د. أحمد ياسين القرالة
قاعدة فقهية تدل على عبقرية الفقه الإسلامي وسعة أفقه وعميقِ نظرته واحترامه لتنوع الآراء وتعدد الاجتهادات، وهي تعني أن الاجتهاد لا يقوى على إبطال اجتهاد مثله، والرأي لا يُنقض برأي مثله، والعلة في ذلك أن الاجتهاد هو ثمرة الظن وحصيلته، وليس أحدُ الظنين بأولى من الآخر ليبطله؛ ولو جاز إبطالُ الاجتهاد الأول ونقضه بالاجتهاد الثاني، لجاز نقض الثاني بالثالث والثالث بالرابع وهكذا فلا يستقر اجتهاد، وهذا يؤدي إلى اضطراب الأمة وسيادة الفوضى فيها.
فإذا اجتهد شخصٌ في مسألة من المسائل التي يجوز له الاجتهاد والنظر فيها، وهو مؤهل لذلك العمل وأصدر فيها رأياً أو اجتهاداً، فإن هذا الرأي يكون موضعَ احترام وتقدير بقطع النظر عن مدى رجحانه أو صوابيته، بل إن الشريعة الإسلامية لم تكتف بمنع نقض الاجتهاد بالاجتهاد وإبطال الرأي بالرأي، وإنما ذهبت إلى أبعد من ذلك حيث جعلت المجتهد مثاباً على اجتهاده ومأجوراً عليه حتى وإن كانت نتيجة اجتهاده مجانبةً للصواب، ما دام أنه قد بذل وسعه واستفرغ طاقته في الوصول إلى الحق والصواب، وهو ما بينه النبي (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الذي رواه البخاري: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر.
والعلة في ذلك أن إصابة عينِ الحق والوصولِ إلى الصواب خارجةٌ عن حدود طاقة الإنسان وقدرته، ولو كُلف الإنسان بها، لكان تكليفاً له بما لا يطاق وهذا مما لم تأت به الشريعة مطلقاً، لقوله تعالى:" لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا"؛ ولأن التكيف بما لا يطاق من العبث والشريعة منزهة عن العبث.
لا يخرج التزام المجتهد في الشريعة عن كونه التزاما ببذل عناية وليس التزاما بتحقيق نتيجة، أي أنه ملتزم وملزم ببذل غاية وسعه واستفراغ أقصى طاقته، وبذل منتهى قدرته للوصول إلى الحق والصواب، ولكنه غير ملزم ولا ملتزم بالوصول إليه، فهو مأجور على عمله وموف بالتزامه بمجرد السعي والمحاولة وبذل الوسع، إذ أن التزامه كالتزام الطبيب والمحامي فهم يستحقون أجرهم كاملاً إذا قام كل واحد منهما بواجبه المعتاد وبذل عنايته المطلوبة، سواء شفي المريض أم لا وسواء كسب الموكل القضية أو خسرها، وبغير ذلك لا يعمل طبيب ولا يتوكل محام.
فالمجتهد في اجتهاده كالداعية إلى الله تعالى هو مكلف بالقيام بواجب الدعوة وحسن تبليغها، أما الاستجابة والقبول فهو غير مكلف بها وغير قادر عليها، فهي خارجة عن حد القدرة والاستطاعة وغير خاضعة للرغبة والإرادة ، وهو ما بينته العشرات من الآيات الكريمة، ومن ذلك قوله تعالى:" إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ "وقوله تعالى:" فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ " وقوله تعالى:" وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ"
ولو كان المجتهد محاسبا على نتيجة اجتهاده لما اجتهد مجتد خوفاً من الخطأ والزلل، ولأدى ذلك إلى انسداد باب الاجتهاد وتعطل مصالح الناس؛ لذلك حصنت الشريعة الإسلامية المجتهد من الخوف في الوقوع في الإثم أو الحرج إذا أخطأ حتى لا يتهيب من الاجتهاد ويمتنع عنه.
وفي هذا دلالة على أن الإنسان الذي يستخدم عقله ويسعى لحل المشكلات أفضل وأحسن ممن عطل عقله وشل قدرته وأعاق فاعليته، فهي دعوة لتفعيل العقل واستثمار طاقاته وتوظيف مواهبه لخدمة الناس ومعالجة مشاكل المجتمع.
وليس في هذه القاعدة ما يمنع ترجيح اجتهاد على آخر وتفضيل رأي على غيره، ولكنها تدعو إلى الاستفادة من كل الطاقات العقلية التي يزخر بها المجتمع المسلم واحترام التنوع والاختلاف الموجود فيه، كما أنها لا تقبل الإساءة إلى أي اجتهاد أو الطعن في نية صاحبه أو السخرية منه بحجة الخطأ ومجانبة الصواب؛ لأن ذلك يؤدي تشتت المسلمين وتفرق كلمتهم، ويساعد على شق صفهم وإثارة العدوة والبغضاء بينهم، وهذا يتناقض مع مقصد الشريعة من تشريع الاجتهاد، ويتصادم مع مقصد وحدة الأمة.
ولو طبق المسلمون هذه القاعدة في حياتهم اليومية وحكموها في خلافاتهم البينية، لأدى ذلك إلى توظيف الاختلاف توظيفاً إيجابياً وجعله عنصر قوة وعامل نهضة وطاقة هائلة لتقدمهم وتفوقهم، بدلاً من أن يكون عنصر فرقة وعامل تشتت وأداة نزاع وتنازع بينهم، مما يؤدي إلى ضعفهم وهوانهم على الناس.
الاجتهاد لا ينقضُ بمثله