بين " الدعوة إلى الله " و " الدعوة إلى التنظيم ".

                        في فقه المراجعات.. بين " الدعوة إلى الله " و " الدعوة إلى التنظيم ". بقلم الأستاذ: ناصر حمدادوش (احد قادة حركة حمس الجزائرية) مواصلةً منّا للتراكمية المعرفية في التأصيل الشرعي للعمل الجماعي تجعلنا نقول: أن الإبداع في الهندسة التنظيمية لأيّ جماعة يجب أن ينسجم مع طبيعة وحجم المشروع الذي تحمله، ومع عدم اختلافنا في أهمية واستراتيجية " التنظيم " كأحد أسباب النّجاح في المشروع الحضاري التغييري، والذي يتطلب التخطيط الواعي والبصيرة النّافذة كما قال تعالى:  " ...أدعو إلى الله على بصيرة.."(يوسف:108)، ومع تسليمنا بحتمية التكامل بين الشخصية العلمية الدعوية والشخصية القيادية التنفيذية للدّاعية، وضرورة التجديد في العلاقة التنظيمية بينه وبين الدعوة، إلا أن تجارب العمل الدعوي المعاصر - وخاصة في ظلّ التنظيمات الشمولية والمتلبّسة تحديدا بالعمل السياسي الحزبي - أدّت إلى إشكالات واقعية منها:   _  الخلفية الإيديولوجية والرؤية التنظيمية الضيّقة للدعوة.     _  التضخّم السياسي على حساب العمل الدعوي وإقحام الدعوة والدعاة في الاصطفافات الإيديولوجية.  _  استهلاك المرجعيات الدعوية وعدم بروز واستقلالية المؤسسات المتخصصة فيها.   _  ضعف الشّعور بالمسؤولية اتّجاه الدعوة، وَوَهْم سقوط الواجب والتكليف بها اتّكالا على التنظيم واغتيالا للمبادرة الذاتية لها. -ضعف الحوافز الإيمانية والتنظيمية لممارستها..  لكن الأخطر من ذلك كلّه هو: هذا التماهي بين " التنظيم" و" الدعوة "، بل وتحوّل " التنظيم " كوسيلةٍ من وسائل نجاح " الدعوة " إلى بديلٍ عنها، فأصبح هَمُّ الدعاة والعاملين في حقل الدعوة هو: الكسب التنظيمي الإداري على حساب الكسب القيمي الدعوي، وأصبح معيار النّجاح في الدعوة هو: بمقدار عدد المنتسبين إلى التنظيم وليس بمقدار التديّن الصحيح في الفرد والمجتمع والدولة، فَتَمّ الاختزال: من الدعوة إلى الله تعالى إلى مجرد الدعوة إلى التنظيم، وضُيِّق مجال الاستهداف الدعوي: من دائرة " يا أيها النّاس " - كلّ النّاس بدون استثناء أو تمييز- إلى مجرد الدائرة الضيّقة ممن لهم الاستعداد التنظيمي والاستجابة لشروط العضوية في الجماعة، وهي في الأخير: اجتهادات تنظيمية بشرية يعتريها النّقص والتقصير.. ومن التّداعيات الخطيرة لذلك: تحويل " التنظيم " إلى " معبدٍ مقدّس" لا تجوز مراجعته، وأصبح اللاهثون وراء تمثيله إلى " حرّاس هذا المعبد "، مع التعصّب له أكثر من العَضِّ على الدّين بالنّواجد في حدّ ذاته، مع قياس درجة " الولاء والبراء " والقرب والبعد والحبّ والبغض في العلاقة بين المؤمنين على أساسه، والله يقول: " إنما المؤمنون إخوة.."(الحجرات:10) - كلّ المؤمنين - بدون تمييزٍ على أساسٍ فكري أو إيديولوجي أو تنظيمي، فتحوّل الإسلام الفسيح إلى " جماعة تنظيمية " منغلقة ومتمركزة على ذّاتها، وتحوّلت " الدعوة " كفكرةٍ إسلامية صميمةٍ وناصعةٍ وللعالمين جميعا إلى مذهبٍ فكريٍّ خاصٍ في فهمٍ بشري للإسلام وفكرةٍ إيديولوجية خاصة بالتنظيم، وبدل أن تكون قيادة النّاس ودلالتهم على " الله تعالى" هي الغاية الكبرى من الوجود التنظيمي، يكون الانخراط في الجماعة والارتقاء في السُّلّم التنظيمي لها هو مبلغُ علمِ وعملِ المنتسبين للدعوة، وبدل أن يكون التنظيم في خدمة الدعوة وقع العكس، وتحوّلت الدّعوة إلى سلعةٍ مغرية يتمّ توظيفها لخدمة الحزب والوظيفة السياسية، وقد تُستغل في أغراضٍ شخصية ودنيوية (مثل: التّسلق للمناصب السياسية أثناء المشاركة في الحكومة كتوظيفٍ شخصي على حساب المشاركة كمشروعٍ دعوي)، وقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:" يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ، أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئِونَ؟ فَبِي حَلَفْتُ لأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانَ.". إن الحركة الإسلامية المعاصرة قد سيطر عليها هاجس التّنظيم والسّرية وثقافة المحنة ومخلّفات الأزمة فرَهن الوظيفة الدعوية وعطّل انطلاقتها العفوية لتكون قولا وفعلا، حقًّا وصِدقا: " رحمة للعالمين "، على خلاف الهدي الدعوي الأولى الذي كان له ميزاتٌ ثلاث هي: _ الجهرية لا السّريّة: فقد كانت مرحلة السّرية مرحلةٌ استثنائيةٌ مؤقتة انتهت بقوله تعالى: " فاصدع بما تُؤمر ..."(الحجر:94) فانطلقت مسيرة الإسلام للعالمين في رابعة النّهار: تحت الشّمس وفي دائرة الضوء بعيدا عن دهاليز التنظيمات السّرية التي وظّفت حديث: " استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان والسّر." في غير موضعه، واعتبرت السريّة أصلا والعلانية فرعا (بلسان الحال وليس بالضرورة بلسان المقال)... _ الجماهيرية لا النّخبوية: انطلاقا من قوله تعالى: " قل يا أيها النّاس إنّي رسول الله إليكم جميعا."(الأعراف:158) بخلاف ما انتهت إليه الدعوة المعاصرة التي بقيت محبوسة على الفئوية والنّخبوية وعجزت عن تَمثُّل قوله تعالى: " لتكونوا شهداء على النّاس ..."(البقرة:143) كلّ الناس. _ العالمية لا المحلية: كما قال تعالى: " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين."(الأنبياء:107) بما تحمله كلمة: العالمين من معنى.  إن الله تعالى لا يريد منّا أن نصبّ الناس - بالضرورة - في قوالب تنظيمية، بقدر نحن مُطالبين بـ: " إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد، ومن جور الأديان إلى عدالة الإسلام .."، ويعتقد البعض - خطأ - أن الانتماء إلى التنظيم هو غاية النّهاية في التّدين والقيام بالواجب، بل ويتحوّل إلى مجرد الاكتفاء بالانتماء بلا مسؤولية ولا ضريبة عملية، حتى ولو بايع على: العمل والجهاد والتضحية والطاعة والتّجرد...، وتتحوّل " الصّلة " كصكٍّ من صكوك الغفران وبراءة الذّمّة في صحّة الانتساب إلى الدّعوة وصوابية الاستقامة على المنهج وعدم الانحراف عنه.. إنّ الآيات القرآنية في لمساتها البيانية: واضحةٌ في الدّلالة على المعنى الدقيق للدعوة إلى الله تعالى والتركيز على التذكير به في قوله عزّ وجل: " ومَن أحسن قولا ممن دعا إلى الله..."(فصلت:33)، وفي قوله: " قل هذه سبيلي أدعو إلى الله.."(يوسف:108)، وجَعْل " التنظيم " واسطةٍ بينهم وبين الله تعالى كحجابٍ كثيف يبعدهم عن تديّن الفطرة والتجرّد للدّين والإخلاص في الدّعوة: انحرافٌ خطير لابد من الانتباه إليه والتنبيه عليه، " فمن كان يعبد التنظيم فإن التنظيم قد يموت، ومَن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت."، و: " مَن وجد الله فماذا فَقَد ومَن فَقَد الله فماذا وَجد."، وهي من أسرار قوله تعالى: " وإذا سألك عبادي عنّي فإني قريب.."(البقرة:186)، ولم يقل له: فقل لهم إني قريب، لأن الدّلالة على الله لا تحتاج إلى الواسطة: من التنظيم أو من الداعية ولو كان محمد صلى الله عليه وسلّم، في تعلّقٍ ذاتي بالله تعالى يحقّق العبودية الخالصة بالمعنى التوحيدي الوجداني الصافي، قال تعالى:     " وما أُمِروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدّين.." (البيّنة:05) .. إن " الدّعوة إلى الله " يجب أن تتمّ على أنها " دعوة إلى الله " وكفى، بكلّ ما تحمله  نِسبة الدعوة إليه سبحانه من جماليةٍ وتجرّد، وهي تعني: ربط القلوب به عزّ وجل دون سواه، والاغتراف من منابع الإيمان الصافي الحقيقي والفعلي به دون واسطة، وجعل " الصّلة " به هي أعظم أنواع الصِّلة على الإطلاق وبلا بديلٍ عنها، كما قال سبحانه: ".. ومَن يعتصم بالله فقد هُدِي إلى صراطٍ مستقيم."(آل عمران:101)، نعم: بالله مباشرة. وبالرغم من قوة وسطوة التعبير القرآني بترسيخ لفظ الجلالة " الله " واقترانه بـ: " الدعوة " في قوله: " .. دعا إلى الله.." إلا أن " التنظيم " بدأ يحتل مكانة الدّين في حدّ ذاته، ولشركائنا في الوطن من التيارات الأخرى ومن عامة النّاس (وهم مسلمون كذلك وقد يكونوا أكثر تديّنا والتزاما منّا) الحقّ في عدم الفهم عنّا هذا الخلط بين " الدعوة إلى الله " و" الدعوة إلى التنظيم"، وخاصة إذا كان تنظيما سياسيا حزبيا، ولذلك لابد من استقلالية الوظيفة الدعوية والتربوية كمؤسسةٍ متخصّصةٍ وخالصة لتكون وَقْفا للشّعب وللنّاس جميعا بعيدا عن الوصاية الإيديولوجية أو التنظيمية الحزبية الضيّقة. إنّ فقهاءنا قديما نادوا إلى ضرورة الذهاب إلى مرحلة: ما بعد المذاهب (نتيجةً للانغلاق والتعصّب والمذهبية الضّيقة التي حجبت عن النّاس سماحة الإسلام وبساطة فطرته)، ونحن ننادي الآن إلى مرحلة: ما بعد التنظيم الشّمولي المنغلق، والذي عطّل الوظائف وقتل الفاعلية ومنع الانتشار ووقف حاجزا أمام الوصول إلى النّاس جميعا. فالمذاهبُ تنظيماتٌ في الشريعة والفقه، والتنظيماتُ مذاهبٌ في الفكر والسياسة، وهي كلّها وسائلٌ وليست غايات.       إن هذا الطّرح ليس تطاولا على " التنظيم " ولا استهانةً بأهميته الاستراتيجية، وإنّما هو دعوةٌ للتمييز الدقيق بين كون " التنظيم " وسيلةً وليس غايةً في حدِّ ذاته، ونحن نُقعِّد لاستراتيجية الذهاب نحو المرونة التنظيمية بالتمييز الوظيفي والتخصّص المؤسساتي في مجالات العمل الأساسية للحركة.

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.