wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
"الحجاب الإسلامي" و"النقاب" ومجموعة منتقاة من المقالات
الخميس, August 5, 2010

الحجاب الإسلامي وحقوق الإنسان الدولية

* د. محمد خليل الموسى

- مقاربة أولية -

أثيرت أسئلة عديدة حول مسألة ارتداء الحجاب الإسلامي في عدد من الدول الأوروبية ، وقد جابه العالم الإسلامي هذه الأسئلة بأسئلة وتساؤلات: و أحياناً بضجيج و صخب غير معقولين. و يمكن تلخيص مواقف كل من الدول الأوروبية و الشعوب الإسلامية كالآتي: يرى عدد من الدول الأوروبية ، و بالأخص دول أوروبا الغربية ، أن ارتداء الحجاب الإسلامي في المدارس العامة و مؤسسات الدولة مخالف لعلمانية الدول ولحيادها تجاه مختلف الديانات. أما الشعوب الإسلامية ، فقد نظرت إلى قيام عدد من الدول الغربية مثل سويسرا و فرنسا بحظر ارتداء الحجاب في المدارس و الجامعات العامة و مؤسسات الدولة بأنه يندرج ضمن "حرب صليبية" يخوضها الغرب ضد الإسلام ، و أنه خرق لحرية الديانة و المعتقد و الفكر. 
مما لا شك فيه أن محاولة حل الخلاف القائم حول ارتداء الحجاب الإسلامي على أساس وجود حرب صليبية بين الشرق و الغرب و انطلاقاً من فكرة "صراع الحضارات" الواهية ، أو كرد فعل ضد "الإسلاموفوبيا" أو "الخواف من الإسلام" لن تفضي إلى حل ودي أو معقول ألبته. و لهذا السبب فإنني أعتقد بأن منظومة حقوق الإنسان الدولية قادرة على إيجاد حل سلمي و متوازن لمسألة الحجاب الإسلامي في الدول الغربية.

لقد تناولت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان موضوع الحجاب الإسلامي في أكثر من مناسبة. ففي قضية (دحلاب ـ سويسرا) ، أوضحت المحكمة بشأن منع معلمة في مدرسة حكومية من ارتداء الحجاب أثناء العمل أن قرار المنع لا ينطوي على خرق لأحكام الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. و قد استندت المحكمة على جملة من الحجج والأسانيد أهمها أن للحجاب كرمز خارجي تأثير قوي داخل المدارس التابعة للدولة ، وأنه لا يتفق مع مبدأ المساواة الجندرية وعدم التمييز على أساس نوع الجنس. وانتهت المحكمة إلى أن للحكومة السويسرية أن تفرض قيوداً على ارتدائه في المدارس العامة. 
و في قضية ( ليلى شاهن ـ تركيا) ، لم تجد المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أي انتهاك لحقوق الإنسان المعترف بها في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان ، و ذلك على أساس أن المعيار الأساسي للبت في هذه المسألة (ارتداء الحجاب في مؤسسات الدولة) هو مبدأ العلمانية. و قد أخذت المحكمة في هذه القضية بالحجتين المركزيتين لتركيا وهما: التوافق بين العلمانية و قيم الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان ، و أن منع ارتداء الحجاب ضروري لحماية النظام الديمقراطي في تركيا الذي تستهدف الاتفاقية المذكورة حمايته وتعزيزه. 
واضح تماماً أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قد ركزت في الحالتين المذكورتين على حرية الديانة و المعتقد ، و على أن العلمانية تفرض على الدول العلمانية أن تحافظ على المجال العام فيها من أن يميل لصالح أية ديانة على حساب الأخرى. و لكن التساؤل الذي يثار في هذا السياق هو إلى أي مدى يعد صحيحاً القول أن الحجاب الإسلامي يخلق تعارضاً بين علمانية الدولة من جهة و بين حرية ممارسة الاعتقاد الديني و الجهر به من جهة أخرى ؟ و إلى أي مدى يتنازع مبدأ حياد الدولة مع هذا الحق الأخير؟

بالنسبة للتعارض بين العلمانية و الحق في حرية ممارسة الاعتقاد الديني ، يمكن القول أن الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان تنطلق من فرضية مركزية و هي أنه ليس هناك نموذج أو نظام "سوسيو - سياسي" محدد أو مثالي: فهي تعترض وجود تنوع بين الدول في نظمها الاجتماعية و السياسية. الأمر الذي يترتب عليه من الناحية العملية أن هذه الاتفاقيات لا تتصور نمطاً معيناً من العلاقة بين الدولة والدين و أن تنوع أو اختلاف أشكال هذه العلاقة من دولة إلى أخرى يتفق تماماً مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. فقد أشارت إحدى اللجان التعاهدية المعنية بالرقابة على اتفاقيات حقوق الإنسان و هي اللجنة المعنية بحقوق الإنسان ذات مرة إلى أن الاعتراف بديانة ما باعتبارها دين الدولة أو الدين الرسمي أو التقليدي ، أو باعتبار أن أتباعها يشكلون أغلبية السكان ، يجب ألا يؤدي إلى إعاقة التمتع بأي حق من الحقوق المعترف بها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية بما في ذلك حرية الفكر و الديانة و المعتقد و حقوق الأقليات ، علاوة على أنه يجب أن لا يفضي إلى أي تمييز ضد أتباع الديانات الأخرى. وبمعنى آخر ، لا يجوز تطبيق العلمانية على نحو يعرقل تمتع أصحاب الديانات بالحق في ممارسة شعائر ديانتهم أو الجهر بها. فكما أن العلمانية تعني أن الدولة تقف في مساحة بعيدة عن المساحة الخاصة بالدين إلا أن لا يجوز تطبيقها بصورة تضر بالمساحة المخصصة لأصحاب الديانات أو بحقوقهم الدينية المعترف بها ضمن منظومة حقوق الإنسان الدولية. 
وحتى تكون الصورة أكثر وضوحاً ، فإن إثبات التوافق بين الدولة الدينية و منظومة حقوق الإنسان الدولية أمر عسير من الناحية العملية ، فالعلمانية شرط حيوي لاحترام سيادة القانون و حقوق الإنسان. و لكن لا يجوز بالمقابل ممارستها على نحو يضر أو يعرقل ممارسة بعض الحقوق الإنسانية أو يؤدي إلى فرض رؤية واحدة للعالم أو للمجتمع. فالعلمانية ضرورية لحياد الدولة ، و قد أكدت دول أوروبية مختلفة و في مقدمتها فرنسا على أنها تستهدف من حظر ارتداء الحجاب الإسلامي في مؤسسات الدولة تطبيق مبدأ الحياد في المجال الديني: و هو مبدأ يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتحريم التمييز. و قد أوضحت فيدرالية هلسنكي الدولية بشأن قانون الحجاب الفرنسي لعام 2004 أنها قلقة من أن تفضي الكيفية التي استخدمتها فرنسا بغية تعزيز العلمانية إلى الدفاع عن رؤية أحادية أو منفردة للعالم ، و بالنتيجة فإنها ستكون متعارضة مع الحياد الذي دأبت الحكومة الفرنسية على التمسك به. أي أن الحياد يفرض على الدولة العلمانية أن لا تجعل من رؤيتها أو فلسفتها الرؤية أو الفلسفة الوحيدة للحياة على حساب التنوع الثقافي و الديني و الفكري. 
أستاذ القانون الدولي وخبير في قضايا حقوق الإنسان

النقاب .. المرأة ، لماذا الآن؟

* د. دعاء فينو

 
غطاء الوجه الذي تغطي به المرأة وجهها كله يسمى في لهجة أوساطنا العربية المتدينة خمارا ولابسته مختمرة ، فاذا ترك العينين بارزتين للعيان فهو نقاب وصاحبته منقبة. وفي الحالتين كانت لفظة التعميم لكل غطاء للوجه تختفي وراءه ملامح المرأة نقابا ، وكلاهما في الغرب يسمى برقع وهو المادة الاعلامية الأكثر رواجا بلونيه الأسود والأبيض تتسابق معه أو ضده لافتات سياسية ودينية من أقصى اليمين الى أقصى اليسار. كلها تخطب ود ليلى ، "المرأة والحرية وحقوق الانسان". وكلها على السواء تتنافس في شد الحبل لساحتها: معلنة النوايا الطيبة في حماية الفئة الأضعف والأكثر عرضة للتهديد في مجتمعاتنا الانسانية...المرأة،
لبست النقاب مرة لأشهر معدودة: غضب أبي مني ورفضه مشهدا جديدا في أسرته. هو عبرعن رفضه بطرق عدة: ولم يخطر بباله أن الحديث عن النقاب سيغدو يوما دليلا على تدين والتزام رفيع ، أو رمز للارهاب والأصولية ، أو تضييق على حريتي في ارتداء ما يحلو لي كتعبير عن شخصيتي الفتية. هو لم يقبله وفقط في حدود ما يعنيه كأب مسلم ، فهو (مسلم عادي) طيب لا يعبأ بالأجندات أو اللافتات الدينية أو السياسية. كنت حينها أجد في النقاب ملاذا ضروريا خاصا ، فللأمانة لم يكن الالتزام الديني الرفيع هو متخيلي حين ارتديته أشهرا من عمري ، أو حين قررت أنني اكتفيت منه بقدر ما اكتفى مني.

عندي صديقة بريطانية دخلت في الاسلام منذ أمد بعيد وتلبس النقاب في مدينة بيرمنغهام وهي ليست فاتنة مفتنة بل هي في الخمسين من عمرها أحبت النقاب في يوم ما من عمرها المديد فلبسته. وهي بالمناسبة لا تنتسب لأي حزب ديني أو تيار سياسي. وهي كذلك ليست وحدها: فأن ترى امرأة منقبة تقود السيارة في تلك المنطقة أمرا معتادا كنت ابتسم -وما زلت أفعل - لرؤيته. فللمرأة قدرة وارادة وطموح لم يكن ليستبعدها أو يحد من حريتها قوة... متى هي شاءت: فكيف بقطعة قماش. صديقتي البريطانية ذهبت لتزور ألمانيا مع صديقة عربية محجبة بعد أحداث أيلول أميريكا ، وفي كل شارع تسّوقن فيه كانت لصديقتي البريطانية المنقبة اهانة أو اساءة من نوع ما من الألمان. حينها رجتها صديقتي العربية المحجبة أن تنزل نقابها رحمة بحالهما - فهو فيما ترى - قد يكون سنة على الأكثر وحفظ النفس في حالتهما أوجب: الا أن البريطانية المنقبة لم تقبل: قالتها بملء الفم: "هذه حريتي وأنا في عالم حر". صديقتي البريطانية رجعت الى بريطانيا لتلتحق ببلدية بيرمنغهام وتقف لأجل نقابها الذي تشعر بارتياح نفسي أكبر معه في معاملاتها اليومية... فكانت رغما عن كل الرافضين للنقاب موظفة مسلمة منقبة تمارس حريتها الانسانية في ارتداء ما يحلو لها في عالمها الحر.
ما يهمني كمتخصصة في الحديث النبوي الشريف والعلوم الشرعية هو النظر في موقع النقاب في الخطاب التكليفي. ولعل الشيخ العالم ناصر الدين الألباني - رحمه الله - كفاني مؤونة البحث في كتابه "حجاب المرأة المسلمة" حيث قال مجيبا للذين اعترضوا عليه بعده:"فان بعض أهل العلم وطلابه - لا سيما المقلدين منهم - فانهم مع اعجابهم بالكتاب...لم يرقهم ما جاء فيه من التصريح بأن وجه المرأة ليس بعورة...وهؤلاء فريقان ، الأول: من لا يزال يرى أن وجه المرأة عورة...الثاني: يذهب معنا الى أن الوجه ليس عورة ولكنه يرى مع ذلك أنه لا يجوز اشاعة هذا المذهب نظرا لفساد الزمان ، وسدا للذريعة ، فالى هؤلاء أقول:ان الحكم الشرعي الثابت في الكتاب والسنة لا يجوز كتمانه وطيه عن الناس بعلة فساد الزمان أو غيره ، لعموم الأدلة القاضية بتحريم كتمان العلم....فاذا كان القول بأن وجه المرأة ليس بعورة حكما ثابتا في الشرع كما نعتقد ، فكيف يجوز القول بكتمانه ، وترك تعريف الناس به؟، اللهم غفرا. نعم من كان يرى أنه مع ذلك لا يجوز العمل به سدا للذريعة فعليه هو بدوره أن يبين ذلك الذي يراه للناس ولا يكتمه ويأتي بالأدلة التي تؤيد رأيه وهيهات هيهات،"
اذن فان مسألة النقاب قد فصلت في الداخل الاسلامي ، فهي في الخطاب التكليفي في دائرة المختلف فيه. قد يوجبه البعض بأدلتهم وينفي البعض الآخر هذا الايجاب برد هذه الأدلة عن آخرها. ولن نقبل لأي من المسلمين أن يمارس مبدأ المفاصلة مع المسلمين أو الاقتصارية أو الحصرية ، فالاسلام واسع "ولن تغيب نصوصه وراء أقوال الرجال". فليس ارتداء النقاب أو عدمه من أولويات الخطاب الاسلامي أو من أهدافه ومقاصده العليا. وليس هو قطعا الهم الأكبر للمرأة المسلمة من أقصى العالم الى أقصاه. فماذا ينفع أرامل العراق أو أفغانستان أو الشيشان النحيب على النقاب أو عدمه في الدعاية الاعلامية الغربية أو العربية للحد من سيطرة طالبان أو القاعدة. لماذا يجب أن تتحول هموم المرأة وحقوقها الانسانية الحقيقية هامشا في المساحات الاعلامية ليكون للنقاب الصدارة ، والذي قد لا يكون له وجود في كثير من القرى والمدن الاسلامية ضمن الصيغة الدينية المزعومة من الداعين له أو المحذرين منه،
قد سئمنا نحن النساء هذا النفاق الغربي والعربي على السواء الذي يمارس من القوى واللافتات المتعددة باسم الدين والسياسة معا لتحقيق أجندات ومصالح وولاءات مكشوفة. مورس هذا النفاق في الغرب في عصر التنوير لرفض الأصولية المسيحية ، وغرر بالمراة فيه لتخرج عن حشمتها اعلانا لرفض القيود الكنسية ، فكان ماذا؟ تحولت المرأة كالآلة سلعة في سوق النخاسة الغربية بأقل الأسعار تحت وطأة "خذ وطالب" لعلها تصل الى كل الحقوق الانسانية...وللمفاجأة ... هي لمَا تصل بعد. فاذا كان هذا هو الحال في الغرب فان المشرق ليس عنه ببعيد.
قد سئمنا نحن النساء المسلمات أن يتحدث باسمنا "كل أحد" ولا نسأل عن الذي نريد. سئمنا أن نكون حبل الشد الذي تسحبه مرة يد التشدد الاسلامي ، ثم تسحبه من جهة أخرى يد العلمانية بطغيانها السافر. حتى متى ستظل المرأة وكل ما لها جملة يتشدق بها ساع لمنصب في مكان ما ليسّوق بها نفسه؟
قد سئمنا عمليات تغليف الجسد القسري تجاوزا لنصوص الشريعة ، وقد سئمنا كذلك عمليات التعرية والابتذال لهذا الجسد تجاوزا لكل ما هو انساني ذي كرامة. الافراط والتفريط في التعامل مع كل ما يتعلق بالمرأة على العموم والمرأة المسلمة على الخصوص ما عاد مقبولا. فنحن حرائر في عالم حر.
المرأة المسلمة في الغرب ستمضي تكافح عن حقها الانساني أن تختارعبر القنوات القانونية المعتبرة هناك وستنجح. ولن يقف في وجهها "شبح غول الأصولية أو الارهاب الاسلامي"الذي تصوره التقارير الاعلامية المغررة بالمواطن الغربي ذكرا أو أنثى لرفع مستوى الاسلاموفوبيا في فحص الدم لديه. لكن الذي أخشاه حقا هو سقوط خواص المسلمين مع عامتهم في الشرق والغرب على السواء في شرك الانشغال بسفاسف الأمور والقضايا الجانبية مقنعين أنفسهم بأنهم يدافعون عن قضية كبرى لأجل الاسلام والانسان معا ، لأن الحال ليس كذلك.

 

استاذة الدراسات الاسلامية ومتخصصة في الخطاب الاسلامي نحو المرأة

 

النقاب بين الفرضيّة والفريضة

* د. أنس مصطفى أبوعطا

 

   يدور نقاش علمي و عامي حول قضية النقاب ، والخائضون فيه بين مخيّر و مُلزم .... بين مُؤيّد و مُعارض .... ولكلْ وجهة هو مُوَلّيها ، ولست هنا في معرض البيان و العرض للآراء الفقهية في المسألة ، والتدليل و التعليل لكل صاحب رأي و مذهب منها ، ولكني أود أن يكون المسار و المثار في التعليق عليها في التأصيل لا التفصيل ، وهو ما أود بيانه من نقاط أراها مفصلية و فيصلية في المسألة.
    أولها : للإسلام في هذا المقام غايتان هما الحفاظ على الخُلُق ورعاية و تكريم الخَلق ، وهو أمر لا بد من التأكيد عليه إبتداءً ، وهو الصلة الوثيقة بينهما : ذلك أنّ حرص الإسلام الشديد على رعاية العفة مبني على حرصه على كرامة الإنسان و منزلته عند خالقه و بَين خلقه ، و قد بُني على هذا ذكر الكثير من الأحكام الشرعية التي يُراد منها الحصانة و الصيانة لمنظومة العفة في المجتمع و التي يُنظر إليها كلوحة فسيفسائية متكاملة مترابطة ، يُشكّل كل جزء منها موقعا لا يؤدي دوره فيها وحده بل لايفهم أو تدرك كامل أهميته إلا من خلال النظر إلى المجموعة أي اللوحة الفسيفسائية بكامل قضّها و قضيضها فيترتب عليها تعاضدها و تكاملها معاً ، و عليه فإن من قًصر النظر أو الحول الفكري الانتقاص أو الانتقاد للحكم الشرعي في التحريم المتعلق بالخلوة أو الملامسة أو ضوابط لباس المرأة مع الأجانب.
    ثانيها : انعقد الاجتماع الشرعي بل ثبت بالنقل و العقل وجوب تحقق ستر كامل جسد المرأة البالغة عن الأجانب لغير ضرورة ، واختُلًفَ بعد ذلك في حكم كشف الوجه على قولين: الأول: وجوب ستره ، واستدلّ أصحاب هذا الرأي وجُلّهم من الحنابلة بأدلة نقلية من كتاب الله عزّ و جل وسنّة رسوله صلوات الله وسلامه عليه ، وأُخرى عقلية باعتبار أنّ وجه المرأة هو عنوان حُسنها و ملاحتها بل جمالها ، ولا ينال شرف النظر إلى هذه الدُرّة المكنونة إلّا من يستحق ذلك من زوج أو محارم .
    الثاني: جواز كشف المرأة لوجهها ، واستدلّ أهل هذا الرأي و هم غالبية الفقهاء وعلى رأسهم ابن عباس وابن عمر (رضوان الله عليهم) ، ومنهم أصحاب المذاهب الثلاثة : الحنفية و المالكية و الشافعية بأدلة نقلية و عقلية ، ويلحظ التداخل و التشارك بين الفريقين في الاستدلال ببعض الأدلة و خاصة القرآنية ، أي أنّ الآية نفسها يستدل بها الطرفان معاً و لكلْ وجهة في فهمه لها حسب رأيه ، وذلك من مثل قوله تبارك و تعالى : "ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها".
    وعليه فالمسألة فيها خلاف ، وهوخلاف مبني على أدلّة معتبرة عند كل طرف و هذا أمر لا بد من التأكيد على احترامه و تقديره ، وذلك أنَّ الأخذ برأي ما في مسألة يجب ألّا يُبنى عليه إنكار الآخر و دليله ، وأن يعطي بناءً على ذلك حقه في أن يُحترم و بالتالي قبول تطبيقه لرأيه المبني على فهمه لأدلة شرعية معتبرة ، و هنا و إن كان لا بد من التصريح بلا تصريخ فإني أميل إلى رأي الجمهور القائلين بالجواز للكشف ..... وليس وجوبه و لاتحريمه ، ولا تجريم من أخذت برأي الوجوب: لأن الأمر دائر بين الوجوب و الإباحة.
    ثالثها: لا يخفى على أحد أنّ حملات ضد الاسلام و أهله تنطلق من هنا و هناك بعضها مسعور وآخر مذعور ، ولعل منها ما هو على اللباس ، و يتفرع عنها ما هو على النقاب - وليس النقاش فيه - وهو أمر يحتاج من أهل الاختصاص في العلم الشرعي الوقوف بحسم و حزم و جزم لبيان عدم جواز الخوض في الحديث عن القضايا الشرعية من غير المختصين بها سواء من العوام أو ممن لا يزالون في مرحلة محو الأمية الشرعية و إن بدا للآخرين علو كعبهم في تخصصات أخرى ، وهذا شبيه بمنع المهندس مثلاً من خوضه و اجتهاده - تخبيصه - مثلاً في قضايا طبية تخصصية ، وكذا الطبيب فيما يتعلق بالقضايا الهندسية الدقيقة.
   وعليه و حيث إن الحديث يدور في بيان الحكم الشرعي و تأصيله و تفصيله فإن البداهة الشرعية تستدعي ألّا يتكلّم فيها إلّا المتخصصون ، وامّا إن خرج الأمر عن هذه الدائرة إلى دوائر أخرى غير شرعية فليدلً كل بدلوه كيفما شاء.
   رابعها : لا بد من الاعتراف بوجود ممارسات خاطئة بل نماذج فاسدة ممن يظهر للناس لبسها للنقاب وهن قلّة قليلة ، و إن كان الأمر في حقيقته لثام أو لفام تمارس من خلاله بعض النساء اللئام خطايا وبلايا تحت ستر النقاب أو الخمار ، حتى وصل الأمر إلى بعض الذكور ممن يتخفّى بالخمار لارتكاب محرمات و موبقات ، ولكنَّ هذا لا يجيز البتة القول بمنع النقاب بحجة هذه الممارسات الخاطئة ، و الحال هنا شبيه بمن يُطالب باغلاق المحكمة لوجود قاضْ مرتشْ ، أو اغلاق المستشفى بسبب طبيب جاهل يعمل فيه و الحل بكل موضوعية يكون بمعاقبة القاضي المرتشي و كفّ يده و شبيه به حال الطبيب ، وكذا الحال هنا في حال النقاب فإنه يمكن و بكل يُسر و موضوعية معالجة تلك المخالفات أو التجاوزات التي قد تُمارس بذريعة لبس النقاب من خلال بعض الضوابط و التفصيلات و المتابعات من نساء متخصصات يقمن مثلاً بضبط الاجراءات و التعليمات المتعلقة بمن تلبس النقاب سواء في الاختبارات أو عند الحدود و المطارت وما شابه ذلك من احتياطات.
إني لأستغرب بل أستهجن حرص البعض وجعلهم محور فكرهم و تفكيرهم النقاب سواء من الداعين إليه أو الرافضين له ..... أين هم من فقه الأولويات ، أين هم ممن يعيش ويعيث الفساد من الكاسيات العاريات ، أين هم من خمار الجهل و المرض و الفقر الذي يُغطّي الأمة ويعيق تحرّكها الحضاري المنشود ، أين من كل هذا صوتهم و سوطهم المتفرغ فقط للنقاب .
   وبعد فالنقاب مسألة شرعية خلافية يُحترَم فيها الرأيان و يُراعى العُرف عند الحديث عنها ، مع التأكيد على أنّ من قضايا المرأة و الأمة ما هو أشد حاجة و أقوى حجة للتعليق و التحقيق و التطبيق.

أستاذ الشريعة والفقه ـ جامعة آل البيت

جدل النقاب والمرأة في الإسلام

* الدكتور عامر الحافي
 

لا ينكر أحد أن موضوع غطاء الوجه المتمثل بالنقاب أو الخمار أو البرقع هو مما اختلف عليه الناس في القديم ، وما يزال الاختلاف بينهم قائم إلى هذا اليوم ، إلا أن ذلك لا يعني عدم الخوض في المختلف فيه ، لأن في هذا ترك لعموم القضايا والمسائل العملية التي كان الاختلاف فيها أمراً شائعاً بين الفقهاء ، يجب أن ننطلق في دراستنا لمجمل القضايا العملية في مجتمعنا الإسلامي من منطلق أن الفكر الإسلامي ما زال قادراً على إعادة النظر في الاجتهادات السابقة والترجيح بينها وإيجاد حلول وصيغ جديدة تتناسب والتغيرات الضخمة التي حدثت في مجتمعاتنا المعاصرة.
   إن تحقيق المصلحة العامة ، وتجلية صورة الإسلام وإبراز مكانة المرأة هو الأولوية الأولى التي ينبغي أن ننطلق منها في دراستنا لقضية (النقاب) أما الانطلاق من النظرة الجزئية أو الحرفية التي قوامها رواية هنا أو هناك أو فهم لهذا المفسر أو ذاك ، فإننا لن نصل إلى الصيغة الأمثل والحلول الأفضل لقضايانا أو مشكلاتنا المطروحة.
   إن المنطلق الأول في تقرير الأحكام الشرعية هو القرآن الكريم ، وقد جاء فيه: (يَا أَيُّهَا النَّبًيُّ قُل لازْوَاجًكَ وَبَنَاتًكَ وَنًسَاء الْمُؤْمًنًينَ يُدْنًينَ عَلَيْهًنَّ مًن جَلَابًيبًهًنَّ ذَلًكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ) الأحزاب: 59 ، لقد شرع الحجاب على نساء المسلمين منعاً للأذى الذي قد يتعرضن له ، وذلك عندما كان بعض المنافقين من أهل المدينة يؤذون النساء ولا يميزون بين الحرائر والجواري ، فتميز نساء المسلمين بالحجاب ، كان مقصده حماية المرأة من الأذى ، ولم يكن هذا اللباس طمساً لهويتها أو مسخاً لشخصيتها أو عائقاً لها عن الحركة في المجتمع.
   ولم يذكر القرآن الكريم شيئاً عن النقاب أو غطاء الوجه ، بل ذهب معظم المفسرين إلى أن الآية (ولا يُبْدًينَ زًينَتَهُنَّ إًلا مَا ظَهَرَ مًنْهَا) أي الوجه والكفين ، فالوجه وإن كان مجمع الحسن ، إلا أن إظهاره هو خارج عن مسمى الحجاب الذي ذكره القرآن الكريم.
   المشكلة الأساسية تكمن في نظرتنا للمرأة ، قبل أن تكون مسألة سياسية أو أمنية تستعملها الاتجاهات اليمينية في بعض الغربية عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
   وهذا يؤكد أن مراجعة مسألة النقاب في تراثنا الفقهي ينبغي أن يكون على ضوء فهمنا لقيمة المرأة ومكانتها في الإسلام ، لا كردة فعل على بعض القرارات التي اتخذتها تلك الدول.
   جاء في الحديث النبوي"إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أشكالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم ". فالقيمة الأساسية للإنسان تكمن في إنسانيته ، وقيمه الأخلاقية وسموه الروحي ، فالإنسان بجوهره لا بمظهره.
   وكما أن الجواهر لا تأخذ قيمتها من صناعتها مهما كانت جميلة ، فإن جوهر الإنسان هو الذي يعطي للإنسان قيمة ، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى بقوله: (يَا بَنًي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لًبَاسًا يُوَارًي سَوْءَاتًكُمْ وَرًيشًا وَلًبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلًكَ خَيْرّ) الأعراف:,26
وفي هذا المعنى يقول الإمام الشافعي:
إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى 
تجرد عرياناً ولو كان كاسياً
الأصل بلباس الإنسان أن يكون متسقاً وعادات المجتمع الذي يعيش فيه ، ومن هنا كان لباس المرأة المسلمة في المغرب يختلف عن لباسها في بلاد الشام ، ولباسها في الباكستان يختلف عن لباسها في السودان ، وهكذا فإن الإسلام لم يلغً الفوارق بين الثقافات المحلية والعادات الاجتماعية بين الشعوب الإسلامية ، وإنما وضع ضوابط عامة تحافظ على الخصوصيات وترتقي بها نحو منظومة القيم الجوهرية التي جاء الإسلام لأجلها.
   لا يقبل أحد أن تصبح عادات وأنماط اللباس الذي ترتديه المرأة في منطقة من المناطق هو المظهر شرعي الذي يتوجب على جميع النساء الالتزام به ، فهذا لا ينسجم وتاريخ الإسلام ، ناهيك عن انسجامه مع المرونة التي يمتاز بها التشريع الإسلامي .
   إن اختلاف الشعوب والثقافات يجب أن يتجه نحو الغاية السامية التي حددها القرآن ، وهي"التعارف"، وهذا التعارف يتضمن الاحترام المتبادل لعادات وتقاليد اللباس ، ويقتضي الانفتاح ومد الجسور بين الشعوب والأمم ، وتحقيق قدر من الانسجام والتوافق بينهما خاصة في عصر العولمة وثورة الاتصالات الحديثة.
   إن نقد غطاء الوجه لا يعني القبول بقمع المرأة التي تضع النقاب وإجبارها على خلعه رغماً عنها ، بل إن علاج هذه القضية يبدأ بالنفاذ إلى معرفة الدوافع والمنطلقات التي يمكن أن تؤدي بالمرأة إلى ارتداء هذا النوع من اللباس ثم بتعميق لثقة المرأة بنفسها ، وتمكينها من نيل حقوقها الإنسانية الطبيعية.
   إصلاح الأفكار هو الذي يؤدي إلى إصلاح الأشخاص بمخبرهم ومظهرهم ، والكلمة والفكرة هي أداة التغيير الأولى سواء أكانت القضية تتعلق بتغطية الوجه ، أم بتغطية العقل ، ودائما فان الحل لا ينبغي أن يكون بالحد من حرية المرأة ، أم بالحد من حرية الرجل.

إذا كانت المرأة هي مجرد متعة للرجل وخادمة مطيعة له ، فإن الذي يقرر شكل المرأة ودورها في المجتمع هو الرجل نفسه ، ومن هنا فإن جانباً رئيساً من المشكلة يشمل "الثقافة الذكورية" التي ما تزال كامنة في ثنايا جزء من كتاباتنا وخطاباتنا الفقهية.
   وما نحتاجه اليوم أمام هذا الجزء من موروثنا الفقهي هو المراجعة العقلانية والمقاصدية على ضوء تطور مكانة وأهمية المرأة في مجتمعاتنا الإنسانية.
  يجب علينا أن نأخذ من ذلك التراث ما يصلح لواقعنا ، كما كان الفقهاء القدماء يأخذون ما يصلح لواقعهم ويلائم مصالح مجتمعاتهم.
   إن تغطية وجه المرأة وجعلها في بعض الأحيان كائناً بلا ملامح لن يحل مشاكلنا الأخلاقية ، ولن يلجم جنون الغريزة ، فالمشكلة تنفذ إلى مجمل واقعنا التربوي ، ومحيطنا الثقافي ، وإلى عقم الخطاب الديني التقريري الذي يجعل من الدين مقررات كهنوتية فوق العقل ووراء التاريخ لا تقبل التعليل أو التأويل.
   عفة المرأة وصيانة عرضها مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية ، إلا أن هذا المقصد لا يعني قهر المرأة أو إلزامها بكل شيء ، فالحجاب ليس سجناً تعاقب المرأة به ، وإنما هو شكل من اللباس يحول دون أن تؤذى المرأة في محيطها الاجتماعي.
   لا شك أن غطاء الوجه يؤثر في التواصل والتفاعل بين المرأة ومحيطها الإنساني ، وهو يحد من فعالية المرأة وقيامها بدورها الحضاري البنائي ، فالمرأة إذا كانت على رأس عملها طبيبة أو مهندسة أو وزيرة أو أستاذة جامعية ، فإن أداءها سوف يتأثر بهذا النوع من اللباس.
  إن غطاء الوجه ينسجم وتلك المجتمعات التي حجرت على المرأة كثيراً من أشكال الفعل والحركة ، ولذلك فإن لباس المرأة ينبغي أن ينسجم وطبيعة عملها ودورها الكبير في المجتمع.
   لا يذهب الظن بعاقل إلى أن المراجعة النقدية لقضية غطاء الوجه هي دعوة إلى التعري والانحلال ، فهذا لا يقصده مسلم ولا يدور في خلد ذي خلق ، فالمرأة المتعرية هي الضحية الأكبر للثقافة الذكورية الرأسمالية التي جعلت"جسد المرأة"أحد أهم أدواتها التسويقية ، فالمرأة التي لا يرى في وجودها سوى الإغواء والإغراء للذكر ، ليست أكثر من جارية جميلة في أسواق نخاسة جديدة.
   فثورة الفكر الغربي على الكهنوت القروسطي الذي احتقر المرأة وشيطنها ، قد أنتجت نمطاً من "تأليه الغريزة" وتعميق أزمة المرأة وضياع هويتها الإنسانية. وإذا كان"لباس العفة"الحديدي ، الذي كانت المرأة الغربية تكره على ارتدائه خوفاً من الاعتداء عليها ، قد انتهى فإن"لباس الغريزة" الذي أكرهتها عليه الثقافة الرأسمالية البراغماتية ما زال يهين تلك المرأة ويسيء إلى إنسانيتها.
   وأما غطاء الوجه كظاهرة اجتماعية ، بعيداً عن الجدل الفقهي ، فإن الدارس يجد أن جزء من النساء اللواتي يضعن هذا الغطاء ، إنما يفعلن ذلك إرضاءً لأزواجهن أو تقليداً لعادات اجتماعية ، كما يلاحظ أن عدداً من هؤلاء النساء هنّ ممن أقاموا أو أقام أزواجهن في دول ينتشر فيها لبس النقاب ، كما هو الحال مع المجتمعات الخليجية.
   وعلى هذا الأساس فإن عامل التأثر والتأثير الثقافي والتقليد الاجتماعي هو أحد عناصر هذه القضية الذي لم يتنبه إليه الكثيرون.
يندر أن تجد بين هذه السجالات الفكرية حول موضوع النقاب أقاماً نسائية مسلمة تعبر عن رأيها وموقفها بكل صراحة وصدق ، وهذا بحد ذاته مؤشر على أن القضية تتجاوز النقاب ، ولباس المرأة إلى التكوين العقلي والفكري للمرأة العربية ، فهي "موضوع انفعال" يتناوله الذكور ويبتون فيه أكثر منها "ذاتاً فاعلةً" قادرة على بناء مواقفها وآرائها بحرية تامة وبعيداً عن عباءة الرجل الشرقي.
   إن اضطهاد الذات هو جزء آخر من هذه المسألة ، فبعض النساء ما زلن يتهمن عقولهن بالجهل وعدم القدرة على الاجتهاد تحت ضغوطات قراءات مغلوطة لروايات دينية غير صحيحة ، فمتى يمكن للمرأة المسلمة أن تقوم بدورها المطلوب تحت عنوان "اتقاء الفتنة" يتم أحياناً تمرير العديد من القضايا التي تسيء إلى الإنسان وتزيد من ابتلائه وافتتانه.
   فالفتنة لن تنتهي عندما تضع المرأة الغطاء على وجهها ، وإنما نستطيع أن نحد من هذه الفتنة عندما نعالج مشكلة الكبت وسوء الخلق وضعف الوازع الروحي والفردي عند الرجل والمرأة على حدْ سواء.
   ينبغي أن يكون كشف الوجه من البديهيات التي لا يختلف فيها العقلاء ، فالله قد جعل الوجه مجمعاً للحواس وجعل لكل إنسان شكلاً وملامح يمتاز بها عن غيره ، وجعل له قسمات تشير إلى فرحه وغضبه وانفعالاته ، فالوجه هو"مرآة للروح" يظهر طهارة الإنسان وعفته وسموه ونقاءه أو شيئاً دون ذلك.

أستاذ دراسات الأديان المقارنة ـ جامعة آل البيت

 

«البرقع» .. ورقة سياسية في أوروبا

* د. جمال الشلبي

  أصبحت قضايا منع ارتداء الزي الديني في المدارس الفرنسية"الحجاب"عام 2003 أولاً ثم مبادرة حظر بناء مآذن للمساجد في سويسرا عام 2009 ، وأخيراً وليس آخراً قضية البرقع الذي منعته كل من بلجيكا وفرنسا في هذا العام من القضايا المثيرة والخطرة سياسياً واعلامياً ، سواء لأوروبا أو للجاليات العربية والمسلمة المقيمة فيها ولدولها الأصلية.
   فالبلدان الأوروبية (وليس كلها مثل إسبانيا وبريطانيا.. وغيرهما) تعتقد بأن البرقع لا يمثل رمزاً دينياً يعتد به لكي يكون مقبولاً فيها. كما أنه يمثل ، بالنسبة إلى قيمهم ، نوعاً من انتهاك حقوق المرأة التي تسعى الدول الأوروبية العلمانية ولا سيما فرنسا وإيطاليا ، إلى تكريسها وتعميقها في مجمتعاتها ودولها. 
   بالمقابل يرى جزء من قطاعات "الرأي العام العربي والإسلامي" أن منع البرقع يعد انتهاكاً لحقوق الإنسان وعقيدته ، في حين يرى آخرون أن عملية المنع جزءاً من حملة" الصراع الحضاري" التي روج لها الراحل صمويل هنتنغتون.
إن تسلسل الأزمات للجاليات العربية والمسلمة وتلاحقها في أوروبا كما هو الحال الآن في "أزمة البرقع" يثير كثيراً من التساؤلات الملحة على الجانبين: 
فعربيا وإسلامياً: هل يمكن اعتبار البرقع "رمزاً إسلامياً" في حين أن اللواتي يلبسنه في العالم الإسلامي لا يتجاوزن 1%؟ وكيف يمكن إقناع الدول الأوروبية بأنها تنتهك "رمزاً دينياً إذا اعتبرناه كذلك ، وهناك دول عربية وإسلامية تحظره في الأماكن العامة ولا سيما التعليمة منها مثل: تركيا ، وتونس ، ومصر ، وسورية؟
ألا تتحمل الجاليات العربية والإسلامية جزءاً كبيراً من المسؤولية بعدم قدرتها على التأقلم والاندماج الواعي" في ومع" المجتمعات الأوروبية التي تعيش بها؟ أم أنها ما زالت تصر على أن تساهم في خلق جو" التنافر والصدام" بعدم اختيار التعاليم الأسهل في تطبيق الإسلام ؟

وأوروبياً: لماذا هذه الحساسية المفرطة من قبل دولها إزاء الرموز الإسلامية؟ أم أن هناك تهويلاً إعلامياً وسياسياً يصاحب بعض القرارات الأوروبية المتعلقة بالإسلام ورموزه لاستغلالها ورقة سياسية لكسب الرأي العام"المقترعين" هناك؟ 
إن النقطة الأساسية التي سنحاول أن نركز عليها في هذه العجالة - والتي قد تجيب عن بعض التساؤلات السابقة - تتمثل بالقول بأن الأحزاب والجماعات والشخصيات السياسية في أوروبا تستخدم مشكلات الجاليات العربية والإسلامية فيها "ورقة سياسية" في صراعها ونضالها نحو السلطة ، كما أنها تستفيد من هذه الإشكاليات "أحياناً" لتمويه الرأي العام وإبعاده عن قضاياه الحقيقية. ويعكس المقال الذي كتبه سيرج حليمي رئيس تحرير صحفية اللومند دبلوماتيك الفرنسية لشهر نيسان ـ إبريل من هذا العام بعنوان" البرقع ... بلا بلا "( يقصد بلا بلا.. كلام بلا معنى:هراءات) ما يؤكد هذه الفرضية فيقول :"إن عدد الفرنسيين يزداد بوضوح في معرفتهم عدد المآذن في سويسرا (4 مآذن) وعدد لابسات البرقع في فرنسا (367) أكثر من معرفتهم بالعشرين مليار يورو التي ضاعت من خزينة الدولة بسبب قرار من السلطة التنفيذية".
وكان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قد أعلن في خطابه المشهور في 23 حزيران ـ يونيو 2009 في قصر فرساي أمام أعضاء البرلمان الفرنسيين المجتمعين هناك بأن"البرقع غير مرحب به في فرنسا". "وأنا ، كما يقول ، باقي على موقفي الثابت بأن العلمانية ليس من مبادئها رفض الدين بل احترام كل المعتقدات..(..) البرقع لا يمثل مشكلة دينية بل مشكلة مساواة وكرامة للمرأة. والبرقع ليس رمزاً دينياً بل هو رمز للإذلال والعبودية". وهكذا تدحرجت كرة الثلج ضد البرقع بعد هذا الخطاب ، وشكلت لجنة برلمانية لهذا الغرض،
وقد صوتت الجمعية الوطنية على مشروع قانون يحظر البرقع في 29 تموز ـ يوليو 2010 الذي جاءت المادة (1) منه لتنص" لا أحد يستطيع أن يلبس شيئاً ، في الأماكن العامة ، يمنع من رؤية وجهه" بأغلبية هذه الجمعية 335( صوتاً) مقابل (صوت واحد) ضد القرار من بين 339 حاضراً.
والسؤال الذي يطرح نفسه: إن لم تكن "مسألة البرقع" ورقة سياسية: فكيف نفسر موقف الحزب الاشتراكي والخضر والشيوعيين الفرنسيين ضد قرار حظر البرقع بمقاطعة جلسات التصويت؟، وهل يعقل أن التيار اليساري المعروف عنه حذره من الدين هو الذي يعارض قرار المنع هذا؟ أم أن هناك حسابات حزبية خاصة غير معلنة وخفية ؟ وكيف نفسر نجاح الحزب الاشتراكي الحاكم والقوى اليسارية في إسبانيا على رد مشروع قانون يسعى لحظر النقاب في الأماكن العامة الذي تقدمت به قوى المعارضة اليمينية بفارق 21( صوتاً) بالقول بأن" النقاب لا يمثل مشكلة للشعب الإسباني"؟، 
ربما تكمن الإجابة ، ولو جزئياً ، لدى الباحث الفرنسي في العلوم السياسية أوليفيه روا الذي يعد من أبرز المتخصصين في الإسلام في أوروبا. فهو يقول في مقابلة صحفية بمناسبة ظهور كتابه الجديد" الجهل المقدس: زمن الدين بلا ثقافة" الصادر عن دار سوي الباريسية عام 2008:"لقد تحول النقاش في أوروبا خلال السنوات الخمس والعشرين الأخيرة من نقاش حول موضوع الهجرة إلى نقاش حول الرموز المرئية للإسلام(..) ولكن النقاش بهذا الشأن قد اتخذ منحى غريباً: فبينما كانت الهجرة تلقى هجوماً من اليمين المحافظ في المقام الأول ، فإن الإسلام يلاقي هجوماً من اليمين واليسار على حد سواء ، وإن كانت الأسباب في ذلك مختلفة كل الاختلاف: فاليمين يرى أن أوروبا مسيحية ، وأن الإسلام يجب مقابلته بالتسامح ، ولكن باعتباره ديناً أقل قيمة (..) أما اتباع اليسار فإنهم يدعون للعلمانية وحقوق المرأة ، ويعارضون الأصولية".

وهكذا ، نجد بأن هناك منطقاً واحداً يحكم قرارات الأحزاب السياسية ومواقفها في فرنسا بالخصوص وأوروبا بالعموم: هو موقف المصالح عبر كسب "الرأي العام" من أجل الوصول إلى السلطة أو المحافظة عليها حتى ولو استخدمت "الرموز الدينية" وخاصة الإسلامية منها،
وبالرغم من حالة" التجاذب والتنافر" التي تسم واقع الرموز الدينية التي منها البرقع (وإن كان الكثير في العالم العربي والإسلامي يرفض اعتباره رمزاً دينياً إسلامياً) ، فإن أوروبا ممثلة بدولها المختلفة التي منها فرنسا ، تبقى نظماً ديموقراطية تتسم بالمؤسسية والعقلانية والقانونية كما نظر لها عالم الاجتماع الالماني ماكس ويبر ، ولهذا فإن "معركة البرقع"لم تحسم بعد لمصلحة الدولة الفرنسية إلى الأن حتى ولو صوتت الجمعية الوطنية المدعومة من رأس الدولة ساركوزي ضده،،. 
فعلى ما يبدو سيواجه "مشروع القانون الفرنسي" عقبة تتمثل بضرورة مروره عبر"المجلس الدستوري" في شهر أيلول ـ سبتمبر الحالي قبل أن يصادق عليه مجلس الشيوخ. وهنا ستظهر المعضلة: فالمنع التام يعد"أمراً غير دستوري ، وبالتالي ، "سيحصل الأصوليون على هدية ثمينة لا تقدر بثمن"كما تحذر كتلة الحزب الاشتراكي في البرلمان الفرنسي.
ولا شك أن هذه التخوفات حقيقية وموضوعية: ففي إيطاليا ، استطاع حزب" رابطة الشمال" المتحالف مع رئيس الوزراء سلفيو برلسكوني من تقديم مشروع قانون في نهاية عام 2009 يحظر فيه أي لباس يجعل التعرف على الشخصية "صعباً" أو" مستحيلاً" بحجج دينية تحت طائلة المسؤولية التي تصل في حدها إلى سجن لعامين وألفين يورو غرامة. ومع ذلك كان للمجلس الدستور الإيطالي رأياً مخالفاً تماماً لكل ذلك: فهل يعكس المجلس الدستوري الفرنسي كل التوقعات ويسير في ركب"نظيره الإيطالي" ليؤكد انتصار القانون على السياسة وصراعاتها؟،،.

أستاذ العلوم السياسية ومدير مكتب العلاقات الخارجية ـ الجامعة الهاشمية
منقول عن صحيفة الدستور الأردنية
بتاريخ:5/8/2010

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.