
من جون بياجيه Jean Piaget إلى الذكاء الاصطناعي: من يبني عقل الطفل؟
د. عبدالرحمن بوغراب
منذ عقود، بيّنت دراسات علم النفس النمائي أن الطفل لا يبني ذكاءه بمجرد تراكم المعلومات في ذاكرته، و لكن من خلال الفعل، و الممارسة، والتجربة، والمحاولة، والخطأ، وحل المشكلات، ومواجهة التناقضات، وإعادة تنظيم الافكار و المعرفة.
وهذه الفكرة أساسية عند جان بياجيه حين يقول: الطفل ليس وعاءً فارغًا نملؤه بالمعلومات، وإنما كائن يبني تدريجيًا بنيانه المعرفي من خلال تفاعله مع العالم.
ومن هنا يظهر سؤال لم يكن مطروحًا في زمن بياجيه، و هو :
كيف يتأثر النمو الفكرى و العقلي للطفل عندنا نظع بينه و بين حل المشكلات التى تواجهه في حياته اليومية آلة أو وسيلة تستطيع أن تقوم بجزء كبير من العمل الفكري و العقلي نيابة عنه؟
يعرف علم النفس المعرفي ظاهرة تسمى Cognitive Offloading، و هي التفريغ المعرفي أو إسناد العبء المعرفي
إلى وسيلة خارجية. و هذه الظاهرة معروفة عند الإنسان منذ القدم.
فمثلا نكتب موعدًا على ورقة حتى لا ننساه، نستخدم الآلة الحاسبة بدل إجراء عملية حسابية طويلة ذهنيًا، ونستعمل نظام GPS بدل حفظ الطريق و غيرها من الأمثلة. وهذا ليس سيئًا في حد ذاته، لأنه يحرر العقل و الذهن من بعض العمليات الروتينية البسيطة، ليتمكن من التفرغ لمهام أكثر تعقيدًا. لكن الذكاء الاصطناعي أحدث تحولًا نوعيًا. لم نعد نفوض للآلة مجرد التذكر والحساب. أصبح بإمكاننا أن نفوض إليها
القراءة، والتلخيص، والكتابة، والترجمة، والتحليل، والمقارنة، وصياغة الحجج، وحل المشكلات، واقتراح الأفكار، بل وحتى نقد الأفكار.
أي أننا بدأنا نفوض إلى الذكاء الاصطناعي العمليات التي تحافظ على الفكر و تشارك في تكوينه خاصة عند الطفل الذي لم يكتمل نضجه الفكري بعد. وهنا تكمن المشكلة بالنسبة للطفل.
ماذا يحدث عندما يفقد الطفل الجهد الفكري من التعلم.
كثيرا ما ننظر إلى الجهد عموما باعتباره شيئًا سلبيًا ينبغي تقليله.
لكن في النمو الفكري و المعرفي عند الطفل، الجهد ليس عيبًا في العملية التعليمية، الجهد جزء من العملية التعليمية نفسها.
عندما يقرأ الطفل نصًا صعبًا ولا يفهمه مباشرة، ثم يعود إليه، ويبحث عن الكلمات، ويربط بين الجمل ويحاول استخراج الفكرة الرئيسية، فهو لا يضيع وقته، إنه يدرب دماغه.
وعندما يحاول حل مسألة رياضية عشرين دقيقة قبل أن يجد الحل، فهذه الدقائق العشرون ليست وقتا ضائعا، بل هي التعلم بذاته. أما إذا أعطيناه الحل بعد عشر ثوان، فقد وفرنا له عشرين دقيقة، لكن ماذا خسر عقله خلال الدقائق التي وفرناها عليه.
إن الهاتف الذكي جعل جزءًا من ذاكرتنا خارج عقولنا، لكن الذكاء الاصطناعي قد ذهب أبعد من ذلك، فقد أصبح جزء من تفكيرنا خارج عقولنا. و يمكن أن نتخيل الخطر الكبير على النمو الفكرى و المعرفي للطفل، إذا اعتاد منذ سن مبكرة أن يسأل الذكاء الاصطناعي كلما واجهته صعوبة. فإذا اراد كتابة موضوع إنشائي، أو تلخيص كتاب، أو حل مسألة رياضية، إلتجأ إلى الذكاء الاصطناعي، او تحليل نص فلسفي أو غير ذلك من الأعمال التى تتطلب جهد فكرى.
نتائج الدراسة التحليلية لبرنامج PISA لعام 2025 دقت ناقوس الخطر حيث أعلنت أن المستوى الفكرى و المعرفي للأطفال في دول OCDE قد إنخفض بدرجة مرعبة في السنوات الأخيرة، و خاصة في الرياضيات و اللغات. و قد إتهم
الاجهزة الرقمية و الذكاء الاصطناعي أنها من أسباب ذلك.
إن الذكاء الاصطناعي أخطر من الهاتف النقال، لأن الاخير يشتت تفكير الطفل. أما الذكاء الاصطناعي فيعطل التفكير أصلا عند الطفل.
يمكن للطفل اليوم الوصول خلال ثوان إلى المعلومة، لكن الوصول إلى هذه المعلومة لا يعني امتلاكها. وهنا ينبغي التمييز بين:
Information ، Knowledge ، Understanding ، Reasoning ، Judgment
المعلومة ، المعرفة ، الفهم ، الاستدلال ، التحكيم.
الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يوفر المعلومة بسرعة مذهلة.
لكن تعليم الطفل لا ينبغي أن يتوقف عند المعلومة. لأن الهدف النهائي ليس أن يعرف الطفل المعلومة، وإنما أن يعرف لماذا وكيف وصل إليها وهل يستطيع الدفاع عنها.
إن الخطر الأكبر على الطفل من إستعمال الذكاء الاصطناعي هو انخفاض عام لمعدل الذكاء IQ، بل شيء أخطر من ذلك، وهو فقدان الاستقلال الفكري.
السؤال الذي يفرض نفسه: هل الذكاء الاصطناعي هو الآن بصدد صناعة جيل من الحمقى والبلهاء، des attardés mentaux par manque d'acquisitions et de
stimulations?
هل الذكاء الاصطناعي يجعل الأطفال أغبياء؟ هل الاستخدام المبكر والمفرط للذكاء الاصطناعي عند الطفل، يمكن أن يحرم دماغه الذي هو في حالة نمو من بعض التمارين الضرورية لبناء قدراته الفكرية و المعرفية capacités intellectuelles
et Cognitives.
هذا سؤال سيصبح من مواضيع البحث العلمي أكثر إلحاحا في السنوات المقبلة.
هل بنتقل الإنسان من Homo sapiens إلى الإنسان Homo assistitus.
نحن نعلم أن من الأسباب التى جعلت الإنسان يتطور عبر آلاف السنين هو قدرته على حل المشكلات و التحديات التى واجهته و إعترضت طريقه، كما يقول المؤرخ الانجليزي أرنولد تونبي.
فقد إضطر الإنسان إلى التعلم من أخطائه و ذلك بالملاحظة والتذكر والتخطيط والتجربة والتعاون واللغة و غيرها من وسائل التعلم. أما اليوم فنحن نبني لأول مرة أداة تستطيع أن تتحمل عن الإنسان جزءًا كبيرا و متزايدًا من هذه الوظائف. وقد يكون السؤال الحضاري الكبير، ماذا سيحدث للإنسان عندما يصبح التفكير نفسه خدمة يمكن الحصول عليها عند
الطلب؟
لقد صنع الإنسان الذكاء الاصطناعي لكي يريحه من بعض أعبائه، لكن ينبغي ألا تتحول الراحة إلى تبعية. لأن هناك فرقًا بين أن تستخدم آلة قوية وبين أن تصبح عاجزًا من دونها.
هذا الأسئلة و غيرها لا تمنعنا من التفكير في بدائل و طرق للتأقلم مع هذه التكنولوجيا الجبارة، حتى تكون وسيلة تطور و ليست وسيلة تدهور.
إن الاستخدام الجيد للذكاء الاصطناعي قد يفتح إمكانات تعليمية هائلة، مثلا شرح مبسط في مستوى الطفل، تعلم اللغات، الوصول إلى المعلومة بسرعة، مساعدة الأطفال الذين يعانون صعوبات تعليمية، و غيرها من الأمثلة، كل هذا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الإنسان عليه.
و لا أعتقد أن منع الأطفال من إستعمال الذكاء الاصطناعي هو الحل، فالمنع الكامل سيكون من المستحيلات كما وقع مع الهاتف النقال
يجب أن يستعمل الذكاء الاصطناعي بعد التفكير لا قبله و خاصة عند الأطفال.
الحل هو أن نضع قاعدة تربوية جديدة في المدارس: إستعمل عقلك أولًا، ثم الذكاء الاصطناعي ثانيًا. اقرأ النص أولًا ثم اطلب التلخيص. حاول حل المسألة ثم اطلب من الذكاء الاصطناعي مراجعة الحل. اكتب الموضوع ثم اطلب منه نقده.
كوّن رأيك ثم اسأله عن الرأي المضاد. ابحث بنفسك ثم قارن بحثك بما يقترحه.
وبدل أن نسأل الذكاء الاصطناعي أعطني الجواب، نعلّم الطفل أن يقول للذكاء الاصطناعي:هذا جوابي حاول أن تجد نقاط ضعفه. هنا يكون الذكاء الاصطناعي خصمًا فكريًا يدرب التفكير، عوض أن يكون بديلا عن التفكير.
يجب على المدرسة أن تعيد الاعتبار إلى العقل و الجهد الفكري، و ذلك بالعودة إلى الطرق التقليدية في التعلبم: كالحفظ و القراءة الطويلة، الحساب الذهني، و الكتابة اليدوية، و النقاش الشفهي، و حل المشكلات، والدفاع عن الأفكار أمام الآخرين و غيرها من الوسائل التقليدية. ليس حنينًا إلى الماضي. بل لأنها تمارين للعقل تجعل الطفل يحافظ على نموه الفكري و المعرفي.
لا يمكن مواجهة التطور التكنولوجي أو الحد من تطوره، و لكن يمكن التأقلم معه.
لا أخشى ذكاء الآلة بقدر ما أخشى استقالة الإنسان عن التفكير و عن إيجاد الحلول .
السؤال: ليس هل سيكون الذكاء الاصطناعي أذكى من الإنسان، و لكن السؤال الأكثر إلحاحًا تربويًا هو: هل سيستمر الإنسان في تدريب ذكائه و تطوير قدراته الفكرية عندما
تصبح هناك آلة مستعدة للتفكير نيابة عنه .
السؤال يبقى مطروح.
ابحث
أضف تعليقاً