حاولت أن تقيم توازنا بين فكرة الضرورة العسكرية والتي تحتم على الإنسان استعمال القوة ضد أعدائه وبين فكرة الإنسانية التي تردع الإنسان على عدم استعملها إلا للضرورة القصوى. وقد ورد في هكذا منحى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة المادة 39 (26):
   

 

"يقرر مجلس الأمن ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به أو كان ما وقع عملا من أعمال العدوان، ويقدم في ذلك توصياته أو يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير طبقا لأحكام المادتين 41 و 42 لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه". 
    والمتتبع للأحداث الحالية التي يعيشها العالم يرى أن هذه الظاهرة تفاقمت بشكل كبير جدا فيه لدرجة لم يحدد لحد الآن تعريفا دقيقا للإرهاب لدى معظم دول العالم ، فقد ذهب المختصون في السياسة والإعلام والقانون للتعريف بهذا المصطلح وتحديد مجال استخدامه بشكل واضح ودقيق، وذهب بعضهم بالقول إلى أن: "أي استخدام لمصطلح الإرهاب من قبل القيمين على مجالات السياسة والإعلام والقانون يعني إعطاءه صفة وظيفية تلزم الآخرين بالقياس عليها فيما يستجد من حالات لبروزه، أو ما يدعو إلى استخدامه"(27). 
     وهذا ما جعل مصطلح الإرهاب عائما على بحر من التفاسير والاحتمالات لتسهيل توظيفه حيث أن هذا الغياب حول عدم إيجاد اتفاق دولي على تعريف محدد يعني عجز هؤلاء القيمين على القانون الدولي عن وضع تعريف للإرهاب. 
     وربما وجدت تعاريف ذات أبعاد أكاديمية غير ملزمة إلا إنها تبقى مهمة في مجال العرض للأفكار المختلفة التي قد تفضي إلى أساس يمكن اعتماده والبناء عليه في إيجاد حل لتلك الإشكالية، ومنها ما استحضره الدكتور متعب مناف (28) من تعريف قاموسي والذي ينص على انه "وسيلة تحاول عن طريقها الجماعات المعزولة اجتماعيا البحث عن قوتها والدفاع عن محاولتها التسلط"، فهو تعريف ذو منحى اجتماعي وان كان مستترا في معطياته ونتائجه. 
     كما أن عصبة الأمم في إحدى وثائقها الملغاة تؤكد على أن اتفاقا لمنع الإرهاب والمعاقبة عليه كان قد اعد من قبل العصبة منذ العام1937، وانه عد الإرهاب في (الأفعال الجنائية الموجهة ضد دولة ما ويكون غرضها أو نتيجتها إشاعة الرعب والذعر لدى شخصيات أو جماعات معينة، أو لدى عموم الجمهور) (29).ولعل الدافع إلى ذلك الجهد الدولي المبكر في تعريف الإرهاب هو اغتيال ملك الصرب على الأراضي الفرنسية عام 1934 مما دفع فرنسا للتشبث من أجل إقرار ميثاق دولي لمكافحة الإرهاب. 

 

    ولكن طالما جرى تشخيص الإرهاب وتنظيم الاتفاقات الضامنة لمنعه ومعاقبة فاعليه، فهل أن تعريفا دقيقا لما هو إرهاب ولمن هو إرهابي قد أقر واتفق عليه عالميا؟ 
     كما أن الأمم المتحدة واظبت على تضمين جدول أعمال دورات جمعيتها العامة بندا دائم الحضور في كل سنة بعنوان مطول هو "التدابير الهادفة إلى منع الإرهاب الدولي مما يعرض أرواحا بشرية إلى الخطر أو يقتلها أو يهدد الحريات الأساسية، ودراسة الأسباب الكامنة وراء صوره، وأعمال العنف الناشئة عن حالات خيبة الأمل والشقاء والشعور بالغبن وبلوغ حد اليأس والتي تدفع أناسا للتضحية بأرواح بشرية، من بينها أرواحهم، في محاولة لإحداث تغييرات أساسية"(30)، وإنها أفلحت في التوصل إلى اتفاقية دولية لمنع الاستيلاء غير القانوني على الطائرات عام 1971 واتفاقية حماية المبعوثين الدبلوماسيين سنة 1973، واتفاقية منع أخذ الرهائن لسنة 1979. 
 

 

    وأخيرا فان اللجنة القانونية الدولية وضمن هذا المسعى الدولي عرفت الإرهاب سنة 1988:"كافة الأفعال ذات الطبيعة الإجرامية المرتكبة ضد دولة أخرى أو سكانها بهدف إثارة الرعب لدى الأشخاص أو الجماعات أو الشعب"(31)، وهو مشابه للتعريف الذي أقرته اتفاقية عصبة الأمم لعام 1937. 
     فإذا ما تمعنا مليا في هذا البند، نجد انه يحوي خلطا غريبا ومتنافرا يحاول التعميم في تعريف الإرهاب، وتحديد ما هو محرم وما هو مشروع في جانب العنف الذي يقتل المدنيين وهو إرهابا، في مقابله الدفاع عن الوطن وتحريره وهو ما يسمى بالمقاومة، الأمر الذي دعا كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة لأن يطالب في مارس 2005 بوضع تعريف دولي للإرهاب يأخذ بنظر الاعتبار كون(32):"أي عمل يشكل إرهابا إذا ما استهدف التسبب في وفاة أو إحداث إيذاء جسدي خطير لمدنيين وغير مقاتلين بهدف ترهيب سكان أو إجبار حكومة أو منظمة دولية على أي عمل أو الامتناع عنه". 
     وقد أثار مقترح عنان هياجا عربيا رسميا داخل الأمم المتحدة، وهذا ما دعا إلى جو تحاوري وتفاوضي بين المندوبين العرب في المنظمة الدولية لمقاومة المقترح الذي يلغي حقوق الشعوب المضطهدة في مقاومة الاحتلال الأجنبي، وهو الأمر الذي كان عمرو موسى(33) قد أقره عندما قال: " إن مقاومة الاحتلال مختلفة كليا عن الإرهاب". 
  

 

  وأعاد عنان تأكيده على ضرورة الاهتمام بوضع تعريف دولي الإرهاب عقب تفجيرات لندن وشرم الشيخ في يوليو 2005 معبرا عن اعتقاده في إن تلك التفجيرات "تضفي سببا إضافيا للمضي قدما والاتفاق على تحديد سليم للإرهاب مقبول من قبل الجميع"(34).
    ومن سياق هذا التصريح نجد أن مسألة الاختلاف في تعريف الإرهاب أمر له مبرراته المعقولة لذا يجب أن يكون التعريف المقترح مقبولا من قبل الجميع. فالأمم المتحدة هي الجهة المخولة قانونا بإعداد القوانين والنصوص والاتفاقات الدولية التي تحقق أمن وسلامة العالم، فإنها كانت منهمكة في هذا الأمر منذ أكثر من سبعين سنة. وهناك لجنة مشكلة من 191 دولة يرأسها محمد بنونة تعكف منذ العام 1996 على صياغة تعريف للإرهاب ملزم ومتفق عليه من قبل الجميع.
    لذلك فقد وقع خلط بين المقاومة المشروعة وبين الإرهاب، بحيث يوجد بينهما خيط رفيع جدا يفصل بين الحياة والموت، بين المقاومة المشروعة وبين الإرهاب، بين الدفاع عن الوطن وبين تدمير الوطن، فالمقاومة نتاجها هو التخليص من الاستعمار. 
  

 

  أما الإرهاب فهو قتل المدنيين العزل، وهذا ما نصت عليه معاهدة جنيف في المادة العامة الثالثة، البروتوكول لعام 1977 والتي حظرت من ممارسة أي عنف في أي زمان ومكان سواء ارتكبها معتمدون مدنيون أم عسكريون(35): (أ) ممارسة العنف إزاء حياة الأشخاص أو صحتهم أو سلامتهم البدنية أو العقلية وبوجه خاص: 
أولا: القتل.
ثانيا: التعذيب بشتى صوره بدنيا كان أم عقليا.
ثالثا: العقوبات البدنية.
رابعا: التشويه.
    (ب) انتهاك الكرامة الشخصية وبوجه خاص المعاملة المهينة للإنسان والمحطة من قدره والإكراه على الدعارة وأية صورة من صور خدش الحياء.
   لكن هذه المادة ضربت خلف ستائر بسط النفوذ بواسطة القوة والتهديد المباشر والغير مباشر وقتل الأبرياء في هكذا منحى عبر الدكتور نصر عارف(36) أن الفرق بين المقاومة والإرهاب: "تم خلط في فترة حركات التحرر الوطني بين الإسلام كدين والإسلام كإيديولوجية قومية للتحرر والتي أضحت متساوية مع القومية والاشتراكية، فأصبح يتم تبرير وتسويغ أشياء معينة انتقاءً من الإسلام لتبرير فعل ولكنها ليست ملتزمة بالقواعد الثابتة لقوانين الحرب في الإسلام".
    وهذا يعني حشد الطاقات وتحفيزها للقيام بعمل ينافي تعاليم الدين السمح، فلفظة الإرهاب كما ذكرها الدكتور عباس الجراري ترجمت إلى اللغة الإنجليزية Terrorism والذي يعني حلحلة استقرار بلد أو نظام معين باللجوء إلى العنف والتخريب وإشاعة الفوضى بين أفراد المجتمع . 
    ويبدأ أولا بالترهيب النفسي والفكري ثم يتحول إلى فعل قائم على العنف والتقتيل والتدمير على جميع المستويات، فاصل الكلمة Terrorism آتيا من مصطلح Terror والذي يعني الشعور العنيف للخوف، كما يعني مصطلح La terreur باللغة الفرنسية خاصة في عهد الثورة الفرنسية ومحكمتها، والتي كانتا تتسمان بالتسلط والقهر والاحتكام .
   

 

  وقد ورد كذلك اسم La terreur blanche على المجازر التي عرفته فرنسا سنة 1815 بسبب إدانة ملكين لجنرالات كانوا متهمين بثوريتهم، وانتمائهم لبونابرت Bonaparte، حيث نفذت في بعضهم حكم الإعدام. 
     كما عرفت أوربا أعمالا إرهابية عديدة طوال القرنين 19 و 20، حيث قامت بعض الجماعات الفوضوية المناهضة للأنظمة القائمة والتي اغتيل فيها ملوك وأمراء وقادة سياسيين. 
    أما فيما يخص الولايات المتحدة الأمريكية فلا مجال لحصر الأعمال الإرهابية، حيث قامت بعض المنظمات والهيئات KU-KLUS-KLAN والتي تشتهر ب KKK ، من مبدئها العنصرية، فالجنس الأبيض والمسيحية تفوقان أي الأجناس والأديان وقد تم تأسيسها سنة 1865 ومازالت قائمة لحد الآن،وترتكز أعمالها الإرهابية على كنائس السود ومدارسهم ومتاجرهم،آخذة إلى الإحراق والتدمير ويمتد إلى قتل الرجال واغتصاب النساء واختطاف الأطفال بل ويتعدى هذا كله ليشمل سائر الأقليات الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية . 
     وقد عقدت الأقليات والجمعيات المتضامنة مع kkk ، ندوة صحافية في 17من شتنبر2002 بأطلنطا في ولاية جو رجيا،حيث أشير في هذا اللقاء إلى الأحداث التي تعرضت لها الكنائس مابين 1999 و 2002، بلغت 125 في تكساس، 52 في فلوريدا و 28 في جورجيا، 36 في كلورينا الجنوبية، 33 في كاليفورنيا، 32 في الميسيسيبي، 24 في لويزينيا، 23 في كلورينا الشمالية، 21 في إيلينوى أوهايو. 
   

 

  فالملاحظ لهذه الأحداث الإرهابية التي لم تقتصر على بؤرة معينة في العالم بل شملته بأسره : مسيحية-لائكية-إسلامية،فالنهج هو ذاته،والوسيلة والهدف واحد،فلا فرق بين يمين أو يسار متطرف،ولا فرق فيما يصدر عن توجه إيديولوجي ديني أو سياسي أو غيره،فضلا أنه لا ينحصر عن ما هو محلي بل هو كذلك على هذا النحو دولي. 
    فالإرهاب ليس خاصا بالعرب والمسلمين وليس مرتبطا بالدين- أي دين - مهما كان، وبالإسلام على الخصوص مما يراد به الترسيخ لفكرة صراع الإسلام وغيره من الديانات الأخرى، لذلك نرى أن الإسلام جاء بسماحة ووسطية وعفو وتسامح مع باقي الديانات الأخرى و بين الثقافات المختلفة في العالم، فكيف ينظر الإسلام سماحته مع باقي الثقافات والملل الأخرى؟ وكيف أن المسلمين مسيرين ومجبرين غير مخيرين باتباع سماحته وتسامحه؟
سماحة الإسلام
     الإسلام دين سماحة , وقد حث عليها القرآن الكريم بألفاظ شتى تدل عليها : الرحمة, العفو, الصفح, الغفران,كما أن الرسول محمد عندما سئل أي الأديان أحب إلى الله,قال : الحنفية السمحة. وقوله عز وجل : * وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين* . وقد وجه الله تعالى رسوله محمد في التعامل مع أصحابه بالعفو والاستغفار لهم والتشاور معهم, مصداقا لقوله تعالى :* خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين* , وقوله أيضا :*فبما رحمة من الله نلت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لنفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر* .فقد دعا القرآن الكريم نبيه محمد بأن يقابل السيئة بالحسنة,* ادفع بالتي هي أحسن , فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم* , ولم يقتصر هذا التوجيه على النبي )ص(,وإنما أمر أن يبلغه للمؤمنين* قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون* .
    ويقدم هذا التوجيه في صيغة التحبيب والترغيب بل يصل إلى حد العفو عن القاتل, والاكتفاء بالدية وعدم أخذ الثار, مصداقا لقوله تعالى :* فمن عفا وأصلح فأجره على الله* ,*فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان,ذلك تخفيف من ربكم ورحمة* , وقد أكد النبي محمد قيمة السماحة وما يرتبط بها من رحمة ورفق وسهولة المعاملة, في أحاديث كثيرة منها :* إن من لا يرحم الناس لا يرحمه الله* ,* الراحمون يرحمهم الله,ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء* .ولم تقتصر السنة النبوية على القول بل تعدت إلى الفعل بهذه التوجيهات, وذلك ماحدث للرسول مع مشركي مكة بعد الفتح, قال : يا أهل مكة ما ترون إني فاعل بكم؟قالوا: خيرا أخ كريم ابن أخ كريم, قال : اذهبوا فأنتم طلقاء*.
   

 

  كما سار على هذا النهج الخلفاء الراشدين,حيث أعطى عمر بن الخطاب لأهل إيلياء:* أمانا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم, وسقيمها, وبرئها, وسائر ملتها,إنه لا تسكن كنائس ولا تهدم, ولا ينقص منها ولا من حيزها, ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم, ولا يكرهون على دينهم, ولا يضار أحد منهم*.واليوم اخذ الحديث عن التسامح يكثر بشدة بتزايد ظاهرة الإرهاب فكان لا بد من إظهارها وإبرازها باعتبار السماحة قيمة حضارية كبرى لتعدد الثقافات,وما تقتضيه الحياة المعاصرة من التعايش والتساكن بين شعوب العالم داخل منظومة موحدة غطاؤها الذي يحتويها راية الإنسانية, فبقدر ما أن هذه السماحة تعطي الطمأنينة والأمان في نفس الإنسان بقد رما هي قيمة حضارية وقانون بشري يكاد يكون عاما, فقد جعل الله سنة في خلق الاختلاف والتغيير, مع الإصلاح والتقدم,في واقع مملوء بتناقضات عدة خاصة عندما يوجد الاختلاف في مقابل الرفض له وعدم القبول به, والإسلام لم ينس هذا, ولم يعرض عنه بل أخذه على لينة في الخطاب والإقناع لا الجهل ومثالية التطبيق, من خلال تخفيف حدة الصراع الممكن أن يقوم أو القائم بالفعل,فقد دعا إلى :
    أولا : التنافس, * وفي ذلك فليتنافس المتنافسون* , والفرق بين التنافس والصراع, الأول يقتضي التسابق والتغالب في الخير, بينما الثاني القائم على التعارض بين قوتين يحاول كل منهما أن يلغي الآخر ويحل محله.
    ثانيا : التعاطف والتعاون, حيث جعلهما القاعدة الأساسية ومبدأ التراحم والتآخي, وهذا لايعني عدم وجود الاختلاف في الرأي,بل يعني قبوله حين يوجد طالما أن الأصلح هو الذي يسود في نهاية الأمر.
    فدعا إلى الإصلاح بذات البين حيث ما يحدث الصراع, * إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم* .
    بل ذهب على حد الافتراض أن الصراع قد يصل بين الإخوة على حد الاقتتال:* وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء على أمر الله,فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين* , وقوله )ص(:*كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه*, وهذا ما قد يرجع بنا بالتاريخ القريب جدا إلى حرب الخليج الثانية بين العراق والكويت, والتي تدخلت فيها الدول العربية لكف جماح حد الاقتتال بين دولتين التي تربطهما الأخوة الإسلامية وذلك أن المجتمع الإسلامي يقوم على المحبة والمودة والأخوة, أو هكذا يجب أن يكون,*إنما المؤمنون اخوة* , * مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا ما اشتكى تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى*.
    فالتسامح في أبسط معانيه يدعو إلى قبول الآخر, وإعطائه حق الاختلاف, فإن أكبر جانب فيه يتعلق في القدرة على قبول هذا الاختلاف وهو متعلق بالعقيدة, فالدين الإسلامي دين سماحة, ويسر لا ضيق فيه ولا تعصب, ولا غلو ولا تطرف ولا عنف ولا إرهاب, وتتجلى مواقفه السمحة في :
أولا : الدين ذاته, حيث هو دين فطرة الذي يساير خلقة الإنسان:* فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون*
ثانيا : وسطيته واعتداله, فالوسط هو الخير الأفضل,لأنه يقع بين دفتي الإفراط والتفريط, التحلل والغلو* وكذلك جعلناكم أمة وسطا* .
ثالثا : اليسر والسهولة والابتعاد عن التشدد والتطرف*يريد الله بكم اليس
معادلة السلم والحرب
    

 

يقوم الدين الإسلامي في مبادئه الأساسية على توحيد بالله والإيمان برسالات أنبيائه بدءا من أدام إلى محمد, وبقواعد نظم بواسطتها السلوك البشري بكل أبعاده , فكل الناس متساوون في الحقوق والواجبات, والسلام والعدل وتحقيق الأمن الشامل, والتكافل الاجتماعي, وحسن الجوار, والحفاظ على الأموال والممتلكات والوفاء بالعهود, مما صنع منه حضارة قوية ساهم في إنشائها أناس لا ينتمون إلى الدين الإسلامي ولكن باعتبارهم ينتمون إلى عالم الإنسانية وبالتالي أصبحت حضارة إنسانية عظيمة والكل ساهم في إنشائها.
    فإذا كان الإسلام بهذا الشكل فقد أقام معادلة بين الحياة البشرية,باعتبارها تجمع النقيض, العدل والجور, الخير والشر, الرحمة العنف,الحرب والسلم , وا لسلم بفتح السين, هو الصلح وا لسلامة وضد الحرب, كما يطلق على الخاضع والمستسلم,*ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاركون ورجلا سلما لرجل* .
    وقد وردت لفظة السلم باشتقاقات لغوية كثيرة في القرآن الكريم * يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين* , فالدخول في السلم بالنهي عن الدخول في الحرب, ولأهمية السلم فإن لفظة الإسلام مشتق منه, وهو يعني الانقياد لأمر الله والإخلاص لعبوديته وعبادته, كما أنه من أسماء الله الحسنى* هو الله الذي لا إلاه إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن* , كما أن المسلمين قبل خروجهم من الصلاة يتلفظون بالسلام, وتحيتهم فيها سلام, قوله )ص(:* لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا, أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم*.
     والسلم لا يعني الاستسلام أو التنازل أو الضعف, ولكن ينبغي أخذ الحق وتبادل العلاقات والمصالح على أسس وعهود ومواثيق تكون ملزمة لجميع الأطراف وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها* . فالإسلام يدعو إلى السلم لأسباب كثيرة منها :

  1. يقوم على التعاون والتعارف سواء بين الأفراد أو الجماعات, وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا في مناخ يسود فيه التآخي والسلم والتعايش وتبادل المصالح والمنافع.
  2. يدعو إلى الحوار الذي يسعى إلى تبادل وجهات النظر وإبداء الرأي الآخر وحل المشاكل.
  3. يحث على تجنب الخصومات والنزاعات التي تؤدي إلى نتائج سلبية منها تحاقن الدم وهذا ما حذر منه القرآن الكريم على خطر الاعتداء بالقتل وحثه الحفاظ على الحياة* واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم* .

   وهذه الأسباب التي ذكرها الإسلام لهي كفيلة لوجود السلام في مجتمع مترابط ومتماسك, تجمعه روابط اجتماعية قوية بعيدة عن التحكم الفردي, لأن هذه الفردية تستولي على القيادة فتعلن الحرب ولو بالمغامرة والمجازفة بالأمة لصالحها كما ذكر الدكتور عباس الجراري, لذلك دعا القرآن الكريم إلى الجنوح للسلم وهي رؤية حضارية والقدرة على تحمل المسؤولية, فكيف يكون الإسلام يجمع بين متناقضين اثنين السلام مع حثه على الجهاد؟ 
     لقد عرف الجهاد لغويا ببذل الطاقة والجهد,في جميع الجوانب منها, الجهاد بالعمل السياسي, وجهاد الإنفاق المال, وجهاد النفس والذي هو أعلى مراتب الجهاد.أما الجهاد بمعنى القتال لا يكون إلا للضرورة لأن الإسلام يعتبر السلم هو القاعدة والحرب هي استثناء, أو هكذا يمكن أن يكون, والجهاد بهذا المعنى – أي القتال- هو رد لظلم وقع * أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير, الذين أخرجوا من ديارهم بغير حف إلا أن يقوا ربنا الله* , *كتب عليكم القتال وهو كره لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون* . وهكذا يمكن أن نفرق بين الجهاد الذي نادى به الإسلام في مقابله المقاومة والتي ألزمها القانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة وبين الإرهاب الذي هو عمل إجرامي, وبهذا الصدد يمكن رصد هذا الفارق بين الإرهاب والجهاد ثم الإرهاب والمقاومة من جهة أخرى.
     الإرهاب والجهاد عملان متناقضان ومختلفان ويكمن هذا الاختلاف في :

  1. الإرهاب اعتداء, في مقابله الجهاد هو رد الاعتداء.
  2. الإرهاب يكون باطلا, والجهاد يكون بحق.
  3. الإرهاب يعاقب عليه, والجهاد يثاب عليه.

   

فقد نظم الإسلام الحرب, باعتبارها قائمة منذ الأزل, ووضع لها ضوابط وقوانين, حتى لا يكون هناك تعسف في خوضها مع العدو الذي ألزم بمجموعة من المقاييس السلوكية في اتباعها أثناء هذه الحرب :

  1. ضرورة إعلانها حتى لا يؤخذ العدو بها على غرة وحتى لا تصبح غدرا.
  2. النهي عن قتل الأطفال والنساء والشيوخ والمعتدين.
  3. عدم التمثيل بالقتلى أوما إلى ذلك من هدر بحرمة الإنسان.
  4. معاملة الأسرى بما يحفظ لهم إنسانيتهم وكرامتهم.
  5. عدم العبث بالممتلكات وإفساد البيئة بقطع الأشجار وإتلاف الزرع.
  6. الالتزام بالمواثيق والعهود.

  

  وهذا ما يدل عليه الحديث النبوي الشريف : * لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة*, وفي حديث آخر : * لا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا*, وفي موضع آخر :* لا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع*.
    وهذه الضوابط كلها جاءت لتنظم الحرب حين وقوعها وما بعد الحرب فيما يتعلق بالأسرى, فقد دعا وألزم الإسلام معاملتهم بالحسنى والرفق.
وبما أن الحرب هي استثناء يلجأ إليها حينما يستعصي حل النزاع بجميع الطرق المشروعة, لذلك فقد أباحها الإسلام لرد التسلط وردع الفساد, والدفاع عن النفس والأهل والمال.
    في مقابله تأتي المقاومة والتي تنافي العمل الإرهابي وتتشابه إلى حد كبير مع مفهوم الجهاد, لكن هذا المصطلح - المقاومة- هو في الأصل مصطلح قانوني عسكري سياسي نظمه القانون الدولي الإنساني ومعاهدة جنيف الأربعة وميثاق الأمم المتحدة, في حين أن الإرهاب هو مصطلح سياسي عسكري غير قانوني, ويتجلى الفرق بين هذين المفهومين اللذان يمشيان على خطان مستقيمان, لا الأول يدرك الثاني, ولا الثاني سابق عن الأول, وفي هذا الصدد عرف الأستاذ أحمد المسلماني المقاومة بأنها :*فعل يقوم أساسا على شرطين الأول يتجه إلى عدو واضح ومحدد ومصور ويعلم من يقاتل من الجنود المستعمر, والثاني يتجه إلى تحقيق المصلحة وهي تحرير البلاد من الاستعمار*.كما عرفها الدكتور نصر عارف : * المقاومة تقوم على أساس الكارزماتية التاريخية , في كل تاريخ حركات المقاومة, وهذه المقاومة قيادتها تكون مثقفة, عالمة وقديرة, تعرف كيف تتعامل مع الدين ومع نصوص الدين,في مقابلها المقاومة الحالية فهي محاصرة حصارا شديدا في ظل ضعف المستوى العلمي, وضعف في قدرات القيادة, وضعف في العلاقة مع الدين*, واستطرد الدكتور عارف في حديثه الفرق بين المقاومة والإرهاب قائلا: *هناك ثلاث مفاهيم لفعل واحد أو فعل مشترك الإرهاب والمقاومة والعنف السياسي, وهي تحدد بناءا على من يقوم بالفعل, وأهداف الفعل والمستهدف بالفعل, فإذا كان الأمر يتعلق بتحرير الوطن والتوجه إلى المحاربين أو الجنود هو فعل مقاوم, وإذا كان هذا الأمر يتوجه إلى المدنيين لتحقيق مكاسب سياسية من طرف ثالث فهو عمل إرهابي, وإذا كان هذا الأمر موجه لحكومة الشخص لتحقيق مكاسب سياسية داخلية أو للتعبير عن رأي في صورة مظاهرات أو تكسير فهو عنف سياسي *.

 

     وقد جاء في ميثاق الأمم المتحدة في فصله السابع المادة 51 : * ليس في الميثاق ما يضعف أو ينقص الحق الطبيعي للدول, فرادى أو جماعات, في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة... والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالا لحق الدفاع عن النفس...* .
    فالمقاومة والجهاد نقيض الإرهاب الذي اتسعت دائرته في الآونة الأخيرة, قال عز وجل : *وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم * .فليس الإرهاب هنا هو بالمفهوم الحالي, بل المقصود في الآية أن يكون تخويف الخصم ومنعه من الاجتراء على الاعتداء, ومفهوم القوة في الآية ليست فقط القوة العسكرية , بل القوة الاقتصادية, القوة العلمية, القوة النفسية, حتى يكون المسلمين مؤهلين لمواجهة خصمهم وفي هذا السياق قال تعالى :* ولولا دفاع الناس بعضهم لبعض لهدمت صوامع وبيع ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا* . وقد سبق للفكر السياسي الإسلامي أن وفق هذه المعادلة الصعبة بين السلم والحرب وتتجلى عند أبي بكر الحضرمي المرادي الذي وازنها من خلال الرؤى الإسلامية فبعد أن تحدث عن أدب النفس انتقل إلى سياسة الملك, ثم إلى أخلاق الملك وشخصيته وتأثيرها على السلوك السياسي فقال : * ينبغي للملك أن يبدأ عدوه بالين والمسالمة والبذل وطلب المواصلة والسكون ولا يصل معه إلى الحرب حتى تعوزه الحيل كلها *, وقال بعض الحكماء في هذا الصدد: * إن العدو مثل الخراج الذي يبتدأ في علاجه بالترطيب والتحليل, فإن لم ينجح بذلك رجع فيه إلى الكي وهو آخر العلاج, والحرب آخر ما يجب استعمالها *.
  

 

   وهكذا يتبن لنا أن الإسلام ينهى عن الحرب لأنها استثناء, وأن الأصل هو السلام , ولا يلجأ إليها إلا للضرورة القصوى كالدفاع عن النفس والمال والعرض, فهو أبقى الحفاظ على حياة الإنسان أي إنسان مهما اختلف جنسه ودينه, واعتبر أن جريمة القتل خطيرة يواجهها عقوبة صارمة * ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالد فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما * , وفي الحديث الشريف : * من حمل السلاح علينا فليس منا*.
     فمن خلال هذا يتبن أن ظاهرة الإرهاب اتسعت وأصبحت غير منتسبة إلى مكان معين في بقعة هذه الأرض, وغير أهبة بالتفريق بين الحق والباطل,العدل والظلم, الأبرياء والمتهمين, وظهورها كامن في البعد الفكري المنحرف و الاعتقاد المتطرف, والذي أوجب على جميع الدول محاربته بشتى الوسائل لحقن دماء الأبرياء والتي تتساقط يوما بعد يوم,لهدف يراد الوصول له, فما هي أسبابه والدوافع التي يختبئ وراءها؟ وكيف يمكن معالجته إذا تمت معالجة ؟.
أسباب التطرف والإرهاب
  

 

   إذا كان الإرهاب يعني الاستخدام المتعمد لوسائل ارتكاب الأفعال الضارة التي تعرض حياة الأفراد أيا كانت جنسياتهم للخطر، بالإضافة إلى الأضرار بممتلكاتهم المادية من خلال الحرق والتفجير وإشعال المواد الضارة واستخدام المواد الخانقة، وإثارة الفوضى في وسائل المواصلات وإعاقة خدمات المرافق العامة، وتلويث المياه وأتلاف المحاصيل والمنتجات الزراعية، فأن
     التعريف يشير إلى استعمال القوة والعنف والتهديد لإثارة الخوف والذعر أو الترويع الذي يلجأ إليه الجناة لتنفيذ اتفاقهم الجنائي الفردي أو الجماعي بما يخل بالنظام العام ويعرض المجتمع للخطر الجسيم. 
وللإرهاب والتطرف أسبابهما وظروف انتشارهما والبيئة التي يجدها صالحة ليتغلغل فيها، ومن ضمن الأسباب التي تساهم بفعالية في أيجاد بيئة مناسبة لانتشار هذه الظاهرة الإرهابية التي تتعارض بصدق مع التوجهات الإنسانية للأديان السماوية، وتكشف بما لا يقبل الشك أن التنظيمات الإرهابية والمتطرفة تتخذ من الأديان والكتب السماوية ستاراً وبرقعاً لتبرير أعمالها، مثلما تسلك السلوك المتطرف من خلال السيطرة على النفوس الطائشة أو القابلة للتطرف وخصوصاً من الشباب ضعاف الشخصية والقابلين للانقياد بسهولة من قبل المتبرقعين بلبوس الدين الإسلامي، كما أن الفقر المدقع الذي تعج به المجتمعات التي تنتشر في أوساطها الظاهرة الإرهابية ودور المال في أيجاد الأنصار والمريدين، بالإضافة إلى تردي الأداء و تسلط النظام السياسي والهيكل الاجتماعي غير العادل وانتشار الفساد السياسي والاجتماعي أو الاستغلال المنحرف للدين، و ظهور التطرف الديني والانتهاك المنتظم لحقوق الإنسان والتمييز والتهميش الاقتصادي والاستلاب الثقافي والتراجع المريع لدى المجتمعات وبقائها أسيرة القيم البالية والمتردية يمكن أن تكون ضمن الأسباب الجذرية للإرهاب، كما أن الصراعات الإقليمية يمكن أيضا أن تكون ذريعة للأعمال الإرهابية ولعمليات المنظمات الإرهابية. 
   

 

  وعلى هذا الأساس كانت المنطقة العربية البؤرة الصالحة والحاضنة المريحة لانتشار الفكر الإرهابي والمتطرف، خصوصاً تمكن المتطرفين من أيجاد غطاء ديني للعمل وتنمية وتقوية التنظيم السياسي بقصد تحقيق الأحلام المتطرفة بأية وسيلة مشروعة أو غير مشروعة. 
     على الرغم من وجود قبول واسع بأن هناك عوامل معينة توفر بيئة مناسبة لنمو الإرهاب فانه من المهم أيضا أن نأخذ في الحسبان أن تحديد الأسباب الجذرية هي مهمة غاية في الصعوبة وعلى ذلك فانه بينما نقوم بتحديد العوامل الأساسية التي تؤدي إلى ظهور الإرهاب والتطرف مع الأخذ في الاعتبار أن عملية التحديد هذه لا نهاية لها. 
     وإزاء تنامي قدرة التنظيمات الإرهابية في المنطقة تحت شتى الأسماء والأهداف، بالإضافة إلى تمكنها من إنشاء قواعد وتنظيمات خارج المنطقة العربية، وضمن مساحة الدول الأوربية بحكم تمكن بعض العقول المتطرفة والمتحجرة من الهجرة إلى هذه الدول والحصول على جنسياتها أو الإقامة بها بشكل مشروع، مما يستدعي ويوجب على هذه الدول عدم منح الحماية القانونية تحت أية ذريعة لهذه النماذج لخطورتها الإجرامية على المجتمعات الإنسانية.
   ومن خلال قراءة موضوعية لما يدور ويحصل في عدة مناطق ساخنة في العالم، خصوصاً العراق حيث اتخذت التنظيمات الإرهابية ساحة حرب ومعارك ضارية يسقط فيها كل يوم عشرات القتلى ومئات الجرحى وأبرياء مما ولد مشاعر عدم الاستقرار والخزف والذعر لدى الشعب العراقي و أصبح بذلك الإرهاب والتطرف يشكلان تهديداً مستمراً للسلم والأمن ولاستقرار جميع البلدان والشعوب ويجب ليس فقط إدانتهما والتصدي لهما بصورة شاملة من خلال اعتماد استراتيجية شاملة فاعلة موحدة وجهد دولي منظم يركز على الحاجة إلى الدور الريادي للأمم المتحدة. 
 

 

  وبعد ان شعرت بعض الأقطار العربية بمدى فداحة الخطر الذي يجتاح منظومتها الإنسانية والشعبية نتيجة تنامي قوة الإرهاب وتغلغله حتى بين القيادات الدينية، شعرت هذه الدول بحاجتها لمخطط يتصدى للهجمة الشرسة والظالمة التي تشنها القوى الإرهابية من اجل خراب المجتمعات، ونشر الفوضى والرعب بين الناس. وبصرف النظر عن أية ذريعة يسوقها الإرهابيون تبريرا لأعمالهم فان الإرهاب لا يجد مبرراً له ولا أي مسوغ منطقي في الوجود السياسي أو الديني. كما أن الإرهاب تحت كل الظروف وبغض النظر عن كل الدوافع المزعومة يجب أن يدان وأن يساهم الجميع في التصدي له واجتثاثه وقلع مصادره ومنابعه دون تحفظ. كما ان طبيعة العنف التي يتميز بها الإرهاب تجبر المجتمع الدولي على التركيز على اتخاذ الإجراءات الكفيلة للقضاء على المنظمات الإرهابية ومنع الأعمال الإرهابية من أن تنتشر ضمن المجتمعات الآمنة. لذلك فهذه الظاهرة الغربية على المجتمع الإنساني لها أسبابها يمكن إجمالها في عدة نقاط حسب ما ذكر الدكتور عباس الجراري وهي كالتالي :

  1. الجهل والأمية يعتبران الأكبر والأكثر تأثيرا في إذكاء نار التطرف ويبدأ بجهل بشؤون الدين إلى أن يصل لمختلف متعلقات المواطنة,وسواء أكانت هذه الأمية مرتبطة بالقراءة والأبجدية أومن حيث شكلها الثقافي الذي يمس فئة كبيرة من المتعلمين,مما يولد عقليات متحجرة وجامدة غير قابلة للنقاش وتكون لها قابلية كبرى الخروج للحرب والجهاد بمفهومه الخاطئ وهي لا تنعكس على الجانب الديني فقط وإنما على كل جوانب الحياة.
  2. تعمق ظاهرة الفقر في البلاد العربية والإسلامية,بسبب إهمال تنميها بشكل كبير وسوء توزيع الثروة مع سوء التدبير والتسيير مما يولد الشعور بالظلم والقهر فيؤدي ذلك إلى النقمة والغضب على الحاكمين بل على المجتمع بكامله بل أكثر تكون هذه النقمة تبدأ من الذات نفسها.
  3. انتشار البطالة بين الفئات الشابة والقدرة على الإنتاج والعمل, وهي تشمل المتعلمين الحاملين لشهادات جامعية عليا والأميين على حد سواء .
  4. ضعف حرية التعبير إن لم تكن معدومة في كثير من الدول العربية الإسلامية,مما يولد الكبت والضغط على الأفكار,تنفجر عندما تتاح لها أول فرصة للتعبير.
  5. ابتعاد بعض أنظمة الدول العربية والإسلامية عن سلوك النهج الإسلامي باستهلاك كل شيء غريب عن الدين, في مقابل بعضها المبالغة والتشدد في اتباع سلوك يتناقض كليا مع ما جاء به الدين الإسلامي,مما يولد تناقضا لدى الشعوب أي أسلوب ممكن نهجه, فيختار الأسلوب الثاني معتقدا أنه هو الطريق الأجدر لإثبات الوجود.
  6. اختلال مرجعيان الأمة,وتقلص معالمها, وعجز ما بقي قائما منها عن أي تأثير بدءا من الكتاب القرآني إلى المسجد والزوايا والأضرحة وما يرتبط بها جميعا من هيئات علمية تربوية, دون إغفال سلطة السياسة في وجود المدارس والجامعات والجمعيات والأندية.
  7.  قلة التواصل بين الأجيال وكذا بين سائر فئات المجتمع مما زاد مسافة التباعد ثم الخلاف’ خاصة في أواسط الطبقة الشعبية وبين العلماء والمثقفين الذين انعزلوا والذين غدوا عاجزين عن أي تواصل,وأخلوا الأماكن للأميين وأصناف المتعلمين الذين نصبوا أنفسهم دعاة ويفتون في أمور الدين,فكان ضعف الوعي الديني للطبقات الشعبية ترتمي في أحضان هذه الأجهزة والتي تدفعهم لرفع التحديات بأساليب القوة والعنف.
  8. وضع الإعلام المتردي في معظم الأقطار العربية والإسلامية واعتماده على الخنوع أو التقليد على ما يمده الإعلام الغربي.
  9. عدم اهتمام الجهات المعينة والمسؤولة بتكوين الوعاظ والمرشدين والخطباء.
  10. إهمال جانب التربية الدينية الصحيحة والملائمة في برامج التعليم.
  11. غياب عنصر التربية الملائمة في الأسرة التي أهملت الأطفال وتخلت عن مصاحبتهم وتوجيه تفكيرهم وملاحظة سلوكهم وتقويمه عند الحاجة.
  12. الانعزال عن الأسرة والمجتمع,جعلت جهات معينة- داخليا وخارجيا-أن تستغل صغر سن الأطفال وطراوة الشباب, كما تستغل تعلمهم المحدود والضعيف وإحساسهم بالظلم والحرمان فتستدرجهم وتغسل أدمغتهم وحشد الأفكار عن طريق إبراز غايات مغرية,كالدفاع عن الإسلام, وإصلاح أحوال العامة, والجهاد والدخول إلى الجنة,مما يؤدي إلى تطبيق كلما يصدر إليهم من أوامر ولا يرجعون عنها حتى تثبت أقدامهم في سلوكيات يكتشفون أنها في النهاية ليست المقصودة بما يتطلعون
  13. التواصل المستمر لجهات أجنبية غير إسلامية إلى نشر التطرف بين المسلمين, وإذاعة التعاليم المشددة بينهم, وتشويه الإسلام وتقديمه على نحو يتعارض مع حقيقته.
  14. رد فعل الجماهير العربية والإسلامية من الاستعمار بجميع أصنافه,وجهلهم الفرق بين المقاومة المشروعة والعنف والجهاد.
  15. التعبير التلقائي الشعبي العربي والإسلامي الرافض الموقف الغربي في المنطقة,وما يترتب عنها من تغيير الخريطة السياسية داخل المنطقة العربية والإسلامية.

   

يمكن أن نجمل من خلال أسباب التطرف المفدي إلى الإرهاب إلى أنه نتاج واقع معقد يطغى على مجتمعه الأمية والفقر وغياب مرجعيات حقيقية فاعلة وفعالة, لذلك لايمكن إعطاء أي تصور دقيق لعلاجه واستأصله من جذوره, لكن يمكن تقديم اقتراحات وتوصيات لابد أن تأخذ بعين الاعتبار مجموعة من الاعتبارات :
أولها : ضرورة نهج أسلوب جيد في سياسة الاقتصاد وتقديم مخططات تهدف إلى تحسين أوضاع الفئات المعوزة, والتخفيف الفوارق الاجتماعية, مع توفير التعليم وفرص العمل وكل احتياجات المجتمع اليومية.
ثانيها : العمل على نشر الوعي الديني والوطني الهادف لتكوين المواطن الصالح, وذلك لفتح باب النخبة المؤهلة, عبر تشكيل مؤسسات تقوم بالإشراف المباشر على البرامج التعليمية والإعلامية , بوضوح لكي تتمكن الأسرة أن تقوم بدورها, والمدرسة ووسائل الإعلام كذلك.
ثالثها : بذل الجهد الأمني للدولة الذي يعتبر مركز قوتها دون تضييق الحريات, أو فتحها أو خنقها , دون الحرمان من سائر الحقوق.
رابعها : عدم الخلط بين الإرهاب وما تقوم به الجماعات الإرهابية من تدمير وقتل الأبرياء وبين المقاومة التي هي حق مشروع للدفاع عن الوطن وتحريره من الاستعمار , كما تنص عليه معادة جنيف الأربعة, والقانون الدولي الإنساني.
خامسها : التذكير بالحركات المتطرفة والإرهابية التي تنشط في الغرب وليست لها أية صلة بالإسلام والمسلمين, كحرة إيتا الباسكية في إسبانيا , والأولوية الحمراء بإيطاليا .
خلاصة
    انطلاقا من هذا التحليل يمكن أن نخلص من المبادئ الأساسية في الإسلام ومن قيمه السمحة والوسطية التي يمتاز بها وعن دعوته للسلم والتعايش مع الآخرين , وهذا ما شكل الفكر السياسي الإسلامي , والذي قامت على أدراجه الدولة على عهد النبي محمد والخلفاء الراشدين من بعده , وما أعقبها من تكوين دول ظهرت في المشرق والمغرب, وبناءا على هذه القيم السمحة في الإسلام نشأت حضارة وثقافة تميزتا على الحفاظ على هذا التراث والإقبال على الثقافات والحضارات الأخرى والانفتاح عليها, مع الأخذ بالصالح وتطويره والإضافة إليه , بدون أي تشدد أو تعصب, وهذا ما نلاحظه من خلال ما أبدعه العرب والمسلمين في مجال العلوم والفنون والآداب والحرف وكافة الصنائع لهو دليل كاف على المرتكزات التي انطلقوا منها من الدين الإسلامي السمح, وبلوروا هذا السلوك وتعايشوا مع غيرهم من غير المسلمين , وهذا يظهر في كل من الأندلس وفلسطين, حيث ثم التعايش بين اليهود والمسلمين و المسجيين وحتى مع أجناس أخرى من المجوس طوال عقود عديدة وهذا تحت مظلة الإنسانية .
    

وعلى الرغم من أن المنصفين من المفكرين الغرب ومؤرخيه يشهدون للمسلمين بهذا التسامح النابع من دينهم, والاعتراف بحضارتهم وثقافتهم وما قدموه من تراث انطلقت منه النهضة الأوربية الحديثة , فإن الجهل بحقيقة الدين الإسلامي عند بعض الغربيين الذين يقولون أن الدين الإسلامي دين غير متسامح وهذا ما نلمسه بشكل واضح في الرسوم المسيئة للنبي محمد, وهذا جهلا منهم بحقيقة الدين الإسلامي الذي يدعو للتسامح والتعايش والتساكن مع الملل الأخرى و الإقرار بوجودها , وينهى عن التعصب والتطرف , بل ذهب إلى حد اعتبار أن من يقتل فردا واحدا من الناس كأنما قتل الناس جميعا ,
     وقد كان لأحداث 11 من أيلول بالولايات المتحدة الأمريكية انعكاسا واضحا على العالم بأسره , وذلك من خلال التقيد بفهم الإرهاب والتعامل معه , كظاهرة لابد من معالجتها واستئصالها من جذورها , وقد كانت هناك تصريحات عالية المستوى قالت :*– أنها حربا صليبية ضد المسلمين على أنهم المسؤولون عما وقع- على الرغم أن جميع الدول الإسلامية أدانته وثم الاعتذار عن مثل هذه التصريحات , فقد تناقلت وكالات الأنباء ما كتبته بعض المجلات الأمريكية اليمينية , داعية إلى ضرب مكة المكرمة بقنبلة نووية * , وفي وقائع الأحداث التي وقعت في سبتمبر أو التي أتت بعدها في كل من مدريد 2004 , والمملكة العربية السعودية 2004 , وتفجيرات عمان 2005 و تفجيرات لندن في يونيو 2005وتفجيرات بولاية فلوريدا الأمريكية في إحدى جامعاتها 2007ناهيك عن التفجيرات التي لحقت بالمغرب في 2003 وما أعقبها من تفجيرات 2007, لهي دليلا واضحا أن منفذوها أشخاصا إرهابيين تلاشت آمالهم بين أروقة الضياع و الفقر والأمية ,وبذلك لا يمكن إطلاق العنان كل العنان لإدانة الإسلام كدين, ولكن لابد من تقصي حقيقة منفذي هذه الأعمال التخريبية وعدم إلحاق التهمة بالمسلمين وهو ما لم يحدث ولا يبرر الطعن في الإسلام كدين وإلصاق وصمة الإرهاب به والمنتمين إليه كافة. ولو تم البحث عن حقيقة ظاهرة الإرهاب في العالم , وحددت الأسباب المباشرة والغير مباشرة لفعله لتبين أنه لا علاقة له بالإسلام والمسلمين وهذا يظهر جليا من خلال التحليل السابق في التعريف بالتطرف والإرهاب ومناطق ظهوره , 
 

    وتعتبر القضية الفلسطينية وقضية العراق إحدى مواطن النقاش في العالم,حيث وقع خلط بين المقاومة المشروعة وبين الإرهاب , ومن يستغل هذه الظروف التي تمر بها كل من فلسطين والعراق للقيام بأعمال إرهابية وتخريبية يذهب ضحيتها العديد من الأبرياء,فبالنسبة لفلسطين بعد تبني قمة بيروت 2002 المبادرة السعودية في الدخول مع إسرائيل في مفاوضات والتطبيع معها , عبر سلسلة من المفاوضات المباشرة من كامب ديفد الأولى مرورا بمؤتمر مدريد اتفاقات أوسلو وكامب ديفد الثانية, إلى أن تم مؤخرا في شهر مارس الماضي 2007 بإعادة طرح هذه المبادرة وتفعيلها إلا أن الأخذ والرد لا زال قائما بين كل من إسرائيل والعرب , وأما فيما يخص العراق فإن الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة بان كي مون ووزيرة الخارجية الأمريكية كنديليزا رايس لعقد مؤتمر في شرم الشيخ مع دول الجوار لمساندة الحكومة العراقية , وإمكانية مساعدة العراق لإعادة إعماره من طرف دول الجوار على حد تصريح وزيرة الخارجية الأمريكية.

 

خاتمة
     و يمكن القول أن الإسلام بقيمه السمحة ووسطيته واعتداله وسلميته هو عقيدة ونظام , عقيدة تقوم على تطبيق الفضيلة المتمثلة في تلك القيم والمبادئ , ونظام بجوانبه التربوية والعلمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية تمس مختلف حياة البشر. 

    ومن ثم فهو منهج إلاهي متروك بيد المسلمين في تطبيقه , وهذا التطبيق لا يعني بالضرورة العودة إلى التجربة الإسلامية الأولى كما هي بشكلها الحرفي , بتعصب وتشدد وتطرف, وإنما بشكل يتماشى ومقتضيات التطور الذي تعيش عليه الشعوب الآن , وإلا كان في تطبيقها تعجيز ووضع العوائق أمام هذا التطور, مع إعطاء صورة مشوهة ومرعبة للإسلام, بل يمكن أخذ التجربة الأولى كاستفادة منها من تلك القيم التي نادى بها الإسلام,*و تطويرها وإعادة قراءتها بالتوفيق بين الواقع ومشكلاته وقضاياه, وما يلزمه العصر بعولمته ومن أفكار ونظريات* .
ولعل هذه الظروف التي يمر بها العالم بأسره لهي نتاج واقع مملوئ بتناقضات عدة , منتجها الإنسان ومستهلكها الإنسان ذاته, وذلك بتفاقم الفقر, الأمية , الجهل بحقيقة الدين الإسلامي ومبادئه السمحة , ناهيك عن الإحباطات التي مر بها العالم العربي والإسلامي والعالم الثالث بصورة عامة, بعد كثرة الهزائم فلم يتحقق الأمل المنشود إليهم في حياة الرغد, فملوا الوعود سواء منها على ألسنة الأحزاب السياسية أو على ألسنة المريدين, فلا اشتراكية رفعت من ذواتهم إلى ذاك الأمل و لا تقدمية انتشلتهم من واقع الألم ومرارة العيش, فبدوا منحصرين بين عولمة العولمة وبين الرجوع إلى الدين, فكانت أحضان تلك الجماعات التي بسطت يدها إليهم حاملة معها مشعل الأمل و العيش الكريم واحتضنتهم بين ذراعيها متأكدة أنهم سيكنون رهن إشارتها باتخاذ الدين كوسيلة لتحقيق أهدافهم, متناسين أن كل شيء في هذا الوجود وإنما له مقابل , لكن هذا المقابل الذي غرسوه فيهم ما بعد الحياة الدنيا, أما تلك الجماعات فهي تعيش حياتها الدنيا, وبذلك فظاهرة الإرهاب التي تظهر بين الفينة والأخرى من تفجيرات هنا وهناك لهي أكبر دليل على أن مريدي هذه الجماعات يحيكون خلف الستائر, يقدمون أشخاصا بعد عملية مسح الدماغ إلى تنفيذ هذه الأعمال الإجرامية وهم بعدين عن ساحة الموت, فهم صانعوا الموت بكل أشكاله وتقنياته, فليست دول المنطقة العربية والإسلامية هي مركز ثقل الإرهاب , فجميع دول العالم تعاني منه,من سنغفورة إلى الهند وكاشمير إلى الولايات المتحدة الأمريكية إلى أوربا والعالم العربي, وما حدث مؤخرا في ولاية فلوريدا في شهر أبريل لأكبر دليل على أن الإرهاب ظاهرة عامة, وعلى الساسة والمريدين والأكاديميين والباحثين والقانونيين, البحث عن مكمن الخلل لمعالجته واستأصله, مع تظافر الجهود المكثفة مع الشعوب بالتوعية والتعاون حتى يسكن الأمان العالم, وهذا يبقى مأمل كل شعوب العالم التي تريد أن يعيش فيها المسلم مع اليهودي, المسلم مع المسيحي , المسلم مع البوذي, المسلم مع المجوسي, تحت غطاء راية واحدة راية الإنسانية,فالوطن للجميع والدين لله.
المراجع

  1. كتاب * لاتطرف ولا إرهاب في الإسلام* ص : 97
  2. كتاب * لاتطرف ولا إرهاب في الإسلام* ، ص :93-99
  3. حياة الدكتور عباس الجراري : الدكتور عباس الجراري مستشار جلالة الملك محمد السادس ملك المغرب و أحد أقطاب رجالات الفكر في العالم العربي والإسلامي،من مواليد الرباط 1937،تلقى تعليمه الأولي في الكتاب القرآني،ثم التحق بالمدارس الحكومية،كما جرع العلم من والده المرحوم بإذن الله عبد الله الجراري جملة وافرة من العلوم العربية والإسلامية أهلته الحصول على البكالوريا،ثم الإجازة في اللغة العربية وآدابها بالقاهرة،ثم درجة الماجستير ثم دكتوراه الدولة في الآداب، وله عدة مؤلفات: في الدراسات المغربية،التراث الشعبي، الأدب العربي والإسلامي،قضايا الفكر والثقافة،ثم في الفكر الإسلامي،ينتمي إلى مجالس علمية مغربية عربية وإسلامية وعالمية،في عدة منظمات غير حكومية وجمعيات،فهو عضو مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي بالمملكة الأردنية الهاشمية)المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية مؤسسة آل البيت سابقا(،عضو اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين *المغرب*،عضو الرابطة العربية لباحثي التراث الشعبي،عضو مركز البحوث الأنطروبولوجية ذات الأولوية في الشرق الأوسط *مصر*،خبير متخصص لدا المنظمة الإفريقية، والمنظمة العربية للثقافة*الأسكو*،والمنظمة الإسلامية للتربية =والثقافة والعلوم*الإيسيسكو*،مثل المغرب لسنوات عديدة في لقاء أكتوبر*مؤتمر سنوي كانت تنظمه يوغوسلافيا لكتاب عدم الانحياز*،رئيس شرفي للجمعية المغربية لأصدقاء الإسكندرية،وهذا ما أهله بفضل بحر علومه إلى تكريمه في مناسبات عدة وأخذه لجوائز وأوسمة أهمها: وسام العرش من درجة قائد المغرب 2000،وسام الجمهورية من الطبقة الأولى تونس2000،وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى مصر2004،وسام الإيسيسكو من الدرجة الأولى2006.إلا أن نزعة إيمانه القوي بالعلم والمعرفة لم يقف حاجزا عند هذا الكم الهائل من العطاء فأبى إلا أن يخرج عصارة فكره في مخططات وهي قيد الإنجاز والنشر للقارئ المغربي والعربي والإسلامي،حتى ينهل منها الشيء الكثير،فالعلم بالنسبة لرجل الفكر ليس حكرا على شخص معين بذاته، وإنما هو ملك بشري حر طليق في سماء المعرفة، لا يعرف الحدود الجغرافية ولا قيود الثقافات المختلفة لكل عاشق في بحر العلوم،وأهم هذه المخطوطات:تطور النثر العربي الحديث والمعاصر في المغرب،أناشيد مغربية دراسة ونصوص،الجرارين في التاريخ،أحجيات مغربية بالاشتراك مع زوجته الأستاذة حميدة الصائغ،خطاب الفكر والأدب وهي عبارة عن رسائل متبادلة مع والده العلامة المرحوم بإذن الله الأستاذ عبد الله الجراري طوال سنوات وجوده خارج المغرب،ثم رحيق العمر وهي سيرة ذاتية للدكتور عباس الجراري.
  4. خطاب جورج بوش أثناء افتتاح الجلسة 61 للجمعية العامة للأمم المتحدة 19/09/200.
  5. موقع الإلكتروني لأهل السنة .
  6. سورة الأحقاف آية 5.
  7. د/ عباس الجراري من كتابه* لا تطرف ولا إرهاب في الإسلام*ص :23.
  8. سورة الإسراء –الآية 70.
  9. مجلة باريس يونيو 2004 .
  10. سورة الحشر-الآية 13.
  11. -سورة الأنبياء- الآية 90.
  12. سورة القصص –الآية 32.
  13. سورة الأنفال – الآية 60.
  14. سورة الأعراف –الآية 154.
  15. سورة البقرة – الآية 40.
  16. سورة النحل –الآية 51.
  17. سورة الأعراف – الآية 116.
  18. سورة الحديد – الآية 27.
  19. سورة المائدة –الآية 82.
  20. سورة التوبة –الآية 31.
  21. سورة التوبة –الآية 34.
  22. رواه ابن ماجة عن ابن عباس.
  23. رواه ابن ماجة عن معاذ بن جبل.
  24. قرارات الدورة الرابعة عشر عن منظمة المؤتمر الٍلامي الدوحة من 11إلى16 يناير2003.
  25. ميثاق الأمم المتحدة .
  26. ميدل إيست أونلاين حسن عبيد عيسى 19-02-2007
  27. ميدل إيست أونلاين 
  28. الدكتورمتعب مناف* الإرهاب..والإرهاب في العراق * نونبر 2005.
  29. نعمة علي حسين (مشكلة الإرهاب الدولي – دراسة قانونية) مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية يناير 2007
  30. ميدل إيست أونلاين, عبد المالك سالمان ,كاتب وباحث في العلوم السياسية بمصر * إصلاح الأمم المتحدة.. بين الطموحات والأوهام* 19/02/2007
  31. الموقع الإلكتروني لهيئة الأمم المتحدة.
  32. الموقع الإلكتروني لهيئة الأمم المتحدة , خطاب كوفي عنان, مارس 2005
  33. الموقع الإلكتروني لهيئة الأمم المتحدة ,خطاب عمرو موسى لدى مشاركته في لجنة عليا للبحث في إصلاح الأمم المتحدة.
  34. انظر 29
  35. الموقع الإلكتروني لمنظمة (هيومان رايتس ووتش) الدفاع عن حقوق الإنسان حول العالم غشت2006.
  36. أستاذ نصر عارف العلوم السياسية بجامعة زايد, برنامج صناعة الموت: بين المقاومة والإرهاب, قناة العربية09/02/2007.
  37. كاتب سياسي بمركز الأهرام للدراسات, برنامج صناعة الموت: بين المقاومة والإرهاب, قناة العربية في 90ـ02ـ2007.أستاذ احمد المسلماني

فدوى التكموتي

منقول عن ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
بتاريخ: 27/3/2009

 

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.