
الخبر الذي تناقلته الصحف ووكالات الانباء منذ فترة قصيرة، والذي - كما اعتقد- لم يأخذ مكانته من الاعلام العربي كما يجب، ولم توغل الاقلام في دلالاته ومغازيه عميقا، الا وهو خبر مبادرة اثنين من عمالقة المال في الولايات المتحدة الى الدعوة بالتبرع بنصف ثرواتهم الى الجمعيات الخيرية او ما يناظرها هناك، ووجهت هذه الدعوة الى من يماثلها في الثراء من أصحاب المليارات وقد قدرت المصادر التي اوردت هذا النبأ ان المبالغ التي يمكن جمعها لصالح العمل الخيري وبالتالي لصالح الفقراء، تقدر ب ستمائة مليار دولار امريكي.
دعونا نتخيل نتائج هذه الصحوة، التي وان كانت قد تأخرت كثيرا ولكنها قد جاءت لتحدث انقلابا في الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الامريكي بخاصة، والمجتمعات الانسانية بعامة وما سوف تحدثه من نقلة معاشية في اوساط الفقراء ومتطلباتهم في مجال الغذاء والدواء والمتطلبات الاساسية للحياة، ولعل ما تبادر الى اذهان صاحبي المبادرة والذين قد يستجيبون لهما هو ان هذا الثراء الفاحش لا يمكن ان يأتي لهم بالجديد ولا بالمزيد من المتعة والسعادة، فصاحب المليارات كم من الطعام اللذيذ يمكن ان يأكل ؟ وكم من اللباس الفاخر يمكن ان يلبس ؟ وكم من البلاد يمكن ان يطوف ؟ لقد طاف احد الاثرياء ذات يوم الفضاء ودار حول الكرة الارضية برحلة فضائية على حسابه الخاص ولكنه في نهاية المطاف قد عاد الى الارض ليأكل طعاما لذيذا ربما عافه، وليلبس لباسا فاخرا ربما عافه، وليطوف بلادا على الارض شاهدها عشرات المرات ولكن ماذا بعد ؟
نعم وماذا بعد ؟ لم يكن هناك سوى الصحوة، الصحوة التي جعلت ذلك الثرى يفكر بالفقير المحروم، وهو مثله انسان من دم ولحم، له احتياجاته الاساسية التي لا يستطيع قضاءها، فهو مشبع بالحرمان من كل شيء، ولا شيء ينقذه من هذا الحرمان الا تلك الصحوة الانسانية المباركة في بقعه من بقاع الارض.
واخيرا هل تمتد هذه الصحوة الى اثريائنا ؟ ونحن الاحوج لها؟ ان نسبة الفقر في العالم الاسلامي تفوق مثيلاتها في ارجاء كثيرة من العالم ؟ والحاجة الى مد يد العون لمنكوبي المجاعات والكوارث الطبيعية هي الاشد نسبيا على جميع الاتجاهات، كما ان ديننا الاسلامي الحنيف وشهامتنا العربية المعروفة تاريخيا في اغاثة الملهوف والكرم والعطاء غنية عن التعريف، فهل تمتد صحوة اثريائهم الى اثريائنا في وقت قريب ؟ وهل يكون ذلك التبرع السخي من ذلك المحسن الكريم المغترب الذي رفض الاعلان عن اسمه هو البداية ؟ وهل تتحول هذه الصحوة الى ظاهرة كونية انسانية شاملة، فتشهد رحيل الفقر والمرض والفوارق بين الطبقات الى غير رجعة ؟
منقول عن صحيفة الرأي الأردنية
19/8/2010
ابحث
أضف تعليقاً