wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
إلى صاحب أي مشروع نهضوي
الاثنين, June 14, 2010 - 05:15

إن أي مشروع للنهضة والتقدم والارتقاء سواء على المستوى الفردي أو الجماعي إنما يحتاج إلى "إرادة" و"إدارة".. إرادة النهوض والإصلاح والتغيير، والإرادة التي تضع هذه الإرادة في الممارسة والتطبيق. أي يحتاج إلى "فكر" نهضوي.. و"عمل" يجسد هذا الفكر ويطبقه.
فبدون الفكر يفتقد الإنسان مهما كانت مهاراته دليل العمل الذي ينير له الطريق، فتتبدد طاقاته مهما كانت هائلة في تجارب الفشل وسلاسل العمل على غير هدى، التي قد تفضي به إلى الإحباط واليأس والقنوط.. وبدون "العمل" الذي يطبق الفكر ويجسده، يظل هذا الفكر مجرد تهويمات نظرية، وخيالات تجريدية، تباعد بين الإنسان وبين الواقع الذي يعيش فيه..
لقد بدأ الإسلام بـ (اقرأ).. فلما تبلورت هذه القراءة في كتاب الكون وفي كتاب الوحي إلى رؤية متميزة، وتحولت إلى تكاليف وأعمال، كانت الحضارة والمدينة والدولة، التي انتقلت بالإنسان والإنسانية إلى طور جديد وفريد..
ولذلك ارتبط واقترن "الإيمان" – وهو فكر – بالعمل، دائما وأبدا، في القرآن الكريم.. ومع وعد الله – سبحانه وتعالى "بحفظ " الدين .. فلقد جعل "إقامة" الدين فريضة على المؤمن، وذلك حتى لا يتحول الدين إلى مجرد نظريات وفلسفات معزولة عن الواقع والتطبيق.. وإذا كان "الإيمان" في الإسلام هو تصديق قلبي يبلغ مرتبة اليقين.. فإن التصديق مرتبط بالصدق والإخلاص.. ولن يكون هناك صدق للفكر ولا إخلاص للأفكار إذا لم يضعها صاحبها في الممارسة والتطبيق.. فالعمل هو الذي يبعث الحرارة والحياة والحيوية في الأفكار.. وبدون ذلك تتجمد الأفكار وتموت!..
وإذا كان القرآن الكريم قد نحا باللائمة على المنافقين أكثر من المشركين.. وقدمهم على المشركين في العذاب.. فلأن النفاق قد جسد الانفصام بين الفكر والعمل.. فالمنافقون يبطنون غير ما يظهرون.. يبطنون الكفر ويظهرون العمل بالإسلام.. ولذلك كان ضررهم أشد من ضرر المشركين والكفار الصرحاء، (ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما) – الأحزاب:73.. (ويعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا)- الفتح: 6.. (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا) – النساء:145..
 
ولقد ابتليت التجارب الحضارية – عبر التاريخ – بنماذج للانفصام بين الفكر والتطبيق.. بين الإيمان والعمل، شوهت الفكر.. وجعلت العمل طالحا لا صالحا، ويسير في طريق مسدود..
   _ ففي اليهودية تحريم للربا.. لكن اليهود غدوا أساطين الربا في العالم منذ ظهور الرأسمالية وحتى هذا     التاريخ..
   _ وفي المسيحية تحريم الربا. ولكن المسيحيين سرعان ما نافسوا اليهود في جني الأرباح الفاحشة من وراء الربا ومن خلال مؤسسات الرأسمالية الكبرى..
  _ وفي المسيحية تحريم الزنا. ولكن الحضارة الغربية – التي يزعم البعض أنها مسيحية، أو ذات تراث مسيحي، حتى ليسمون أوروبا "ناريا مسيحيا"!.. قد جعلت "هذه الحضارة" – تجارة الدعارة ثالث التجارات الكبرى – بعد التجارة السلاح وتجارة المخدرات – وهما – أيضا – مما حرمته المسيحية!!..
 _ وفي المسيحية تحريم للشذوذ الجنسي.. لكن تناقض الفعل مع القول، واختلاف الممارسات مع المقولات، قد جعل الشذوذ الجنسي قانونا معتبرا ومرعيا في كثير من أقطار تلك الحضارة التي تدعى المسيحية، حتى لتعقد له مهرجانات سنوية في العديد من المدن، تمارس فيها هذه الفواحش على قارعة الطريق وفي الحدائق والميادين.. بل لقد وصل هذا البلاء إلى الكنائس، فغدا بعضها يزوج الشواذ.. ويتولى في بعضها مناصب الكهنوت قساوسة شواذ!!.. حتى لقد قال المرحوم الشيخ الغزالي – عن هذه الكنائس: "إنها قد خانت مسيحيتها"!..

إذن، فمخالفة الفعل للقول.. وتناقض الممارسات مع الأفكار، هو نوع صريح من الخيانة للمقولات والأفكار. فهذه الخيانة تتصاعد مخاطرها وتتزايد أوزارها عندما تكون خيانة للوحي الإلهي ونبأ السماء العظيم وصحيح السنة النبوية الشريفة التي جاءت بيانا لهدى القرآن الكريم..
ولهذه الحقيقة، كان إلحاح القرآن الكريم على أن تتسق أقوال المؤمن مع ما يأتي به من أفعال وعلى أن يضع المؤمن الأقوال والمبادئ والأفكار في الممارسة والتطبيق (يا أيها الذين أمنوا لما تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) – الصف: 2،3..
وعلى سورة القرآن الكريم وآياته يقترن الإيمان – الذي هو تصديق قلبي – بالعمل – الذي هو ممارسة تجسد هذا الإيمان في الواقع والتطبيق..
ولأن السنة النبوية هي البيان النبوي للبلاغ القرآني، كانت المساحة الأكبر من هذه السنة هي "السنة العملية" التي مثلت التطبيق النبوي للإسلام في ميادين العبادات والمعاملات والأخلاق.. بل إن هذه "السنة العملية"، التي مارسها رسول الله – صلى الله عليه وسلم -  وصحابته – رضوان الله عليهم – والتابعون وتابعوا التي بعين – وأجيال الأمة من بعدهم على مر التاريخ – هذه "السنة العملية" هي التي حازت – وحدها – مرتبة "التواتر"، وأعلى درجات الصدق والموثوقية بين المأثورات والمرويات.. ومن هنا كان تقديم الإمام مالك (93-179هـ، 71-795م) – رضي الله عنه – ""عمل أهل المدينة" – الذي هو "سنة عملية" – على مأثورات ومرويات الأقوال والأفكار..
وإذا كانت القدوة الأولى والأسوة الأعظم والنموذج الأمثل للمسلم هو رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فإن سيرة هذا الرسول الكريم قد كانت هي التجسيد الحي والعملي لكل عقائد الإسلام ومبادئه وأركانه وقيمة وواجباته وسننه ومستحباته.. كان صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الحديث الشريف "خلقه القرآن" – رواه مسلم – وفيه وبه تحولت الأفكار إلي أعمال.. والنظريات إلى تطبيقات.. والقيم إلى طبائع وسجايا وممارسات..
فإذا أردنا شرف الاقتداء بسيد البشر، وإعادة النموذج الاجتماعي الذي أقامه هو وصحابته في صدر الإسلام.. وإذا أردنا السعادة بصحبته يوم نلقى الله. فعلينا أن نحول المواعظ إلى سلوك.. والفكر إلى أعمال.. والنظريات إلى ممارسات، لنكون على طريق الذين قال الله لهم: "لقد كان لكم في رسول الله أسوه حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الأخر وذكر الله كثيرا" – الأحزاب: 21.. وحتى لا نكون ممن قال الله فيهم: (يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)..
وإذا كان الإسلام هو الطاعة.. وإذا كانت الطاعة هي ثمرة من ثمرات المحبة.. فإن الاقتداء برسول الله – صلى الله عليه وسلم -  في تجسيد الإيمان والفكر بميدان العمل والتطبيق، هو السبيل إلى الدخول في ظلال من يحبهم الله – سبحانه وتعالى – (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) – آل عمران: 31..
لقد كتب كاتب غربي – غير مسلم – بل ناقد للقرآن الإسلام – هو "كارليل" (1795 – 1881م) كتابة عن المائة الذين رآهم أعظم عظماء الإنسانية، ووضع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أول هؤلاء العظماء، لا لشيء إلا لأنه وجد محمدا – صلى الله علية وسلم – المتفرد بين هؤلاء العظماء بتطبيق وتنفيذ وتجسيد الدعوة التي جاء بها في أرض الواقع والممارسات. ولقد وقف الآخرون – وفيهم أنبياء ومرسلون – عند حدود "الدعوة" فلم يقيموا مدينة ولم يصنعوا حضارة، ولم ينشئوا الدولة التي تحرس الأبناء وتنمية.. أما رسول الله – صلى الله علية وسلم – فلقد تفرد بتحويل العقائد والأفكار إلى خلق وعمل وتطبيق وحياة.. وبذلك رسم للمعتذيين به طريق النهوض والتقدم والارتقاء: تحويل "الفكر الصحيح" إلى "عمل صريح". 

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.