المصدر: ملتقى أهل العلم
من أهم عوامل الثبات على الحق تحلي النفس بفضيلة من أهم الفضائل وهي فضيلة الصبر.
قال الله تعالى: (( وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ )) [العصر: 1-3].
وقال الله تعالى: (( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ))[آل عمران: 140-142].
الصبر مطية لا تكبو، وصارم لا ينبو، وحصن لا يهدم، وحد لا يثلم، الصبر أفضل عدة على الشدة، وأكرم وسيلة لنيل الفضيلة، وأحسن أسلوب لطمأنينة القلوب، الصبر حسن توفيق، وأمارة سعادة، ودليل رشادة، وعنوان إيمان، ونموذج إذعان، الصبر رضا بالقدر، وتحمل للبلاء، وتسليم للجبار، واستجابة لمقدر الأقدار.. الصبر ثبات القلب عند موارد الاضطراب، وحبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع.
والحادثات إذا أصابك بؤسها فهو الذي أدراك كيف نعيمها
إذا ادلهمت الأمور، واسودت الحياة، وأظلمت الدنيا؛ فالصبر ضياء.
إذا عظم الجزع، واشتد الخوف، وهيمن القلق فالصبر جلاء.
إذا انسدت المطالب، وعظمت المصائب، وكثرت الرزايا، وزادت البلايا، فالصبر دواء.
إذا نزل المكروه، وحل الأمر المخوف، واحتيج لمصارعة الحتوف فالصبر التجاء.
إذا أصبح الدين في غربة، والإسلام في كربة، وعمت المعاصي، وهيمنت الشهوات، وعظمت الشبهات فالصبر عزاء.
قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )) [البقرة: 153].
واعلم أن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، واليسر مع العسر.
بمفتاح عزيمة الصبر تعالج مغاليق الأمور، وعند انسداد الفُرَج تبدو مطالع الفَرَج، ومن يتصبر يصبره الله.
الصبر دليل على عظمة الإرادة، وقوة العزيمة (( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ )) [الشورى: 43].
الصبر حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش.
الصبر تجرع المرارة من غير تعبس، والرضا بالمكتوب من دون تسخط.
الصبر البعد عن المخالفة، والسكون عند تجرع الغصة، وإظهار الغنى مع حلول الفقر، والوقوف مع البلاء بحسن الأدب، وترك الشكوى، وهو من آكد الدلائل على المحبة، وأصدق البراهين على الإيمان، فهو من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له (( وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ )) [آل عمران: 146].
الصبر في القرآن الكريم:
الصابرون تفتح لهم الأبواب، ويوفون أجرهم بغير حساب، قال تعالى: (( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ )) [الزمر: 10] ويعطون جزاءهم بأحسن أعمالهم، قال جل وعلا: (( وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )) [النحل: 96]، زفت لهم البشارة فقيل لهم:(( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ))[البقرة: 155-157]، وبشروا بقبول الأعمال الصالحة والحظوظ العظيمة، فقيل عنهم: (( وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ )) [فصلت: 35].
الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب وتمام المنة ودخول الجنة كل ذلك يناله الصابرون (( وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ )) [الرعد: 23-24].
وكفى بالصبر شرفاً أن من أسماء الله جل وعلا (الصبور)، وهو الذي لا يعاجل العصاة بالانتقام.
وقد ورد الصبر في القرآن الكريم في سياقات عديدة منها:
1- الثناء على أهله، قال تعالى: (( وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ )) [البقرة: 177].
2- الاستجابة لأمر الله تعالى بالصبر والاستعانة به، قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ))[البقرة: 153].
3– الإخبار أن أهل الصبر من أهل العزائم، قال تعالى: (( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ )) [الشورى: 43].
4- أن صاحبه يورث الإمامة، قال تعالى: (( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا )) [السجدة: 24].
وقد قيل: الصبر لله غناء، وبالله بقاء، وفي الله بلاء، ومع الله وفاء، وعن الله جفاء، والصبر على الطلب عنوان الظفر، وفي المحن عنوان الفرج.
والصابر اليوم عن المعصية يتلظى بنار حامية، وتعرض له في كل يوم داهية، يهرب من المعصية فتلاحقه، يتحصن في بيته فتتسلق جدران البيت وتدلف إليه، يفر إلى البر يجدها أمامه، يلوذ بالبحر فإذا بها تستقبله، يحلق في الجو فتقول له: هيت لك. إن استنقذ منها نفسه عجز عن استنقاذ أبنائه وذويه، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولكن (( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً )) [آل عمران: 120]، وقال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )) [آل عمران: 200].
سنة الابتلاء في الحياة الدنيا:
لقد جعل الله ـ الحياة الدنيا بلاءً واختباراً لبني الإنسان، حتى يميز الله الخبيث من الطيب، والطالح من الصالح، والمفسد من المصلح، ويرفع أهل الإيمان، ويهتك الحجاب عن أهل الكفران، وليظهر تفاوت ما بينهم في الخير والشر، فيجزي كلاً بما هو أهله، فيجعل الخبيثين في نار تتفاوت دركاتها بتفاوت كفرهم وخبثهم وشرورهم وسيئاتهم وفسادهم، وينزل الطيبين في جنة تتفاوت درجاتها بتفاوت إيمانهم وطيبهم وخيرهم وحسناتهم وصلاحهم، قال الله تعالى: (( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ))[الملك: 2].
المؤمن مبتلى:
(إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ودار ترح لا دار فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشدة، ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دار بلوى والآخرة دار عقبى، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ويبتلي ليجزي) [رواه الديلمي عن ابن عمر].
والليل مهما طال فلا بد من الفجر
والعمر مهما طال فلابد من القبر
مصائب المؤمنين مصائب دفع أو رفع، فالمؤمن متى ضعفت همته، أو فرغت صلاته من الخشوع، أو قرأ القرآن فلم يشعر بشيء؛ تأتيه شدة تحثه على مضاعفة جهده، وتنعقد صلته بالله عز وجل، فيكون قد قفز قفزة، قفز وتابع، فكلما ضعفت همته، وكلما بطأ سيره، وكلما لانت إرادته تأتيه شدة تدفعه إلى الله عز وجل، تعزز مسيرته، وتقوي إرادته، وتسرع خطاه إلى الله عز وجل، هذه مصيبة الدفع، لذلك ورد في بعض الآثار:(أوحى ربك إلى الدنيا أن تشدّدي، وتكدّري، وتضيقي على أوليائي حتى يحبوا لقائي).
فالمؤمن مبتلى، والمؤمن مصاب، لكن مصيبته مصيبة دفع إلى الله ورفع لمقامه، قال تعالى: (( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )) [البقرة: 155-157].
فرسولنا صلى الله عليه وسلمجاء يدعو أهل الطائف إلى الإسلام، فما كان منهم إلا أن كفروا به وسخروا منه، وأغروا صبيانهم كي يضربوه، وألجئوه إلى حائط، ودعا ربه الدعاء المشهور، فقال: (إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي)[السيرة النبوية لابن هشام].
جاءه ملك الجبال، وقال: يا محمد! إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين. قال: (لا، اللهم! اهد قومي فإنهم لا يعلمون، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يوحده).
فلماذا سمح الله لهؤلاء الصبية أن يضربوا سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وحبيب الحق، وسيد ولد آدم، ومن أقسم الله بعمره الثمين، ومن بلغ سدرة المنتهى في المقام الأعلى؟ لأن أي داعية إلى يوم القيامة لو أنه أوذي في سبيل دعوته فله في رسول الله صلى الله عليه وسلمأسوة حسنة، وبذلك يجبر خاطره، فإنه إذا كان سيد الخلق قد ضُرب ومع ذلك صبر وتحمل فإن أي داعية إذا ذاق شدة، أو ابتلي بأي نوع من أنواع البلاء فليعلم أن سيد الخلق عليه الصلاة والسلام قد ذاق ولقي أشد من ذلك فليصبر إذاً وليحتسب.
ولماذا اتهمت السيدة عائشة في أعز ما تملك امرأة؟ لأن أي مؤمنة إلى يوم القيامة لو أنها اتهمت خطأً وظلماً وعدواناً وهي بريئة مما اتهمت به، فلها في السيدة عائشة أسوة حسنة.
أقسام الصبر:
الصبر ثلاثة أقسام:
صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على المصائب والحوادث.
إن الدنيا دار بلاء ونكد، وهم وغم، وتعب ووصب، وضيق وقلق، وخوف وضجر، وأرق وسهر، إذا وصلت فتبعات موبقة، وإذا فارقت ففجعات محرقة، ليس لوصلها دوام، وما من فراقها بد، فهي غرور خادع، وأمل كاذب، وظل زائل، ولو كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء، فهي لا تصفو لشارب، ولا تبقى لصاحب، ولا تخلو من فتنة، ولا تخلي من محنة، نعيمها يتنقل، وأحوالها تتبدل، ولذاتها تفنى، وتبعاتها تبقى.
قال تعالى: (( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ * أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ )) [القصص: 60-61].
فمن نظر إليها بعين البصيرة أيقن أن نعيمها ابتلاء، وحياتها عناء، وعيشها نكد، وصفوها كدر، وأهلها منها على وجل، إما بنعمة زائلة أو بلية نازلة، أو منية قاضية..
ومن حكمة الله تعالى أن جعل الدنيا منغصة مكدرة، غدارة متقلبة، أحزانها كثيرة، ومصائبها عديدة، ونكباتها مخيفة، وهاهم الناس مع كل ما يلقونه منها متعلقون بأذيالها، مغرورون بجمالها، مفتونون بزينتها، مخمورون بسكرتها، فهي خمر الشيطان، من شرب منها لم يصح إلا في عسكر الموتى، فكيف لو كانت داراً للسرور والهناء، والراحة والدعة، والأنس والسلوان؟! إذاً لنسي الناس ربهم وجنته، وإلههم وعبادته، إلا من رحم ربك.
ومن فضله جل وعلا وعظيم كرامته وواسع فضله وبديع لطفه أنه لا يجمع على عبده عسرين، ولا يقرن له بين خوفين، فإن لحقه العسر أو الخوف في الدنيا، أو نزل به الهم، أو خيم عليه الغم، أو قارعته الخطوب، أو صارعته الحتوف، أو تعرض لنازلة، أو داهمته قارعة، أو فجعته مصيبة فإن الله يرفع بذلك في الآخرة درجاته، ويعلي منازله، ويكرم مثواه، ويعطيه أجره بغير حساب، حتى الشوكة يشاكها فيصبر ويحتسب يكفر الله بها من خطاياه، فيرفعه إلى درجة يتمنى معها أهل العافية في الدنيا أن أجسامهم قرضت بالمقاريض لما يرونه من ثواب أهل البلاء.
فمن تعرض لشقاء، أو مر به عناء فليلجأ إلى رب الأرض والسماء، فإن فرجه قريب، وجوده عظيم، وخيره عميم، يفرج الهم، ويكشف الكرب، ويغيث الملهوف، ويجيب الداعي، وينصر المظلوم.
هي الأيام والغير وأمر الله ينتظر
أتيأس أن ترى فرجاً فأين الله والقدر
وقد جمع الله تعالى للصابرين أربعة أمور لم يجمعها لغيرهم، وهي: حسن البشارة، والصلاة منه عليهم، ورحمته لهم، وهدايته لهم، قال تعالى: (( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ))[البقرة: 155-157].
يقول صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم! أجُرْني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، إلا أخلف الله له خيراً منها) [رواه مسلم].
مما يعين على الصبر:
هناك أمور إذا استشعرها المؤمن وجعلها نصب عينيه عند نزول المصائب أعانته على تحمل المصيبة والصبر عليها، منها:
الأول: أن يعرف أن الله عز وجل هو المتصرف فيما يريد، وأن هذا قضاؤه وقدره.
الثاني: ما دام مصير العبد إلى الله فيجب عليه أن يعلم أن هذه الدنيا إنما هي رحلة قصيرة مهما طالت، وأنه سيتركها عاجلاً أو آجلاً، وأنه سيلقى ربه كما خلق أول مرة بلا أهل ولا مال، ولكن سيلقاه بحسناته وسيئاته..
إن الأمور إذا سُدت مطالبها فالصبر يفتق منها كل ما ارتتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبه إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
الثالث: أن يشهد العبد حسن الثواب الذي وعده الله لمن عفا وصبر، كما قال تعالى: (( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ )) [الشورى: 40]، ولما كان الناس عند مقابلة الأذى ثلاثة أقسام: ظالم يأخذ فوق حقه، ومقتصد يأخذ بقدر حقه ومحسن يعفو ويترك حقه ذكر الأقسام الثلاثة في هذه الآية، فأولها للمقتصدين، ووسطها للسابقين، وآخرها للظالمين.
ويشهد نداء المنادي يوم القيامة: ألا ليقم من وجب أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا وأصلح، وإذا شهد مع ذلك فوت الأجر بالانتقام والاستيفاء؛ سهل عليه الصبر والعفو.
الرابع: أن يعلم أنه إن أوذي على ما فعله لله، أو على ما أمره به من طاعته ونهى عنه من معصيته وجب عليه الصبر ولم يكن له الانتقام، فإنه قد أوذي في الله، فأجره على الله، ولهذا لما كان المجاهدون في سبيل الله ذهبت دماؤهم وأموالهم في الله لم تكن مضمونة، فإن الله تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم، فالثمن على الله لا على الخلق، فمن طلب الثمن منهم لم يكن له على الله ثمن، فإنه من كان في الله تلفه كان على الله خلفه.
الخامس: أن يشهد معية الله معه إذا صبر، ومحبة الله له ورضاه، ومن كان الله معه دفع عنه من أنواع الأذى والمضرات ما لا يدفع عنه أحد من خلقه، قال الله تعالى: (( وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )) [الأنفال: 46]، وقال: (( وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ )) [آل عمران: 146].
السادس: أن يعلم أنه إن صبر فالله ناصره ولابد، فإن الله وكيل من صبر وأحال ظالمه عليه، ومن انتصر بنفسه لنفسه وكله الله إلى نفسه، فكان هو الناصر لها، فأين من ناصره الله خير الناصرين، إلى من ناصره نفسه أعجز الناصرين وأضعفه.
السابع: أن يعلم أنّ هذه المظلمة التي قد ظُلمها هي سبب إما لتكفير سيئة، أو رفع درجة.
الثامن: ولا يمكن العبد أن يصبر إن لم يكن له ما يطمئن به ويتنعم به ويغتذي به، وهو اليقين، كما في الحديث الذي رواه أبو بكر الصديق اعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يا أيها الناس! سلوا الله اليقين والعافية؛ فإنه لم يعط أحد بعد اليقين خيراً من العافية، فسلوهما الله).
الصبر في السنة:
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) رواه مسلم.
ومر النبي صلى الله عليه وسلمذات يوم بامرأة وهي تبكي عند قبر، فقال لها: (اتقي الله واصبري. فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي -ولم تعرفه- فقيل لها: إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم! فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلمفلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك. فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى) رواه مسلم.
وفي الحديث القدسي يقول تعالى: (ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة) رواه البخاري.
ويقول صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المسلم من نَصَب ولا وَصَب ولا هَمّ ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّرَ الله بها من خطاياه) رواه البخاري.
ويقول صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفَّرَ الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها) رواه الشيخان.
ويقول صلى الله عليه وسلم: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) رواه الترمذي.
صبراً فإن الصبر يعقب راحة ولعلها أن تنجلي ولعلها
ويقول صلى الله عليه وسلم: (إذا أحب الله قوماً ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع) رواه أحمد.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً) رواه أحمد.
واستمع إلى هذا الحديث الناصع، والكلم الرائع، من الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحي (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة) رواه الترمذي.
من أقوالهم في الصبر:
قال ابن عقيل رحمه الله: «النعم أضياف وقراها الشكر، والبلايا أضياف وقراها الصبر، فاجتهد أن ترحل الأضياف شاكرة حُسْن القرى شاهدة بما تسمع وترى».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «من تمام نعمة الله على عباده المؤمنين أن ينزل بهم من الشدة والضر ما يلجئهم إلى توحيده فيدعونه مخلصين له الدين، ويرجونه لا يرجون أحداً سواه، فتتعلق قلوبهم به لا بغيره، فيحصل لهم من التوكل عليه والإنابة إليه، وحلاوة الإيمان وذوق طعمه، والبراءة من الشرك ما هو أعظم نعمة عليهم من زوال المرض والخوف، أو الجدب أو حصول اليسر وزوال العسر في المعيشة، فإن ذلك لذات بدنية ونعم دنيوية، قد يحصل للكافر منها أعظم ما يحصل للمؤمن، وأما ما يحصل لأهل التوحيد المخلصين لله الدين فأعظم من أن يعبر عنه مقال، ولكل مؤمن من ذلك نصيب بقدر إيمانه، ولهذا قيل: يا ابن آدم! لقد بورك لك في حاجة أكثرت فيها من قرع باب سيدك».
قال الأشعث بن قيس: «إنك إن صبرت إيماناً واحتساباً وإلا سلوت سلو البهائم، واعلم أن الذي ابتلاه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين ليمتحن صبره ويسمع تضرعه ويخوفه، قال تعالى: (( وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ )) [المؤمنون: 76]، وقال تعالى (( وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )) [الزخرف: 48]».
قال الشيخ عبد القادر: «يا بني! المصيبة ما جاءت لتهلك، وإنما جاءت لتمتحن صبرك وإيمانك، يا بني! القدر سبع، والسبع لا يأكل الميتة، والمصيبة كير العبد، فإما يخرج ذهباً أو خبثاً».
يقول عمر ا: (وجدنا خير عيشنا في الصبر).
ويقول عبد الله بن مسعود ا: (الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله).
أشد الناس بلاءً:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل).
لقد ابتلى الله تعالى أحب الناس إليه، وأكرمهم عليه، وأقربهم عنده، فتلك سنة جارية وطريقة ماضية لرفعة الدرجة وإعلاء المنزلة وتمحيص الحب وتصفية القصد، وامتحان الولاء واختبار الوفاء، ولذلك نزلت بأنبياء الله تعالى مصائب مفزعة، وكوارث مذهلة، فما ازدادوا إلا صبراً، وما أفعموا إلا يقيناً، وما أعلنوا إلا رضا، قال تعالى بعد أن أثنى على أيوب وصبره: (( وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ )) [الأنبياء: 85-86].
كم لقوا من العناء! وكم واجهوا من البلاء، وتعرضوا للاستهزاء! فجعوا فى حبيب، وأصيبوا في قريب، واتهموا في عرض، وجرحوا فى كرامة، فكانوا مثالاً في الصبر، وآيةً في العزم، ونموذجاً في الإصرار، وأعلاماً في التضحية.
وإن كان الأنبياء مروا بأنواع من البلاء، وأعداد من المصائب، وأشكال من النوازل فإن البلاء كله، والامتحان أشده، والنكال أعظمه، والعناء أوجعه، والعنت أشقه تعرض له أكرم إنسان، وأعز مخلوق، وأطهر بشر، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أمره مولاه جل وعلا بالصبر في آيات كثيرة، وبين له أن ذلك دأب المرسلين قبله، فطمأن فؤاده بأخبارهم، وقوى عزيمته بعرض سيرهم، قال سبحانه: (( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ )) [الأحقاف: 35].
لقد تفننوا في إيذائه، وتمادوا في معاندته وهو صابر محتسب، يرفع رأسه إلى السماء ويقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) رواه الشيخان.
وما ازداد إلا قوة ويقيناً، وصبراً وتضحية، وعزماً وإصراراً، عبرت سفينة صبره بحور البلاء، واقتحمت أمواج العناد، وتحطمت على عزائم إصراره فلول الشرك وكتائب المكر وقلاع الجحود وحصون الباطل.
لقد كان مؤمناً بربه، واثقاً بنصره، كيف لا وقد قال له ربه سبحانه: (( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ )) [النحل: 126-128].
الابتلاء والصبر