wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
لغة الحوار القرآني
الثلاثاء, December 1, 2009

    
مقدمة:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، محمد بن عبدالله، وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد.
فهذا بحث بعنوان:
(لغة الحوار القرآني -دراسة دلالية  للمفردة الحوارية- حوار الأنبياء مع أقوامهم نموذجا) 
وذلك للمشاركة في مؤتمر: الحوار مع الآخر في الفكر الإسلامي، (محور الحوار في القرآن الكريم)، الذي تنظمه كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الشارقة، في الفترة من 28- 30ربيع الأول 1427هـ الموافق 16-18/4/2007م.
سبب اختيار الموضوع :
وقد وقع اختياري على دراسة اللغة الحوارية في القرآن، لأن هذا الموضوع- في نظري- لايجد العناية الكافية من الباحثين في مجال الحوار، مع أهمية اللغة وخطورتها، ودورها الفاعل فيه، فاللغة المنطوقة تعد أظهر وسائل الاتصال بين المتحاورين، ومع هذا قد يشار لها عرضا دون العناية الكافية بإيضاح مدلولاتها، وعلاقتها بنقل لأفكار، وخطورتها في إيجاد علاقات وروابط بين المتحاورين، والإقناع بالخير والحق، كل هذا وغيره تؤديه اللغة إذا أحسن استخدامها، وعرف المتحدث بها، مايذكر ومايحذف، مايقدم وما يؤخر، مايختار من الألفاظ وما يدع، مايبدأ به كلامه ، وما يختمه به، ويجمع هذا كله (القول الحسن) الذي أُمرنا به، فإنه يشيع التآلف والقرب وحب الخير، ويجعل الحوار مثمرا، وزيل الحجب، ويذلل الصعاب، وهذا كله يوقفنا على أهمية لغة الحوار دراسة وبحثا وأداء وتطبيقا. 
وستحاول هذه الدراسة القيام بهذه المهمة، وما قد يكون مميزا في هذه الدراسة اعتماد الباحث على المنهج البلاغي في دراسة الدلالة، فهي تكشف بعض جماليات الأسلوب الحواري في القرآن الكريم من جهة، وترسم ماينبغي أن تكون عليه اللغة الحوارية من جهة أخرى، كل ذلك من خلال نص محدد .
 وكان الباحث  يأمل دراسة هذه الدلالة من ثلاثة جوانب: المفردة، والتركيب، والأسلوب، لكن محدودية مساحة البحث حالت دون ذلك، لذا اكتفى بالمفردة لأنها المكون الأهم، مع الإشارة – ما أمكن- للمكونات الأخرى.
مجال الدراسة:
لما كانت حورات الأنبياء الكرام مع أقوامهم كثيرة مبثوثة في سور متعددة، رأيت أن يكون مجال الدراسة محددا ممثلا للمطلوب، وبعد النظر جعلت الدراسة مقصورة على حوارات سبعة من الأنبياء الكرام وهم(نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وإبراهيم، وموسى) عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين ، والسبب في ذلك تكرر حواراتهم بصورة متتالية في سور معينة، وركزت على النصوص التي فيها حوار – أي من الطرفين-، والنصوص  الرئيسة المدروسة التي تكررت فيها جل الحوارات هي: ( سورة الأعراف من الآية 59 إلى الآية 93، وسورة هود من الآية 25 إلى الآية 93، وسورة الشعراء من الآية 16 إلى الآية 191)، يضاف لذلك(سورة البقرة الآية 258، وسورة مريم من الآية 42 إلى الآية 48، وسورة طه من الآية 47 إلى الآية 68، وسورة الأنبياء من الآية 52 إلى الآية 68).
منهج الدراسة، ومباحثها:
اعتمدت الدراسة على المنهج الاستقرائي الإحصائي التحليلي ، لمعرفة  ماتؤديه الكلمة من دلالات، ومايميزها من سمات، وما جاءت عليه من دقة المناسبات، واقتضى الكشف عن هذه القضايا جعل البحث على ثلاثة مباحث  هي: المبحث الأول: دلالة المعجم الحواري، والمبحث الثاني: سمات المفردة الحوارية، والمبحث الثالث: التناسب الدلالي في المفردة الحوارية.
 

 توطئة :
 دلالات مفردة القول(ق و ل) في القرآن الكريم.
لما كانت اللغة هي وعاء الحوار الأكبر والأظهر ، ولما كانت جل المحاورات شفوية منطوقة ، كان لمادة القول دلالتها التي يصعب تجاوزها ، وبما أننا ندرس لغة الحوار عند الأنبياء مع أقوامهم فلابد من قراءة دلالية سريعة توضح لنا حجم عناية القرآن بموضوع القول ، فمثلاً لو استعرضنا حجم مادة القول(ق و ل) في القرآن كله لوجدنا أنها تتكرر في القرآن 1722 مرة،  وفوق هذا الحضور الكمي الكثيف، نجد الحضور الكيفي المتمثل في تصريفات المادة التي تصل إلى تسعة وأربعين تصريفاً واشتقاقاً، تتوزع على كل أطراف المقام الحواري. من متكلم ومخاطب ومستمع ومحاور وغائب وحاضر ومذكر ومؤنث ومثنى وجمع، والتصريفات الأصلية هي : "قال" 529 مرة، و "يقولون" 92 مرة، و "قل" 332 مرة، و "قولوا" 13 مرة، و "قيل" 49 مرة، و "القول" 52 مرة، و "قولهم" 12 مرة. 
والمؤشر المهم في هذه الأرقام  هو حضور القول الآخر  الذي يستغرق خمسين بالمائة تقريبا ، أي أن هذا المؤشر الحواري نصفه من كلام الله والصالحين والأنبياء والملائكة والمؤمنين، والنصف الثاني هو للشيطان ولكفار والمشركين والمعاندين والمكذبين.
وهذا يعني بما لا يدع مجالاً للشك شيوع الحوار في القرآن وانتشاره وشموليته، والظهور الواضح للواحد في هذه التصريفات (قال) ، (قل)  يومئ إلى أهمية الحوارات الفردية، لأنها هي الأساس، وإذا تربى عليها الأفراد، نجحوا في الحوارات الجماعية، (يقولون) ، (قولوا)، ووجود تصريفات الفعل الثلاث (الماضي، والمضارع والأمر)، يشير إلى أن هذا السلوك مستغرق للزمن وللحدث، فلا غنى للإنسان عنه أبدا.
وشيوع الأمر بالقول في القرآن الذي يزيد على (300)مرة، يضفي شعورا بأهمية القول، وضرورة إنتاجه من الآخر حتى ولو أحجم عنه، وهذا دليل قوي على فتح باب القول ، والتكلم ، والإفصاح ، وتنوع المأمور به(قل،قولي، قولا، قولوا) ، يومئ إلى كون الحث عليه يشمل كل هذه الأصناف، ولا نجد في المقابل نهيا عن القول والكلام  إلا في حيز قليل لايتجاوز خمسة مواضع كلها لصالح الحوار وآدابه مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)البقرة، وقوله تعالى: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ (154)البقرة، وقوله تعالى: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ (94)النساء، وقوله تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ (171)النساء، وقوله تعالى:وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ (116)النحل. 
وقد تتبعت أوصاف المأمور به من القول في القرآن فوجدت هذه الأوصاف العظيمة:
    فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً(23) الإسراء، فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً (9) [ النساء  ] ،  اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (70) [ الأحزاب  ] ، وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً63[النساء   ]،  وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ   53 [ الإسراء    ] ، ،وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً   83 [ البقرة  ] ،   وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً   5 [ النساء  ] ،  وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً   32 [ الأحزاب  ] ،  قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ   263 [  البقرة   ] ، إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً   235 [  البقرة   ] ، وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ   24 [  الحج   ]، فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً  44[ طه ].
ولعله يكفي في هذا البحث للفت النظر إلى دلالات هذه الأوصاف أن أجعل القول موصوفا، وتلك الأوصاف نعوتا له، فما رأيك –أيها الفاضل- بقول: ( كريم، لين، طيب،معروف، حسن، أحسن، سديد، بليغ)، إنها حقا صفات القبول، والحسن، والنفع ، فأين أقوالنا منها؟
 وفيما يخص موضوعنا تحديدا، نستطيع القول بأن قصص السابقين يكاد يكون أسلوب عرضها محصورا في الحوار، وفي ذلك تصوير للواقع المعاش آنذاك، وتمجيد لشأن الحوار لأنه الصورة  الأوسع التي نقلت من تاريخ القوم، والعجيب أن مفردة (قال و قالوا)، وهي الأكثر جاءت في النص المدروس مايقارب (150) مرة، كان منها ما يقارب (70)مرة للمخالف، حوالي (30) لفعل الواحد(قال)، و(40) لفعل الجماعة (قالوا)، أي مايقارب النصف، وهذا يتفق ويؤيد ماسبق ذكره من حضور الآخر وعدم تغييب قوله، سواء في الواقع الحقيقي المنقول، أم في تخليد ذكره في القرآن العظيم، كما أن تصريفات المادة جاءت على النحو التالي:(قال، قالوا، قلتم، قلنا، تقولون، يقولون، يُقال، قل)، ويعني تعدد زمن الحوار، وتنوع المحاوين.
 
المبحث الأول: دلالة المعجم الحواري .
في نظري أن الحوار من أهم الطرق للكشف عن المعجم اللغوي لأي إنسان ، وحصر هذا المعجم –ولو بصورة تقريبية – يوقفنا على دلالات مهمة تتصل بنوعية الكلمات التي نستخدمها، وعددها، والمكرر منها، ومايتصدر حواراتنا، ومايكون في أثنائها، ومايكون في ختامها، وربما نحكم من خلال ذلك على شمولية الحوار للموضوع المطروح من عدمه، ونستطيع أن نخرج من هذا كله بنتائج نعرف من خلالها مايكون مناسبا، وما لايكون، وماينبغي أن نتخلى عنه  وما يبقى، ومايخدم لغتنا الحوارية وما يهدمها.
ومن هذا المنطلق حاولت جمع المفردات المكونة للمعجم الحواري للأنبياء الكرام في حواراتهم مع أقوامهم، وقد رأيت –بعد تأمل ونظر- أن سرد المعجم المكون لكل تلك الحوارات سيطول في مثل هذا البحث ، وهو مع هذا يعد موجزا إذا نظرنا إليه من زاوية القضايا العظمى التي يعالجها .
لذا رأيت أن أقسم هذا المعجم على مراحل العملية الحوارية: افتتاحية الحوار،ثم منهج المحاور، ثم موضوع الحوار، ثم ختام الحوار.
وبداية فإننا نستطيع تلخيص ما دارت حوله مفردات المعجم الحواري المدروس في ركيزتين أساسيتين هما : معالجة خلل العقيدة ، وخلل الأخلاق ، ويمكننا إدراك ذلك بتقسيم هذا المعجم إلى ما ذكرناه سابقا حسب ما يأتي.
أ – مفردات تمثل (افتتاحية الحوار:
 وجل هذه المفردات كان للتعريف بما يحتاج المخاطب معرفته، وما يخدم العملية الحوارية، وقد جاء ذلك في جملة الافتتاح وهو ما يمكن أن يسمى بـ(براعة الاستهلال)، ونجد في ذلك كلمات تتحدث عن تعريف المحاور بنفسه ومهمته ومؤهلاته وذلك مثل قول جل الأنبياء لأقوامهم: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ }الشعراء107،125،143،162،178، وقول موسى عليه السلام : { إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى }طه47، وقول نوح عليه السلام : {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ }هود25،نوح 2، وقوله عليه السلام :  يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (62)الأعراف، وقول هود عليه السلام: يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68)الأعراف.
وهكذا نجد في هذا المجال مفردات:( الرسالة، الربوبية، والتبليغ، والنصح، والإنذار، والأمانة، والعلم، البينة) وقد شملت التعريف بالمحاور(رسول)، ومن أرسله(رب العالمين) ومهمته(التبليغ والنصح)، ومؤهلاته(الأمانة، والعلم، البينة( ، وهذا الجانب- وهو التعريف- قد يُهمل أحيانا في حواراتنا مما قد يؤثر سلبا على مجريات الحوار كله، وقد يوجد ولكن بطريقة تشعر بالتعالي والتعاظم، لذا نجد المفردات الواردة في جملة الافتتاح تركز على مايخدم مهمة الحوار، فهناك عناية واضحة بالعلم والبينة، وهذان أهم أسباب قوة المحاوِر، فإذا انضمت إليهما أخلاق الحوار ومقاصده:(الأمانة، والتبليغ والنصح)، فقد اكتملت منظومة الحوار المثمر.
يضاف إلى ذلك الأدوات التي تسهم في التواصل، ومن أبرز ما نجد في هذا المجال(النداء) بأداة البعيد(يا)، حيث تكرر النداء بـ(يا قوم )حوالي (25) مرة ، جلها في أوائل الخطابات ، وتكررت في أثنائها،
والنداء له وظائف مهمة لا يستغنى عنها المحاور غالباً ، لضرورة تردد الكلام بينه وبين محاوره ، وقد اتضح لي أن من أغراض النداء في حوارات الأنبياء، إشعار المخاطبين بالقرب والمودة، والنبيه على أهمية مابعده، وتهويل الأمر وتعظيمه وذلك إذا تكرر النداء في موضع واحد، واستجلاب انتباه المخاطب الشارد الذهن أو المعرض، واستنزال طائر عناده، وتأكيد ماسبق من المعاني والأفكار،
ب – مفردات تتعلق  بالمنهج الذي يتبعه النبي الكريم في حواره مع قومه .
ويمكن رسم معالم هذا المنهج من خلال الاسترشاد بالمفردات الواردة في خطابات الأنبياء الكرام وخصوصا في بدايات الحوار على النحو التالي:
1)الحرص على قول الحق، والاعتماد على البينة والدليل، كقول موسى عليه السلام: حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ (105)الأعراف.
2)  البعد عن الجهل الذي هو ضد العلم ، أو النزقُ والطيش، كقول موسى عليه السلام:  قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ(67) البقرة .
3) السماح للمحاور بإبداء حجته أو تقديم دليله : كقول موسى عليه السلام للسحرة :{قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ، قَالَ أَلْقُوْاْ (116) الأعراف.
4)   عدم الإلزام بالرأي، كقول نوح عليه السلام: يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)هود، "أي أنغصبكم بقبولها وأنتم لها كارهون"،( )، "والمقصود من كلامه بعثهم على إعادة التأمل في الآيات وتخفيض نفوسهم واستنزالهم إلى الإنصاف ، وليس المقصود معذرتهم بما صنعوا ولا العدول عن تكرير دعوتهم"( ) 
5)  الصدق ، والإشعار بالرغبة في السعي للأصلح،  كقول شعيب عليه السلام لقومه:  وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ (88(هود.
6) تصحيح الأفكار والمفاهيم المؤثرة في فهم المخاطب : كقول نوح عليه السلام: قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ، قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (62)الأعراف  . 
7)  الصبر على جهل المخاطب وخطئه، وعدم مواجهة الغلظة بمثلها، كقول إبراهيم عليه السلام في رده على خشونة أبيه: قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً (47)مريم، وقول موسى عليه السلام في رده على قول فرعون:قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) الشعراء، وقول هود عليه السلام : قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) الأعراف   . 
د – مفردات تتحدث عن موضوع الخلاف.
وهو إما أن يتصل بخلل في العقيدة ، وإما أن يتصل بخلل في الأخلاق.
فأما الأول فيظهر في مفردات تكررت عند جل الأنبياء مثل مفردات :( العبودية، والألوهية ، والربوبية،والتقوى، والطاعة) وهذه قضايا أمروا بها أقوامهم بصراحة ووضوح،(اعبدوا الله)،(اتقوا الله)،(أطيعون)، ومثل مفردات (الضلال، والسحر، والشرك) وهذه قضايا تخالف العقيدة الصحيحة، وتعد انحرافا، لابد من تصحيحه، لذا نهوا أقوامهم عنها بالمنهج نفسه، فقالوا : (لاتعبدوا إلا الله)، (لاتعبد الشيطان)، وكل ذلك على سبيل الإرشاد والتوجيه والنصح والقيام بواجب التبليغ، لاعلى سبيل التسلط والقهر، بدليل قول نوح عليه السلام: (أنلزمكموها وأنتم لها كارهون)، ونستفيد من هذا أن على المحاوِر أن يبين بوضوح وجلاء مايدعو إليه أو يناقش فيه دون تدليس أو غبش حتى ولو لم يُرض الآخرين، لأن الهدف ليس إرضاء الناس على حساب الهدف، والمهم في كل ذلك هو الأدب وحسن القول وتقديم الحجة، وعدم الإلزام إلا لمن له ذلك.
وأما الثاني: وهو مايتصل بالأخلاق فالملحوظ فيه أنه لم يظهر كثيراً عند موسى وإبراهيم عليهما السلام ، بالقدر الذي ظهر عند غيرهما ، فإبراهيم عليه السلام جُل ما ظهر عنده هو العناية بالتوحيد والدعوة إليه والتحذير من الشرك ، وموسى عليه السلام قريب منه في هذا ، لكن جانب الربوبية في خطاباته أظهر من الألوهية ، وماجاء متصلا بتصحيح انحراف الأخلاق –عموما- يظهر من خلال الآتي:
•   نهي نوح عليه السلام قومه عن: (السخرية والاحتقار)، و(الجهل(
•   نهي هود عليه السلام قومه عن: (العبث)، و(الانهماك في الحياة)، و(البطش والجبروت).
•     نهي صالح عليه السلام قومه عن: (الإفساد في الأرض)، و(الإسراف والترف المطغي). 
•  نهي لوط عليه السلام  قومه عن: (الفاحشة، والمنكر)، و(قطع الطريق).
•   نهي موسى عليه السلام  قومه عن: (الكبر)، (الافتراء والكذب والتولي)، و(التعذيب والظلم).
•   نهي شعيب عليه السلام  قومه عن: (الفساد المالي -التطفيف والبخس-)،و(الإفساد في الأرض)، و(الصد عن سبيل الله).
وبهذا يتبين لنا من خلال رصد تلك المفردات،أن الانحرافات الموجودة كانت هي : (الإشراك بالله ، السحر، الكبر، الجهل ، العبث ، الإفساد في الأرض ، الجشع والطمع ،الظلم، الإسراف ، الفاحشة ، السخرية ، الافتراء ، الكذب)، وهذا بدوره يصور حجم الفساد الذي تصدى الأنبياء الكرام لتصحيحه من خلال حواراتهم مع أقوامهم، وقد قلت الأفعال الأمرية  عند المحاورة في موضوع الخلاف الفرعي(الانحراف الأخلاقي)، وماورد من مثل قول شعيب عليه السلام: (أوفوا الكيل) جاء النهي عن ضده في قوله:( ولا تكونوا من المخسرين)، وكما نرى فقد بدأ عليه السلام بالدعوة لمكارم الأخلاق، ثم نهى عن ضدها وهذا أكثر قبولا عند النفس من النهي المباشر، لأن الأمر توجيه إلى خير، والنهي كف للنفس ومنع وهي تنفر من هذا وتأبى، ولكن النهي يكون مبررا ومقبولا عند العقلاء إذا كان يرد عن شر وأذى، وهذا ما نجده بوضوح عند الأنبياء الكرام:(ولا تعذبهم ، لاتفتروا، ولاتتولوا مجرمين، ولا تخزون، ولاتفضحون، ولا تخسروا، ولاتنقصوا ، ولاتبخسوا، ولا تعثوا، ولاتقعدوا، ولاتطيعوا أمر المسرفين، ولا تمسوها بسوء)، وهذه كلها-عند التأمل- من رذائل الأخلاق ومساوئها، والنهي عنها مقبول سائغ عند كل عاقل، ومجموع هذه المفردات، وحجم النهي الواضح فيها يوقفنا على أن الأنبياء الكرام انبروا لمحاربة الفساد ونصرة المظلومين ، وأنهم جادلوا وحاوروا ودعوا إلى مايقتضي العقل حسنه وقبوله، ونهوا عما يقتضي العقل فساده وضرره. 
د-مفردات تتصل بختام الحوارات .
نجد في هذا الجزء من الحوار مفردات تدل على القوة، والتحذير، والإنذار، ويسبقها غالبا مايشعر ببذل كل السبل، واستنفاد كل طرائق الإقناع واللين، ومن ذلك جملة: (فَلَمَّا أَلْقَوْا)، و(فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى)، و(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ)، و(فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآياتِنَا بَيِّنَاتٍ)، و(وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ)،و(قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ)،و( قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا) و(فَعَقَرُوهَا)،و(لأرجمنك واهجرني مليا) ، و(قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ)، و(إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ)،و( مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (.
هذه بعض الأقوال  والسلوكيات التي تصور مفرداتها حجم الصدود والتكذيب والتهديد الذي تعرض له الأنبياء الكرام من قبل أقوامهم، مما يؤذن بعدم رغبتهم في الحوار من جهة، وقرب حلول العذاب بهم من جهة أخرى، وهو مالا يدرك خطره أولئك الأقوام، رغم التحذير الدائم الذي قد يتسم بالقوة أحيانا خوفا عليهم، لهذا كله نجد أن الجمل الختامية اختلفت في مفرداتها عن الجمل الافتتاحية، فحملت الختامية سمة القوة والتحذير وربما التهديد لعلهم  ينقذون ما يمكن إنقاذه، ومن المفردات التي نجدها في جمل الختام على سبيل الذم  : (الإفساد، الإجرام، ، التكبر، الظلم)، والمفردات المشعرة بالتخويف والإنذار( الويل، الخيبة، العذاب، الثبور، الترقب) والمفردات المصورة بلوغ الغاية في النصح مع عدم الاستجابة وقرب العذاب(التأفف، البراءة،الرجس، الغضب، العداء، القلى،عدم الأسى عليهم)، وكل ذلك جاء على سبيل الخوف عليهم من المصير القادم بعد النصح اللطيف، وما قابله منهم من الصدود والإنكار والتهديد، ولعل ذلك يظهر فيما يأتي من أقوال الأنبياء التحذيرية لأقوامهم في لحظاتهم الأخيرة: 
 قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (61)طه  ، فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82) يونس،قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (102) الإسراء، وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) غافر، وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37) القصص،  أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (67)  الأنبياء، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27)الزخرف، قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ(78)الشعراء، قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39)هود،قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) الأعراف، فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) هود، قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) هود، قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) الشعراء،قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30)العنكبوت،فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)الأعراف، وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93)هود.
ولعلنا بعد هذا العرض، ومن خلال الموازنة بين مفردات جمل الافتتاح وجمل الختام نخرج بالدلائل الآتية:
1- أن لطافة القول واللين فيه هو الأصل، لذا نجد أنه الأكثر الأغلب:(في أول اللقاء، وأثناء الحوار)، لكن إذا استنفد المحاوِر كل السبل الممكنة في الإقناع فيمكن أن يلجأ إلى نبرة القوة والتهديد، إن كان من المستطيعين لذلك، ورأى أن ذلك قد يحمل المخاطب على التفكير والرجوع للحق، ومبعث هذا كله هو الحرص وحب الخير.
2- أنه يحسن إطلاع المخاطبين من أول الأمر –بوضوح تام- على كل مايحتاجون معرفته من هوية هذا المتحدث، وهدف ما يدعو إليه ، والمرجع الذي يعتمد عليه، والمؤهلات التي أهلته لهذه المهمة.
3- أنه لايحسن أن ينتهي الحوار الذي يناقش أمرا مصيريا دون إيقاف المخاطبين على حجم الخطر الذي يتنظرهم بسبب صدودهم ، ولو أدى ذلك إلى إغلاظ القول لهم، لأن هذا هو عين الصدق ومحبة الخير لهم، وماسوى ذلك من لطافة القول مع شدة الخطر يعد غشا وخداعا.
4- أنه لابد -في نهاية المطاف وعدم التوصل إلى وفاق- من إعلان الاستقلالية لكل من المتحاورين، مما يُحَمِّل كل طرف المسؤولية كاملة حيال ما اختار.
5- أن جمل الافتتاح اشتملت على توكيد واضح، وخصوصا بـ(إنّ)، وكذلك الأمر بالنسبة لجمل الختام، مما يدل على ضرورة العناية بهاتين المرحلتين من مراحل الحوار.
6- أن جمل الافتتاح ظهر فيها التعبير الحالي والمستقبلي فيما يخص المهمة(التليغ والنصح)، كما في قول نوح عليه السلام : قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (62) الأعراف، وقول هود عليه السلام: قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68)الأعراف، وجمل الختام ظهر فيها التعبير بالماضي في القضية نفسها، كما في قول هود عليه السلام:فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) هود، وقول صالح عليه السلامفَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79)الأعراف، وهذا وإن كان هو ما يقتضيه زمن الحدث، إلا أن الزمن الحالي والمستقبلي(أبلغكم، وأنصح، وناصح) في أول الحوار يشعر المخاطبين بعمق المهمة وحرص صاحبها على الصبر عليها، وتقديم النفع(النصح) لهم في صورة متجددة مستمرة، والزمن الماضي مع تكرير الفعل نفسه:(أبلغتكم، ونصحت لكم) يوقفهم على صدقه فيما قال لهم، وثباته على مبدأه، وفي الوقت ذاته يرفع اللوم عن نفسه بشأن أي سمة من سمات التقصير في أداء هذه المهمة، مما يولد عند المخاطبين  شعورا –في اللحظات الأخيرة- بخطورة ماوصلوا من قرار أو حال.
7- أن الأفعال الأمرية، جاءت في جمل الافتتاح  وجمل الختام ، لكنها في الأولى حملت سمات التوجيه والإرشاد والهداية كما يظهر ذلك من تكرر الأمر بالتقوى (اتقوا) (12)مرة، والطاعة(وأطيعون) (8)مرات، والعبادة(اعبدوا)(8)مرات ، وجلها في أوائل الخطابات، أما في جمل الختام فقد ظهرت فيها سمة الإنذار الشديد، بل التهديد من سوء المصير مثل:(انتظروا، اعملوا،تمتعوا،فارتقبوا)، وهذا يتناسب مع نمو لغة الحوار من اللطافة والسلاسة، إلى الاقناع والحجاج ، إلى القوة والإنذار الواضح، إلى التخويف والتهديد.
المبحث الثاني : سمات المفردة الحوارية .
تشكل السمات اللفظية للكلمة عاملا مهما في الدلالة ، ولهذا يمكننا –من خلال رصد هذه السمات- معرفة نوعية اللغة الواردة في هذه الحوارات، وما ينبغي أن تكون عليه اللغة الحوارية النافعة، وبالنظر لتلك الحوارات لا يجد القارئ فيها كلمة غريبة وحشية، لايفهم معناها، أو كلمة ثقيلة على اللسان ، أو نابية في السمع ، أو ممجوجة في الذوق ، وهذه هي العيوب التي إذا خلت منها الكلمة أصبحت (فصيحة)، ولهذا نستطيع أن نقول إن سمات المفردة الحوارية فيما ندرس هي سمات الفصاحة وهي:
أ – الوضوح والبيان :
ونعني بذلك ظهور المعنى وبيانه للمخاطبين، وعلى هذا جاءت مفردات الحوارات كلها،ودليل ما ذكرنا أنه لايوجد من المخاطبين في الحوارات الواردة ما يدل على استشكالهم لكلمة ، أو وصف لها بالغرابة ، أو الثقل، أو عدم الفهم ، اللهم إلا ما جاء عن قوم شعيب من قولهم : " ما نفقه كثيراً مما تقول " ، والسياق يدل على أنهم لم يريدوا بقولهم هذا أن كلامه غير مفهوم من حيث ألفاظه، أو أنه يعسر عليهم إدراك مراده ، كلا بل هم يريدون التظاهر بعدم الفهم، والإعراض والصدود عنه  ، وإشعاره أن كلامه هذا غريب غير مألوف مثله لديهم ، إما لأنهم لايدركون حقيقته، ولا يتعقلونه  فهو عندهم كالمحال لمخالفته ما يألفون، أو أنهم لايريدون سماعه أصلا، ذلك لأن "الفقه هو معرفة غرض المتكلم من كلامه ... وإنما قالوه بعدما سمعوا من دلائل الحق المبين [ماكان]على أحسن وجه وأبلغه ، وضاقت عليهم الحيل وعبثت بهم العلل ، فلم يجدوا إلى محاورته سبيلاً سوى الصدود عن منهاج الحق ... " ، وهذا أسلوب دارج في لغة العرب ، فالرجل يقول لمن لا يعبأ بكلامه ، أو لا يريد أن يستمع له : لا أدري ما تقول ، وليس صحيحاً ما قيل إنه ألثغ ، لأنه لا يوجد ما يدل على ذلك ، بل إن وصفه بكونه خطيب الأنبيـــاء يأبى ذلك.
ووضوح الكلمة وفصاحتها مهم جداً في المحاورة ؛ لأن فقدان ذلك يؤدي إما إلى عدم الفهم مطلقاً،   وذلك بسبب الغرابة، وإما إلى قطع التواصل والتقارب وذلك بسبب الكلمات النابية في السمع الثقيلة على اللسان ، الممجوجة في التذوق .
ودلائل الاهتمام بهذا الأمر واضحة في القرآن العظيم ، فهذا موسى عليه السلام يكلفه ربه بمهمة صعبة هي محاورة فرعون الطاغية الذي يعرف بطشه وجبروته، فيدرك موسى عليه السلام ما ينبغي أن يتسلح به وهو يعرف ما يعانيه من مشكلة لسانه، فيقول  : قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي {25} وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي {26} وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي {27}طه، ، ثم بين سبب ذلك كله فقال : يَفْقَهُوا قَوْلِي {28}طه، وقوله: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ(34) القصص ، وهذا ما تدل عليه آيات أخرى مع كل الأنبياء كقوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم(ُ4) إبراهيم، واللسان هو اللغة، ولعل في التعبير به دون اللغة بأن يقال : بلغة قومه، مايشعر بدلالة على ماهو أخص من اللغة، وهو اللكنة أو اللهجة.
وهذا الأمر من أهم ما ينبغي التنبه إليه حال الحوار، حتى لا يفهم المخاطب غير ما يريد محاوره ، أويعسر عليه فهم كل ما يريد أو بعضه ، لأن وجود مثل هذا الخلل في اللغة قد يوقع في التكذيب الذي قد لايكون مقصوداً ، وقد قال عمر بن الخطاب، وقيل رضي اللهنهم أجمعين: ( حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله، وقد نبه الله سبحانه على ذلك بقوله : {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ }فصلت44.
وعلى هذا فلابد أن يهتم المحاورون بالمصطلحات والمراد منها على وجه الخصوص لأنها كثيراً ما تتباين فيها الأفهام ، كما أن المحاور الجيد هو من يحدث محاوريه بما يستقيم مع أفهامهم ويبتعد عما يثيرهم أو يعسر عليهم فهمه حتى لا يفقد التواصل معهم من أول الحوار ، أو في أثنائه .
ب – اللطف والقبول في السمع .
إذا كانت كلمات الحوار كلها واضحة وفصيحة فإننا يمكن أن نصف عدداً كثيراً من تلك الكلمات بأنها كانت لطيفة لينة ، تبعث على الود والتقارب ،  والمتأمل يدرك ذلك بسهولة من خلال النظر في جملة من المفردات الواردة في مواجهة الأنبياء الكرام لسوء صنيع أقوامهم وجهالاتهم وغلظة أقوالهم ، ويظهر ذلك في الألفاظ المشعرة بالمودة مثل : " إني أخاف عليكم ، إني أخاف أن يمسك عذاب ، إن ربي رحيم ودود ، السلام ، سلام عليك ، سأستغفر لك ، أنصح لكم، وأنا لكم ناصح أمين ،جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ، بناتي أطهر لكم).
إضافة إلى النداءات اللطيفة في بداية الحوار وأثنائه مثل: (يا قوم ) فقد تكررت على ألسنة الأنبياء مع أقوامهم (25) مرة ، وهذا يعني أنها تتكرر في الحوار الواحد مرات عدة ، وكذلك نداء إبراهيم عليه السلام لأبيه (يا أبت)تكرر (4) مرات في حوار واحد.
فكل هذه الكلمات وأمثالها تشيع في الحوار معاني الوئام والقرب والتواصل ، وتبعث على الشعور بإرادة النفع والخير للمخاطب ، لذا يحصل التقارب والاستجابة ، ولهذا أرشد الله سبحانه أنبيائه إلى سلوك هذا الطريق في حواراتهم ومجادلة أقوامهم ، فقال سبحانه لموسى عليه السلام وأخيه وهما يواجهان الطاغية المتكبر المتعالي فرعون فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)طه فنحن نحتاج في عرض خطابنا إلى هذا اللين واختيار المناسب من الألفاظ الذي لا يجرح ولا يخدش ، بل ونبحث عن اللفظ الجميل اللطيف الذي يمد جسور التواصل والتقارب، وهذا لا يعني التنازل عن المبدأ، أو المداهنة، لأن حسن الكلام ولطفه أمر جبلت الطبائع على قبوله، لذا فلا نعجب من أمره سبحانه بالحسن في القول: وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً(83)البقرة،وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً (53) الإسراء،وأيضاً وصف المجادلة بالحسن فقال سبحانه: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)النحل، وأداة الوعظ والجدال هي الكلمة، ولن تكون معها الموعظة على ما أراد الله إلا إذا كانت حسنة ، ولما كان الجدال مما يتوقع فيه الغلظة والخشونة بسبب الخلاف، قال سبحانه في شأنه: (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
ج- الخفة  والرشاقة:
فلا يكاد يجد الباحث كلمة يعسر النطق بها، بسبب تقارب المخارج، أو كثرة الحروف وطول الكلمة اللهم إلا  كلمة (أنلزمكموها)في حوار نوح عليه السلام لقومه : قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)هود‘ قد جاءت على هذه الصورة، لتجسيد كراهيته عليه السلام للإلزام، لأن الكلمة وردت في سياق الإنكار، فثقلها وإن كان نسبيا إن وجد، فهو ثقل الإكراه، الذي يعلن نوح عليه السلام رفضه له. 
كما أنني وجدت بالتتبع أن الأصوات الشائعة المتكررة في خطاباتهم عليهم الصلاة والسلام ، كانت  من الأصوات الذلقية اللطيفة وهي: (اللام ، والميم، والنون )، وحروف المد واللين (الألف ، والواو، والياء.
 
المبحث الثالث:التناسب الدلالي في المفردة القرآنية:
ونقصد بذلك دقة مناسبة الكلمة لما جاءت له، فلا يقوم غيرها مقامها، وتتضح هذه المناسبة في الحوارات النبوية في القرآن من جهات عدة منها :
1- مناسبة المفردة من حيث الصيغة
2- مناسبة المفردة من حيث الموقع.
3- مناسبة المفردة من حيث التعريف والتنكير .
4- مناسبة المفردة من حيث نوع الأداة.
ليس من شك أن اللفظة عندما تأتي في موقعها ، وعلى صيغة تتناسب مع الغرض المسوقة من أجله، لا شك أنها تؤدي المراد منها أكمل تأدية ، لهذا نجد بعض الكلمات مقبولة في مكان ، ومردودة في مكان آخر ، والحوار يستوجب هذه الدقة في المناسبة ، وهذه الحساسية في الاختيار ، وسندلل على ذلك من خلال هذه النماذج من حوارات الأنبياء مع أقوامهم.
1- مناسبة المفردة من حيث الصيغة.
في اللغة صيغ كثيرة يمكن أن يؤدى بها المعنى، ولكل منها دلالتها الخاصة، يقول الكفوي:" كل لفظ له معنى لغوي يفهم من مادة تركيبه، ومعنى صيغي يفهم من هيئته، أي: حركاته وسكناته وترتيب حروفه"، ومن هنا كانت بعض الصيغ أنسب من سواها بمكان دون مكان، ومعنى دون معنى، بل إن شأن الصيغة في الدلالة قد يصل إلى حد الخطورة إذا لم يحسن المتحدث اختيارها، إذا قد يتحول المعنى بسببها إلى الضد تماما، ولعل بعض هذا يتضح مما سنكر من شواهد.
لو تأملنا كلمة (حقيق)  في قول موسى عليه السلام لفرعون في أول حواره: حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ(105)الأعراف ، فهذه الكلمة بهذه الصيغة من هذه المادة لم ترد في أي موقع حواري آخر، بل لم ترد في القرآن كله إلا في هذا الموضع ،ومجيء هذه الكلمة على صيغة (فعيل) الدالة على السجية والطبع تعطيها بعداً دلالياً خاصاً ، واستعمال مادة الحقيقة هنا له دلالته، فهي مطلب المتحاورين العقلاء ، وهي التي إذا غابت عن الحوار فقد معناه ومغزاه ، كما أرى أن ورود هذه الكلمة في أول الحوار يشعر برغبة موسى عليه السلام البداية في الحوار على أصول ثابتة ، وفي ذلك أيضاً بث للاطمئنان في نفسية المخاطب .
وفي حرف الجر الذي عُديت به هذه الكلمة(على) قراءتان صحيحتان مشهورتان،الأولى: بألف مقصورة، والثانية: بياء مشددة(عليّ)، والمعنى على الأولى:"حريص على أن لا أقول و محق أن لا أقول"، وعلى الثانية: "واجب عليّ أن لا أقول وحق عليّ أن لا أقول"، ومن القراءتين يمكن أن نفهم أن موسى عليه السلام بين أن قول الحق أمر مسلم لابد منه، وأنه هو يلتزم بذلك المبدأ الحواري المهم، وتقديمه في أول كلامه إشعار بضرورة اتفاق المتحاورين على ذلك في بدايات النقاش. 
ومن المفردات ذات الصيغة المعبرة مفردة "عبّدت" في قول موسى عليه السلام لفرعون وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائيلَ(22)الشعراء، التي لم يرد في القرآن مثلها من هذه المادة،  وقد لخصت هذه الكلمة بصيغتها (فَعّل) وما فيها من التشديد، ومادتها (العبودية) حال فرعون مع بني إسرائيل، "عبّدت" أي قهرتهم وجعلتهم عبيداً ، وهذه الكلمة بمادتها وصيغتها تنقل كل دلالات التسليط والجبروت والظلم والقهر ، وتستجلب في الجانب الآخر كل دلالات الضعف والمسكنة والمهانة التي لا تليق بالإنسان المكرم ، ورغم كل ما تكشفه الكلمة من حقائق خطيرة إلا أنها- كما يظهر من الخطاب- لم تُثِر فرعون لدرجة يقطع بسببها الحوار ، ولعل هذا لأنه يترجم مثل هذه الكلمة بأنه القوي المسيطر المدعي للربوبية (أنا ربكم الأعلى )، والألوهية ( ما علمت لكم من إله غيري)، لذا استمر في حواره دون أن يعلق على هذا الحكم الذي أنصف بني إسرائيل ببيان الحقيقة على الأقل ، وأنصف فرعون إذ وصفه بما هو عليه في الواقع الذي يبدو أنه لايرى فيه باساً ، لكنه في نظر موسى عليه السلام وكل حر أبي جريمة عظيمة . 
"وكلام موسى عليه السلام ...نقض لامتنان فرعون بقلب النعمة نقمة بتذكيره أن نعمة تربيته ما كانت إلا بسبب إذلال بني إسرائيل؛ إذ أمر فرعون باستئصال أطفال بني إسرائيل الذي تسبب عليه إلقاء أم موسى بطفلها في اليم ، حيث عثرت عليه امرأة فرعون ومن معها من حاشيتها وكانوا قد علموا أنه من أطفال [بني] إسرائيل بسمات وجهه ولون جلده ولذلك قالت امرأة فرعون ( قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ) ، وفيه أن الإحسان إليه مع الإساءة إلى قومه لا يزيد إحسانا ولا منة"
وربما تكون هذه الكلمة التي تصور اعتداء فرعون وهو المخلوق الضعيف على حق الرب العظيم هي التي جعلته يعود لجادة الحوار التي حاول الحياد عنها ، إذ كان الحديث عن كون موسى عليه السلام رسول من رب العالمين وله مطلب محدد ، هو إرسال بني إسرائيل لكن فرعون نحا بالحوار نحو تصفيات لحساب قديم بينه وبين موسى عليه السلام لا علاقة له بموضوع الحوار  وذلك بقوله: قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19)الشعراء،  وكأنه بهذا يريد أن يقتل الحوار في مهده بقوله أنت لا حق لك في هذا التوجيه ، لكن كلمة (عبّدت) أعادته إلى الجادة، لأنه أدرك أن كل بهرجته وتهويله لن يثني موسى عليه السلام عن هدفه ودعوته، عندها عاد وسأل عما ورد في أول جملة في الحوار فقال : وما رب العالمين؟ .

وبهذا ندرك أن العبرة ليست بكثرة الكلام ولابطولة، ولابشدته وقسوته بل بما يحدثه في المخاطب من أثر إيجابي.
ومن الصيغ ذات الدلالة في هذا الحوار الصيغة الفعلية(ماض، مضارع، أمر)، والصيغة الاسمية، ولكل منهما دلالتها التي تؤدي من خلالها معناها، ومن ذلك كلمة (تعقلون ) في قول موسى عليه السلام :  رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) الشعراء، فهنا نجدها جاءت بالصيغة الفعلية ، والمادة هي مادة (العقل)، ومن قبل جاءت مثيلتها بالاسمية ، والمادة (اليقين)، في قوله: قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) الشعراء، وقد جاءت (تعقلون) صيغةً ومادةً على ما جاءت عليه لأنها في موطنها تؤدي الدلالة المطلوبة، والرسالة المرادة في هذا السياق الحواري ، فقد جاء ذكر العقل في مقابل وصف فرعون لموسى عليه السلام بالجنون في قوله :  إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27)الشعراء، فقال موسى عليه السلام: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ، وهنا نجد التفاوت الكبير في رقي لغة الحوار بين وصف فرعون لموسى بالجنون وهو لا يقول إلا ما يقتضيه العقل ، وبين وصف موسى عليه السلام أن ما يقوله هو ما يقتضيه العقل " إن كنتم تعقلون " ، ولا شك أن دلالة (إنْ) تشعر بأن فعلهم وقولهم لا يدل على عقل ،  وهو أخشن من خطابه في أول الحوار، يقول الزمخشري : " لاين أولا فلما رأى منهم شدة الشكيمة في العناد وقلة الإصغاء إلى عرض الحجج، خاشن وعارض : (إن رسولكم لمجنون) بقوله : (إن كنتم تعقلون)"، ومع كل ذلك يبقى قوله هذا ألطف بكثير من الوصف بالجنون الذي بادر به فرعون ، كما أن خطاب موسى عليه السلام كان عاماً (تعقلون)، وهذا أكثر قبولاً بينما كان خطاب فرعون تحديدياً مؤذياً :  إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، كما أن دلالة الفعل في (تعقلون) تشعر بالتجدد مما يدل على رغبته عليه السلام في تحريك عقولهم ، يقول ابن عاشور:" "والتذييل بجملة ( إن كنتم تعقلون ) تنبيه لنظرهم العقلي ليعاودوا النظر فيدركوا وجه الاستدلال أي إن كنتم تعملون عقولكم" ، ولم يقل :(إن كنتم عاقلين) لأنه يشعر بأن الجنون هو الأصل فيه، بينما جاء قول فرعون (لمجنون) بالاسم لأنه أراد بذلك إشعار حاضريه بأن الجنون وصف ثابت لموسى مستمر معه ، وكذلك قول موسى من قبل ( إن كنتم موقنين) لأن اليقين أمر ثابت إذا زال حصل معه الخلل، أما التعقل والتفكر فالمطلوب فيه تجدده كلما لاح سببه كما هو مقتضى دلالة الفعل المضارع .
ونجد في موقف التهديد والوعيد والتحذير كيف تصور مفردة (فيسحتكم) من السحت أو الإسحات -التي لم يرد لها مثيل بهذه الصيغة في القرآن- شدة العذاب القادم، كما في قول موسى عليه السلام للسحرة : وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى(61)طه، فهو لم يقل: (فيعذبكم)، لأنها لا تصور المراد كما يريد، كما تصوره كلمة (فيسحتكم)، لأن معناها: "يهلككم هلاكا ليس فيه بقية"، وقد جاءت الكلمة بقرائتين، بضم الياء فيكون من الإسحات، وبفتحها فيكون من السحت، "والسحت لغة أهل الحجاز، والإسحات : لغة أهل نجد وبني تميم".
كما نجد ونحس بالمعنى الذي أضفته صيغة التعميم في المفردة (كل) في قول موسى عليه السلام لفرعون: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) غافر، فهنا نجد كلمة (كل ) التي لا تكون محبذة في العادة في الأحكام والحوارات لما فيها من دلالة التعميم ، لكن هذا التعميم يكون مناسبا إذا جاء ليخفف حدة حكم (ما) ، فبدل أن يكون المخاطب به واحدا بعينه ، يكون من جملة آخرين ، وهذا يصلح إذا كان الحديث مع شخص محدد، قد يتسبب الحكم المباشر المخصص في نفوره أو صده، وفي الآية التي معنا نجد كلمة (كل) هنا قد خففت وصف الكبر التي جاءت بعدها ، خاصة أن الحديث كان مع فرعون ، لأن ما سبق هذه الآية هو قول فرعون : ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26)غافر.
 ولغة الخطاب كما هو ظاهر تحمل سمة التهديد والتكبر والتجبر ، فجاء رد موسى عليه السلام متناسبا لكبح جماح هذه اللغة الفوقية، ومقتضى الكلام وسياقه يدل على أن فرعون مقصود بكل هذه الأوصاف، يقول الشوكاني:"لما هدده فرعون بالقتل استعاذ بالله عز وجل من كل متعظم عن الإيمان بالله، غير مؤمن بالبعث والنشور ويدخل فرعون في هذا العموم دخولا أوليا" .
وهو رد فيه قوة تتناسب مع خطاب فرعون السابق، وقد أدى هذا الخطاب هدفه ، بعيدا عن التحديد المنفر،  لو قيل: (إني عذت بربي وربكم من متكبر ، أو من المتكبر ، أو من هذا المتكبر الذي لا يؤمن بيوم حساب)، لكان الخطاب شديداً قاسياً ، لأن فيه تحديداً للمستعاذ منه ، وتصريحا بالمتكبر من هو؟ .
فلما جاءت (كل) كان الوصف عاماً في كل مَنْ هذا شأنه ، سواء أكان فرعون أم كان غيره، يقول الزمخشري: "وقال : ( من كل متكبر ) لتشمل استعاذته فرعون وغيره من الجبابرة وليكون على طريقة التعريض فيكون أبلغ "، ومن حسنات هذا التعبير أنه أغنى عن التصريح باسم فرعون ، فلم يحتج موسى عليه السلام إلى ذلك" بل ذكره بوصف يعمه وغيره من الجبابرة لتعميم الاستعاذة، والإشعار بعلة القساوة والجراءة على الله تعالى"، وفي المقابل نجد الكلمة ذاتها(كل) أدت مدلولا آخر لأن السياق مختلف، وذلك كما في قول هود عليه السلام : أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) الشعراء، فهنا حددت كلمة(كل) متى يكون البناء أمرا منكرا، فقد دلت هذه المفردة أنه إذا حصل في كل ريع دون حاجة، فإنه يتحول إلى إسراف ومباهاة، ولو حذفت(كل) من الكلام لأوهم خلاف المراد، لأن البناء نف فلا يُنهى عنه.
2-مناسبة المفردة من حيث الموقع.
للموقع أثر بالغ في توجيه دلالة الكلمة، وسنورد هنا ماله علاقة بأدبيات الحوار، فنحن نجد جملة تتكرر عند جل الأنبياء الكرام، وهي: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107)  الشعراء، ونلحظ فيها كيف تقدم الجار والمجرور(لكم)، ولم يكن: (إني رسول أمين لكم)، لما في التقديم من إشعار المخاطبين، باختصاصه بهم، فهو لهم دون غيرهم، وهذا بدوره يولد لديهم شعورا بالتميز، وقصد النفع لهم خصوصا، وكل هذا يمهد لقبول ما سيقول لهم .
ومن الكلمات التي خففت ما قد يفهم من خشونة القول كلمة(قومك) في قول إبراهيم عليه السلام في خطاب والده : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (74)الأنعام، حيث وقعت بين الوصف بالضلال المبين ، وكلمة (لأبيه)، فخففت من حدة الوصف وصراحته، لأنه بوجود هذه الكلمة لا يكون الوصف متمحضا لأبيه، إضافة إلى ماتؤديه هذه اللفظة من غرضها في بيان أن تبعية القوم لأبيه لاتصحح ماهو فيه، حتى ولو كان أباه، وموقف الصراحة هنا يشعر بأنه كان يخاطب أباه بحضرة قومه أو بعضهم، لذا كان للصراحة –على هذا الوجه إن صح- تبرير قوي، مفاده عدم استساغة محاباة القريب في المنكر والضلال، ومصارحة الأبعدين بذلك، ولومهم وتقريعهم،  يقول ابن عاشور:"وفائدة عطف ( وقومك ) على ضمير المخاطب مع العلم بأن رؤيته أباه في ضلال يقتضي أن يرى مماثليه في ضلال أيضا، لأن المقام مقام صراحة لا يكتفي فيه بدلالة الالتزام، ولينبئه من أول وهلة على أن موافقة جمع عظيم إياه على ضلاله لا تعضّد دينه ولا تشكك من ينكر عليه ما هو فيه". 
لذا فالذي ينبغي للمحاور أن لا يكون همه كيل التهم وتجريح الناس ، بل بيان صفة الخطأ والانحراف ، في أي إنسان كان ، ولايحسن أن يحابي في الشر حتى أقرب الأقربين، حتى لايوصف بالمخادعة والمداهنة، فيسقط من عيون المخاطبين، وتسقط معه دعوته، ولهذا نجد إبراهيم عليه السلام عندما خاطب أباه دون ذكر لقومه، مما يشعر بانفراده به، تلطف له في الخطاب جدا،وهذا ليس مذموما لأنه من الكياسة واللباقة والأدب، لكن إذا وجد في الموقف مَن قد يفهم الحدث بصورة مغايرة فهنا تكون الصراحة والوضوح.
ومن ذلك أيضاً كلمة ( ولا تعذبهم) في قول موسى عليه السلام وأخيه : إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47)طه ، فنحن نجد هذه اللفظة قد وردت في المكان المناسب،  في هذا الخطاب الجميل الجامع بين لطافة الكلمات ودلالة العقل والمنطق ، إن كلمة ( ولا تعذبهم ) تشكل مطلبا يختلف عن المطلب الأول (فأرسل معنا بني إسرائيل )، لأن هذا المطلب ليس فيه اتهاماً لفرعون بشيء بين، بينما ( ولا تعذبهم) فيها إلماح إلى أنه كان يعذبهم ، وموسى عليه السلام يطلب منه ألا يفعل ذلك ، ومثل هذا الأسلوب قد لا يكون مقبولاً عند متكبر مثل فرعون ، لذا نجد أن هذه الكلمة قد أحيطت بكلمات عدة قبلها وبعدها كانت في غاية اللطافة واللين من جانب ، والعقل والمنطق من جانب آخر ، فكان قبلها: (إنا رسولا ربك) تأمل لطف الإضافة (ربك) وما تثيره من قرب ومودة ، فكأنهما يقولان ، نحن رسولان من ربك ، ثم جاء المطلب الأول (فأرسل) وهو قد لا يثير حفيظة فرعون ، ثم جاءت كلمة ( ولا تعذبهم) وتلاها لطف آخر ، وحجة أخرى ، (قد جئناك بآية من ربك)، والآية تدل على الوضوح والبرهان والدليل ، والإضافة في ( ربك) لما ذكرناه سابقاً ، ثم جاء قوله : (والسلام على من اتبع الهدى)، وكلمة (السلام) بما تشيعه مادتها واسميتها من السلامة والدوام عليها، تضفي جواً لطيفاً يخفف حدة التوتر والخلاف في موضوع الحوار ، وقوله (على من اتبع الهدى) دعوة غير مباشرة لفرعون لاتباع الهدى ، والعجيب أننا لا نجد في حوارات موسى عليه السلام مع فرعون دعوة صريحة له للإيمان ، بل تركيز الحوارات كان على تصديقهم له بالرسالة، وإنما كانت الدعوة له ضمنية، ووسط هذا الحشد من مخاطبة النفس والعقل تأتي كلمة (ولا تعذبهم)، فتؤدي دورها دون إشكال، فظهر بها مطلب موسى عليه السلام ودفاعه عن مظلومي بني إسرائيل ، وتخففت الكلمة من أصدائها التي قد تعصف بالحوار كله لو غضب المحاور .
وبهذا ندرك أهمية موقع الكلمة وكيف يمكن أن يؤثر في قبولها أو ردها، والمحاور الحصيف هو من يعبر عن كل مايريد بطريقة يقبلها محاوِره.
3-مناسبة المفردة من حيث التعريف والتنكير .
لمجيء الكلمة نكرة أو معرفة دلالة تكشف عن مقصد المتحدث فيما يذكر شيوعا أو تحديدا، وهذا بدوره ينعكس على تلقي المخاطب وتفاعله مع مايسمع.
فأما التنكير فالأكثر فيه الدلالة على الشيوع والعموم، فينطلق المعنى من رحم اللفظ ليشمل كل صوره وأشكاله، ولعلنا نشعر بجمال التنكير في مفردة(سلام) وما تشيعه من وئام في قول إبراهيم لأبيه: قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً (47) مريم، نحن هنا أمام كلمة أشاعت كل صور التضحية والصبر على الأذى، فبعد الوعيد الشديد بالرجم والهجر، وغليظ القول من أبيه ، يقول له كلمة واحدة معبرة هي(سلام)، وروعتها وقوتها في تنكيرها، لتكون شاملة عامة في مقابل كل صور الصدود والغلظة والتهديد، بينما نجد التعريف في كلام موسى وهارون عليهما السلام : وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47)طه، لأن السلام هناك محدد، وليس شائعا عاما شاملا، لأن مقام المدعو –والد إبراهيم- عند إبراهيم عليه، ليس كمقام المدعو-فرعون- عند موسى وهارون عليهم صلوات الله وسلامه جميعا.
ويبقى للتعريف مجالات أخرى مهمة في القضية الحوارية، لذا سنخصه بشيء من التفصيل، لأن للطريقة التي يتبعها المتحدث في التعريف بنفسه أو بما يريد التحدث عنه ، أو بالمخاطب أثرا كبيرا في قبول حديثه أو رده ، أو حتى قدر تأثيره ، وقد اعتنى البلاغيون بشأن التعريف وطرقه، وما يهمنا هنا أن نذكر أمثلة على أنواع من التعريف مما ورد في حوارات الأنبياء مع أقوامهم ونبين أثر ذلك .
التعريف بالعلمية:
يكون التعريف بالعلم مناسبا إذا كان اسم هذا العلم هو المميز له، وغالبا لايحسن هذا النوع من التعريف إلا إذا كان المخاطب واحد معروفاً باسمه أولقبه أو كنيته ، وكل هذا يشمله مصطلح العلم ، ومثل هذه الحالة لا نتصورها إلا عند موسى عليه السلام مع فرعون ، وإبراهيم عليه السلام مع أبيه ، ومع هذا نجد التعريف لديهما قد اختلف بحسب مناسبة كل موقف .
فموسى عليه السلام يعرف محاوره باسمه الصريح (فرعون)، في مواقع محددة، فيناديه في أول الحوار باسمه فيقول : يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) الأعراف، ويقول في موقف آخر : وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (102) الإسراء، ولم يرد ذلك في غير هذين الموضعين ، بل كانت الطريقة الغالبة من موسى عليه السلام في مخاطبة فرعون إدخاله مع غيره، وعدم تعيينه باسمه أو ضميره، رغم أنه هو المقصود الأول بالحديث لأنه المتحدث المحاور، كما مر معنا سابقا، وكقوله: (ربكم ورب آبائكم الأولين)، (إن كنتم تعقلون)، (إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وأبى)، ونلحظ هنا كيف جاء تعريف فرعون بالموصول المشترك(مَنْ)، ليسلم الحديث من التحديد المؤذي، مثل لو قيل: إن العذاب عليك أيها الكاذب، وماورد من التحديد بالعلمية أو الضمير كان له مايبرره ويقتضيه، لأنه كله في مقابل تعريف فرعون لموسى باسمه ومناداته به  في مواضع هي : إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً (101)الإسراء، و َفمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) طه، و أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57)طه ،وناداه السحرة ، قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115)الأعراف.
ومن خلال التتبع لا نجد أحداً ممن يخاطب (فرعون) مثل حاشيته (الملأ) ووزيره (هامان) ، وزوجه يناديه باسمه (فرعون) وذلك لهيبة فرعون لديهم ولخوفهم منه ، لكن الأمر مختلف عند موسى عليه السلام فهو رسول رب العالمين ، وقد ظهر ذلك من أول لقاء ، فقد عرّف موسى نفسه لفرعون الذي يعرفه من قبل، لكنه هنا يعرّف نفسه بالصفة الجديدة التي يحذرها فرعون ويهابها (إني رسول من رب العالمين)، إنها جملة تدل على الثقة والعزة والقوة والقناعة بما يحمله من مباديء ، وما يريد من مهمة ، وقد عرف فيها نفسه بطريقة ترفع شأنه، وتبعث المهابة في نفس سامعه، وفي الوقت ذاته تعرض بفرعون الذي يدعي الربوبية، وهو مخلوق ضعيف، لذا كان في مخاطبة فرعون باسمه العلم (فرعون) هنا رسالة لطيفة بعدم التبعية ، وأن عليك يافرعون أن تستعد لتسمع كلاماً مختلفاً عما كنت تسمعه من الإطراء والممالأة على الباطل ، فالموقف هنا يتطلب إظهاراً للقوة والندية بصورة لاتؤثر على مجريات الحوار بل تمنحه أهمية وبعداً أعمق .
بينما لانجد مع إبراهيم عليه السلام ذكراً لاسم أبيه على لسانه في حواراته ونداءاته ، بل ما ورد هو التعريف بالإضافة واستثمار كلمة الأبوة المشعرة بالمحبة والحنو والعطف واللطف وإضافتها إلى ياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة ، فكل محاوراته بدأت بـ ( يا أبت) ، نادى بها والده أربع مرات في حوار قصير بينهما ، جاءت على النحو التالي : " يا أبت لم تعبد" " يا أبت لا تعبد " " يا أبت  إني قد جاءني " " ياأبت إني أخاف " ، وذلك لأن الموقف هنا مختلف عما كان عليه موسى عليه السلام مع فرعون ، فالمخاطب هو أبوه له حقوق عليه وإن خالفه في الدين ، وإن حاربه ، وإن قسا عليه ، ولهذا كان خطاب إبراهيم هذا نموذجاً مشرقاً للطف البالغ في مخاطبة من له حق أو معروف علينا وخصوصاً الوالدين ، وإن عظم الخلاف.
فنجد هنا كيف تجاوز إبراهيم عليه السلام التعريف بالعلم والمناداة بالاسم الصريح، لأنه لا يتناسب مع مقام الأبوة ، فالندية واستعراض القوة هنا غير لائق ، بل هنا يكون التلطف والقول الحسن ، وكل مفردات الخطاب هنا تمضي في هذا المجال " إني قد جاءني من العلم ما لم يأت " ، فلم يقل له ( أنت جاهل)، بل تجاوز ضمير المواجهة(أنت) في مقام تبريره للقيام بالنصح والهداية، وقال (الرحمن) أكثر من مرة ، فعرف الخالق سبحانه باسم يشعر بالرحمة واللطف، ولم يقل (الله )أو (الجبار) أو (العظيم) ، وقال (إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن)، فعرف نفسه بالضمير(ياء المتكلم) لأنه يريد أن ينسب إليها الخوف عليه، ليشعره بحدبه عليه واهتمامه بأمره، وقال (يمسك) لم يقل: يصيبك عذاب ، فهو يخاف عليه (مس العذاب ) فما بالك بما فوقه !.
وفي المقابل يخاطبه أبوه بقسوة وعنف فيقول : أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً (46) مريم ، ونجد هنا أن أباه يخاطبه باسمه صريحاً (يا إبراهيم) ولم يجر على طريقة ابنه إبراهيم في اللطف وإلا لقال: "يا بني" ، وهدده وتوعده بقوله :(لأرجمنك ، واهجرني مليا) ، وهناك إبراهيم خاف عليه مس العذاب ، وأراد أن يهديه صراطاً سويا، وبعد هذا كله يعود إبراهيم عليه السلام لمواصله خطاب اللطيف مع والده رغم كل هذا الجفاء الذي وجده ليقول له:   سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً (47)مريم، فنلحظ كيف عرف خالقه بقوله: (ربي) لما في هذه الكلمة من معاني العناية والعطاء والخير، المناسبة لهذا المقام.
ولما أراد أن يعبر عن (الاعتزال)، وهو صوره من صور الفراق والبعد، صرف الحديث عن والده ولم يذكر ضميره، أو مايشعر بأن الكلام موجه إليه، بل وجه الحديث إلى غيره فقال :وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً (48)مريم
 وهذا يدل على أن منهج اللطف مع مَن له حق على الإنسان وخصوصاً الوالدين ثابت مستقر ، فلا نجد أبداً كلمة جارحة أو خشنة صدرت من إبراهيم تجاه أبيه مع انه هو المحارب الأول لأفكاره ، وهو أحد أعمدة الكفر في قومه، وماورد من وصفه بـقوله(إني أراك وقومك في ضلال مبين) بينا سببه وتوجيهه فيما سبق.
وعموما لا نجد تعريفاً بالعلمية في حوارات الأنبياء، إلا ما ذكرناه عند موسى عليه السلام  مع فرعون، وفي المقابل نجد حضوراً واضحاً لتعريف الأنبياء بالعلمية من جهة أقوامهم وندائهم لهم بها مثل: "يا نوح "(4) "يا هود " (2) " يالوط " (1) " ياشعيب" (3) "يا صالح" (2) ،وذلك لأنهم لم يكونوا مؤمنين بهم، ولم يتأدبوا معهم رغم مكانتهم فيه، وكان اللائق أدبياً ألا يدعوهم بأسمائهم ، لأن هذا أدب عام تدل عليه الفطرة السوية والذوق السليم ، وقد جاء بهذا القرآن، فقال الله سبحانه عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم : لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً (63)النور ، لهذا لا نجد في القرآن أبداً (يا محمد) تعظيماً لشأنه صلى الله عليه وسلم وتقديراً .
التعريف بالإضافة
في مقابل تصريح الأقوام بذكر أسماء الأنبياء الذين يعرفونهم، ومناداتهم بها، مما يشعر بالانفصال والبعد، نجد في خطابات الأنبياء الكرام ما يشعر بالقرب في تعريف أقوامهم وندائهم لهم، وذلك عن طريق التعريف بالإضافة، فكثيرا ماتبدأ الخطابات بهذا النداء اللطيف (يا قومِ) ، فيعرّف النبي قومه بإضافتهم إلى ضميره ، للإشعار بأنه منهم لأنهم منه ، وهذا ولا شك يوجد تواصلاً شعورياً وإحساساً بوجود ارتباط وثيق بين المحاوِر والمحاوَر حتى ولو اختلف معه ، يقول ابن عاشور عن هذا الأسلوب:" وعبر في ندائهم بوصف القوم لتذكيرهم بآصرة القرابة ليتحققوا أنه ناصح ومريد خيرهم ومشفق عليهم وأضاف ( القوم ) إلى ضميره للتحبيب والترقيق لاستجلاب اهتدائهم" ، والدليل على الإضافة كسر الميم في (قوم) ولو أريد عدم الإضافة لقيل " يا قومُ " أو " يا قوماً " ولو قيل هذا لفقد المتحدث قدراً كبيراً من الالتقاء والتقارب الذي يسهل عملية التواصل مع المخاطب ، وقد وصف الله سبحانه الأنبياء في أول الحوارات بأنهم إخوة لأقوامهم ، فكثرت كلمة(وإلى ...أخاهم).
وقد وردت هذه الكلمة " يا قومِ " في النص المدروس (25 مرة) عند نوح عليه السلام (5) ، وعند هود عليه السلام (5) ، وعند صالح عليه السلام (6) ، وعند لوط عليه السلام (1) ، وعند شعيب عليه السلام(8).
ولا نجد هذه المناداة ظاهرة عند موسى وإبراهيم عليهما السلام ؛ لأن جل محاوراتهما مع طرف واحد هو فرعون من جهة موسى عليه السلام ، ووالد إبراهيم من جهة إبراهيم عليه السلام ، أو يكونان طرفاً في ذلك ؛ لذا لم يكن للأقوام ذكر واضح معهما، والأمر مختلف عند بقية الأنبياء .
ومن التعريف الواضح بالإضافة ، تعريف الأنبياء لربهم الذي يدعون أقوامهم إلى توحيده بالعبادة، فنجد حضوراً واضحاً لمفردة (الرب) مضافة إلى ضمائر ، أو أسماء ، وقد وردت ما يقارب (70) مرة فنجد مثلاً (ربي) قد جاء (28) مرة ، و(ربكم) (15)، و(ربنا) (7) ، و(رب السموات والأرض) (3) ، و(رب المشرق والمغرب) (1) ، و(رب العالمين) (10) ، و(ربك) (2) ، و(ربهم) (2).
ولا أظن أن هناك مفردة حظيت بمثل هذا الحضور في هذه الحوارات كمفردة (الربوبية) ، ذلك لأن دلائل الربوبية يصعب إنكارها والعقل والحس والفطرة تدعو للاعتبار بمدلولاتها الظاهرة للعيان ، سواء في خلق الإنسان أم في الكون من حوله وما يحوي من دلائل كبرى تدل على وحدانية الخالق ، وقد كثرت هذه المفردة عند موسى عليه السلام على صور عدة من الإضافات : (ربي ، ربكم ، ربك ، رب السموات والأرض ، رب المشرق والمغرب ، رب العالمين) ؛ وذلك لأن فرعون قد ادعى هذا الحق الإلهي ونسبه إلى نفسه ، فقال (أنا ربكم الأعلى ) ، وبالتالي تصور أنه المألوه الذي يجب أن يعبد ، فقال:( ما علمت لكم من إله غيري) ، ولهذا نجد لهذه الإضافة (رب العالمين ) حضوراً بيناً في أوائل الخطابات عموما ، وما يخص شأن فرعون بصورة أوضح ، لذا يقول ابن عاشور عن موسى وأخيه عليهما السلام " "ومبادأة خطابهما فرعون بأن وصفا الله بصفة رب العالمين مجابهة لفرعون بأنه مربوب وليس برب وإثبات ربوبية الله تعالى للعالمين، والنفي يقتضي وحدانية الله تعالى لأن العالمين شامل جميع الكائنات فيشمل معبودات القبط كالشمس وغيرها فهذه كلمة جامعة لما يجب اعتقاده يومئذ" .
وقد كان لتكرار هذه المفردة مع تعدد نوع المضاف إليه أثراً بالغاً في تقديم الحقيقة لفرعون ، ولمن يسمعه، دون الدخول معه في نقد قوله الذي قاله وتسفيهه ، لذا لا نجد لفرعون اعتراضا منطقيا على ذلك ، بل سلك في رده سبيل السؤال ، وأحياناً السخرية والاستهزاء ، وهكذا نجد أن موسى عليه السلام عَرَّف فرعون وقومه بالله سبحانه وتعالى وبما ينبغي له، ورد على ادعاء فرعون الربوبية، كل بأسلوب جميل مؤثر مقنع دون الدخول في تفاصيل كثيرة.
ومن دلالات التعريف بالإضافة في مفردة (رب) تجاور الضمائر بتجاور الكلمات مثل قول موسى عليه السلام : (عذت بربي وربكم) ، وقول هود عليه السلام: ( توكلت على الله ربي وربكم ) ، فهذا يجعل المخاطب يشعر بالقرب من المتحدث ، فربي هو ربكم ، ودائماً يؤدي الاشتراك في الضمائر إلى إحساس بالتقارب ، أما إذا شاعت الضمائر المتضاد (أنتم) و (نحن) و (هم) منفصلة أو متصلة ، فإنها تشعر بانفصال بين القائل والسامع ، وقد تتسبب في توسيع هوة الشقاق بصورة يصعب معها التواصل .
التعريف بالضمير:
يتنوع التعريف بالضمير فقد يكون بالتكلم، وقد يكون بالخطاب، وقد يكون بالغيبة، فأما ضمير التكلم، فإنه لايحسن الإكثار منه لما يشيعه ذكره من دلالات التعاظم والاعتداد بالنفس، وفي هذا يقول ابن القيم: "وليحذر[أي المتحدث] كل الحذر من طغيان (أنا) و(لي) و(عندي) فإن هذه الألفاظ الثلاثة ابتلي بها إبليس وفرعون وقارون { أنا خير منه } لإبليس و { لي ملك مصر } لفرعون و { إنما أوتيته على علم عندي } لقارون وأحسن ما وضعت (أنا) في قول العبد : أنا العبد المذنب المخطىء المستغفر .

- د. عويض بن حمود بن حمدان العطوي
 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.