تهنئة المسيحين بعيد الميلاد

الحمد لله القائل: ((لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا  يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ)) والصلاة والسلام على نبي الرحمة القائل: "الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد". ما أن يقترب العام الجديد إلا وتجد الطرقات مليئة بالملصقات التي تحرم تهنئة المسيحيين بعيد الميلاد، وينبري الخطباء والوعاظ على تكفير كل من يحتفل بأعياد الميلاد أو يهنئ المسيحيين فأحدثوا بلبلة في الأفكار وشككوا المواطنين في ما استقر في معاملاتهم مع إخوتهم من المواطنين من أتباع الديانات الأخرى وهم يجاورونهم في الأحياء والأسواق وبينهم معاملات وعلاقات متجذرة، وعليه سوف نبين موقفنا وما نراه صحيحاً في هذا المجال وسنجيب هنا بإذن الله  على التساؤلات الآتية: أولاً: ما طبيعة علاقة الإسلام بالرسالات السابقة؟ ثانياً: ما هي أوجه الخلاف بين الإسلام والمسيحية؟ ثالثاً: ما هي حقوق غير المسلمين في الدولة الإسلامية؟ رابعاً: ما هو التعامل الشرعي مع غير المسلمين في ظل دولة متعددة الأديان؟ خامساً: ما هو منهج التعامل الشرعي بين الأفراد في المجتمع المتعدد الأديان؟ سادساً: ما هو الحكم الشرعي في تهنئة المسيحيين بأعياد الميلاد وهل التهنئة بعيد الميلاد تعتبر إقراراً بعقيدتهم في السيد المسيح؟ سابعاً: ما هو المنهج الصحيح لدعوة الآخرين للدخول في الإسلام؟  وبتوفيق الله وعونه نحاول الإجابة على هذه التساؤلات التي تبين منهجنا للتعامل مع هذا الموضوع. السؤال الأول: ما طبيعة علاقة الإسلام بالرسالات السابقة؟ بين الله في القرآن الكريم في أكثرمن آية أن الدين واحد هو الذي جاء به جميع الأنبياء والمرسلين وأن الإختلاف إنما هو في التشريعات والأحكام مراعاة لاختلاف أحوال الناس وطبائعهم وأزمنتهم، قال تعالى: ((شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ)) وقال تعالى: ((قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا  أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا  أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا  أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا  أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ  لاَ  نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)) فالإسلام يقر أن الدين واحد في الأصل وأن الاختلاف إنما هو في الشرائع والأحكام، والمسلم لا يصح إسلامه إلا إذا آمن بكل رسل الله وأنبيائه وكتبه، قال تعالى ((آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ  لاَ  نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ)) فكل الرسالات السابقة اتفقت على: توحيد الله وعلى العمل الصالح وعلى العدل بين الناس وعلى البعث والجزاء في الدار الآخرة، والإسلام الدين الخاتم أقر كل هذه الأصول وتفوق على الرسالات السابقة بما بينه رسول الله صل الله عليه وسلم بقوله: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: أحلت لي الغانم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعث إلى الناس كافة". السؤال الثاني: ماهي أوجه الخلاف بين الإسلام والمسيحية؟ المسيحية أوالنصرانية هي الرسالة التي جاء بها سيدنا عيسى عليه السلام وهي امتداد لرسالة سيدنا موسى حيث أن شريعة موسى هي الشريعة التي طبقها عيسى عليه السلام، فأصل الديانة صحيح ولكن التحريف لحق بالمسيحية من قبل الأتباع وهي كثيرة أشار إليها القرآن الكريم وأخطرها أنهم جعلوا الله ثالث ثلاثة، وجعلوا لله ابناً هو المسيح وغيرها من العقائد التي تتناقض مع عقائد الإسلام ويمكن إجمالها في أربعة مسائل تعتبر أركان المسيحية وهي: المسألة الأولى: عقيدة التثليث فهم يعتقدون أن الله واحد في ثلاثة وثلاثة في واحد وعقيدتنا ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4))). المسألة الثانية: قولهم أن عيسى ولد الله له صفة ناسوتية وصفة لاهوتية، وتلك الطبيعتان صارتا شيئاً واحداً فصار اللاهوت إنساناً محدثاً تاماً، وصار الناسوت إلهاً تاماً خالقاً غير مخلوق، تلك عقيدتهم بينما عقيدتنا أن المسيح هو ابن مريم وكلمة الله ألقاها إلى مريم وروح منه، كما جاء في القرآن الكريم: ((يَا أَهْلَ الكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الحَقَّ إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا  فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً)). المسألة الثالثة: الاعتقاد بالخطيئة الموروثة أي أن خطيئة آدم تنسحب على ذريته فهم معاقبون بما فعله آدم ولا يطهرهم إلا إيمانهم بفداء السيد المسيح، وأما عقيدتنا أن آدم اجتباه ربه وتاب عليه وهدى، وأن الخطيئة لا تورث ولا يعاقب أحد بجريرة غيره قال تعالى: ((وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)). المسألة الرابعة: الاعتراف بالذنوب أمام القسيس لأن كل ذنب يغفره القسيس فهو مغفور عند الله تلك عقيدتهم، وأما عقيدتنا تقوم أنه لا واسطة بين العبد وربه قال تعالى: ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُم يَرْشُدُونَ)) وقال تعالى: ((وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)). السؤال الثالث: ماهي حقوق غيرالمسلمين في الدولة الإسلامية؟ لقد جاء الإسلام بالرحمة والعدل والمساواة بين جميع الناس ويتحقق كل ذلك بالمحافظة على الكرامة الإنسانية قال تعالى: ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ..الآية)) وعليه نقول إن حقوق غير المسلمين في ظل الدولة الإسلامية تتمثل في الآتي: 1)   حمايتهم من الاعتداء يقول الامام القرافي: "إن عقد الذمة يوجب حقوقاً علينا لهم لأنهم في جوارنا، وخفارتنا، وذمة الله تعالى وذمة رسوله صل الله عليه وسلم، وذمة دين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عرض أحدهم، أو نوع من أنواع الأذية أو أعان على ذلك فقد ضيع ذمة الله تعالى وذمة رسوله صل الله عليه وسلم، وذمة دين الإسلام". 2)   حماية ضروراتهم الست (النفس والعقل والدين والعرض والنسل والمال) وحاجياتهم، حالهم في ذلك حال المسلمين، حيث اتفق الفقهاء على ذلك، وعللوا ذلك بأنهم أصبحوا بعقد الذمة من أهل دار الإسلام (وعقد الذمة اليوم يتمثل في المواطنة والجنسية والتأشيرة والعهود والمواثيق وكل عهود الأمان) وعلى ذلك يجب توفير الحماية لنفوسهم، وأعراضهم، وأموالهم، بل أكثرمن ذلك، فإن الدولة يجب عليها حماية ما يعتبرونه مالاً ــ مثل خمورهم وخنازيرهم ــ مع أن ذلك لا يعتبر مالاً لو كان لدى المسلم بل يجب اتلافه، بل لوقام مسلم بإتلاف خمورهم وخنازيرهم وجب عليه التعويض عند الحنفية. ومن قتل ذمياً يقتل به قال بذلك الأحناف والشعبي والنخعي وابن أبي ليلى وعثمان البتي وهو مروي عن الخليفة علي بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم. وهوالذي كان العمل به في معظم عصور الخلافة العباسية، وفي الدولة العثمانية، وذهب المالكية إلى: أنه يقتل به في حال الغيلة (أي الخديعة). 3)   التعامل معهم بالعدل، وحمايتهم من الظلم بجميع أنواعه وأشكاله، قال صل الله عليه وسلم: "الا من ظلم معاهدا، أو انتقصه حقه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة". 4)   تحقيق التكافل الاجتماعي لهم في حالات الفقر، والعجز والشيخوخة، ففي عهد أبي بكر الصديق كتب خالد بن الوليد لأهل الحيرة بالعراق وكانوا نصارى ما نصه "وجعلت لهم: أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنياً فافتقر، وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله ما أقام بدار الهجرة ودارالإسلام" وروى أبويوسف وغيره أن عمر رضي الله عنه مرّ بباب قوم وعليه سائل يسأل، شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه، فقال: "من أي أهل الكتاب أنت؟ قال: يهودي، قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية، والحاجة، والسن، فأخذ عمر بيده فذهب به إلى منزله ووصله بشئ، ثم أرسل إلى خازن بيت المال، فقال: انظر هذا وضرباءه، (فأعطهم ما يكفيهم بين المال) فوالله ما أنصفناه، إذ أكلنا شيبته ثم نخذله عند الهرم...". 5)   احترام عهودهم وعقودهم مع المسلمين، فقد رد أبوعبيدة لأهل الشام ما جبي منهم من الجزية والخراج عندما عجز عن حمايتهم قال أبو يوسف: "فلما رأى أهل الذمة وفاء المسلمين لهم، وحسن السيرة فيهم صاروا أشد على عدو المسلمين من المسلمين على أعدائهم..". 6)   حماية حريتهم الدينية: قال تعالى: ((لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)). 7)   حرية العمل والمعاملات والعقود والأنكحة حسب معتقدهم. 8)   تولي وظائف الدولة: لأهل الذمة الحق في تولي وظائف الدولة إلا ما تغلب عليه الصبغة الدينية. السؤال الرابع: ما هو التعامل الشرعي مع غير المسلمين في ظل دولة متعددة الأديان؟ غير المسلمين الذين يدخلون في عهد صلح مع الدولة الإسلامية يحكم علاقتهم عهد الذمة أما أولئك المواطنون الذين تجمعهم مع المسلمين أرض واحدة يشتركون في ملكيتها وتجمعهم دولة واحدة فيحكم علاقتهم عهد المواطنة، وهو عهد أكدته صحيفة المدينة التي وضعها رسول الله صل الله عليه وسلم لتنظم علاقة المقيمين في المدينة المنورة، التي كان يسكنها المسلمون بفريقيهم الأنصار والمهاجرين واليهود بطوائفهم الثلاث: بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، والمشركون من العرب. وقد نصت الصحيفة على التشريعات العامة التي تحكم الجميع، وبجانبها التشريعات الخاصة التي تحتكم لها كل جماعة حسب أعرافها وعقيدتها وتقاليدها. لقد جاء في الصحيفة أن "لليهود دينهم وللمسلمين دينهم: مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم نفسه وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه" يقول ول ديورانت في كتابه الموسوعي: قصة الحضارة "لقد كان أهل الذمة (يعيشون وسط المسلمين) بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيراً في البلاد المسيحية هذه الأيام، فلقد كانوا أحراراً في ممارسة شعائرهم الدينية، واحتفلوا بكنائسهم ومعابدهم". السؤال الخامس: ما هو منهج التعامل الشرعي بين الأفراد الذين يعيشون في مجتمع متعدد الأديان؟ إن على المسلم أن يتعامل مع الناس بالحسنى، وقد شرع الإسلام حقوقاً للجار، ومنها الجار الجنب أي الذي يختلف معك في الدين، فأمرك الإسلام أن تعامله بالحسنى، ولنا في رسول الله الأسوة الحسنة، فقد مرت به جنازة يهودي فهب واقفاً، فقالوا إنها جنازة يهودي فقال رسول الله صل الله عليه وسلم: "أليست نفسا"؟ رواه البخاري فالمسلم مطالب أن يتعامل مع الآخرين بالعدل والاحسان والاحترام وحسن الخلق قال تعالى: ((وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ)). السؤال السادس: ما هو الحكم الشرعي في تهنئة المسيحيين بأعياد الميلاد وهل التهنئة بعيد الميلاد إقرار بعقيدتهم في السيد المسيح؟ يقول علماء الفقه: إن الحكم على الشيئ فرع من تصوره، أي أن الفهم الصحيح للواقعة يقودك للحكم الصحيح عليها، فما هو التصور الصحيح لأعياد الميلاد؟ عيد الميلاد: هو فرح وسرور بمولد السيد المسيح عليه السلام، لأن مولده كان آية من آيات الله، حيث ولد من دون أب، وتكلم في المهد صبياً، وصحبت ولادته آيات ومعجزات، فأين المخالفة الشرعية في هذا الجانب، والله سبحانه وتعالى عندما غلبت الفرس الروم بشر المؤمنين بأن الروم سيغلبون الفرس في بضع سنين وقال: ( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّه)) والمؤمنون هم المسلمون يفرحون بانتصار الروم المسيحيين على الفرس المجوس، فبنص القرآن فإن فرح المسلمين بنصر المسيحيين على المجوس أمر محمود، وقد يقول قائل إن الاحتفال بميلاد المسيح بدعة لم يفعلها رسول الله، صحيح هذا الكلام في ظاهره، ولكننا أمرنا أن نتدبر القرآن قال تعالى: ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)) وكل دارس لأحكام الشريعة يعلم أن الحكم الشرعي يقوم على الأمر والنهي، أما الترك فلا يترتب عليه أي حكم شرعي، فهو من الأشياء التي سكت الله عنها رحمة بنا من غير نسيان فلا نبحث عنها، الأمر الثاني أن حديث كل بدعة ضلالة هذا يتضمن حكماً عاماً يقيّده فعل صحابة رسول الله صل الله عليه وسلم، فقد قاموا بجمع المصحف وهو أمر لم يفعله رسول الله، وجعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلاة التراويح جماعة وكانت في عهد رسول الله تصلى فردية، ووضعوا الدوواين وفعلوا كثيراً من الأشياء التي لم يفعلها رسول الله صل الله عليه وسلم، لذلك فإن الفهم الصحيح لحديث البدعة أن كل بدعة تخالف أصول الدين ومبادئه فهي ضلالة، وكل أمر مبتدع لا يتعارض مع مبادئ الإسلام ومقاصده فهو سنة حسنة، وقد صام رسول الله عاشوراء عندما وجد اليهود يصومونه وسألهم لماذا يصومونه؟ فقالوا: هذا اليوم الذي نجى الله فيه موسى فقال صل الله عليه وسلم: " أنا أولى بموسى"، وكان صل الله عليه وسلم يصوم يوم الاثنين فلما سئل قال: "ذاك يوم ولدت فيه ويوم أوحي إليّ فيه". وعليه فإن تهنئة المسيحيين بأعياد الميلاد لا غبار عليه وهو جائز شرعاً وليس فيه إقرارهم على عقيدتهم، وإنما يدخل في معنى البرّ الذي أَمرنا أن نعاملهم على أساسه قال تعالى: ((لاَ  يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ)) والمسيحيون في السودان يشاركوننا في أفراحنا وأحزاننا ويواسوننا في مصيبتنا فليس من البرّ عدم رد التحية بمثلها قال تعالى: ((وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا)). السؤال السابع: ما هو المنهج الصحيح لدعوة الآخرين للدخول في الإسلام؟  أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صل الله عليه وسلم أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، فأين هذا الغلو وذاك التطرف من الحكمة؟ وقال تعالى: ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ)) وقال صل الله عليه وسلم: "خالطوا الناس بأخلاقكم وخالفوهم في أعمالهم" أخرجه الزبيدي في اتحاف السادة المتقين. بل إن رسول الله صل الله عليه وسلم سمَح للنصارى أن يصلوا في مسجده فقد روى علماء السيرة: "أنه لما قدم وفد نجران على رسول الله صل الله عليه وسلم دخلوا عليه مسجده بعد صلاة العصر، فحانت صلاتهم فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم فقال صل الله عليه وسلم: "دعوهم" "فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم" فالمنهج الصحيح للدعوة أركانه: الحكمة والبر والاحسان والعدل والمقارنة والايثار. ومن أراد الاستزادة فليراجع الكتب الآتية: 1-    موسوعة أصول الفكر السياسي والاجتماعي والاقتصادي من نبع السنة الشريفة وهدي الخلفاء الراشدين إعداد الأستاذة خديجة النبراوي. 2-   أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام للأستاذ الدكتور عبدالكريم زيدان. 3-   غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، للدكتور يوسف القرضاوي. 4-   نحن والآخر ــ دراسة فقهية تأصيلية للأستاذ الدكتور علي محي الدين القرة داغي رئيس لجنة القضايا والأقليات الإسلامية بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والخبير بمجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة. الحديث: قال صل الله عليه وسلم: "إنكم لا تسعون الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق" أخرجه الحاكم في المستدرك أو كما قال..  

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.