wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
العنف وحديث القرآن والسنة عنه
الثلاثاء, August 11, 2009

المطلب الأول
تعريف العنف لغة واصطلاحا
 
 
أ - تعريف العنف في اللغة :
قال ابن منظور : العنف : الخرق بالأمر ، وقلة الرفق به ، وهو ضد الرفق .
عَنُفَ به وعليه يَعنُفُ عنفا وعنافة ، وأعنفه ، وعنّفه تعنيفا ، وهو عنيف ، إذا لم يكن رفيقا في أمره . واعتنف الأمر : أخذه بعنف ، والتعنيف : التعيير واللوم  .
أما الفيروز آبادي فقال : العنف : مثلثة العين ضد الرفق ، عنف ككرم عليه وبه ، وأعنفته أنا وعنّفته تعنيفًا . والعنيف من لا رفق له بركوب الخيل ، والشديد من القول  . 
ب- تعريف العنف في الاصطلاح :
فهو الشدة والقسوة ضد الرفق  .
ومنهج الإسلام يقوم على الرفق واللين ، لا على العنف والشدة والغلظة .
المطلب الثاني
حديث القرآن والسنة عن العنف 
أ- في القرآن :

وقد رسم القرآن الكريم منهج الإسلام في الدعوة إلى الله بقوله تعالى : (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) [النحل : 125] .
والدعوة بالحكمة تعني : الخطاب الذي يقنع العقول بالحجة والبرهان .
الموعظة الحسنة تعني : الخطاب الذي يستميل العواطف ويؤثر في القلوب رغبا ورهبا .
والجدال بالتي هي أحسن يعني : الحوار مع المخالفين بأحسن الطرق وأرق الأساليب التي تقربهم ولا تبعدهم .
[ص-13] ولنا عبر كثيرة في أنبياء الله في دعوة قومهم كما جاء ذلك في قصصهم في القرآن الكريم ، فكانوا يبدؤون خطابهم ودعوتهم مع قومهم ب(يا قوم) إشعارا منهم بأنهم آحاد وأفراد منهم مع رقة الأسلوب ولين الجانب .
فانظر مثلًا دعوة نوح لقومه في سورة الشعراء وغيرها : (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ *إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)  [ الشعراء : 105-109 ] .
وفي سورة الأعراف :(لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)  [ الأعراف : 59 ] .
وفي سورة نوح :( إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) [ نوح : 2 ، 1 ] .
وقال تعالى عن هود عليه السلام : ( وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)  [ الأعراف : 65 ] .
وعن صالح : ( وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)  [ الأعراف : 73 ] . وعن شعيب :( وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)  [الأعراف : 85 ] .
وانظر خطاب أبي الأنبياء خليل الرحمن إبراهيم - عليه السلام - لأبيه في دعوته إلى توحيد الله تعالى والابتعاد عن عبادة الأوثان ، فإنه في قمة الرقة والرأفة واللين والرحمة .
يقول الله - تعالى - على لسانه - عليه السلام - في سورة مريم : (إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا)  [مريم : 42-45] .
[ص-14] وعندما ردّه أبوه ردًا سيئا بقوله : ( أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا)  قال له عليه السلام : ( سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ) [مريم : 46-47 ] . وهذه أيضا من صفات المؤمنين ، يقول الحافظ ابن كثير في تفسيره : فعندها قال إبراهيم لأبيه : سورة مريم الآية 47 سَلَامٌ عَلَيْكَ  كما قال - تعالى - في صفة المؤمنين : ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)  [ الفرقان : 63 ] ، وقال - تعالى - عنهم : ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ) [ القصص : 55 ] .
ومعنى قول إبراهيم :( سَلَامٌ عَلَيْكَ)  أما أنا فلا ينالك مني مكروه ولا أذى ، وذلك لحرمة الأبوة  .
ونموذج آخر من رسل الله - عليهم السلام - هو نبي الله موسى - عليه السلام - مع الطاغية فرعون الذي ادعى الربوبية والألوهية : (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)  [ النازعات : 24 ] . وقال : (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)  [القصص : 38 ] ، حيث أمره - سبحانه وتعالى - هو وأخاه هارون بتليين القول لفرعون : ( اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى سورة طه الآية 44* فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) [ طه : 42-44 ] ، [ص-15] ولذا وجدنا موسى - عليه السلام - حين ذهب إلى فرعون الطاغية قال له : ( فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى)  [ النازعات : 19 ، 18 ] .
ويذكر في هذا المقام قصة الرجل الذي دخل على المأمون الخليفة العباسي رحمه الله ، فأغلظ له القول في الدعوة والموعظة ، فقال له المأمون وكان على علم وفقه : يا هذا ، إن الله بعث من هو خير منك إلى من هو شر مني ، وأمره بالرفق ، بعث نبي الله موسى وهارون - عليهما السلام - وهما خير منك إلى فرعون وهو شر منى ، وقال تعالى : : ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)  فخصمه وحجه فأفحمه !!! 
ب- في السنة :
ونبي الرحمة المهداة الرؤوف الرحيم ، الذي بعثه الله رحمة للعالمين ، يدعو إلى الرفق وينكر العنف في أحاديثه وسيرته ومنهجه في الحياة كلها ، فهو صاحب الخلق العظيم : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)  المتمم لمكارم الأخلاق :  إنما بعثت لأتمم مكارم الخلاق  .
فها هي جملة مختصرة من توجيهاته وأحاديثه في الدعوة إلى الرفق والبعد عن العنف ، وأن من حرم الرفق حرم الخير :
1 - قال صلى الله عليه وسلم :  إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله  .
وسبب ورود هذا الحديث يدل على عظم خلق النبي صلى الله عليه وسلم ، كما يدل على خبث نفوس اليهود وسوء طويتهم وفساد أخلاقهم وآدابهم ، فقد روى البخاري عن عائشة - رضي الله عنها- قالت :  استأذن رهط من اليهود على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : السلام عليكم ، فقلت - أي عائشة - بل عليكم السّام واللعنة ، فقال صلى الله عليه وسلم يا عائشة ، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ، قلت : أولم تسمع ما قالوا؟ قال : قلت : وعليكم  .
2 [ص-16] - ومن الأحاديث في هذا الباب ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :  يا عائشة : إن الله رفيق يحب الرفق ، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ، وما لا يعطي على غيره  .
3 - وعن عائشة - رضي الله عنها - أيضًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :  إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ، ولا ينزع من شيء إلا شانه  .
4 - وعن جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :  إن الله - عز وجل - ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق ( وهو الجهل والحمق ) ، وإذا أحب الله عبدا أعطاه الرفق ، ما من أهل بيت يحرمون الرفق إلا حرموا الخير  رواه بنحوه مسلم ، والطبراني ، وأبو داود مختصرا .
5 - وعن أبى الدرداء - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :  من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير ، ومن حرم حظه من الرفق ، فقد حرم حظه من الخير  .
6 - ومن التربية النبوية الفريدة لأصحابه في معاملة الجاهل وعدم تعنيفه ما جاء في حديث راوية الإسلام أبي هريرة - رضي الله عنه - قال :  قام أعرابي فبال في المسجد ، فتناوله الناس ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء ، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين  .
[ص-17] وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحب التخفيف والتيسير على الناس .
قال الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث السابق : وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف إذا لم يكن ذلك منه عنادا ، ولا سيما إن كان يحتاج إلى استئلافه ، وفيه رأفة النبّي - صلى الله عليه وسلم - وحسن خلقه .
7 - وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبّي صلى الله عليه وسلم ، قال :  يسّروا ولا تعسروا ، وبشّروا ولا تنفروا  .
8 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت :  ما خيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ، فان كان ثَمَّ إثم كان أبعد الناس منه ، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قط إلاّ أن تنتهك حرمة الله ، فينتقم لله تعالى  .

11/08/2009 
د . محمد علي إبراهيم 
 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.