
المطلب الأول
تعريف العنف لغة واصطلاحا
أ - تعريف العنف في اللغة :
قال ابن منظور : العنف : الخرق بالأمر ، وقلة الرفق به ، وهو ضد الرفق .
عَنُفَ به وعليه يَعنُفُ عنفا وعنافة ، وأعنفه ، وعنّفه تعنيفا ، وهو عنيف ، إذا لم يكن رفيقا في أمره . واعتنف الأمر : أخذه بعنف ، والتعنيف : التعيير واللوم .
أما الفيروز آبادي فقال : العنف : مثلثة العين ضد الرفق ، عنف ككرم عليه وبه ، وأعنفته أنا وعنّفته تعنيفًا . والعنيف من لا رفق له بركوب الخيل ، والشديد من القول .
ب- تعريف العنف في الاصطلاح :
فهو الشدة والقسوة ضد الرفق .
ومنهج الإسلام يقوم على الرفق واللين ، لا على العنف والشدة والغلظة .
المطلب الثاني
حديث القرآن والسنة عن العنف
أ- في القرآن :
وقد رسم القرآن الكريم منهج الإسلام في الدعوة إلى الله بقوله تعالى : (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) [النحل : 125] .
والدعوة بالحكمة تعني : الخطاب الذي يقنع العقول بالحجة والبرهان .
الموعظة الحسنة تعني : الخطاب الذي يستميل العواطف ويؤثر في القلوب رغبا ورهبا .
والجدال بالتي هي أحسن يعني : الحوار مع المخالفين بأحسن الطرق وأرق الأساليب التي تقربهم ولا تبعدهم .
[ص-13] ولنا عبر كثيرة في أنبياء الله في دعوة قومهم كما جاء ذلك في قصصهم في القرآن الكريم ، فكانوا يبدؤون خطابهم ودعوتهم مع قومهم ب(يا قوم) إشعارا منهم بأنهم آحاد وأفراد منهم مع رقة الأسلوب ولين الجانب .
فانظر مثلًا دعوة نوح لقومه في سورة الشعراء وغيرها : (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ *إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ) [ الشعراء : 105-109 ] .
وفي سورة الأعراف :(لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [ الأعراف : 59 ] .
وفي سورة نوح :( إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) [ نوح : 2 ، 1 ] .
وقال تعالى عن هود عليه السلام : ( وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [ الأعراف : 65 ] .
وعن صالح : ( وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [ الأعراف : 73 ] . وعن شعيب :( وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف : 85 ] .
وانظر خطاب أبي الأنبياء خليل الرحمن إبراهيم - عليه السلام - لأبيه في دعوته إلى توحيد الله تعالى والابتعاد عن عبادة الأوثان ، فإنه في قمة الرقة والرأفة واللين والرحمة .
يقول الله - تعالى - على لسانه - عليه السلام - في سورة مريم : (إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا) [مريم : 42-45] .
[ص-14] وعندما ردّه أبوه ردًا سيئا بقوله : ( أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) قال له عليه السلام : ( سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ) [مريم : 46-47 ] . وهذه أيضا من صفات المؤمنين ، يقول الحافظ ابن كثير في تفسيره : فعندها قال إبراهيم لأبيه : سورة مريم الآية 47 سَلَامٌ عَلَيْكَ كما قال - تعالى - في صفة المؤمنين : ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) [ الفرقان : 63 ] ، وقال - تعالى - عنهم : ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ) [ القصص : 55 ] .
ومعنى قول إبراهيم :( سَلَامٌ عَلَيْكَ) أما أنا فلا ينالك مني مكروه ولا أذى ، وذلك لحرمة الأبوة .
ونموذج آخر من رسل الله - عليهم السلام - هو نبي الله موسى - عليه السلام - مع الطاغية فرعون الذي ادعى الربوبية والألوهية : (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) [ النازعات : 24 ] . وقال : (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) [القصص : 38 ] ، حيث أمره - سبحانه وتعالى - هو وأخاه هارون بتليين القول لفرعون : ( اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى سورة طه الآية 44* فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) [ طه : 42-44 ] ، [ص-15] ولذا وجدنا موسى - عليه السلام - حين ذهب إلى فرعون الطاغية قال له : ( فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى) [ النازعات : 19 ، 18 ] .
ويذكر في هذا المقام قصة الرجل الذي دخل على المأمون الخليفة العباسي رحمه الله ، فأغلظ له القول في الدعوة والموعظة ، فقال له المأمون وكان على علم وفقه : يا هذا ، إن الله بعث من هو خير منك إلى من هو شر مني ، وأمره بالرفق ، بعث نبي الله موسى وهارون - عليهما السلام - وهما خير منك إلى فرعون وهو شر منى ، وقال تعالى : : ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) فخصمه وحجه فأفحمه !!!
ب- في السنة :
ونبي الرحمة المهداة الرؤوف الرحيم ، الذي بعثه الله رحمة للعالمين ، يدعو إلى الرفق وينكر العنف في أحاديثه وسيرته ومنهجه في الحياة كلها ، فهو صاحب الخلق العظيم : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) المتمم لمكارم الأخلاق : إنما بعثت لأتمم مكارم الخلاق .
فها هي جملة مختصرة من توجيهاته وأحاديثه في الدعوة إلى الرفق والبعد عن العنف ، وأن من حرم الرفق حرم الخير :
1 - قال صلى الله عليه وسلم : إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله .
وسبب ورود هذا الحديث يدل على عظم خلق النبي صلى الله عليه وسلم ، كما يدل على خبث نفوس اليهود وسوء طويتهم وفساد أخلاقهم وآدابهم ، فقد روى البخاري عن عائشة - رضي الله عنها- قالت : استأذن رهط من اليهود على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : السلام عليكم ، فقلت - أي عائشة - بل عليكم السّام واللعنة ، فقال صلى الله عليه وسلم يا عائشة ، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ، قلت : أولم تسمع ما قالوا؟ قال : قلت : وعليكم .
2 [ص-16] - ومن الأحاديث في هذا الباب ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يا عائشة : إن الله رفيق يحب الرفق ، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ، وما لا يعطي على غيره .
3 - وعن عائشة - رضي الله عنها - أيضًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ، ولا ينزع من شيء إلا شانه .
4 - وعن جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله - عز وجل - ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق ( وهو الجهل والحمق ) ، وإذا أحب الله عبدا أعطاه الرفق ، ما من أهل بيت يحرمون الرفق إلا حرموا الخير رواه بنحوه مسلم ، والطبراني ، وأبو داود مختصرا .
5 - وعن أبى الدرداء - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير ، ومن حرم حظه من الرفق ، فقد حرم حظه من الخير .
6 - ومن التربية النبوية الفريدة لأصحابه في معاملة الجاهل وعدم تعنيفه ما جاء في حديث راوية الإسلام أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قام أعرابي فبال في المسجد ، فتناوله الناس ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء ، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين .
[ص-17] وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحب التخفيف والتيسير على الناس .
قال الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث السابق : وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف إذا لم يكن ذلك منه عنادا ، ولا سيما إن كان يحتاج إلى استئلافه ، وفيه رأفة النبّي - صلى الله عليه وسلم - وحسن خلقه .
7 - وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبّي صلى الله عليه وسلم ، قال : يسّروا ولا تعسروا ، وبشّروا ولا تنفروا .
8 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : ما خيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ، فان كان ثَمَّ إثم كان أبعد الناس منه ، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قط إلاّ أن تنتهك حرمة الله ، فينتقم لله تعالى .
11/08/2009
د . محمد علي إبراهيم
ابحث
أضف تعليقاً