
المقدمة
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
فقد شاع في هذا العصر استخدام كلمة "الحوار" على مختلف الصُعُد، فنحن نسمع اليوم كثيراً حديثاً عن حوار الحضارات، والحوار الداخلي، والحوار الإسلامي المسيحي، وحوار الحركات الإسلامية، وحوار الثقافات بتياراتها المختلفة.
فأصبح الحوار اليوم إحدى الظواهر الهامة على المستوى الداخلي والدولي والأممي والثقافي، وساعدت وسائل الإعلام المتعددة وثورة الاتصالات في التواصل بين الشرق والغرب والشعوب والأمم والجماعات والطوائف والتوجهات المتعددة في تفعيل هذه الظاهرة.
ومن الشواهد والمعالم الدالة على ذلك كثرة البرامج الحوارية في القنوات الفضائية، والشبكات العنكبوتية، والمؤتمرات والاجتماعات والملتقيات الدولية التي تعقد في كثير من بلدان العالم على المستوى الداخلي في البلد الواحد أو على المستوى الدولي في مؤتمرات دولية.
والحوار –كان ولا يزال- قوة وسلاحاً من أسلحة الصراع الثقافي والمعركة الحضارية، وهو وسيلة لها دورها في الدفاع عن مصالح الأمة العليا، وله مكانته وأثره في شرح قضاياها، وتبليغ رسالتها وإظهار حقيقتها، وإسماع صوتها للعالم، للتأثير فيه.
ونحن المسلمين جزء مهم في العالم اليوم تتوجه إلينا كثير من دعوات الحوار على كافة المستويات والصعد، دينياً وثقافياً وحضارياً. وهو وسيلة هامة لإبلاغ رسالتنا وإسماع صوتنا للعالم بالرحمة الموجودة في ديننا وحبه للخير والسلام للعالم.
وفي قرآننا كثير من آيات الحوار التي حكاها الله في كتابه، عن أنبيائه وأقوامهم أو عن أهل الآخرة أهل الجنة والنار، أو عن الآباء والأبناء، أو عن أصحاب الديانات اليهود والنصارى.
هذه الحوارات فيها قواعد ومنطلقات أساسية وعوامل نجاح للحوار وضبط لسلوك المتحاورين.
وحوارات الأنبياء –عليهم السلام- من أبرز هذه الحوارات التي ظهرت فيها هذه المعالم والآداب والمقومات.
نحن بحاجة لإظهار المظاهر الحضارية في سلوكنا في الحوار من خلال إبراز ملامح هذه المظاهر والضوابط والمقومات التي جاءت في حوارات الأنبياء –عليهم السلام- مع أقوامهم.
وهو موضوع طويل يحتاج إلى دراسة مستفيضة تقصر عنه هذه الوريقات لكني أردت أن أشير إلى هذه الدراسة وأهميتها بهذه الإشارات السريعة من خلال وقوفي مع آيات الحوار النبوي واستنباط دلالات هذه الحوارات في آداب الحوار، ومنهجه، ومقوماته.
ومن هنا أحببت أن أشارك في هذا المؤتمر المبارك الذي دعت له كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة الشارقة مؤتمر: الحوار مع الآخر في الفكر الإسلامي.
أسأل الله أن يجزي القائمين عليه خيراً، وأن يؤدي هذا المؤتمر دوره الهام في إبراز الوجه الحضاري للإسلام في الحوار مع الآخر.
خطة البحث:
يتكون هذا البحث من مقدمة وتمهيد، وثلاثة مباحث، وخاتمة:
المقدمة.
التمهيد. وفيه موضوعان:
الأول: مصطلح الحوار ومرادفاته في القرآن.
الثاني: أهمية الحوار وأهدافه.
المبحث الأول: آداب الحوار في ضوء حوارات الأنبياء.
1. الجدال بالتي هي أحسن.
2. حسن القول والخطاب.
3. تجنب الخصام واللجج.
4. الهدوء في الحوار والبعد عن التشنجات.
5. البعد عن الكبر والتعالي.
المبحث الثاني: منهج الأنبياء في الحوار.
1. التدرج في الحوار.
2. البدء بالقضايا الكبرى.
3. الاعتماد على الأدلة.
4. المزاوجة بين أسلوب الترغيب والترهيب.
5. استخدام الجانب الوجداني.
المبحث الثالث: مقومات الحوار الناجح في ضوء حوارات الأنبياء:
1. الإعداد الكامل للحوار بما يتطلبه.
2. حسن الاستهلال في فتح باب الحوار.
3. الثقة بالنفس، واليقين بمصداقية القضية.
4. الإنطلاق من الأمور المشتركة.
5. الإقرار بالخطأ والاعتراف به.
الخاتمة.
الفهارس.
وختاماً : فما كان في هذا الجهد المتواضع من صواب فمن الله، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله منه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
د/ عيسى بن ناصر الدريبي
عضو هيئة التدريس في قسم الدراسات
القرآنية بكلية المعلمين بالرياض
التمهيد
وفيه موضوعان:
الأول: مصطلح الحوار ومرادفاته في القرآن.
الثاني: أهمية الحوار وأهدافه.
الأول : مصطلح الحوار ومرادفاته في القرآن الكريم:
مادة "حور" وردت في القرآن في ثلاث مواضع هي:
1. قوله تعالى: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً} الكهف : 34
2. قوله تعالى: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ } الكهف : 37 .
3. قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا } المجادلة : 1 .
وبالرجوع إلى أصل مادة "حور" في اللغة نجد أن معناها هو:
الرجوع عن الشيء إلى الشيء.
قال ابن منظور: الحَورْ: الرجوع إلى الشيء وإلى الشيء، حار إلى الشيء وعنه حوراً.
وهذا أحد الأصول التي ذكر ابن فارس أن: الحاء والواو والراء يرجع إليها.
والمحاورة: المجاوبة والتحاور: التجاوب.. وهم يتحاورون، أي: يتراجعون الكلام، والمحاورة: مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة .
ولفظ الحوار الوارد في الآيات الثلاث يدور على معنى: المراجعة في الكلام
والمرادّة فيه.
قال الراغب في مفرداته: "الحوار: المرادَّة في الكلام، ومنه التحاور، ثم ذكر آية سورة المجادلة {وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا .
وقال الزمخشري في الأساس: "حاورته: راجعته الكلام..." .
مرادفات الحوار:
المتأمل في آي القرآن الكريم يلحظ أن الحوار ورد ذكره على خمسة أضرب، وقد يكتنف الضرب الواحد مدح وذم باعتبارات مختلفة:
1- فقد جاء في القرآن ذكر الحوار على وجه العموم، سواء أكان ذلك بذكر نص لفظ الحوار أو مشتقاته، أو بذكر وصفه وما جرى فيه من أقوال للمتحاورين.
2- ويأتي كذلك بذكر المجادلة.
3- ويأتي بذكر المخاصمة، وأصل المخاصمة المنازعة، فإذا جاءت في الحوار دلت على نوع خاص من الجدال، وهو الذي يتنازع الحق فيه أكثر من طرف.
4- ويأتي بذكر المحاجة، وهي ضرب من المخاصمة، فالتنازع في المخاصمة قد تكون معه محاولة الإتيان ببرهان، أو لا تكون، كأن يكون التنازع بنحو رفع الصوت، أو مجرد الادعاء، فإن كان التنازع عن طريق الإتيان بالحجج الناصرة لقول أحد المتحاورين كانت المحاجة إذ كل واحد من المتحاورين ينازع الآخر البرهان أو الحجة، ويزعم أن الحق حيث حج أو قصد.
5- ويأتي بذكر المماراة، وهي مجادلة ومنازعة وطعن في قول الآخر تزييناً للقول وتصغيراً للقائل بخلافه، ومنه قول الله تعالى: {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاء ظَاهِراً } الكهف : 22 .
والمراد: لا تجادل فيهم على نحو التجهيل والتعنيف تمار ، إلا جدلاً وفق ما أظهرنا لك كقولك لهم: لا، لم يكون أصحاب الكهف ثلاثة ولا خمسة، وهذا القول فيه معنى المراء اللغوي لكونه يتضمن تكذيباً وتجهيلاً لمدعي خلافه، وقد خرج عن أصل المراء المذموم؛ لأنه لا مجال لتكذيب القرآن أو التساهل في تقرير ما قرر.
مصطلح "الجدال" وعلاقته بالحوار:
أصل المجادلة من الجَدْل، وهو أصل يفيد استحكام الشيء في استرسال يكون فيه، وامتداد الخصومة، ومراجعة الكلام –كما يقول ابن فارس-.
فخلاصة المعنى اللغوي أنه: اللدد في الخصومة، والقدرة عليها، وامتداد الخصومة ومراجعة الكلام.
وعلى هذا فالحوار والجدال يشتركان في أمر المراجعة وحاورة الكلام ومرادّته.
إلا أن الجدال غلب في أمر الخصومة، قال ابن منظور: والمجادلة: المناظرة، والمخاصمة، والمراد بها في الحديث: الجدل على الباطل، وطلب المغلبة به، لا إظهار الحق، فإن ذلك محمود لقوله عز وجل: {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } النحل : 125 " .
وقال أبو البقاء في الكليات: "الجدل هو: عبارة عن دفع المرء خصمه عن فساد قوله بحجة أو شبهة وهو لا يكون إلا بمنازعة غيره".
فالجدال حوار إلا أنه غلب في المذموم ولذا ما ورد من الآيات تأمر بالجدال فإنها جاءت مقيدة بضوابط الالتزام بأخلاق وآداب حتى يتحول إلى حوار بناء كقوله {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } .
وقد جمعت آية سورة المجادلة هذين اللفظين في قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا } .
فما دار بين المرأة ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- سمّاه الله في بداية الآية: جدالاً؛ وذلك لحالتها النفسية التي جاءت بها، وهذا هو الغالب في الجدل: التوتر بسبب ما نزل بها من الهمّ بظهار زوجها منها.
فقد جاء في رواية أخرجها ابن جرير في تفسيره:
أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لها: «ما أُراك إلا قد حرمت عليه »، وهو حينئذ يغسل رأسه، فقالت: انظر جُعلت فداك يا نبي الله، فقال: «ما أُراك إلا قد حرمت عليه » فقالت: انظر في شأني يا رسول الله، فجعلت تجادله، ثم حوّل رأسه ليغسله، فتحولت من الجانب الآخر، فقالت: انظر جعلني الله فداك يا بني الله..." .
وسبب تكرارها وإلحاحها في المجادلة هو حالها وحال أولادها.
فقد جاء في بعض الروايات قولها: "اللهم إني أشكو اليوم شدة حالي ووحدتي، وما يشق عليّ من فراقه".
وفي رواية أخرى تبين هذه الشدة بسبب أولادها إن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا .
ثم سمَّاه "حواراً" فإن هذا هو حقيقة ما دار بينها وبين رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
الثاني: أهمية الحوار وأهدافه:
تمهيد:
تنبع أهمية كل موضوع من أهدافه التي تقصد منه، ومن آثاره ونتائجه التي تنتج عنه. وحينما خلق الله البشر على هذه الأرض، جعلهم مختلفين من حيث الإيمان من الكفر {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ } التغابن : 2 .
ومن حيث الآراء والأفكار، خلاف بين الدول، خلاف بين المذاهب والتيارات، خلاف حتى بين الأسرة الواحدة.
ولذا كان لابد من وسائل يستطيع بها البشر الذين يعيشون على هذه الأرض من التفاهم والتعايش والتناقش.
وكانت هذه الوسيلة هي الحوار بين الأطراف المختلفة أو المتنازعة أو المتخاصمة.
الحوار وسيلة للوصول إلى نقاط اتفاق مشتركة {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } آل عمران : 64 .
وهو وسيلة للتعايش بين البشر على هذه الأرض الذي جعلهم مختلفين من قبائل شتى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا } الحجرات : 13 .
وهو أحد أوجه التعارف بين الشعوب والثقافات.
وفي عالمنا اليوم تشتد الحاجة إلى الحوار بأبعاده المختلفة وعلى عدة مستويات.
المسلمون اليوم بحاجة إلى حوار داخلي، لرصد عوامل تفاقم الأوضاع الاجتماعية واحتوائها، والعمل على تدعيم سبل الاستقرار والتنمية، حتى تصبح الحوارات بين الحكومات والشعوب، وبين الشعوب الإسلامية بعضها مع بعض نقطة انطلاق وتحوّل إلى آفاق جديدة في واقعنا السياسي والاجتماعي وفي كافة الميادين.
والنجاح في هذا الحوار ركيزة أساسية للنجاح في الحوار الخارجي؛ لأنه لا يمكن أن ننجح في حواراتنا مع الخارج حتى نتمكن من إنجاح الحوار الداخلي.
وكذلك نحن المسلمين اليوم جزء من هذا العالم، والعالم اليوم –وخاصة العالم الغربي- له ثقافته وسطوته في الإعلام والحرب والتقنية، وفيه مؤسسات متعددة مختلفة وبعضها يؤمن بالحوار.
ولذا نحن المسلمين اليوم من أكثر الأطراف المعنية بالحوار مع الآخر سواء كانت أديان كالنصرانية واليهودية أو دول أو مؤسسات ومنظمات أممية كالاتحاد الأوربي، أو دول الشرق الأقصى.
نعم لقد وجد عالمنا الإسلامي نفسه ملزماً للاستجابة لدعوات قد صدرت من الغرب للدخول في حوارات شتى، ومادام الأمر كذلك فإن انتقاء موضوعات الحوار صار أمراً لا مناص عنه.
يقول د. عبدالعزيز التويجري:
" فعلى سبيل المثال حينما يتعلق الأمر بالحوار الإسلامي ـ المسيحي لا ينبغي الدخول في مناقشة مسائل الاعتقاد على حساب قضايا عملية تعود معالجتها بالنفع والفائدة على الطرفين، لا تهرّبا، ولكن لأن مثل هذه المناقشة لا فائدة فيها...
ولذلك فإن من هذه القضايا التي يجب التركيز عليها، التعاون من أجل إقرار المبادئ والتعاليم الدينية المشتركة التي تحث على احترام الحياة الإنسانية، وعلى مراعاة حرمة الإنسان، وعلى السعي في الأرض من أجل الخير والأمن والسلام، وعلى محاربة الإلحاد والرذيلة والفساد والظلم والطغيان، وعلى دعوة الناس إلى قيم المحبة والتسامح والإخاء الإنساني، وهذه مساحات شاسعة للعمل المشترك من أجل الإنسان، وفي خدمة البشرية، وإنقاذ العالم من الشرور والموبقات، للإسلام فيها حضور نافذ وأثر قوي عبر كل العصور" .
نعم ليس الهدف من الحوار الوصول إلى موقف وسط بين العقائد، أي الوصول إلى توفيق تلفيقي، يقوم على اتخاذ موقف نسبي عام، بل أساس اللقاء هو الالتزام الكامل والمخلص من كل شخص بإيمانه، دون تنازل عن الأصالة للوصول إلى بعض عبارات غامضة تميّع جميع العقائد .
بل للحوار أهداف رئيسة وكبرى يسعى لها عقلاء البشر كوسيلة للاتصال والتواصل والتعارف والتعاون على المصالح المشتركة الكبرى للبشرية، ولحياة الناس على هذه الأرض، في تفاهم المجتمعات، وحوار الحضارات مما يفتح مجالاً واسعاً لهذه الحضارات للتفاعل الإيجابي.
ومن هنا، فإني في هذه المقدمة، سأتحدث –وباختصار- عن أبرز أهداف الحوار من منظور شرعي إسلامي، وبمنطلق عقلي.
أهم أهداف الحوار :
1-الحوار آلية للتعامل مع الخلاف والاختلاف.
قضت سنة الله –عز وجل- أن الاختلاف بين البشر حقيقة واقعة في شؤونهم، في طبائعهم ورغباتهم وسلوكهم وآرائهم وأفكارهم، كما شاء الله عز وجل أن يكون هذا الاختلاف يطَّرد في كثير من أحوال البشر ولو شاء الله سبحانه لجعلنا أمة واحدة {وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم... } المائدة : 48 .
وهذا الاختلاف في التصورات والآراء والأفكار والتوجهات من أهم سبل التعايش معه: الحوار، فهو سبيل هام للتعامل مع الاختلاف والخلاف.
ولقد كان أنبياء الله هم النموذج الأعلى في تطبيق الحوار لتضييق الفجوة التي بينهم وبين أقوامهم في اختلافهم في القضايا التي دعوهم إليها من عبادة الله وحده، وتطبيق شرعه في الأرض من خلال الحوارات التي دارت بينهم التي سجلها القرآن في كثير من آياته.
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } آل عمران : 64 .
نعم الحوار وسيلة لتعامل الأنبياء مع أقوامهم في القضايا التي يختلفون حولها، للاتفاق على نقاط مشتركة تكون منطلقاً وأساساً للتعامل والحوار البنّاء.
2-الحوار باب من أبواب الدعوة إلى الله.
الدعوة إلى الله هدفٌ سامٍ يسعى إليه فضلاء البشر، وقد اضطلع الأنبياء -عليهم السلام- بهذه المهمة العظيمة فكانوا دعاة الله في أرضه إلى الناس، يهدونهم ويبصرونهم بحقوق الله عليهم ويبلغونهم تشريعاته، وقد سلكوا لإيصال ذلك عدة أساليب، من أهمها: الحوار.
هذا الحوار قد يكون بين النبي وقومه ككثير من حوارات الأنبياء التي يدعون فيها أقوامهم إلى توحيد الله. وقد يكون حواراً ينشأه النبي بينه وبين طرف آخر ليكون هذا الحوار دليلاً على صحة ما يدعو إليه.
ومثال ذلك: حوار إبراهيم -عليه السلام- مع نفسه في إثبات الإله الحق في سورة الأنعام: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً ...} الأنعام :76- 77 .
فهذا الحوار الذي أجراه إبراهيم في أمر الإله الحق، كان لدعوة قومه لمعرفة من هو الإله المستحق للتقدير والتعظيم بحيث لا يأتي عليه ما أتى على هؤلاء العظام الكوكب والقمر والشمس فالإله لابد ألاَّ يأتي عليه النقص بالأفول.
وإبراهيم -عليه السلام- قد نَظَرَ نَظَرَ محاجة واعتبار لدلالة قومه على حقيقة الرب العظيم بهذا الحوار المتدرج ليكون أبلغ في الحجة والإلزام.
لقد كان قوم إبراهيم -عليه السلام- على دين الصابئة فكانوا يعبدون الكواكب، ويصورون لها أصناماً فأراد أن يثبت لهم فساد معتقدهم، فلما كان ذات ليلة مع قومه وجنَّ عليه الليل، {رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي } .
قال ابن عاشور: "ويؤخذ من ذلك أنه كان سائراً مع فريق من قومه يشاهدون الكواكب، قال: هذا ربي، قال مخاطباً قومه ـ وظاهر قوله "قال" إنه خاطب بذلك غيره، لأن القول حقيقته الكلام، وإنما يساق الكلام إلى مخاطب ـ .
{قَالَ هَـذَا رَبِّي } أراد إبراهيم استدراج قومه فابتدأ بإظهار أنه لا يرى تعدد الآلهة ليصل بهم إلى التوحيد، واستبقى واحداً من معبوداتهم ففرض استحقاقه الإلهية كيلا ينفروا من الإصغاء إلى استدلاله.
"هذا ربي" أي: خالقي ومدبري فهو مستحق عبادتي، قاله على سبيل الفرض جرياً على معتقد قومه ليصل بهم إلى نقض اعتقادهم، فأظهر أنه موافق لهم ليهشوا إلى ذلك، ثم يكرّ عليهم بالإبطال إظهاراً للإنصاف وطلب الحق.
{فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ } وَوَجْه الاستدلال بالأفول على عدم استحقاق الإلهية أن الأفول مغيب وابتعاد عن الناس، وشأن الإله أن يكون دائم المراقبة لتدبير عباده، فلما أَفَل النجم كان في حالة أفوله محجوباً عن الاطلاع على الناس.
ثم رأى القمر، وقال فيه ما قال في ذلك الكوكب من حيث عدم ارتضائه إلهاً.
ثم رأى الشمس، وقال فيه "هذا أكبر" يعني أكبر من الكواكب من القمر، فالأكبر الأكثر إضاءة أولى باستحقاق الإلهية.
{فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} ختام للحوار بالإقناع لهم بألا يحاولوا موافقته إياهم على ضلالهم. ودعوة لهم للتوجه إلى الإله الحق، {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .
فكان هذا الحوار دعوة إلى التعرّف على الإله الحق العظيم الذي لا يصيبه النقص.
3-الحوار باب من أبواب إيضاح الحق وبيان الحقيقة:
يعد الحوار أحد الطرق الفعّالة لإيضاح الحق، حينما تختلط الأمور، ويلتبس الحق بغيره، فيتم التحاور حول القضية لتجلية الحق وللأخذ بيد المحاوَر إلى الحقيقة الصحيحة.
انظر إلى الحوار الذي دار في سورة يونس في تقرير حقيقة الإله الحق، من خلال تقرير ذلك بالنعم التي أنعم الله بها على الإنسان في خلقه وسمعه وبصره ورزقه.
{قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ } يونس : 31 .
الاستفهام هنا تقريري، وجاء الاستدلال بطريقة الاستفهام والجواب، لأن ذلك في صورة الحوار، فيكون الدليل الحاصل به أوقع في نفوس السامعين، كذا قال ابن عاشور.
فهنا جاء تقرير حقيقة الإله الحق عبر هذا الحوار في أمور مصيرية في حياة الإنسان:
الرزق، ملك السمع والأبصار، إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي، تدبير أمور الحياة، وكل هذه الأمور يعترف العقل السليم أنها بيد الله وحده فهو سبحانه بيده الرزق
–رزق السماء والأرض- وهو المتصرف في السمع والأبصار، وهو الذي يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، وهو الذي يدبر الأمور فتقع على وفق ما دبَّر.
ولذا في نهاية هذا الحوار قُرِّرت الحقيقة بأبلغ تقرير بعد حوار بطريق السؤال والجواب واتضح الحق، بحيث لا ينكره إلا من ضلَّ {فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} يونس : 32 .
المبحث الأول
آداب الحوار في ضوء حوارات الأنبياء
وأهم هذه الآداب :
1-الجدال بالتي هي أحسن.
2-حسن القول والخطاب.
3-تجنب الخصام واللَّجج.
4-الهدوء في الحوار والبعد عن التشنجات.
5-البعد عن الكبر والتعالي.
1-الجدال بالتي هي أحسن .
هذا مبدأ قرآني أصيل في عالم الحوار والمجادلة والمناظرة: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } العنكبوت : 46 .
جاءت هذه الآية في معرض الحديث عن مجادلة أكثر الفئات اختلافاً معنا في الأصول ألا وهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، الذين نختلف معهم في أصول هامة في تحريفهم لدينهم.
وفي هذا الأدب عندنا آيات هامة تشرح هذا الأصل.
1-قوله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } النحل: 125 .
2-قوله تعالى:{وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ } الأنعام: 108 .
الحوار قد يتطور بين المتحاورين، فيصل إلى درجة الجدال، وهنا الإسلام يؤصل قاعدة متينة لأهم أدب يضبط سلوك المتحاورين، ألا وهو: الجدال بالتي هي أحسن.
و"أحسن" هنا: اسم تفضيل يجوز أن يكون على بابه فيقدر المفضّل عليه مما دلت عليه القرينة.
قال ابن عاشور: أي بأحسن من مجادلتكم المشركين، أو بأحسن من مجادلتهم إياكم كما تدل عليه صيغة المفاعلة.
ويجوز كون اسم التفضيل مسلوب المفاضلة لقصد المبالغة في الحسن أي: إلا بالمجادلة الحسنى كقوله تعالى: {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } في آخر سورة النحل
وقد رجح كثير من المفسرين كابن جرير وابن كثير وغيرهما أن هذه الآية مُحْكَمة لمن أراد الاستبصار منهم في الدين، فيجادل بالتي هي أحسن، ليكون أنجع فيه، كما قال تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } النحل : 125 .
وقال تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} طه : 44 .
وكان الأنبياء -عليهم السلام- يمتثلون هذا الأدب في حواراتهم لأقوامهم، كيف لا؟ وهم أكثر البشر التزاماً بالمنهج الرباني في سلوكهم وأقوالهم، إضافة إلى حرصهم الشديد على هداية أقوامهم. وعند قراءة أي حوار بين نبي وقومه نرى هذا الضابط متمثلاً بوضوح في الحوار.
انظر إلى حوار شعيب مع قومه حينما قال له قومه في لفظ تهكميّ: {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} هود : 87 .
وصفوه -عليه السلام- بهذين الوصفين الجليلين على طريقة الاستعارة التهكمية، فالمراد بهما: ضد معناهما، وهذا هو المروي عن ابن عباس وإليه ذهب قتادة والمبرد.
ردَّ عليهم -عليه السلام- في مجادلة حسنة:
{قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} هود : 88 .
يتلطف شعيب تلطف صاحب الدعوة الواثق من الحق الذي معه، ويعرض عن تلك السخرية لا يباليها وهو يشعر بقصورهم وجهلهم.. يتلطف في إشعارهم أنه على بيّنة من ربه كما يجده في ضميره وقلبه، وأنه على ثقة مما يقول؛ لأنه أوتي من العلم ما لم يؤتوا .
"يا قوم" في تودد وتقرّب، وتذكير بالأواصر القريبة.
بعد كل ذلك التهكم والسخرية منه يجادلهم جدالاً حسناً ببيان أنه على بينة من ربه تجعله واثقاً مما يدعوهم إليه.
ثم يخوّفهم من مصير تكذيبه أن يحلّ بهم ما حلَّ بمن سبقهم.
{وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ} هود : 89 .
ثم يفتح لهم باب المغفرة والتوبة ويطمعهم في رحمة الله والقرب منه بأرقّ الألفاظ وأحناها {وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} هود : 90 .
2-حسن القول والخطاب.
حسن الأدب في الخطاب والقول من المأمور به شرعاً في كافة الأحوال والمواقف {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} البقرة : 83 .
ويتأكد هذا الأمر حينما يكون هناك فرصة للشيطان لينزغ بين المخاطبين، أو يكون هنا مجال لسوء الظن {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ } الإسراء : 53 .
ونظراً للأجواء التي قد تسود الحوار يتأكد التزام الأدب في القول والمناظرة، وخاصة مع ذوي الفضل والإحسان.
ولقراءة نموذج عالٍ في هذا الأدب في حسن القول وانتقاء الألفاظ في المخاطبة والحوار لنستعرض حوار إبراهيم مع أبيه{يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً} مريم:42 .
يبدأ هذا الحوار بهذه الكلمة اللطيفة ليستميل قلب أبيه في بداية هذا الحوار "يا أبت".
"انظر حين أراد أن ينصح أباه ويعظه فيما كان متورّطاً فيه من الخطأ العظيم والارتكاب الشنيع الذي عصا فيه أمر العقلاء وانسلخ عن قضية التمييز، ومن العبادة التي ليس بعدها غباوة كيف رتَّب الكلام معه في أحسن اتساق، وساقه أرشق مساق مع استعمال المجادلة واللطف والرفق واللين والأدب الجميل والخلق الحسن...
وذلك أنه طلب منه أولاً العلّة في خطئه طَلَب منبهٍ على تماديه، موقظٍ لإفراطه وتناهيه...
{يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} مريم : 43 .
ثم ثنّى بدعوته إلى الحق مترفعاً متلطفاً، فلم يَسِمْ أباه بالجهل المفرط، ولا نفسه بالعلم الفائق، ولكنه قال: إن معي طائفة من العلم ليست معك، وذلك عِلْم الدلالة على الطريق السويّ، فلا تستنكف، وهَبْ أني وإياك في مسير وعندي معرفة بالهداية دونك فاتبعني أنجك من أن تضل وتتيه.
ثم ثلَّث بتثبيطه ونهيه عما كان عليه...
ثم ربَّع بتخويفه سوء العاقبة وبما يجرّه ما هو فيه من التبعة والوبال، ولم يَخْلُ ذلك من حسن الأدب، حيث لم يصرح بأن العقاب لاحق له، وأن العذاب لاصق به، ولكنه قال: {أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ } مريم : 45 فذكر الخوف والمسّ، ونكّر العذاب.." .
وهكذا رأينا الأدب الجمّ من إبراهيم -عليه السلام- في حوار مع أبيه من حيث ندائه بلفظ محبب "يا أبت" ومن حيث انتقاء الألفاظ المعبّرة عن حرصه عليه مع عدم جرح شعوره أو إظهار بأنه أفضل من أبيه.
3-تجنب الخصام واللَّجج.
كان من الهدي النبوي في الحوار ـ ضمن التزام الأدب في الحوارـ تجنب الدخول في خصام ولجج وجدل عقيم، بعد بيان الحجة. فما الفائدة بعد إقامة الحجة وعدم الاستجابة من التمادي في خصام لا أثر فعلي ينتظر منه إلا ارتفاع الأصوات، وإيغار الصدور؟!.
هذا أبو إبراهيم -عليه السلام- بعد حوار إبراهيم معه، يقف موقفاً متصلباً قائلاً: {أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً} مريم : 46 .
لم يستطرد إبراهيم مع أبيه امام هذا العناد، ولم يدخل معه في خصام بل أنهى الحوار نهاية أبان فيها حرصه على أبيه من دون الدخول معه في لحجج أو خصومة {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} مريم : 47 .
وهذا نوح -عليه السلام- لما كذَّبه قمه في صلفِ وتحدٍ، قائلين: {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} هود : 27 .
ردَّ عليهم ببيان أنه على بيّنة واضحة، ولا يملك إكراههم على الإيمان به.
{قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} هود : 28 .
يعني: إذا كنت ذا برهان واضح، ومتصفاً برحمة الله بالرسالة بالهدى فلم تظهر لكم الحجة ولا دلائل الهدى، فهل ألزمكم أنا وأتباعي بها، أي: بالإذعان إليها والتصديق بها إن أنتم تكرهون قبولها.
وجاء الحوار بصيغة السؤال في "أَنُلْزِمُكُمُوهَا " وهو استفهام إنكاري، حتى يؤكد عدم الدخول معهم في خصومة أو مجادلة عقيمة.. فليس من مهمته الإلزام بهذه الحجة الواضحة التي آتاه الله إياها، وتكفي لتكون هذه البينة دليلاً للإيمان.
4- الهدوء في الحوار والبعد عن التَّشنجات.
يعتري أجواء الحوار نوع من الجدل المذموم وقد يحتدَّ الجدل حتى يصل لمرحلة التشنجات في العبارات والألفاظ.
وهنا يبرز دور المحاور الجيد في إبعاد هذا الجو عن الحوار، فلا يستجيب للاطروحات المتشنجة.. بل يقابل ذلك بطرح عقلاني مُتَزن.
وفي حوار نوح -عليه السلام- المذكور في سورة هود إبراز للحوار النبوي المتزن، الذي يقابل تشنج قومه معه في صلفهم وطلبهم للوعيد بحوار هادئ، غير منفعل.
بعد حوار طويل بينه وبين قومه، ينطقون في صَلَفٍ وتحدٍ : {قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} هود : 32 .
استهانة وتحدٍ، وتشنج "فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا ".
لكن نوح -عليه السلام- لم يخرجه هذا التشنج من قومه عن سمته الكريم، فبيّن أن هذا ليس من قدرته، وليست هذه هي مهمته.
{قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ 33 وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } هود : 33 .
مقابلة لتذمرهم وتضجرهم وتأييسه من اقتناعهم بالتبرئ من حوله في إنفاذ ما طلبوا ثم تلطّف معهم في إبعاد الحوار عن التشنجات باختيار لفظ "نصح" بدل كلمة جِدال، ليبين لهم أن ما قاله لهم أولى بأن يسمى نصحاً وليس جدالاً، لأن النصح قول أو عمل يريد صاحبه صلاح المعمول لأجله، وأكثر ما يطلق على الأقوال النافعة المنقذة من الأضرار بعكس الجدال يكون في الخير وفي الشر .
5-البعد عن الكِبْر والتعالي.
كان من خلق الأنبياء في الحوار البعد عن الكبر والتعالي، والترفع عن ادعاء ما ليس لهم من خصائص الرب سبحانه وتعالى.
بل كانوا يواجهون ما يجدونه من كِبْر في حوار قومهم بسماحة وتواضع، وإعراض عن مجابهة الكِبْر بمثله.
وفي حوار نوح - عليه السلام - مع قومه الذي ذكر في سورة هود شاهد على ذلك.
ها هم قومه في استعلاء وكبر يردّون عليه حينما قاله لهم {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ 25 أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ } [هود:25-26] .
يردون بقولهم: {مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ} [هود:27] .
فردَّ عليهم - عليه السلام - بلغة العقل والمنطق والدليل.
{قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} هود : 28 .
ومع أنه ـ أي نوح ـ يملك من أسباب المعرفة والقوة لاتصاله بالله سبحانه وتعالى، عبر الوحي الذي يكشف له ما يحتاج إليه. إلا أن ردّه عليهم لم يكن فيه أي طرف كِبْر، فنفى أنه يعلم شيئاً من الغيب، وليس بيده الإثراء لأحد، وليس يدعي كبراً أو تعالي بل هو بشر فيقول: {لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ } الأنعام : 50 .
فلم يدعِّ أي شيء ليس له من تلك الأمور التي يمكن أن يدعيها في مقام المحاجّة.
المبحث الثاني
منهج الأنبياء في الحوار
وأبرز معالم هذا المنهج :
1-التدرج في الحوار.
2-البدء بالقضايا الكبرى.
3-الاعتماد على الأدلة.
4-المزاوجة بين أسلوبي الترغيب والترهيب.
5-استخدام الجانب الوجداني.
1-التدرج في الحوار.
التدرج سنة كونية في كثير من أمور الحياة، وسبب رئيس لقبول الناس أي توجيهات أو أوامر لم يعتادوا عليها، ومن ذلك تحريم الخمر فقد مرّ بعدة مراحل إلى أن وصل الأمر إلى تحريمه.
ودعوة الأنبياء جاءت على حين فترة، حين اندثرت تطبيقات الشرائع في الأرض وابتعد الناس عن التوجه الصحيح للخالق وحده، فانصرفوا إلى عبادة غيره جهلاً أو تقليداً؛ ولذا كان الأنبياء -عليهم السلام- يقدرون لك في مخاطبتهم وحواراتهم لأقوامهم، بل كان ذلك من منهجهم الأصيل في الحوار للوصول إلى الحق.
ومن أمثلة ذلك: حوار إبراهيم -عليه السلام- مع النمروذ في سورة البقرة.
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة:258] .
فإبراهيم هنا في حواره ومحاجته للملك تدرَّج في إقامة الحجة عليه، لإثبات توحيد الألوهية والربوبية عن طريق إثبات بعض أوجه التصرف فيما لا يقدر عليه إلا الله الواحد الحق بدأ بأمر الحياة والموت، وهي حجة واضحة يدركها كل عاقل، وهي أن الرب هو الذي يحي ويميت، فإن كل أحد يعلم بالضرورة أنه لا يستطيع إحياء ميّت، فلذلك ابتدأ إبراهيم كما يقول ابن عاشور - في تفسيره - الحجة بدلالة عجز الناس عن إحياء الأموات...، ثم أعقبه بدلالة الإماتة ففي الإحياء والإماتة دلالة على أنهما من فعل فاعل غير البشر، فالله هو الذي يحي ويميت.
ثم لما لم يفهم النمروذ مقصد إبراهيم -عليه السلام- بدليل الإحياء والإماتة، لم يرد إبراهيم أن يسترسل في جَدَالٍ حول معنى الإحياء والإماتة مع رجل يماري ويدور في تلك الحقيقة الهائلة –حقيقة منح الحياة وسلبها-.
عندئذ عدل عن هذه السنة الكونية الخفية، إلى سنة أخرى ظاهرة مرئية، عدل عن طريقة العرض المجرد للسنة الكونية والصفة الإلهية في قوله: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ } إلى طريقة التحدي، فهو قد تدرَّج من دليل قد يتطرق إليه احتمال المراوغة إلى دليل لا يمكن لخصمه الذي يحاوره أن يعترض عليه .
تدرج معه في الحوار من ملك الله للبشر فهو المحيي المميت وهو دليل قد يصح للنمروذ أن يعترض عليه أو يعارضه، إلى دليل أعظم، دليل لا يستطيع النمروذ أن يعارضه، ولذلك بُهِتَ {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ } .
2-البدء بالقضايا الكبرى.
يعتمد الحوار كحلٍ من أوجه الحلول للإقناع بقضية، وكوجه للتقريب بين وجهات النظر في أي قضية؛ ولذا ينبغي أن يبدأ في الحوار بالقضايا الكبرى.
وكان الأنبياء -عليهم السلام- في حواراتهم مع أقوامهم، يبدأ بالقضايا الكلية الكبرى كالتوحيد وعبادة الله وحده لخطورتها وأهميتها، ثم يتدرجون معهم في الإقناع ببقية القضايا والمخالفات والتشريعات.
وعند مطالعة ذلك الموكب المبارك من أنبياء الله الذين ورد ذكر حواراتهم لأقوامهم في سورة الأعراف نجدهم يبدأوا بقضية كلية هي كبرى القضايا عبادة الله وحده {اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ } .
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ } الأعراف : 59 .
{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ } الأعراف : 65 .
{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ } الأعراف : 73 .
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ } الأعراف : 85 .
كل هذه الحوارات التي دارت بين الأنبياء وأقوامهم في السورة المذكورة تناولت عدة قضايا عبادية وتشريعية وسلوكية، لكنها تبدأ بالقضية الهامة والخطيرة وهي مسألة: عبادة الله وحده؛ لأنه الإله الحق المستحق للعبادة، ولخطورتها اتفق الأنبياء –كلهم- على الدعوة إليها بل وجعلت في مقدمات القضايا، إنها القضية الأولى التي بعث لأجلها الأنبياء.
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} الأنبياء : 25 .
{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ } النحل : 36 .
فموضوع توحيد الألوهية وإفراد الله بالعبادة هو الموضوع الأول والأكبر، ولذا كان الأنبياء يبدأون به في دعوتهم لقومهم، وفي حوارهم معهم، وإذا تم الاتفاق عليه فما بعده من مستلزماته.
{يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ }
"هي الكلمة التي لا تتبدل، وهي قاعدة هذه العقيدة التي لا توجد إلا بها، وهي عماد الحياة الإنسانية الذي لا تقوم على غيره، وهي ضمان وحدة الجهة ووحدة الهدف ووحدة الرباط، وهي الكفيل بتحرر البشر من العبودية للهدى، والعبودية لأمثالهم من العبيد والاستعلاء على الشهوات كلها على الوعد والوعيد" .
وهذا مبدأ هام في الحوار، مبدأ البدء بالقضايا الكلية الكبرى، لأن الخلاف في الجزئيات أمر سهل، ومن الصعب حصر تلك الجزئيات في الحوار والاتفاق عليها.
3-الاعتماد على الأدلة.
الاعتماد على الدليل منهج إسلامي أصيل في الإثبات والنفي للقضايا والأفكار: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} البقرة : 111 . هذه الآية ركيزة أساسية من ركائز إثبات القضايا والحقوق، وقاعدة رئيسة من قواعد المحاجّة عند الحوار.
ففي كتاب الله لما ادّعى اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان من أتباعهم ذكر الله أن هذا أمانيّ، ثم طالبهم بالدليل والبرهان المثبت لهذا الادعاء {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ } البقرة : 111 .
ولقد كان أنبياء الله يعنون عناية خاصة في حواراتهم مع أقوامهم باعتماد الدليل؛ لأنهم جاءوا بالحق، وللحق أدلته الدالة عليه.
وقد تنوعت هذه الأدلة حسب المخاطب والأحوال على عدة أضرب:
1-أدلة نقلية.
ومن أمثلة ذلك ـ والأمثلة كثيرة ـ:
قضية الشرك في توحيد الألوهية عند مشركي العرب، والتي شغلت جزءاً كبيراً من دعوة رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، كان -صلى الله عليه وسلم- في حواره مع قومه لنقض أمر إشراكهم لآلهتهم في العبادة يحاجّهم بعجز آلهتهم عن خلق شيء، ويطالبهم بالدليل على ألوهيتهم.
وهنا في هذه الآية يطالبهم بدليل نقلي على ما يدعونه فيقول:
{قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} الأحقاف : 4 .
ويقول في آية أخرى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ } الأنبياء:24 .
2-أدلة عقلية مبنية على الحس والمشاهدة في الواقع.
لذا لما عجزوا عن الإتيان بالدليل على ألوهية معبوداتهم، أقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دليله القاطع على بطلان ما ادَّعوه، وهي أدلة حسية من الواقع تثبت عجز آلهتهم وهذا هو النوع الثاني من الأدلة .
{أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ 191 وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ 192 وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ 193 إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ 194 أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ } [الأعراف:191-195] .
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ } [الحج:73] .
إنها أدلة دامغة في حواره -صلى الله عليه وسلم- مع قومه تثبت لهم أن الإله إله واحد، لا يشاركه أحد في ملكه، ولا يقدر أحد غيره ـ سبحانه ـ أن يحي أو يميت، لا يقدرون على خلق مخلوق ضعيف كالذباب!! أدلة تثبت عجز آلهتهم التي يدعونها من دون الله على نفع أنفسها، أو دفع ضُرٍّ عنها.
وكذا سائر أنبياء الله في حواراتهم مع أقوامهم لإثبات نبوتهم، وأنهم رسل الله إليهم يعتمدون على دلائل وبراهين تثبت ذلك.
3-أدلة حسية مشاهدة.
هذا ثمود -عليه السلام- في حوار مع قومه لدعوتهم إلى عبادة الله وحده يذكر لهم دليلاً حسياً يرونه أمامهم؛ لا يمكن أن يأتي به بشر إلا بتأييد من الله.
{قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً } [الأعراف:73] .
قال الطاهر بن عاشور: "فجملة {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } تعليل لجملة {اعْبُدُوا اللَّهَ } أي: اعبدوه وحده؛ لأنه جعل لكم آية على تصديقي فيما بلغتُ لكم، وعلى انفراده بالتصرف في المخلوقات" .
وكذا موسى ـ عليه السلام ـ في حواره مع فرعون، احتج عليه بأن يأتيه بدليل مشاهد حسي فقال: {أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ} الشعراء : 30 ، فطالبه فرعون بهذا الدليل {قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} الشعراء : 31 ، عند ذلك ألقى موسى دليله الحسي المعجز {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ 32 وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ } [الشعراء: 32-33] .
4-المزاوجة بين أسلوبي الترغيب والترهيب.
أسلوبي الترغيب والترهيب من أهم الأساليب للحث على أمر أو للتحذير منه.
وقد اعتمد الأنبياء في دعوتهم إلى الله على هذين الأسلوبين كثيراً، فكانوا يرغّبون أقوامهم فيما أعده الله للمؤمنين من نعيم في الآخرة وسعادة في الدنيا، ويرهبونهم من سخط الله وما أعده الله للكافرين والمعرضين عن هدي الله من عذاب ووعيد في الآخرة.
وفي حوارهم مع أقوامهم استخدموا هذين الأسلوبين.
من ذلك: حوار نوح مع قومه وترغيبه لهم برحمة الله، وترهيبه لهم بأنه نذير لهم قال: {أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} الأعراف : 63 .
فنوح -عليه السلام- استخدم في حواره لإقناع قومه بدعوته أسلوب الترهيب بقوله "لِيُنذِرَكُمْ " فهو تخويف من عذاب الله وعقابه الذي أعدّه الله للمكذبين برسله، ثم ذكر بعده أسلوب الترغيب في رحمة الله، بأن جزاء المطيعين لله ورسله سيرحمهم الله عز وجل.
ولا شك أن هذه المزاوجة في الحوار بين أسلوبي الترغيب والترهيب له أثره في الإقناع بفكرة أو بمبدأ ببيان حال المستجيب لها والمعرض عنها؛ لأن في النفس البشرية نزعة فطرية فهي ترغب فيما تحب، وتخاف وترهب مما تكره.
5-استخدام الجانب الوجداني.
يغلب على الحوار المنازعة والمغالبة، إذ كل طرف يسعى لإثبات القضية التي يدعو لها، ويغالب خصمه أو محاوره لإقناعه بها؛ ولذا قد ينشأ جو من الجفاف يسود أجواء الحوار، وكلما كان المحاور أكثر قدرة على التخفيف من هذا الجو المشحون بالمناقشات والأدلة والحجج بحيث يغزو محاوره بجوانب وجدانية يستطيع بها أن ينفذ إلى قلبه فإنه قد ينجح في إقناعه، بحيث إنه يسير في خطّين متوازيين للإقناع والتأثير؛ العقل بالحجج والبراهين، والقلب بالجانب الوجداني.
ولقد كان الأنبياء - عليهم السلام-، -وهم ينطلقون من منطلق الدعوة إلى الخير، والدلالة على الهدى لأقوامهم، وحب النصح لهم، والإشفاق عليهم من عاقبة الإعراض عن دينه- كانوا يهتمون بالجانب الوجداني في حواراتهم لأقوامهم بحيث يبيّنون لهم حرصهم على إنقاذهم، وحبِّهم له.
فهذا إبراهيم -عليه السلام- نرى وبوضوح دخوله في حواره لأبيه من مدخل عاطفي وجداني يبين فيه حبه لأبيه، وحرصه عليه.
فصدَّر حواره بتلك الكلمة الحانية "يا أبت".
بهذا اللطف في الخطاب يتوجه إبراهيم إلى أبيه، يحاول أن يهديه إلى الخير الذي هداه الله إليه، وعلَّمه إياه، وهو يتحبَّب إليه بهذه الكلمة "يا أبت" ليلج منها إلى قلب أبيه، علَّه أن يستجيب له.
{يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ } مريم : 42
هذه هي اللَّمسة الأولى التي يبدأ بها إبراهيم دعوته لأبيه، ثم يتبعها بأنه لا يقول هذا من نفسه، فهو وإن كان أصغر منه سناً وأقلّ تجربة، إلا أنه قد منَّ الله عليه بعلم.
وهو في هذا يبيّن له سبب اتباعه للهدى الذي جاء به، وأنه سببه هذا العلم الذي جاءه فهو إنما يتبع هذا المصدر، وليس يتّبع إبراهيم.
{يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ } مريم : 43 .
ثم بيَّن له خوفه عليه بلغة وجدانية أخرى تظهر حرصه على هدايته وخوفه عليه من العذاب، بل من أن يمسَّه مجرد المسّ.
{يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن } مريم : 45 .
ولو أنَّ أباه كان لديه استعداد للتفكير فيما دعاه إليه لأثَّر فيه هذا الأسلوب، ولكن قد أغلق قلبه عن هذه الاستجابة –والعياذ بالله-.
ولكن يبقى هذا الأمر وهو استخدام الجانب الوجداني في الحوار له أثره الفعّال في النفاذ إلى عاطفة الطرف الآخر وإقناعه.
المبحث الثالث
مقومات الحوار الناجح في ضوء حوارات الأنبياء
وأبرز هذه المقومات :
1-الإعداد الكامل للحوار بما يتطلبه.
2-حسن الاستهلال في فتح باب الحوار.
3-الثقة بالنفس، واليقين بمصداقية القضية.
4-الإنطلاق من الأمور المشتركة.
5-الإقرار بالخطأ والاعتراف به.
1-الإعداد الكامل للحوار بما يتطلبه.
الحوار عملية جدلية يسعى كل طرف فيها لإقناع الآخر بوجهة نظره، وذلك يتطلب عدة عناصر مطلوب توافرها حتى يستطيع أن يصل المحاور لإقناع الطرف المحاور بمبدئه وقضيته، ويتطلب الإعداد الكامل للحوار من مهارات الحوار وسبل الإقناع.
ومن أدوات الحوار الهامة: سعة صدر المحاور في تقبل الرأي الآخر، وطول النفس في الحوار، إذ الحوار قد يمتد لساعات أو جلسات متعددة، وذلكم يتطلب أن يملك المحاور النَفَس الطويل في السِّجال الذي يدور في الحوار.
ويعتمد الحوار أيضاً على فصاحة المحاوِرْ وقوة بيانه وحجته، وقد يحتاج المحاوِرْ إلى أطراف أُخر تساعده وتؤازره ولو بالحضور وكل ذلك من عوامل ومقومات الحوار الناجح.
ولذلكم طلب موسى -عليه السلام- من ربه حينما بعثه إلى فرعون وهو يعلم أنه سيقدم على حوار -مع ملك متسلِّط- طلب من ربه أن يزوِّده بمهارات الحوار الناجح كي ينجح في مهمته التي وكّل بها.
{قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي 25 وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي 26 وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي 27 يَفْقَهُوا قَوْلِي 28 وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي 29 هَارُونَ أَخِي 30 اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي 31 وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي } [طه:25-32] .
طلب من ربه عدة متطلبات لحواره مع فرعون وهي:
1- شرح الصدر، ولهذا الأمر أثره في الاستعداد النفسي للحوار، وحماسته للقضية، وتقبله لما قد يجده من محاوره من غِلْظة أو جَفْوة أو سوء قول.
2- تيسير الأمر، ولهذا المتطلب أهميته في تسهيل مهمته العظيمة في دعوته لفرعون للإيمان برب العالمين، وتيسير الله له كل الصعاب التي تعوق هذه المهمة الصعبة كيف لا؟ وهي حوار من شخص عادي -في نظر فرعون- مع ملك يدعي الربوبية، وفي أمر سينازعه فيه ما يدعيه.
3- فصاحة القول، وهذا أمر ظاهر الأهمية في مقومات نجاح الحوار، فإن فصاحة اللسان وحسن المنطق لهما أثرهما في الإقناع، وتغيير القناعات السابقة تجاه أي قضية؛ ولذا قد يخسر المحاور قضيته بسبب قوة خصمه في هذا الجانب وإن كان الحق معه.
4- المعاونة والمظاهرة. وقد طلب موسى من ربه أن يعزِّر جانبه بأخيه، يصدِّقه وهذا مقوِّم هام، فالكثرة لها اعتبارها في تشجيع المحاور وتعزيز موقعه وإلقاء الهيبة في نفس محاوره، وتسديده...
2-حسن الاستهلال في فتح باب الحوار.
حسن الاستهلال لأي خطاب أو مثال أو قصيدة له أثره في نجاح وجذب المستمع أو القارئ، والحوار تجربة لإثبات حق أو للوصول إلى نقاط اتفاق في مساحات مشتركة للتعاون والتعايش وحسن الاستهلال للحوار من أهم معالم المنهج الذي يكفل نجاح الحوار.
والمتتبع لحوارات الأنبياء مع أقوامهم يجد أنهم يهتمون بحسن الاستهلال في مخاطباتهم ونقاشهم معهم.
ولذا يصدِّرون حوارهم بألفاظ لها أثرها في التواصل الجيد مع أقوامهم، تأمَّل لفظ
"يا قوم" الذي افتتح به أكثر الأنبياء خطاباتهم وحواراتهم لأنبيائهم. هذا اللفظ الذي يشعر فيه النبي –المحاوِرْ- قومه -المتحاوَرْ معهم- بأنه منهم، وأنهم قومه، وهو بذلك يهيئ نفوسهم بهذا الاستهلال لحوار إيجابي من حيث استجابتهم لخطابه، وتقديرهم لكلامه.
ها هو نوح -عليه السلام- يذكّر قومه بآصرة القرابة في افتتاحية حواره مع قومه {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ } قال ابن عاشور: "وعبّر في ندائهم بوصف القوم لتذكيرهم بآصرة القرابة، ليتحققوا أنه ناصح ومريد خيرهم ومشفق عليهم، وأضاف "القوم" إلى ضميره للتحبيب والترقيق لاستجلاب اهتدائهم" .
ومن حسن الاستهلال:
تذكير المحاور بأمور تلزمه - لو كان عاقلاً- بالاستجابة.
من ذلك: في حوار موسى مع قومه -في سورة إبراهيم- بدأ حواره بتذكيره لقومه بنعم الله عليهم في إنجائه لهم من العذاب والنكال، والتقتيل لأبنائهم والاستحياء لنسائهم، وهذا الاستهلال من باب الإلزام لهم بالاعتراف بنعمة الله عليهم مما يستوجب منهم
-لو كانوا يقدّرون هذه النعم- الشكر للمنعم بها، وعبادته وحده.
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} إبراهيم : 6 .
3-الثقة بالنفس، واليقين بمصداقية القضية.
من معالم نجاح المحاور ثقته بنفسه، واعتقاده الجازم بمصداقية القضية التي يحاور لأجلها، فكلما كان المحاور مقتنعاً بمصداقية قضيته التي يدعو لها ويحاور للإقناع بها كان أقدر على نجاحه في حواره. وإقناعه للطرف الآخر.
ولذلكم لما دعى نوح قومه في حواره معهم إلى عبادة الله، وقابلوه بالتكذيب والتشكيك بأنه بشر مثلهم أنّى له أن يكون رسولاً من عند الله وهو كذلك؟
ردّ عليهم أنه على ثقة من قضيته، وعلى يقين من دعوته، وأنه مكلَّف بالبلاغ، ولا يملك فتح بصائرهم التي تعمى عن الحق الواضح، ولذا لا يلزمهم بما عمّي عليهم {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} هود : 28 .
وكذا هود -عليه السلام- لما ادّعى قومه المكذبون في حوارهم معه أنه أُصيب بسوء من جرّاء تسفيهه لآلهتهم ردّ عليهم بيقين بالغ القوة، واثقاً من دعوته، ملتجئاً إلى ربه {قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} هود : 54 .
ولذا تحدَّاهم لثقته من قضيته ودعوته قائلاً: {فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ} هود : 55 .
وسبب هذه الثقة هو مصدرها العظيم من التوكل على الله وحده {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} هود : 56 .
وكذا الحوار الذي ذكره الله بين رسله وبين أقوامهم في سورة إبراهيم -عليه السلام-.
ذكر الله عز وجل أنهم على يقين تام مما يدعون إليه من توحيد الله.
فهاهم يقولون لأقوامهم: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } إبراهيم:10 .
ثم لما ادّعى أقوامهم أنهم بكونهم بشر فلا يملكون ما يؤهلهم ليكونوا على هذه المرتبة التي يدعونها أجابوهم بقولهم {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} إبراهيم : 11 .
ثم بيّنوا أن مصدر ثقتهم هو توكلهم على الله الذي هداهم للإيمان.
{وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} إبراهيم : 12 .
4-الإنطلاق من الأمور المشتركة.
من أهم معالم إنجاح الحوار الإنطلاق من المجالات المشتركة، أو من الرؤى والأفكار التي يتفق عليها المتحاورين لتكوين أرضية مناسبة للحوار الناجح.
ففي الحوار الذي ذكره الله -عز وجل- عن إبراهيم وقومه في سورة الأنعام.
بدأ إبراهيم -عليه السلام- بقوله {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي } الأنعام:76 .
فكان تركيزه على أمر هام يكون منطلقاً لحواره مع قومه حول الربوبية ومَنْ هو المستحق للعبادة وحده؟ فالمستحق لذلك لابد أن يكون عظيماً كبيراً.
وهذا أمر يتفق عليه إبراهيم وقومه، ولهذا ارتكز الحوار بعد ذلك، على هذه النقطة التي تعتبر مصدر اتفاق عنده وقومه. فتدرج معهم في هذا المبدأ.
{فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي } الأنعام : 77 . فهو المستحق لئن يكون رباً لأنه أكبر من الكوكب السابق...، {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ} الأنعام : 78 . فهي المستحقة للعبادة لأنها أكبر من الكوكب والقمر.
ولذا لما أَفَلَت أعلن براءته من هذه الآلهة؛ لأن الكبير العظيم لا يمكن أن يأتي عليه نقص بأي وجه من الوجوه، الإله الحق لابد أن يكون كاملاً.
وبذلك أقام عليهم الحجة، وغلبهم في نتيجة الحوار.
ومن هنا ينبغي للمتحاورين إذا أرادوا إنجاح أي حوار أن يبدأوا بالمجالات المشتركة تمهيداً لتكوين أرضية مناسبة للحوار، من خلال التركيز على الكليات الجامعة والمصالح المشتركة، والقضايا المصيرية الكبرى، ومناطق الاتفاق، ليبني حوار مصيره النجاح.
5-الإقرار بالخطأ والاعتراف به.
في عالم الحوار والجدال والمناظرة يحاول كل محاور أن يقيم الحجة على محاوره ويحاول كل مجادل أن يغلب خصمه؛ ولذا يسعى كثير منهم إلى وضع نفسه موضع السلامة في المواقف والصحة في الآراء والتقديرات، حتى ولو اضطر إلى الكذب –أحياناً- تحت ستار عدم الضعف أمام الخصم بالاعتراف بالخطأ.
وكان المنهج النبوي في الحوار يؤمن بالإقرار بالخطأ إذا وقع، ولا يسعى لتبريره، بل يعترف به.
وفي حوار موسى -عليه السلام- مع فرعون احتج عليه فرعون بخطأ وقع فيه موسى.
{قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ 18 وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } [الشعراء:18-19] .
امتنان من فرعون بتربية موسى في بيته، ثمَّ ذكّره بخطأ وقع منه بصيغة الإبهام.
"وفي العدول عن ذكر فعلة معينة إلى ذكرها مبهمة مضافة إلى ضميره ثم وصفها بما لا يزيد عن معنى الموصوف تهويلٌ مرادٌ به التفظيع وأنها مشتهرة معلومة، مع تحقيق إلصاق تبعتها به حتى لا يجد تنصلاً منها" .
وهذه الأدلة التي ذكرها استنفر فيها فرعون كل ما في جعبته ليحجَّ موسى -عليه السلام- وهو مقام حوار يحاول فيه فرعون الانتصار، ولذا ركَّز في ذكر ما يحرج موسى -عليه السلام- فأشار إلى قتل موسى للقبطي.
ما كان لموسى -عليه السلام- أن ينكر ذلك، بل احترم مصداقيته، حتى وإن كان في معرض حوار وجدل مع فرعون. وهنا يثبت موسى -عليه السلام- أن من المنهج النبوي في الحوار الاعتراف والإقرار بالخطأ، وعدم الإنكار للأمر الثابت، مما يعدّه بعض المحاورين من باب حسن التصرف.
{قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} الشعراء : 20 .
بدأ بالاعتراف بهذا الخطأ قبل الإجابة عن امتنان فرعون بتربيته.
وقدَّم "فَعَلْتُهَا " على "إِذاً " مبادرة بالإقرار ليكون كناية عن عدم خشيته من هذا الإقرار، وليقدم الاعتراف بهذا الفعل على الاعتذار منه ببيان سببه.
{وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} جعل موسى نفسه من الضالين إن كان مراد كلامه الذي حكت الآية معناه: إلى العربية. المعنى المشهور للضلال في العربية وهو ضلال الفساد فيكون مراده: أن سَوْرة الغضب أغفلته من مراعاة حرمة النفس وإن لم يكن يومئذ شريعة، فإن حفظ النفوس مما اتفق عليه شرائع البشر وتوارثوه في الفِتَر، ويؤيد هذا قوله في الأخرى { قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي } القصص:16 ، وإن كان مراده معنى ضلال الطريق، أي: كنت يومئذ على غير معرفة بالحق لعدم وجود شريعة وهو معنى الجهالة كقوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى} الضحى : 7 .
وعلى كلا الوجهين فجواب موسى فيه اعتراف بظاهر التقرير، وإبطال لما يستتبعه من جعله حجة لتكذيبه برسالته عن الله، ولذلك قابل قول فرعون {وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} الشعراء:19 بقوله: {وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} " .
وخلاصة استشهادي بقصة موسى -عليه السلام- هنا هو أن من منهج الأنبياء في حواراتهم حتى مع أعدائهم: الإقرار بالخطأ والاعتراف بوقوعه، وذلك يكسب موقفه قوة حينما يعلم المحاور صدق وصراحة محاوره وهو يؤدي إلى الثقة في مصداقية موقفه وأقواله.
الخاتمة
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على المصطفى وبعد :
ففي ختام هذا البحث الذي درست فيه ملامح وخصائص الحوار القرآني من خلال حوارات الأنبياء، اتضح لي جلياً أهمية دراسة حوارات الأنبياء في القرآن لنأخذ منها المنهج الرباني الذي أرشد الله إليه عباده في الحوار.
ومن أبرز ذلك: آداب الحوار، وهي آداب نحن بحاجة ماسة للتأدب بها في حواراتنا الداخلية، وحواراتنا مع الغير ومن أهمها:
الجدال بالتي هي أحسن، وحسن القول والخطاب، وتجنب الخصام واللجج في الحوار، والهدوء في الحوار والبعد عن التشنجات والبعد عن الكبر والتعالي في الحوار.
وبدراسة بعض الحوارات القرآنية للأنبياء مع أقوامهم يمكن الخروج بأبرز معالم المنهج النبوي في الحوار، ومن أهمها: التدرج في الحوار، والبدء بالقضايا الكبرى، والاعتماد على الأدلة، إضافة إلى المزاوجة بين الترغيب والترهيب في الحوار، مع أهمية استخدام الجانب الوجداني.
وخلصت في نهاية هذه الدراسة المتواضعة للحوار النبوي في القرآن إلى أبرز مقومات الحوار الناجح، ومن أهمها: الإعداد الكامل للحوار، وحسن الاستهلال، إضافة لثقة المحاور بنفسه، وبمصداقية قضيته، مع الأثر الهام للإنطلاق من الأمور المشتركة بين المتحاورين لحوار ناجح، وضرورة الإقرار بالخطأ والاعتراف به في نجاح الحوارات.
وختاماً: فهذا موضوع طويل يحتاج لدراسة متأنية كي نقتدي بأنبياء الله في حواراتنا ولنبرز الوجه المشرق لقواعد وأسس وآداب الإسلام في حواره مع الآخر.
د/ عيسى بن ناصر الدريبي
الرياض 12/2/1428هـ
2/3/2007م
فهرس المراجع
1. أساس البلاغة ، للزمخشري ، بيروت ، دار المعرفة.
2. التحرير والتنوير ، لابن عاشور ، الدار التونسية للنشر.
3. تفسير القرآن العظيم ، لابن كثير ، تحقيق/ سامي السلامة، دار طيبة ، الرياض،
ط/ الأولى 1422هـ.
4. جامع البيان في تفسير آي القرآن، للطبري، تحقيق/ د. عبدالله التركي.
5. الحوار بين الأديان ، د. وليم سليمان، الهيئة المصرية للكتاب، 1976م.
6. الحوار من أجل التعايش ، د. عبدالعزيز بن عثمان التويجري، ط/ الأولى 1419هـ.
7. روح المعاني ، للآلوسي ، دار إحياء التراث ، بيروت.
8. فتح القدير ، للشوكاني ، المكتبة التجارية ، مكة المكرمة ، وثقه وعلق عليه/ سعيد اللحام.
9. في ظلال القرآن ، سيد قطب ، دار الشروق ، ط/ العاشرة 1402هـ.
10. الكشاف ، للزمخشري ، دار المعرفة ، بيروت.
11. الكليات ، لأبي البقاء الكفوي ، منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1975م.
12. لسان العرب ، ابن منظور.
13. معجم مقاييس اللغة ، ابن فارس ، دار الفكر ، بيروت، ط/2، 1418هـ.
14. المفردات ، الراغب الأصفهاني، تحقيق/ صفوان داوودي.
15. مناهج الجدل في القرآن ، د/ زاهر الألمعي، مطابع الفرزدق التجارية ، الرياض،
ط/ الثالثة ، 1404هـ.
ملخص البحث
ملامح وخصائص الحوار القرآني في حوارات الأنبياء
إعداد / د. عيسى بن ناصر الدريبي
حوارات الأنبياء في القرآن الكريم تحمل مضامين هامة ومنطلقات أساسية وملامح رئيسة للحوار الناجح. وتبرز الوجه الحضاري لمبادئ الحوار وآدابه في ديننا.
وتتلخص فكرة هذا البحث في استنباط هذه الملامح والمقومات من خلال القرآن.
وقد قدمت لذلك بمقدمة عن أمرين هما:
الأول: مصطلح الحوار ومرادفاته في القرآن.
والثاني: أهمية الحوار وأبرز أهدافه من خلال قراءة حوار الأنبياء في القرآن.
ثم تناولت دراسة هذا الموضوع عبر ثلاثة مباحث هي:
المبحث الأول: آداب الحوار في ضوء حوارات الأنبياء، وأهم هذه الآداب هي:
1-الجدال بالتي هي أحسن.
2-حسن القول والخطاب.
3-تجنب الخصام واللجج.
4-الهدوء في الحوار والبعد عن التشنجات.
5-البعد عن الكبر والتعالي.
والمبحث الثاني: منهج الأنبياء في الحوار، وبقراءة بعض الحوارات توصلت إلى أهم وأبرز معالم هذا المنهج وهي:
1-التدرج في الحوار.
2-البدء بالقضايا الكبرى.
3-الاعتماد على الأدلة.
4-المزاوجة بين أسلوب الترهيب والترغيب.
5-استخدام الجانب الوجداني.
والمبحث الثالث: مقومات الحوار الناجح في ضوء حوارات الأنبياء، وتوصلت من خلال قراءة بعض حواراتهم إلى أن أهم هذه المقومات هي:
1-الإعداد الكامل للحوار بما يتطلبه.
2-حسن الاستهلال في فتح باب الحوار.
3-الثقة بالنفس، واليقين بمصداقية القضية.
4-الإنطلاق من الأمور المشتركة.
5-الإقرار بالخطأ والاعتراف به.
ابحث
أضف تعليقاً