** محمد المحمدي الماضي
قد يتعجب البعض حينما يعلم أن منهج الرسول – صلى الله عليه وسلم- كان يقوم على كافة أركان ومقومات النمط القيادي الابتكاري الذي يدعِّم ويشجع الابتكار في أعلى درجاته، وذلك في كل مظاهر إدارته، صلى الله عليه وسلم.
ولعل من بين أعظم جوانب شخصيته القيادية العبقرية الفذة أنه تمكن ببساطة ويسر من تفجير الطاقات الإبداعية والابتكارية لصحابته على اختلاف قدراتهم ومستوياتهم، وجعل كل صحابي منهم يُعمل عقله وفكره لخدمة الفكرة التي آمن بها، وذلك بأعلى درجات الكفاءة والفعالية الفردية والتنظيمية.
فقد جعل كل فرد منهم قائدًا متميزًا في مجاله، يستشعر أعلى درجات المسئولية، وينغمس في العمل لفكرته بكل كيانه ووجدانه، ويشارك ويبدع ويبادر بتقديم أفكاره ورأيه دون انتظار أن يطلب ذلك منه.
ولعل هذه واحدة من أعلى درجات النمط القيادي الابتكاري الذي ظهرت أماراته في مواقف عدة، أشهرها يوم بدر، ومبادرة الحباب بن المنذر باقتراح موضع لنزول الجيش الإسلامي غير ذلك الموضع الذي أمر به الرسول – صلى الله عليه وسلم- وهو الموقف الذي دلّ على مدى إحساسه بالمسئولية والمشاركة والمبادرة وإعمال فكره وعقله في جغرافية المكان وكأنه القائد الأعلى للجيش، وليس مجرد جندي عادي.
ولعلّي لا أتجاوز الحقيقة حين أقرر أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد استطاع أن يحقق بهؤلاء الأفراد -العاديين في عاداتهم وطباعهم ومستوى حضارتهم وإمكاناتهم- أعمالا غير عادية، تفوقوا بها على أكثر الدول المحيطة بهم عدة وعتادًا وتنظيمًا وحضارة، وهما الفرس والروم، الدولتان العظميان حينئذٍ، وهذا هو ما أعتبره بحقٍ معيار نجاح أي قائد.
غزوة الأحزاب نموذجًا
بالرغم من أن سيرته مليئة بمظاهر النمط الابتكاري؛ فإنني سوف أكتفي بالإشارة إلى موقف واحد فقط، وهو غزوة الأحزاب، محاولا الغوص في بعض جوانب إدارته – صلى الله عليه وسلم- الابتكارية والإبداعية والتي تمثلت في الآتي:
1. إدارة الجانب المعرفي والمعلوماتي:
حيث يظهر من سياق السيرة عن هذه الغزوة أن المعلومات قد وصلت إلى الرسول – صلى الله عليه وسلم – عما يدبره اليهود من تأليب المشركين وتحزيبهم ضد المسلمين بعدد كبير لا طاقة لهم به، وأن هذه المعلومات التي حصل عليها الرسول – صلى الله عليه وسلم – كانت دقيقة وفي الوقت المناسب، ولعل هذا ما جعل لها قيمة في اتخاذ القرار لمواجهة الخطر القادم.
ثم إن الأهم من وصول المعلومة هو حسن توظيفها، وإشاعتها ونشرها ليعرفها كافة العاملين في المنظمة ليكونوا جميعا على نفس المستوى المعرفي لقيادتهم، لذلك بادر الرسول – صلى الله عليه وسلم – بعقد جلسة تشاورية عاجلة من ذلك النوع الذي يطلق عليه الآن “العصف الذهني”؛ حيث ذكر تلك المعلومات لعموم المسلمين وأوقفهم على طبيعة الخطر القادم وحجم المشكلة التي سوف يتعرضون لها، وطلب منهم المشاركة بالرأي والفكر للتصدي لذلك.
ولعل هذا يحمل في طياته أخص خصائص الإدارة المعرفية التشاورية التي تسعى إلى إدارة عقول وفكر من معها وليس مجرد أجسادهم، وتفجر طاقاتهم الإبداعية والابتكارية بجعلهم يستشعرون المسئولية وينغمسون في المشاركة والعمل؛ وقد كان.
2. الفكرة المبتكرة:
يعرف الابتكار في أبسط معانيه بأنه التوصل إلى وسيلة جديدة غير مألوفة لتحقيق الهدف نفسه.
وهو ما حدث بالفعل في ذلك المناخ الإبداعي الذي صنعه الرسول – صلى الله عليه وسلم – لصحابته.
فلم تكد الأفكار يقدح زنادها حتى طرأت فكرة لأحد صحابته المغمورين حينئذٍ، والذي لم يكد يتحرر من الرق حتى ظهرت تلك الأزمة، وهو سلمان الفارسي – رضي الله عنه – فانغمس بكل وجدانه وكيانه عقلا وفكرًا وإحساسًا في ذلك المناخ الذي يتحول فيه الفرد العادي إلى مشارك ومبادر مبدع ومبتكر بشكل غير عادي.
وكانت فكرته المبتكرة – وغير المألوفة عند العرب حينئذٍ – هي حفر خندق في الجزء الذي يمكن اقتحام المدينة منه، وهو بين لابتين مرتفعتين، وهو ما يدل على مدى انغماس سلمان – رضي الله عنه – وانهماكه في التفكير المسئول والقائم على دراسة ومعرفة بجغرافية الموقع، وإعمال عقله وفكره لحل المشكلة، وكأنه القائد الأعلى والمسئول الأوحد عن حلها.
وكم كانت فكرة موفقة وصائبة قلبت الموازين، وحولت ضعف المسلمين قوة، وقوة المشركين ضعفا، وشكلت لهم مفاجأة إستراتيجية لم يحسبوا لها حسابًا، وقلبت خططهم وتدبيرهم رأسًا على عقب، ووضعتهم في موضع الدفاع بدلا من الهجوم، وأفقدتهم ميزة العدد والعدة التي كانوا يتمتعون بها.
3. اغتنام الفرصة وحسن توظيف الطاقات الإبداعية للأفراد:
لقد تمكن المسلمون -من خلال الفكرة الملهمة والمبتكرة لسلمان الفارسي رضي الله عنه- من وقف تهديد المشركين والحد منه، ولكن ظل تهديد اليهود قائمًا وهم الذين حزّبوا هؤلاء المشركين أصلا، وتقع ديارهم في مؤخرة المسلمين ويكشفون عوراتهم، ولو سمحوا للمشركين بدخول المدينة من قبلهم -وهي الجهة الوحيدة المتبقية لذلك- لأصبح المسلمون في وضع من أحرج ما يمكن، هذا برغم ما بين المسلمين واليهود من مواثيق وعهود على عدم السماح بأن يتم غزو أيٍّ منهم من قبل الآخر، ولكن الرسول – صلى الله عليه وسلم – يعلم أنه لا عهد ولا ذمة لليهود؛ فهم قتلة الأنبياء، قال تعالى: ” أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ “، ولا يأمنهم إلا واهم، ومع ذلك لم يَبْنِ قراره تجاههم على مجرد الظن والتخمين، وإنما تأكد من خيانتهم من خلال وفد أرسله إليهم ليجس نبضهم ويستطلع موقفهم وأكدوا له خيانتهم، وتبجحهم وفجورهم.
وهنا كان أكثر المواقف حرجًا في هذه الأزمة، ولكن من فضل الله سبحانه وتعالى ظهرت فرصة عظيمة، وهي إسلام أحد المشركين من غطفان وكان يُدعى نعيم بن مسعود، وقدم إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يعلن إسلامه ويضع نفسه تحت تصرفه وقيادته.
فما كان من الرسول، صلى الله عليه وسلم، بحكمته وعبقرية قيادته وحسن تصرفه وتوظيفه للطاقات الإبداعية والابتكارية لشخص لم يكد يعلن إسلامه – إلا أن يضع ثقته فيه، ويوجهه للقيام بمهمة عقلية يترك له فيها حرية التصرف ويمكنه من أدائها بما يتراءى له، والهدف هو كما وجهه الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يعلن إسلامه؛ فهو في المسلمين فرد لن يضيف شيئًا إذا انضم إلى صفوفهم المعلنة، وإنما عليه أن يخذِّل عنهم، فإنما الحرب خدعة أو كما قال له صلى الله عليه وسلم، وهنا ترى كيف أدار الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر من جانبه الفكري والعقلي الإبداعي، حيث انطلق نعيم بن مسعود كما هو معروف في السيرة، ووضع خطة متقنة لإفساد العلاقة “التحالفية” بين اليهود والمشركين وزرع بذور الشك والفرقة بينهم بحيث ينقض عقدهم وحلفهم، ويفشل كيدهم وتدبيرهم ويرجع جمعهم دون إلحاق أي أذى بالمسلمين، وكل ذلك بدون استخدام سهم واحد أو إهدار دم، وإنما من خلال إعمال الفكر واستخدام العقل بأعلى درجات الفعالية والإبداع.
حلف لعين وحيلة ذكية!
ذكر نعيم لليهود – باعتباره حريصًا عليهم وحليفًا لهم – أن المشركين سوف يرحلون ويتركونهم وحدهم لمحمد ينفرد بهم وينتقم منهم لما فعلوه، فطلبوا منه النصح؛ فقال: اطلبوا منهم رهائن من أبنائهم.. فإن فعلوا كانوا صادقين، وإلا فإنهم ينوون الغدر بكم فاحذروهم ولا تمكنوهم من دخول المدينة من جهتكم.
ثم تحول إلى المشركين وقال لهم، باعتباره واحدًا منهم: إن اليهود قد ندموا على فعلتهم وخافوا من انتقام محمد وأرادوا مصالحته وتأمين أنفسهم وإثبات صدقهم له، وذلك بأخذهم أفضل أبنائكم وتقديمهم له فداء لما فعلوه. فتعجب المشركون، ولكنه قال: امتحنوهم بأن يسمحوا لكم بدخول المدينة من قبلهم وسوف ترون، وبالفعل وجد المشركون ما قاله نعيم حقًّا حينما طلبوا من اليهود ذلك، فرفضوا على الفور، وتأكد اليهود بأن نعيما كان صادقًا حيالهم ورفضوا السماح للمشركين باقتحام المدينة من قبلهم، وانفض هذا الحلف اللعين بهذه الحيلة الذكية المبتكرة.
وتم القضاء على أخطر عقبة في هذه الغزوة بجهد فرد عادي تم توظيفه بأفضل ما يمكن أن يوظف به قائد أحد أفراده ليحقق أعلى درجات الإبداع في أدائه.
4. الوقوف على حقائق الأمور:
لم يقنع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بمجرد تخمين ما يمكن أن يتخذه المشركون من قرارات بعد ذلك، هل يرحلون أم يستمرون في الحصار، أم يهاجمون بطريقة أو بأخرى، وحتى يقف على حقائق أمرهم ويعرف قرارهم ليبني موقفه على اليقين.. أراد أن يرسل من يأتيه بخبرهم، بالذهاب إليهم ومخالطتهم كأنه أحدهم والوصول إلى قادتهم، ومعرفة ما يفكرون فيه دون أن يشعر به أحد، ثم يعود ليخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحكي ذلك حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه – فيما بعد لأحد شباب المسلمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، حينما انتدب الرسول صلى الله عليه وسلم أحدهم لهذه المهمة ولكنهم لشدة البرد والخطر والجوع والخوف وطول الحصار لم يجب أحد.. حتى حدد حذيفة بن اليمان، فقام وذهب بين صفوف المشركين، وكما قال جلست بين مجموعة منهم كان فيها أبو سفيان، والبرد شديد، فقال أبو سفيان على كل منكم أن يتعرف على من معه فبدأ حذيفة من حوله وسأل من أنت فأجابوه ولم يسألوه، وكان ذلك منه حسن تصرف وسرعة بديهة، ثم أخذ أبو سفيان يتكلم عن حرج موقف المشركين ونفاد مؤنتهم وما فعلته الريح والعواصف والبرد بهم، وأنهم ليس أمامهم إلا الرحيل في الغداة، ثم رجع فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، ليقف بذلك على حقائق الأمور، ويحدد الخطوة التالية على بينة، ويبني قراراته دائما على معرفة يقينية وحقيقية، كل ذلك من خلال وسائل وأساليب بشرية من أفراد عاديين وليس بوسائل إعجازية خارقة لا يقدر عليها البشر.
وهذا هو مناط القدوة والأسوة لكل قائد في أي موقع كي يدير كما كان يدير الرسول صلى الله عليه وسلم، ليفجر الطاقات الإبداعية والابتكارية في الأداء، ولإعمال الفكر قبل العمل، والعقل قبل العضل.
# الابتكار# السيرة النبوية# رحمة للعالمين# غزوة الأحزاب
التعليقات
إسلام أون لاين
لديه 534 مقالة
شريعة
فلسفة الصيام لمصطفى صادق الرافعي
29/06/2014
فكر
دراسة: أيرلندا أكثر البلدان تطبيقا لتعاليم القرآن في العالم
02/07/2014
المزيد للكاتب
المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين
مقالات ذات صلة
شريعة
ولقد نصركم الله ببدر… فاتحة الانتصارات في شهر الرحمات
11/05/2020
شريعة
الصُّحبة ولادة ثانية
04/05/2020
شريعة
كَفّ المازنية
26/04/2020
رحمة للعالمين
ذكرى الإسراء والمعراج… دروس للإنسانية في إعجاز الله وقدرته
25/03/2020
رحمة للعالمين
الطيران والتلفاز والفضاء في رحلة الإسراء والمعراج
25/03/2020
مقالات ذات صلة
ولقد نصركم الله ببدر… فاتحة الانتصارات في شهر الرحمات
11/05/2020
شكل انتصار المسلمين في غزوة بدر الكبرى فاتحة الانتصارات في شهر رمضان؛ شهر الفتوحات والانتصارات والخيرات والتمكين. فإن ما في رمضان من القيم الإيمانية والمعاني السامية لمن شأنه أن يضيف للمسلمين صبر لا ينقطع وعزيمة لا تنفد وإقداماً لا حدود له. وما إن تذكر الأحداث المهمة في تاريخ المسلمين والتي حدثت في رمضان؛ فإن أول ما يحضر في بال كل مسلم غزوة بدر الكبرى التي انتصر فيها المسلمون بقيادة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على جحافل الكفر وصناديد الباطل من قريش.
وقعت غزوة بدر في صبيحة يوم الاثنين 17 رمضان 2هـ، وكان موقعها في أرض بدر، وهي محطة لمرور القوافل المتجهة إلى الشام والعائدة إلى مكة المكرمة، وكانت تمثل سوقاً من أسواق العرب المشهورة ساعدها في ذلك موقعها الجغرافي بين مكة والمدينة أسفل وادي الصفراء.
بعد الإذن بالجهاد في العهد المدني، بلغ المسلمون تحرك قافلة كبيرة تحمل أموالاً عظيمة لقريش عائدة من الشام بقيادة أبي سفيان، صخر بن حرب، فانتدب النبي، صلى الله عليه وسلم، أصحابه للخروج، وتعجل بمن كان مستعدًا للخروج دون انتظار سكان العوالي لئلا تفوتهم القافلة، ولذلك لم يكن خروج المسلمين بكامل طاقتهم العسكرية في معركة بدر، فهم خرجوا لأخذ القافلة، ولم يكن في حسبانهم مواجهة جيش قريش.
وقد خرج من المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، منهم من الأنصار بضع وأربعين ومائتين، ولم يكن معهم إلا فرسان، وسبعون بعيًرا يتعاقبون على ركوبها. وعلم أبو سفيان بخروج المسلمين لأخذ القافلة، فسلك بها طريق الساحل، وأرسل لاستنفار أهل مكة، فاستعدت قريش للخروج دفاعًا عن قافلتها، وحشدت كل طاقتها، ولم يتخلف منهم إلا القليل، فقد رأت قريش في ذلك حطًا لمكانتها، وامتهانًا لكرامتها، وضربًا لاقتصادها، وبلغ عددهم نحوًا من ألف مقاتل، ومعهم مائتا فرس يقودونها.
الوقائع ما قبل بدء الغزوة:
ظهرت الخلافات في جيش المشركين بعد نجاة القافلة بين مريد للعودة دون قتال المسلمين حتى لا تكثر الثارات بين الطرفين، وبين مصر على القتال كأبي جهل، وقد غلب رأي أبي جهل أخيرًا، ولم يعد هدف قريش نجاة القافلة، بل تأديب المسلمين، وتأمين طرق التجارة، وإعلام العرب بقوة قريش وهيبتها. ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم نجاة القافلة، وإصرار قريش على قتاله صلى الله عليه وسلم شاور أصحابه عامة، وقصد الأنصار خاصة فتكلم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب، والمقداد بن عمرو من المهاجرين، فقالوا وأحسنوا، وفهم سعد بن رضي الله عنه مراد النبي صلى الله عليه وسلم فقال وأحسن فسر النبي صلى الله عليه وسلم بقول سعد بن معاذ رضي الله عنه.
أحداث الغزوة وبداية المعركة:
وصل المسلمون إلى بدر قبل المشركين، وأشار الحبُاَبُ بن المنذر رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل ماء بدر خلفه، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم مشورته وأخذ برأيه. وبين صلى الله عليه وسلم مصارع رجال من أهل بدر بأسمائهم، فقال: «هذا مَصْرَعُ فُلانٍ غَدًا إن شَاءَ الله تَعَالى، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلانٍ غَدًا إن شَاءْ الله تَعَالى». في صبيحة يوم المعركة جعل صلى الله عليه وسلم جيشه في صفوف للقتال، وبقي صلى الله عليه وسلم في قبة (عريش) -بمشورة سعد بن معاذ -يدير المعركة، وجعل صلى الله عليه وسلم يكثر من دعاء ربه، حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر، وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9]، فخرج وهو يقول: (سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُر) [القمر: 45].
ورمى النبي صلى الله عليه وسلم المشركين في وجوههم بالحصى، قال تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} [الأنفال: 17]، فأثبت سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ابتداء الرمي، ونفى عنه الإيصال الذي لم يحصل برميه صلى الله عليه وسلم. وبدأت المعركة بتقدم عتبة بن ربيعة، وتبعه ابنه الوليد، وأخوه شيبة طالبين المبارزة، فخرج لهم شباب من الأنصار، فرفضوا مبارزتهم طالبين مبارزة بني عمومتهم، فأمر صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث رضي الله عنه، فقتل حمزة عتبة، وقتل علي شيبة، وأثخن عبيدة والوليد كل واحد منهما صاحبه، ثم مال علي وحمزة على الوليد فقتلاه، واحتملا عبيدة، وتأثرت قريش بنتيجة المبارزة، وبدأت الهجوم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر أصحابه برمي المشركين بالنبل إذا اقتربوا من المسلمين ودنوا.
كسب المسلمون مهارةً عسكريَّةً، وأساليبَ جديدةً في الحرب، وشهرةً واسعةً داخل الجزيرة العربيَّة، وخارجها. أمَّا قريش، فكانت خسارتها فادحةً، فإضافةً إلى أنَّ مقتل أبي جهل بن هشام، وأميَّة بن خلف
ثم التقى الجيشان في ملحمة كبيرة، وأمد الله سبحانه وتعالى المسلمين بالملائكة يوم المعركة، قال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 9-10]. وبعد المواجهة قتل من المشركين سبعون رجلاً، منهم الذين بَبّنَ صلى الله عليه وسلم مصارعهم من أهل بدر بأسمائهم قبل المعركة، ما أخطأ أحد منهم الموضع الذي حده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من بين القتلى عدد من زعماء قريش، منهم: أبو جهل، عمرو بن هشام، قتله معاذ بن عمرو ابن الجموح، ومعاذ بن عفراء وهما غلامان، وأجهز عليه عبد الله بن مسعود، وأمية بن خلف، قتله وابنه عليًا بلال بن رباح، مع فريق من الأنصار وغيرهم. وأمر صلى الله عليه وسلم بسحب قتلى المشركين إلى آبار ببدر، فألقوا فيها، وكان عدد الأسرى من قريش سبعون رجلاً، وفر بقية المشركين، لا يلوون على شيء، تاركين وراءهم غنائم كثيرة في أرض المعركة، ودفن صلى الله عليه وسلم شهداء المسلمين، وهم أربعة عشر شهيدًا.
نتائج الغزوة:
أصبحت شوكة المسلمين قوية، وأصبحوا مرهوبين بين قبائل الجزيرة العربية كلها، وتعزَّزت مكانة الرَّسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، وارتفع نجم الإسلام فيها، ولم يعد المتشكِّكون في الدَّعوة الجديدة، والمشركون في المدينة يتجرَّؤون على إظهار كفرهم، وعداوتهم للإسلام؛ لذا ظهر النِّفاق، والمكر، والخداع، فأعلنوا إسلامهم ظاهرًا أمام النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وازدادت ثقة المسلمين بالله تعالى وبرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. ودخل عددٍ كبيرٍ من مشركي قريشٍ في الإسلام، وقد ساعد ذلك على رفع معنويات المسلمين الَّذين كانوا لا يزالون في مكَّة، فاغتبطت نفوسهم بنصر الله، واطمأنَّت قلوبهم إلى أن يوم الفرج قريب، فازدادوا إيمانًا على إيمانهم، وثباتًا على عقيدتهم.
كسب المسلمون مهارةً عسكريَّةً، وأساليبَ جديدةً في الحرب، وشهرةً واسعةً داخل الجزيرة العربيَّة، وخارجها. أمَّا قريش، فكانت خسارتها فادحةً، فإضافةً إلى أنَّ مقتل أبي جهل بن هشام، وأميَّة بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وغيرِهم من زعماء الكفر؛ الَّذين كانوا من أشد القرشيِّين شجاعةً، وقوةً، وبأسًا لم يكن خسارةً حربيَّةً لقريشٍ فحسب، بل كان خسارةً معنويَّةً أيضًا؛ ذلك: أنَّ المدينة لم تعد تُهَدِّدُ تجارتَها فقط، بل أصبحت تهدِّد أيضًا سيادتها ونفوذها في الحجاز كلِّه. وبذلك تعدُّ غزوة بدر رغم صغر حجمها معركة فاصلة في تاريخ الإسلام، ولذلك سماها الله عز وجل بيوم الفرقان، قال تعالى: { وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} [الأنفال: 41]، ففرق بها سبحانه بين الحق والباطل؛ فأعلى فيها كلمة الإيمان على كلمة الباطل، وأظهر دينه، ونصر نبيه وحزبه.
إدارة الابتكار في سيرة الرسول ﷺ