wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
خمسة قرون... وحتى اليوم فى عصر المتون
الخميس, October 29, 2009 - 05:15

المسلمون وعبادة الشرق ورفض الغرب  

     كانوا يعرفون الحقائق كما استقوها من دينهم..  وكانوا يقومون بشرحها مستعينين بالله، آخذين بكل أسباب الاجتهاد، لكنهم- مع ذلك- كانوا يُبحرون بالسفينة خطأ فى اتجاه الشرق.
     بينما كان من الأفضل- وقد أخذوا من الشرق الزاد الأصلى الكافى- أن يُبحروا- بعمق- بالسفينة فى اتجاه الغرب الأوروبى، ومعهم زادهم الأصلى الشرقى الثابت المُشعِل لشمس حضارتهم الإسلامية التى تألقت لعشرة قرون... لكنهم رفضوا الاتجاه إلى حضارة الغرب ليدرسوا تقدمها ويستفيدوا منها، ومن صعودها العلمى فى سلَّم الحضارة، حيث كانوا- أى أمة الإسلام- واقفين فى مكانهم، مازالوا يصرون على الإبحار فى أعماق الشرق، ولا يعرفون كيف يتجهون إلى الغرب... ذلك الغرب الذى كان قد أخذ أعماق شرقهم الإسلامى يوم أن كان هؤلاء المسلمون خير أمة أخرجت للناس.
     ومن ثم وضع هذه الأعماق فى نسيج فكره وفى بنيته، ونظام حياته وثقافته ثم تمثلها وأخرجها بطريقة جديدة تخفى معالمها فى فكرهم وثقافتهم...
    وهكذا نمت قواهم الفكرية والثقافية تحمل طبيعتها الأوروبية الغربية؛ لكنها فى طبيعتها الروحية والعقلية- منهجاً وأدوات-ذات جذور إسلامية شرقية!!     أما المسلمون فقد ظهروا بعد ذلك فى القرون ما بين العاشر والرابع عشر الهجرية (وهى ما بين الرابع عشر، والتاسع عشر الميلادية) فراحوا يتجاهلون الغرب وحضارته بشىء من غرور الماضى وزهوه وجمود الحاضر الذى يعيشونه وتحجره العقلى.. بل إنهم لم يعرفوا شيئا عن تفوقه الحضارى وميلاده ميلاداً جديداً، مما أخذه أهله عن عقول المسلمين أيام تألقهم وازدهارهم فى المنهج والوسائل البحثية ونظرتهم للكون بطريقة قانونية تسخيرية مصحوبة بالحبّ فى التفاعل مع الكون..
     وكانت هذه هى القرون التى أظهرت أننا متخلفون عن فقه الإسلام، وعن فقه النظام الحضارى والمعرفة الكونية والإنسانية.. وأظهرت أن الأوروبيين مصاصى الدماء والعقول والعلوم والمعارف تقدموا- ببذور الإسلام فى الغرب- ولم يكن المسلمون يشعرون حتى ولو خالطهم الغربيون فى بلادهم أو فى تجارتهم- أنهم أخذوا بذور تفوقهم عنا، لأنهم- كما ذكرنا- قد أخرجوا معارفهم وثقافتهم بطريقة تخفى حقيقة ما اقتبسوه منّا.. بل عكسوا النتائج، فحصروا غايات العلوم فى الماديات والحسيات.. ورفضوا الغيبات مما أخفى بذورنا وخصائصنا خفاءً كاملاً.
     والحقيقة أنهم لم يعمدوا إلى حصر غايات العلوم فى الماديات والدنيويات من أجلنا.. ولكن حصروها كذلك لأنهم كفروا بدينهم المعطِّل للتقدم وبكتبهم المحاربة للعقل والعلم المجردين واكتفوا بروحنا العلمية ومناهجنا العقلية التجريبية التى اقتبسوها منا.                                                                  

    ونعود إلى قومنا المسلمين الذين يحملون جواهر الـذهب واللؤلؤ من كتاب الله وسنة رسوله، لكنهم ظلوا يقيمون الأتربة تلو الأتربة فوق الذهب واللؤلو، بحيث تاهت معالم الإعجاز الربانى والإنسانى فى القرآن والسنة العلمية والعملية وفى جوانب استشرافاتنا المستقبلية، سواء المتصلة بالمعارف أم العلوم، أم العقيدة والتشريع.. وبالتالى صعب عليهم حتى يومنا هذا الوصول إلى اكتشاف سنن الله فى التطور والرقى، وصعب عليهم أكثر القيام بخطوات عملية فى هذا الطريق!!!  
     لقد كان قد انقطع ما بين هذا الجيل، وبين النفسية والعقلية- التى تلقى بها جيل الصحابة (رضى الله عنهم)، القرآن وهو يتنزل على رسول الله [ غضاً طرياً- عهده بالوجود اليوم. كما أن من طبيعة القرآن أن يظل غضاً طرياً لكل من يعيش بالقرآن وفى القرآن- فكأن عهده بالوجود أمس.. فالقرآن لا يبلى وإنما تبلى النفوس التى لا تحسن تلقّيه!!   
    لقد تحركت نفوس الصحابة ثم التابعين فى اتجاه بناء حضارة دينية إنسانية ربانية موصولة بالوحى، غذاؤها الأعظم هو هذا (الماء) السماوى النقى القرآنى، الذى لم تتدنس عقول المتلقين له بالتراب والوحل والطين، وتعطه- بالتالى- من وحلها وطينها وترابها ما يحول دون كشف معدنه السماوى النقى اللؤلؤى الثمين..!!                                                                  
   وهيَّا بنا نقدم نموذجاً بالغ الدلالة على عصر كثرة الأتربة المحيطة- أو بتعبير دقيق- العازلة للجواهر والـذهب واللآلئ.. وهذه الأتربة العازلة- للأسف الشديد- قد ظنها صنّاعها فى عصرهم أنها هى الإسلام، وما هى من الإسلام إلا بنسبة الأتربة إلى الذهب الإسلامى المقبور!!
     وهذا النموذج الذى وقع في أيدينا عفوا يتمثل فى كتاب (فتح الجواد بشرح منظومة ابن العماد للشيخ شهاب الدين أبى العباس أحمد بن حمزة الرملى الأنصارى الشافعى). وهو شرح للمنظومة الأصلية التى كتبها أحمد أبو العباس شهاب الدين ابن عماد الدين بن يوسف الأقفصى الشافعى المولود قبل الخمسين وسبعمائة (للهجرة) بأقفاص (وأقفاص التى نسب إليها بلدة من صعيد مصر).
     أما ابن الرملى شارح المنظومة للأقفاصى فقد بذل جهده فى شرح المنظومة وهى تدور حول (المعفوّات) (والمقصود من المعفوّات الأمور التى عفا الله عنها من النجاسات) التى لا يفسد بها وضوء ولا تبطل بها صلاة!!     
     وهنا نترك الحديث للشارح الذى يذكر فيه أن كتابه الذى أطلق عليه (فتح الجواد بشرح منظومة ابن العماد) إنما هو (تدقيقات رائعة وتحقيقات فائقة) (من وجهة نظره!!) علَّق بها على هوامش شرح منظومة المعفُوات للشيخ الإمام أبى العباس أحمد بن أحمد بن حمزة الرملى.   
     ونحن نستفيد من كلامه أنه قرأ وكتب هذه (التدقيقات الرائقة والتحقيقات الفائقة) فى الجامع الأزهر عام 1202هـ ويقول: إن بعض الطلبة سألوه أن يكتبها فى أوراق منظمة لأن الهوامش قليلة الانتفاع ومعرضة للضياع، فاستخار الله وشرع فى تأليف هذا الكتاب، وسماه؛ بلوغ المراد بفتح الجواد بشرح منظومة ابن العماد" (ص5 من كتاب الرملى: فتح الجوّاد المطبعة الميمنية 1321هـ مصر).   
     وهنا يجب أن نلاحظ أن الموضوع كله (لا يحتاج إلى الكتابة فيه)؛ لأن المباحات هى الأصل وهى كثيرة، وإنما اختيرت هذه المباحات للكتابة فيها (حسب فهمنا نحن) لأن بعض الناس ظنوا أنها ممن الممكن أن تفسد الصلاة وتنقض الوضوء!!   
     وفى رأينا أن مجرد هذا الظن لا يصل إلى درجة الإلحاح، وسؤال الطلبة، والاستخارة، بالبحث فيها، وتسجيلها فى كتاب، لأنها أمور مفروغ منها لا تحتاج إلى كتابة أو تسجيل أصلاً.. ومن العبث بذل الجهد فى شىء لا يفيد ولا يأتى بجديد!!
     وإنما يهتم المهتمون فى "الدراسات الفقهية" بالواجبات والنوافل- من جانب- وبالمحرمات والمكروهات- من جانب آخر- لأنها هى التى تشكل مجالا صالحاً للبحث.
     وفيما ورد فى كتاب فتح الجواد لأحمد بن حمزة الرملى الأنصارى شارح منظومة ابن العماد من المضامين الجيدة المعاصرة المستقاة من الكتاب والسنة ما يدل على أنهم كانوا- مع كثرة الأتربة عندهم- يعرفون الذهب والجواهر واللآلئ المبثوتة فى الكتاب والسنة... لكنهم- للأسف الشديد- لا يعرفون قيمة هذه المضامين الـذهبية، ويضعونها ضمن الأتربة الكثيفة التى تتضمنها هذه الشروح وهذه المنظومات التى شغلونا بها!! وقد كان فيما ورد من اللآلئ والذهب هذه العبارة التى يقول فيها الشارح: "الحمد لله الذى بعث محمدا [ رحمة للعاملين، وتبيانا للعالمين، وقدوة للعاملين، واختصه (بشريعة سمحاء محفوفة بالتسهيل والتخفيف) والعفو عما يشق على المكلفين، [ وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين".
      وحول الحديث عن نعم الله التى لا تحصى يقول الشارح: "ونعم الله تعالى وإن كانت لا تحصى كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ (النحل: 18) تنحصر فى جنسين، دنيوى وأخروى، والأول قسمان: موهبى وكسبى. والموهبى قسمان: روحانى كنفخ الروح فيه وإشراقه بالعقل، وما يتبعه من القوى كالفهم والفكر والنطق، وجسمانى كتخليق البدن والقوى الحالَّة فيه والهيآت العارضة له من الصحة وكمال الأعضاء، والكسبى مثل تزكية النفس عن الرذائل وتحليتها بالأخلاق والملكات الفاضلة وتزيين البدن بالهيآت المطبوعة والحلى المستحسنة وحصول الجاه وثروات المال (التى يوجهها لرضا الله) فيغفر الله له، ويرضى عنه، وينزله أعلى عليين مع الملائكة المقربين أبدا الآبدين" (ص5، 6 الرملى، شرح فتح الجواد).                                                                      
     وحول نطاق رحمة الرسول للعالمين يورد الشارح حديثا طيبا يقول فيه: "وقد روى فى السير أنه قيل لجده أى جدّ الرسول عليه السلام عبد المطلب وقد سماه فى سابع ولادته بعد موت أبيه: لم سميت ابنك محمدا وليس من أسماء آبائك ولا قومك؟ قال رجوت أن يُحمد فى السماء والأرض.. وقد حقَّق الله رجاءه كما سبق فى علمه.. 
    رحمة صبت لمحسننا وللمسىء فبشَّر كل أمته ،قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107) أى الإنس والجن، ويقال: لجميع الخلق لأن ما بعث به سبب لإسعادهم، وموجب لصلاح معاشهم ومعادهم... كيف؟ وقد بعث عليه السلام، على فترة من الرسل، ليس للناس شرائع ولا أحكام ولا علم بالتوحيد ولا أمر سياسى يُحفظ به دماؤهم وأموالهم... فأتى بشريعة جامعة لها ولغيرها، من الحكم التى لا تحصى.فهو رحمة للمؤمنين بالهداية، إلى طريق الجنة والسعادة الأبدية، وللمنافقين بالأمان من القتل، وللكافرين بتأخير العذاب إلى الموت وأمنهم به مما أصاب الأمم المكذبة من الخسف والمسخ والغرق وعذاب الاستئصال.. وإن كان سببا للنقمة ممن لم يؤمن به. روى أن النبى ) قال لجبريل عليه السلام... (يا جبريل) يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107) فهل أصابك من هذه الرحمة شىء؟
     قال نعم أصابنى من هذه الرحمة أنى كنت أخشى عاقبة الأمر فأمنت بك لثناء أثنى الله علىَّ فيه بقوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ (التكوير: 20-21).  وأيضاً: لم يجعل الله فى هذا الدين "أى دين الإسلام" (من حرج) قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: 78)، أى: ضيق بتكليف ما يشق القيام به عليكم، بل جعله واسعا بأن كلفكم ما تطيقون، ورخص لكم فى إغفال بعض ما أمركم به، حيث شق عليكم لقوله [: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (رواه الشيخان).وجعل لكم من كل ذنب مخرجا بأن رخَّص لكم فى المضايق كالصلاة قائما، فقاعدا، فمضطجعا، فمستلقيا، فموميا (أى بالإيماء) وكالإفطار، والقصر، والجمع للمسافر، وحطّ الجهاد عن الأعمى والأعرج والمريض والعاجز عن أهبة القتال.وفتح عليكم باب التوبة، وشرع لكم الكفارات فى حقوقه والأروش (جمع أرش وهو دية العضو)، والديات فى حقوق العباد.ووضع عنكم التكاليف الشاقة التى كانت على بنى اسرائيل، كقرض موضع النجاسة من الثوب أو الجلد، وتحريم الغنائم، ومجالسة الحائض ومؤاكلتها ومضاجعتها (دون الوطء) والاشتغال يوم السبت وتعيَّن القصاص فى العمد والخطأ، وقطع الأعضاء المخطئة أو تعيّن الدية، وأمرهم بقتل أنفسهم علامة لتوبتهم... قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: 185) وقال [: "بعثتُ بالحنيفية السمحة" (أخرجه أحمد وغيره)...
     وروى معمر عن قتادة أنه قال: أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم يعطها إلا نبى... كان يُقال للنبى: أذهب فليس عليك حرج...وقال لهذه الأمة: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: 78).وكان يقال للنبى: أنت شهيد على قومك..وقال لهذه الأمة: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (البقرة: 143).وكان يقال للنبى: سل تُعط... وقال لهذه الأمة  ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: 60).(الرملى صفحات 7، 8، 9 شرح فتح الجواد)
    ضياع الذهب المكنون وسيطرة عصر المتون وهكذا وجدنا فى النصوص السابقة الروح الحقيقية لتشريع الإسلام وطبيعة الرحمة العامة- الإنسانية والكونية- التى تتجلى فى إطارها الكونى العام تلك الرسالة الخاتمة رسالة محمد عليه الصلاة والسلام، كما حددها القرآن هذا التحديد الشامل الذى يتجاوز عالم الأرواح- من إنس وجان وطيور وحيوانات.. إلى عالم النباتات والجمادات..   فأية رحمة هذه ياترى؟ إنها التطبيق النبوى الكريم- على الأرض- للرحمة الإلهية المستقاة من قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف: 156). وفى مجال التيسير، وهو جوهر البعثة النبوية الخاتمة كما يتجلى فى قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: 78).وفى الحديث الشريف: "ما خُيَّر رسول الله بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما" وقول سفير رسول رسول الله المرسل من سعد بن أبى وقاص ربعى بن عامر (وهناك غيره في الموقعة نفسها) لقائد الفرس رستم فى القادسية: "لقد ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة (انظر معركة المسلمين فى القادسية- الطبرى- أو غيره). وهذان البعدان (الرحمة المحمدية العامة، والتيسير الذى هو جوهر كل شىء فى الإسلام عقيدة وعبادة وشريعة وأخلاقاً)، .. لؤلؤتان ذهبيتان أشار الشارح إليهما إشارات قوية تدل على الوعى الكامل بأنهما جزء لا يتجزأ من نسيج القيم الإسلامية، وأنهما داخلتان فى بنية التعاليم الإسلامية، كما تتداخل العناصر المركبة التى تشكل شيئاً واحداً ولا يمكن فصل عنصر منها إلا إذا خرج الشىء عن طبيعته... والرحمة النبوية المحمدية التى هى ترجمة للرحمة الربانية التى وسعت كل شىء، والتيسير الذى ينساب فى الإسلام كله، هما من العناصر الأساس فى المركّب الإسلامى.    ونصل إلى العنصر الشمولىّ الثالث الذى أشار إليه "الرملى الشارح" وهو عنصر يتميز كسابقيه بالامتداد والسعة عبر مساحة القيم الإسلامية.إنه عنصر الإدراك المصحوب بالإيمان بأن نعم الله مبثوثة فى النفس والكون والإنسان والجان والنبات والحيوان والجماد... فكلها ومفرداتها كثيرة- نعمٌ لا يمكن أن تحصى مفرداتها، ولكن يمكن للإنسان- عن طريق النظر المصحوب بالتفكير المؤمن فى أركان أربعة- أن يتعرف على أصول النعم وكلياتها... بطريقة من يمسك بأشرعة السفينة ويُبحر بها وصولا إلى الشاطئ من خلال معرفة عميقة بعلوم البحار.. لكنه لا يعرف ما تحت السفينة من حيتان وأسماك وحيوانات بحرية ولآلئ ذهبية.. وهذه الأركان الأربعة التى يمسك الإنسان بخيوطها ليتعرف على مصادر النعم وكلياتها التى لا تحصى مفرداتها هى: أ- النعم الدنيوية. ب- النعم الأخروية. جـ- النعم الموهبية (التى توهب من الله). د - النعم الكسبية (التى يكسبها الإنسان بعمله العقلى والبدنى).   
    وفى ظل هذه الكليات ترد النعم بطريقة لا يمكن إدراك تفصيلاتها... وفى كتابه الرائع (مدخل إلى فقه النعمة) ذهب صديقنا اللبنانى الطرابلسى الكبير الدكتور عبد الإله ميقاتى إلى تبويب النعم في ثلاث مجموعات هى نعمة الخلق، ،نعمة الإيمان، والنعم الخاصة وهو تقسيم منهجى إيمانى عظيم. وعلى أية حال ففى تلك السور القرآنية التى ترد فيها آيات (الآلاء) نجد نماذج من النعم فى كل الأمور الدنيوية والأخروية والموهبية والكسبية (انظر آيات سورة الرحمن المكرورة (فبأى آلاء ربكما تكذبان)..
     وانظر آيات الحديث عن (آيات الله) كما يرد فى سورة الروم من أول قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ "الآية رقم 8 إلي نهاية السورة".وانظر آيات ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا ءإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ "فى سورة النمل الآية 60 وما بعدها"..وانظر آيات كبرى مباشرة تتحدث عن نعم الله فى مثل ما ورد فى سورة الأنعام ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِى ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ الآية رقم 59 وما بعدها، وقوله فى الأنعام أيضاً ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنْ الْحَيِّ ذَلِكُمْ اللَّهُ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ﴾ "الآية رقم 95 وما بعدها"...
     بالإضافة إلى نعم كثيرة مبثوثة فى مواقع كثيرة فى كتاب الله..  وهكذا وضع الرملىّ يده- على معالم كبرى أساس من معالم بناء الإسلام (صبغة الله).. بطريقة واضحة قوية تصلح لكى تكون مفاتيح لفهم الإسلام فى الماضى والحاضر، وفى المستقبل... بل هى الأصلح فعلاً لكى تكون من خير المعالم والملامح التى نقدمها لعصرنا.. ولأبناء عصرنا.
   لكن هذه المعالم تاهت.. وضاعت فى ركام من التراب يصعب معه استخلاصها وتألقها.. كما أنها جاءت فى نطاق قضية لا تستحق أن يبذل فيها جهد خاص.. بل حسبها- إن كان ذلك وارداً- أن توضع مجملة فى إطار الحديث عن العبادات.. وشروطها.. وضمانات صحتها.. وما كان ضرورياً بذل جهد خاص فى قضية ثانوية لا جدوى منها مثل قضية (المعفوات) التى تتحدث عن الأشياء المعفوّ عنها والتى لا تنقض الوضوء ولا تبطل الصلاة.. فهى ضمن المباحات الكثيرة!!
    لكنه منهج (المتون) الذى فرض الاختزال المخل.. والإيجاز القاتل للإبداع والانكماش العلمى المانع من السباحة فى عالمى النفوس والآفاق وبالتالى العجز- أو الشلل- عن استخراج اختراعات أو نظريات منها... وهذا على العكس من المنهج الذى ساد أوروبا فى الفكر والتعامل مع آفاق العلوم الكونية والنفوسية فى تلك القرون..!! وللأسف.. مازلنا نعانى من منهج المنظومات والمتون حتى اليوم.. وندور محلنا لا نتحرك إلى أمام... نماذج من المتون   
     وهذه بعض النماذج من المتون (والمنظومات) نشير إليها حتى لا تكون تاريخاً اندثر وغابت عنا عبرته وغاب عنا درسه.. ولأننا مازلنا نعيشه، تحت مسميات أخرى غير المنظومات والمتون.. ولاسيما فى حفظ أطفالنا للقرآن كله أو نصفه فى سن مبكرة دون أدنى محاولة للتدريب على فنون الفهم والفقه والتدبر والتذكر ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (ص: 29) واستخلاص الأحكام، واستخلاص السلوكيات الاجتماعية والحضارية السنية الباعثة على إيجاد (الأمة الخيرية) (الأمة الوسط الشهيدة على الناس) من جديد!! ونكتفى بتقديم نماذج من المنظومات والمتون فى العلوم التالية:
     فى علم التوحيد: (متن الجوهرة فى التوحيد للإمام اللقانى): وبعد فالعلم بأصل الدين محتم يحتاج للتبيين فكل من كلف شرعا وجبا عليه أن يعرف ما قد وجبا لله والجائز والممتنعا ومثل ذا لرسله فاستمعا وفى علم مصطلح الحديث للإمام الصبان: ومرسل من دموع غير منقطع قد سلسلته جفونى فيكم شغفا أبهمت من عذل دمعى فعاندنى دمعى وأشهره للناس فانصرفا ولست أسمع تدليس العذول ولا أصغى لتدبيج واشٍ فيهم هتفا وفى علم التجويد للإمام ابن الجزرى: وبعد إن هذه مقدمة فيما على قارئه أن يعلمه إذ واجب عليهم محتم قبل الشروع أولا أن يعلموا مخارج الحروف والصفات ليلفظوا بأفصح اللغات محررى التجويد والمواقف وما لذى رسم فى المصاحف وفى علم النحو والصرف: متن ألفية ابن مالك للإمام محمد بن مالك: قال محمد هو ابن مالك أحمد ربى الله خير مالك مصليا على الرسول المصطفى وآله المستكملين الشرفا كلامنا لفظ مفيد كاستقم واسم وفعل ثم حرف الكلم واحده كلمة والقول عم وكلمة بها كلام قد يؤم بالجر والتنوين والندا وأل ومسند للاسم تمييز حصل وفى فن الميقات: (متن تعريف المنازل للإمام محمد المقرى) الحمد لله العلى الملهم معلم الإنسان ما لم يعلم والحمد لله الذى أبدع ما فى الأرض من شىء ومافوق السما دحا بساط الأرض فوق الماء وركب الماء على الهواء وأنبع الماء عيونا فجرت وأخرج المرعى جميعا فنبت ومتن العروض والقوافى (للإمام الصبان): وبعد فعلم الشعر فن مؤكد فبادر إليه واستمع فيه ما حلا وفى فن الحساب: (متن رسالة الأخضرى الإمام عبد الرحمن الأخضرى): حروفه معلومة مشهورة من واحد لتسعة مذكورة وجعلوا صفرا علامة الخلا وهو مدور كحلقة جلا وأربع مراتب الأعداد أولها مرتبة الآحاد والعشرات بعدها المئون من بعدها الآلاف يذكرون وفى علم الفرائض (المواريث): (خلاصة الفرائض نظم متن الراجية للإمام عبد الملك الفتنى): بكفن السنة أما إن منع دائنه فبالذى يكفى يقع فدين خلق صحة فمرض ثم وصية فإرث فرضا وسبب الإرث نكاح أو نسب أو الولا وليس دونها سبب وفى علم آداب البحث: (نظم آداب البحث العلامة الشيخ زين المرصفى): إن قلت قولا ذا تمام خبرى إذا نقلت فيه عن معتبر فيطلب التصحيح للنقل إذا لم تلتزم فيما نقلته لذا أو ادعيت بطلب الدليل إن كان غير واضح ذا القيل ثم ثلاث للدليل عارضه منع ونقل مجمل معارضه تقويم ظاهرة المتون والمنظومات:
      كان من الممكن أن تكون المنظومات والمتون مفيدة لو أنها بقيت فى المرحلة العمرية دون العاشرة.. فكأنها مفاتيح أو جداول ضرب تعطى- كمفاتيح- للناشئة. 
     أما بعد ذلك فقد كان ضررها بالغاً، اللهم فى بعض العلوم كاللغة والحديث التى يقلّ الإبداع والتجديد فيها..
    ومع ذلك فضررها ممتد لأنها تحول دون الإبداع وتوقف حركة التجديد حول المتن أو (الألفية) أو المنظومة، التى تفرض ظلها الثقيل على أصحاب العقول المبدعة التى تسعى إلى الانطلاق المنفتح، وبالطبع تضطر هذه العقول المبدعة وهى قليلة إلى تجاهل المتن أو المنظومة والسير فى طريق التنظير وحده، إلا من ثوابت العلم الأصلية ومصادره الإسلامية من قرآن أو سنة أو تراث مجمع عليه نقلاً وعقلاً. لقد حالت هذه القيود المسماة بالمنظومات أو المتون دون النظر فى آفاق الكون، وآفات التطور العقلى المقارن.. لدى الآخرين.. وأصبحت علامة ودلالة على الجمود وانعدام الإبداع المستقى من فقه الكون وفقه الإنسان أو الاجتماع والكون!    
     ولو رجعنا إلى تاريخ أسلافنا الحضارى وإبداعاتهم التى تعلم منها العالم علوم الحساب والجبر والكيمياء والفيزياء والطب والفلك والجغرافية والمساحة والإنسانيات.. فضلاً عن تعليمهم للبشرية أدق العلوم مثل علم (العمران) وقوانينه التى أبدعها عبد الرحمن بن خلدون (ت 808هـ) فى مقدمته المعروفة فى عصرنا والمسماة علوم الاجتماع والخدمة الاجتماعية.. وتعليمهم كذلك للإنسانية دراسة التاريخ كعلم،  والسنن وأسباب قيام الحضارات وازدهارها وأسباب تأخرها وسقوطها.. وهو (علم تفسير- أو- فلسفة التاريخ) الذى أبدعه ابن خلدون كما أبدع علوم العمران السابقة، وتعلمته البشرية من مقدمته الرائعة.                                                     
   إن رجال القرون الخمسة المتخلفة.. (رجال المتون والمنظومات) لم يرجعوا إلى تاريخ أسلافهم المجيد وقرون ازدهارهم الحضارى.. ولم يستطيعوا الالتفات إلى أوروبا.. بل جعلوا المتون والمنظومات البداية والنهاية والوسيلة الكافية.. للغاية الشريفة الشافية!!.. فأوقفوا حركة الحضارة الإسلامية وعطلوا دولاب حركتها.. وجعلوها قطارها يعجز عن السير على قضبانه الصحيحة نحو التقدم والرقى.. بل إنهم كانوا يقاومون محاولات التقدم والرقىّ!! لقد ماتت كثير من العلوم أو فقدت فاعليتها على أيدى أصحاب المتون والمنظومات مع حسن نية أصحابها وسلامة أهدافهم.. لأن الذين جعلوها منهج تربيتهم وتكوين معارفهم لم يسيروا- أبداً- فى طريق المعرفة الكمية التراكمية، والكيفية الإبداعية التى سارت عليها أوروبا، وحققت بذلك نهضة منفتحة على الإبداع والاختراع من خلال فقه الأنفس والمجتمعات والآفاق!!                                                     
   وهكذا مازلنا منذ خمسة قرون نعيش مرحلة غيبوبة حفظ المنظومات والمتون.. ومازلنا نشترى منتوجات إبداع أوروبا وثمرات اختراعه... ونظن أننا مبدعون.. ونحن مجرد مستوردين، ولإنتاج غيرنا مستهلكون.وهذا الظن الكذوب نوع من الغباء الشديد.. بل هو فى الحقيقة نوع من الخيانة والجنون.

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.