الشافعي والحداثيون

مبارك عامر بقنه دعونا في البدء نتساءل: هل يمكن للعقل الإسلامي المعاصر أن يتخلى عن فكر الشافعي وعن أصوله المقررة في كتبه؟ وهذا السؤال يأتي للذهن بسبب ما يطرحه الحداثيون من الدعوة للتخلي عن فكر الشافعي، فلماذا؟ الناظر في كتب الشافعي يجد أنه لم يقدم شيئًا مختلفًا عما كان عليه أسلافه، فلم يكن مبتدعًا خارجًا عن سياق السلف، وإنما بذل جهدًا جبارًا في جمع الأصول المتناثرة وتأليفها في عقد منتظم؛ لتكون منارة لطالب العلم، وحصنًا للشريعة، وتكون ضابطة للفكر من عدم الانفلات والخروج عن طريق السلف. وللجواب على السؤال المتقدم، نقول: إن الأصول التي ذكرها الشافعي هي أصول شرعية لا يُمكن تجاوزها؛ لأنه استقاها من الكتاب والسنة، فتجاوزها هي تجاوز للكتاب والسنة، وبقاء هذه الأصول حتى يومنا، هو بسبب أنها مستمدة من الوحي الرباني الباقي لكل زمان ومكان، فموت الشافعي لا يعني موت الأصول التي ذكرها، فهذه الأصول ستبقى حية ما دام الإسلام، وسواء وجد الشافعي أو لم يوجد، فستكون هذه الأصول حاضرة موجودة، فوجودها منبثق من النصوص الشرعية وليست نتاجًا بشريًّا. الفكر الحداثي يعادي الشافعي؛ لأنه يريد أن يفسر الإسلام تفسيرًا حديثًا بعيدًا عن التفسير التراثي، أو التفسير السلفي الذي يتبناه الشافعي، فالشافعي كان حجر عثرة في طريق الحداثيين؛ إذ وضع الأصول على فَهْم الصحابة والتابعين في تفسير النصوص، والحداثيون يريدون أن يقفزوا على هذه الأصول التي قرَّرها الشافعي، ويتجاوزوا الثوابت القديمة؛ ليشكلوا نمطًا معرفيًّا جديدًا، فهم في الأصل يعترضون على أي أصول سواء قرَّرها الشافعي أو غيره؛ لأنهم يريدون دينًا مائعًا هلاميًّا لا صرامة فيه، فالدعوة لتجاوز الشافعي بدلًا من الدعوة لتجاوز الأصول هو من باب قبول القول وتمريره على الناس. لقد أسَّس الشافعي الأصول، وجعل من ذلك ضرورة التمكن من اللغة العربية لمن أراد أن يجتهد، وجعلها آلة الفهم للوحي، فكان هذا الضابط معيقًا لحركة الحداثيين، فهم يريدون لغة متحررة من الضوابط مليئة بالرمزية التي يؤول تفسيرها وفَهْمها للفرد، فهم لا يريدون الالتزام بقواعد اللغة، فاشتراط الشافعي اللغة العربية للاجتهاد يعني إخراج زمرة الحداثيين من الاجتهاد، وأنهم غير مؤهلين لمعرفة الشريعة، فضلًا عن الاجتهاد فيها. الحداثيون يرون أن الشافعي حين جعل القياس من أصول الفقه، قد ضيَّق مساحة الاجتهاد، وأنه جعل العقل أقل تحررًا وانفلاتًا، وهذا أمر مشين عند الحداثيين، فالحداثيون هم أعداء التأصيل، فهم أصحاب فكري نسبي لا يرون شيئًا ثابتًا، فالحقيقة مائعة عندهم، تختلف الحقيقة باختلاف الأشخاص، فالحق هو ما يعتقده الشخص، وليس ما كان في ذاته، لذلك كانت أصول الشافعي ناسفة للفكر الحداثي المائع الذي يدعو للنسبية المعرفية. ومما يأخذه الحداثيون على الشافعي أنه قرر أن الوحي يدل بطرق مختلفة على حلول لكل المشكلات التي وقعت، أو يمكن أن تقع في الحاضر أو المستقبل، فهم يرون أن هذا القول حول العقل العربي إلى عقل تابع، يقتصر دورُه على تأويل النص واشتقاق الدلالات منه، فهم يرون أن الشافعي يؤسس بالعقل "إلغاء العقل"، فالحداثيون يريدون أن تبقى الشريعة في نطاق ضيق لا يتجاوز الفرد، بخلاف ما أصَّله الشافعي. الفكر الحداثي ليس قضيته الشافعي فقط، بل قضيته مع التراث، فهو يريد إعادة تشكيل التراث وَفق قراءة معاصرة مائعة، لذلك يتجه الفكر الحداثي دومًا إلى إعادة تفسير للتراث وَفق منظومته النسبية، محاولًا مع ذلك إلغاءَ الأصول والضوابط التي تجعل هناك صلابة وقوة للفكر الإسلامي، ولا يتم إلغاء هذه الأصول الدقيقة إلا بنقد مؤسِّسي علم الأصول وعلى رأسهم الشافعي. والاستدلال المعاصر بقول الشافعي ليس دلالة على بلادة العقل المعاصر، وإنما كفانا الشافعي مؤنة وضْع هذه الأصول التي سبق تقريرها من قبله، فكانت أسبقيته لتدوينها تستحق الإشادة به، وذكر فضله، ولا يَمنع من الإضافة إن كان متوافقًا مع مقررات الشريعة.

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.