wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
الاتجاه نحو الوسطية
الاثنين, October 17, 2011 - 02:00

مع أن المقرر شرعا وعقلا إن خير الأمور أوسطها وان الفضيلة بين رذيلتين، إلا إن الوصول إلي  ما يمكن اعتباره عدلا بين مسلكين يحتاج إلي قدر من التجربة على المستوى الفردي والجماعي التي تحتاج بدورها  إلي قدر من الزمن قد يتقلص بالاستفادة من التجارب المقارنة. كما إن ذلك  قد يحتاج في بعض المسائل إلي تجربة أو على الأقل إلي الفحص النظري الدقيق لنقيضي الوسطية للتمكن من الانتهاء إليها. فإدراك إن سبيلا ما هو السبيل الوسط لا يمكن إلا بعد تجربة أو فحص سلبيات وايجابيات غيره من السبل. والانتقال من التفريط يكون –عادة- إلي الإفراط قبل أن يصل إلي الاعتدال الخالي عن الإفراط والتفريط. 
فالوسطية التي هي البديل الثالث غالبا ما تتحدد  في نتيجة ينتهي إليها  النظر عند البحث عن التوازن بين قيم ومصالح متعارضة أو تبدو أنها كذلك تجمع بين ايجابيات البدلين وتتفادى سلبياتهما. 
فمن الاختلاف  بين الأفراد  بسبب اختلاف الجنس  أو العرق أو الدين إلي الدعوة إلي المساواة المطلقة إلي أن انتهى الأمر إلي القول بالمساواة التناسبية التي تأخذ ظروف وإمكانيات كل فرد في الاعتبار والي ضرورة تدخل الدولة للحد من اثر التفاوت الاجتماعي والثقافي في الحصول على المنافع بإعادة توزيع المنافع والأعباء على نحو يمكن الأكثر حرمانا من الانتفاع ببعض ما ينعم به الأكثر حظا، ما أدى إلي إقرار غالبية النظم القانونية لضمان الحد الأدنى للمعيشة لكل أفراد المجتمع.
ومن كبت الآراء إلي الدعوة إلي  حرية التعبير ومنهما إلي ضرورة  التمييز بين التعبير الحر والتعبير الحاقد ورفض الخطاب الذي يحض على الكراهية ويتعارض مع ثوابت المجتمع.
ومن الستر المطلق إلي الدعوة إلي الشفافية المطلقة  ومنهما إلي نهج يعتمد  الشفافية كلازم من لوازم النهوض والردع  مع إحاطتها بسياج يستوجبه ستر الأعراض والأمن الوطني وغيره من المصالح العليا للدولة. 
ومن سيطرة القطاع العام أو القطاع الخاص على النشاط الاقتصادي إلي الإقرار بالحاجة إلي كليهما مع تحديد مجال كل منهما مع إضافة الحاجة إلي مؤسسات المجتمع المدني.
ومن النظر إلي التراث الإسلامي باعتبار أن العلاقة به علاقة اتصال وارتباط لا انفصال لها إلي  القول بضرورة نفي أي اثر له في حاضرنا باعتباره نتاجا تجاوزه التاريخ ومنهما إلي التأكيد على ضرورة النظر إليه من خلال مستوياته المتنوعة ومراحله التاريخية المختلفة وتوظيفه للتجديد والبناء من خلال الإيمان بجدلية العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل. أي اعتباره مرجعا مهما، مع إدراك التمايز بين الماضي والحاضر دون نكران للتراث ودون العمل على تكراره. 
البحث عن التوازن( أي الوسطية) هو الأساس الفلسفي للقول بان لكل قاعدة استثناء وان الاستثناء يؤكد القاعدة لا يلغيها. إذ انه الوسيلة لتفادي سلبياتها وللحيلولة دون التطرف في إعمالها.  ومن ذلك إننا كقانونين نؤمن بأهمية القاعدة التي تقرر أن الإنسان برئ حتى تثبت إدانته ونقر في نفس الوقت بأهمية الإجراءات الماسة بالحرية الشخصية في مواجهته قبل أن يصدر حكم بات بإدانته تمكينا للسلطات الجنائية من حماية المجتمع من أخطار محتملة وتوفيرا لمتطلبات الفاعلية الإجرائية.
ومن ذلك –أيضا- اعتماد الفصل بين السلطات الثلاث ( التشريعية، والتنفيذية، والقضائية) كإطار دستوري لتنظيم الدولة كضمانة لصون الحرية ومنع الاستبداد وكركيزة لتقسيم العمل وحصر المسؤولية، لم يمنع الأنظمة المختلفة من إقرار التعاون بين السلطات الثلاث ومن القبول بحلول احدها محل الأخرى. فبالإضافة إلي التشريعات التي تصدر عن السلطة التشريعية هناك تشريعات تصدرها السلطة التنفيذية بموجب التفويض التشريعي أو على أساس ما تقرره بعض الدساتير من تقاسم لسلطة التشريع، وبالإضافة للوائح التنفيذية هناك ما يعرف باللوائح المنشئة، وبالإضافة إلي وظيفة المحاكم في تطبيق القوانين على المنازعات التي ترفع إليه، يقوم القضاء بوظيفة رقابة صحة التشريعات.
كما أن بناء النظام القانوني على فكرة الملكية الفردية مقدسة، لم يمنع من الأخذ في الاعتبار وظيفتها الاجتماعية وما يقتضيه الأمر من تقييد القانون لكيفية استغلالها وفرض ضريبة عليها ولا من إمكانية نزعها للمنفعة العامة مقابل تعويض عادل. 
 ومن أمثله ذلك-أيضا- القول بالمساواة قانونا بين الرجل والمرأة  لا يمنع  المشرع والسلطة الإدارية من إقرار أحكام خاصة لإحداث تناسب بين عوامل البيئة وطبيعة الوظيفة ومسؤولياتها والتكوين الجسدي والنفسي للرجل والمرأة. 
وإذا كان الأمر كذلك، فان الانتقال من طرف إلي طرف عند حدوث تحول في المجتمع هو أمر محتمل في كثير منها. فالمجتمع الذي يظل محكوما بفرد أو حزب واحد مهدد بان تتكاثر فيه الأحزاب لدرجة أن تصبح مهددة للحمته ووحدته، والمجتمع الذي لا يكون فيه مجالا لحرية الرأي والتعبير مهدد ولو بعد حين بأن تنطلق فيه الحريات بدون حدود بشكل يهدد حريات الآخرين  وسمعتهم وكرامتهم ويختلط فيه الحق بالباطل لأمد طويل وان تظهر فيه تناقضات لا يمكن الجمع بينها في إطار مجتمع واحد.
ومن هنا فان مسألة ظهور الإفراط أو التفريط نقيض ما كان سائدا في مجتمع ما قبل حدوت التغيير فيه ، لا يجب أن يكون سببا  للشعور باليأس أو للتذمر أو أن يصل الأمر لكراهية حدوت التغيير أو لتمني الرجوع إلي سابق العهد،مادام هناك اتجاه ولو بطئ للتوازن. في مقابل ذلك، يجب أن تحشد الهمم لمحاولة تقصير فترة البقاء في أي نقيض للوسطية والجد في البحث في معاييرها استفادة من تجارب الدول الأخرى في كل مجال على حدا. مع إدراك ان ما يمر به المجتمع هو أمر طبيعي لا يتعارض مع نواميس الطبيعة البشرية مادام هناك صراع فكري لا تهميش ولا إقصاء فيه ودون أن يكون لأي طرف فيه إمكانية استخدام أي وسيلة من وسائل العنف المادي أو المعنوي لانتهاك الحقوق التي تعتبر أولية مثل الحق في السلامة البدنية أو الاستقلال الذاتي.

17/10/2011

د.الهادي بو حمره

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.