wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
واقعيـة القــرآن الكريم في التحــــاور مـــع الآخــــر
الأربعاء, April 1, 2009

المقدمة 
إنني أجزم أن الإنسانية كلها تعيش اليوم أزمة حوار حقيقي، وأعتقد أن جُلّ المشاكل و الصدامات الدامية التي تدفع البشرية ثمنها كل يوم كان ممكناً تجنبها أصلاً أو تخفيف أثرها أو تقليل سلبياتها لو آل الناس إلى الحوار وتم استنفاذ أغراضه ووسائله.
والأمة الإسلامية تعاني من أزمة حوار حقيقية بكل صنوفها، بين الحاكم والمحكوم ، وأزمة علاقة بين عناصر المجتمع المدني من مختلف جوانبه وتوجهاته الاجتماعية والسياسية ، وأزمة علاقة فيما بين الأنظمة في العالم العربي والإسلامي ، أزمة علاقة بين التيارات القومية و الإسلامية و العلمانية ، وهناك أزمات تنزل إلى مستوى الأسرة فيما بين الزوج والزوجة وما بين الزوجين والأولاد وكل ذلك بسبب غياب الحوار.فالحوار رئيسي وضروري وممر استراتيجي لحل هذه الأزمات، وتجنب الصدامات بل وركام الأمراض التي تجتاح القلوب والعقول.
           والمتدبر في تلاوته للقرآن الكريم يستوقفه الكم الهائل من النصوص التي تبحث معالجة أعقد المشاكل في الحياة وعلى المستوى الدولي والاجتماعي والسياسي بطريقة حوارية تنأى بالإنسان عن الأنانية المظللة أو الزيف من أجل مكاسب شتى تتنازع الناس لتحصيل شيء من الحطام العاجل، فالقرآن الكريم قد سعى لتأصيل الحوار مع الإنس والجن مع العدو والصديق مع الخصوم في حربهم وعهدهم، ومع المسلم في السلم والحرب بل وحتى مع الشيطان.
       إلا  أنك وأنت تستقريء آي الحوار في الكلم المعجز تتجاذبك مبادئ الحوار الراقي الذي ينم عن تحضّر يعجز أدعياء الحضارة عن تقييمه ،لكنك لا تلبث أحيانا أن تقف أمام نصوص أخرى يصعد القرآن من لهجته في التحاور مع الآخر فتارة تراه يتهادى مع الخصم حتى يخيّل للمرء بأن المسلم ضعيف وأخرى يكرّ عليه حتى تستيقن بأنه ليس في قوس الحوار من منزع، واحسب أن تلك أمور ترتبط بالواقع الزمني الذي لم يشأ كتاب الله الكريم ووحي النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم أن يجعل من حركة عقاربه تدور في فلك جيل أو جيلين، فجاء الحوار متحركا ومتحررا من قيود الزمان والمكان حتى لكأنه يخاطبنا اليوم بل ولا أبالغ إن قلت وكأنه يخص مشاكلنا اليوم بالتحديد وهو أمر ربما أحس به كل من توقف مع النص الحواري في القرآن الكريم .
           وفي هذا البحث سوف أسلط الضوء على مبادئ القرآن السلوكية والفكرية في التعامل مع الآخر، ثم أدلف إلى ذكر نماذج لواقعية الحوار في سياق الدولة والدعوة. لذلك صار البحث مكونا من مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة سأستعرضها بتوفيق الله تعالى: 
الفصل الأول: في مبادئ الحوار السلوكية.
الفصل الثاني: مبادئ الحوار الفكرية.
الفصل الثالث: في واقعية القرآن الكريم في التحاور مع الآخر.
وخاتمة تشتمل على أهم التوصيات والنتائج.

 
الفصـــل الأول
المبــادئ السلوكية لــواقعيــــة الحــــوار
     ويتكون من مباحث
  المبحث الأول: القــــــول الحســــن في التحــــاور.
المبحــــث الثـــاني: الابتـعـــاد عـــــن الجـــــــدال.
  المبحــث الثالـــث: احـــتـرام الآخر فـكــر الآخـــــر.
     المبحـث الرابــع: النزاهــة في نقــل حجج الآخـــــر.
    المبحث الخامس: طلــب الحـق وانتفــاء النفعيــة فيــه.

 
المبحث الأول
القــول الحســـن في التحــــاور 

         إن تداول الحديث يقتضي أن يكون المحاور والمحاور يستخدمان من الألفاظ  ما لا يثير، لذلك كانت وصاية القرآن العامة قوله تعالى (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً)(البقرة: من الآية83) يقول الرازي "من المعلوم بالضرورة أنه في الأمور الدنيوية إذا أمكن التوصل إلى الغرض بالتلطف من القول لم يحسن سواه فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخلة في هذه الآية" وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (الكلمة الطيبة صدقة) إلا أن القرآن الكريم في إطار التحاور أمر كليمه موسى عليه السلام أن يذهب إلى فرعون الطاغي المتألّه وأوصاه بلين القول اذ قال تعالى له ولأخيه (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طـه: 43،44) قال الشنقيطي " كلاماً لطيفاً سهلاً رقيقاً ليس فيه ما يغضب وينفر وقد بين جل وعلا المراد بالقول اللين في هذه الآية بقوله ( اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى) وهذا والله غاية لين الكلام ولطافته ورقته كما ترى، وما أمر به موسى وهارون في هذه الآية الكريمة أشار له تعالى في غير هذا الموضع كقوله ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِي أَحْسَنُ) ( النحل 125 )".
       يقول الرازي " فكأنه تعالى رتب لهما ذلك الكلام اللين الرقيق وهذا يدل على أنه لا بد في الدعوة إلى الله من اللين والرفق وترك الغلظة ولهذا قال لمحمد صلى الله عليه وسلم ( وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ) ( آل عمران: 159 ).
         ويدل على أن الذين يخاشنون الناس ويبالغون في التعصب كأنهم على ضد ما أمر الله به أنبياءه ورسله".
        ويقول القرطبي " فالقاتل ليس بأفضل من موسى وهارون والفاجر ليس بأخبث من فرعون وقد أمرهما الله تعالى باللين معه وقال طلحة بن عمر قلت لعطاء إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة وأنا رجل في حدة فأقول لهم بعض القول الغليظ فقال لا تفعل يقول الله تعالى وقولوا للناس حسنا فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي" 
المبحث الثاني
احـــترام فكـــر الآخــــر 

          إن القرآن وهو يؤصل لتلك القاعدة المهمة لا يسع لإلغاء الآخر فيما يفكر أو يقول بل يهبه حق الاستماع بل والتساوي معه فيما يعرضه من أفكار قال تعالى (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ،قُلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ،قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ) (سـبأ: 24،26) ومعناه (لما ردّ أمر الفريقين بين أن يكون احدهما على هدى والآخر في ضلال وكان الضلال يأتي بالإجرام اتسع  في المحاجة فقيل لهم:إذا نحن أجرمنا فانتم غير مؤاخذين بجرمنا  وإذا  عملتم عملا فنحن غير مؤاخذين به،أي أن كل فريق مؤاخذ وحده بعمله فالأحرى بكلا الفريقين أن ينظر كل إلى أعماله وإعمال ضده ليعلم أي الفريقين أحق بالفوز والنجاة عند الله..... وهذا ضرب من المشاركة والموادعة ليخلوا بأنفسهم فينظروا في أمرهم ولا يلهيهم جدال المؤمنين عن استعراض ومحاسبة أنفسهم وفيه زيادة إنصاف إذا فرض المؤمنين الإجرام في جانب أنفسهم وأسندوا العمل  على إطلاقه في جانب المخاطبين لأن النظر والتدبر بعد ذلك يكشف عن كنه كلا العملين  ).  
فالقرآن لم يأمر محاوريه بالعنف في الحوار أو استخدام أي آلية من شأنها أن تثير الآخر  في الحوار، فقال على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام(وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) (يونس:41) فأعطى لكل من الفريقين المسؤولية الكاملة لتحمل نتائج أفكاره وحواره وهي قمة في رقي الحوار. يقول الرازي(أضاف الإجرام إلى النفس وقال في حقهم (وَلاَ نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) ذكر بلفظ العمل لئلا يحصل الإغضاب المانع من الفهم وقوله ( لاَّ تُسْئَلُونَ) (وَلاَ نُسْئَلُ ) زيادة حث على النظر وذلك لأن كل أحد إذا كان مؤاخذاً بجرمه فإذا احترز نجا ولو كان البريء يؤاخذ بالجرم لما كفى النظر ( )ويقول البيضاوي "هذا ادخل في الأنصاف وابلغ في الإخبات حيث اسند الإجرام إلى أنفسهم والعمل إلى المخاطبين" ويقول أبو السعود " وهذا ابلغ في الإنصاف وابعد من الجدل والاعتساف حيث اسند فيه الإجرام وان أريد به الزلة وترك الأولى إلى أنفسهم ومطلق العمل إلى المخاطبين مع أن أعمالهم اكبر الكبائر " فكذبهم من غير أن يصرح بالتكذيب" وكل ذلك لان الحق أبلج لا يخشى من حجة الآخر بل وليفتح جوارحه كي تستقبل ما يقوله الآخر.
المبحث الثالث
الابتعــــاد عـــن الجـــــدال

       الجدل صفة من صفات الإنسان السلوكية ذكرها القرآن في قوله تعالى(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً) (الكهف:54) .           " والمجادلة دفع القول على القول على طريق الحجة بالقوة مأخوذ من الأجدل طائر قوي أو لقصد المغالبة كأنه سيطرحه على الجدالة ويكون حقا في نصرة الحق وباطلا في نصرة الباطل" وعليه فهناك جدال في الحق وجدال في الباطل قال تعالى(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ) (الحج:8) قال الرازي "  هذه الآية بمفهومها تدل على جواز المجادلة الحقة لأن تخصيص المجادلة مع عدم العلم بالدلائل يدل على أن المجادلة مع العلم جائزة فالمجادلة الباطلة هي المراد من قوله (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً)(الزخرف: من الآية58) والمجادلة الحقة هي المراد من قوله تعالى (وَجَادِلْهُم بالتي هي أَحْسَنُ )( النحل: 125 )".
         وقد ساق القرآن الكريم في ذلك توجيهات ووصايا  فعن الجدال بالباطل قال تعالى (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُواً) (الكهف:56) فتهددهم بصنوف من الوعيد قال تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ) (غافر:69) (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) (الشورى:35) وقال تعالى (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ) (غافر:4) قال أبو العالية آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ) (غافر:4)  و (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) (البقرة:176) 
          وربما وضع القرآن لمسات للجدال بالباطل وهو الذي يستخدم المنطق لقلب الحقيقة من غير هدى من دليل او حجة من عقل، قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ) (لقمان من الآية:20) وقال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ) (الحج:3) نزلت في النضر بن الحارث وقيل في أبي جهل وهي تتناول كل من اتصف بذلك)
           ثم بين القرآن الكريم أن الذي يدفع للجدل بلا حجة إنما هو الكبر وأنهم ممقتون عند الله تعالى وعند الناس قال تعالى(الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (غافر:35) (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (غافر:56) .   ثم إن القرآن الكريم أوصى بطريقة الجدال عموما وخصوصا فقال تعالى(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل:125)  وفي اهل الكتاب قال تعالى (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (العنكبوت:46) يقول الرازي " ليس المراد منه المجادلة في فروع الشرع لأن من أنكر نبوته فلا فائدة في الخوض معه في تفاريع الشرع ومن أثبت نبوته فإنه لا يخالفه، فعلمنا أن هذا الجدال كان في التوحيد والنبوة فكان الجدال فيه مأموراً به ......فوجب كوننا مأمورين بذلك الجدال".
         إلا أن المبادرة للجدل يبدو أنها من حظوظ المعاندين والكافرين ولذلك كثيرا ما ينقل القرآن الكريم هذا الجدل عنهم قال تعالى (وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) (الزخرف:58) وقال تعالى (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (الأنعام:121).   " وقد كانت للنبي صلى الله عليه وسلم مجادلات مع المشركين ومع أهل الكتاب وآيات القرآن في ذلك كثيرة وهي أثبت في المعنى وقد قال لليهود (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة:94) وقال لهم (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (آل عمران:59) أي إن كنتم أبعدتم ولداً بغير أب فخذوا ولداً دون أب ولا أم وقال (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً)(آل عمران: من الآية64) وقال (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (المائدة:18) "
 ومما مر يتبين لنا ان القرآن لا يشجع على الجدل إلا في مواقف قليلة وأوصى فيها بالحسنى كما تبين من النصوص الفائتة فقد أطلق على من يلون في كلامه بالجدال (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )(البقرة: من الآية204) يقول ابن العربي" هو ذو جدال إذا كلمك وراجعك رأيت لكلامه طلاوة وباطنه باطل وهذا يدل على أن الجدال لا يجوز إلا بما ظاهره وباطنه سواء" وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم) .
المبحث الرابع 
النزاهة في سماع ونقل حجج الآخر
التحاور مع الآخر يقتضي التفاعل مع ما يطرحه من أدلة وأفكار وحجج، وكثيرا ما نسمع أو نرى سجالات فكرية في حوار بين أكثر من شخص يحاول كل من المحاورين أن يطمس من حجج الآخر ما يشق عليه دفعه. 
      والتتبع القرآني يبن لك انه لا يسعى لذلك بل انه يسمع للآخر ما يقوله وليس ذلك فحسب بل انه ينقل حجة الطرف الآخر كاملة مع بطلانها حال غيبته إذا أراد الرد عليها وهو واقع أمين قل ما تجد محاورا يستخدمه .
والمشكلة التي نعاني منها أحيانا أننا نقف من المحاور موقف الحكم الذي ينطلق من الوحي علما بأن مفاهيمنا وان كان انطلاقها من الوحي إلا أنها تفاعل ربما أصابه الخطأ ولذلك فغالبا ما " نتخندق في خندق الحق ونجعل الآخر في جانب الباطل ، رغم أن الله عز وجل عندما يتكلم يستحضر الآخر وبكل هذا الثقل . فتجد في القرآن كلام الملحدين الذين ينكرون وجود الله أصلاً ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ﴾(الجاثـية: من الآية24) ، وكلام اليهود ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (المائدة: من الآية64))ِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ ﴾)(المائدة: من الآية73)، وكلام المنافقين المغرضين الذين يفلسفون كل رذائلهم وأقل رذائلهم رذيلة البخل، يفلسفون بشكل خطير يمكن أن تنطلي شبهتهم على الضعاف  ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (يّـس:47) شبهة خطيرة يمكن أن تؤثر يوردها القرآن دون أن يستحضر أنها يجب أن تباد وتمحى وتقصى لأنها قد تفسد على المسلمين خلق الكرم والاستجابة لأمر الله بالإنفاق وإعطاء الزكاة بناء على حيثية تحايلية تأويليه فاسدة لأن الله هو الذي يغني ويفقر ويرفع ويضع ويوسر ويعسر.كما أننا نجد كل الطوائف الفاسدة والآراء الأخرى موجودة داخل النص القرآني وبهذا الحضور".
ثم إن القرآن الكريم كثيرا ما ينقل حجة الآخر ويحكم عليها إن احتاج الأمر كما في قوله تعالى (وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (البقرة:135) وبمثل قوله تعالى (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (آل عمران:67).
 إلا أنه أحيانا بهمل الجواب بعد عرضه لحجة الآخر وقد يكون ذلك لسببين :
الأول: إما لتفاهة ما يعرضه المقابل بحيث يكون السكوت أبلغ من الرد عليه 
والثاني: ربما لأنه يريد ترك المساحة الفكرية واسعة لاجتهاد المسلم المحاور في الرد في كل زمان فلا يضع وصاية على عقله فيترك له فرصة الإبداع في عبادة ربه بالبرهنة على أحقيته فيما يعتقد. 
 
المبحث الخامس
 طلب الحق وانتفاء النفعية فيه.

       ربما يكون مسعى البعض من الحوار أن يتقرب أو يتزلف أو يحقق له  مكسبا ماديا من وراء حواره  وهو مطمع  طالما سعى له الناس في منازلاتهم الفكرية وغيرها(وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) (الأعراف:113) (قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) (الشعراء:42) (والمقصود انه سبحانه وتعالى ذكر أصحاب الأجور والمراتب وهذان الأمران هما اللذان وعدهما فرعون السحرة إن غلبوا موسى عليه الصلاة والسلام فقالوا إن لنا لأجرا إن كنا الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين أي اجمع لكم بين الأجر والمنزلة عندي والقرب مني فالعمال عملوا على الأجور والعارفون عملوا على المراتب والمنزلة والزلفى عند الله) .
        إلا أن القرآن قد أصّل مسالة البحث عن الحق وبيانه لذاته لا  لشيء  غير ذلك من وراء كل حوار، لذلك كان في اغلب المحاورات يشق أسماع المحاور وربما يفاجئهم بالقول من انتفاء أي غاية نفعية مادية من وراء ذلك الحوار سوى بيان الحقيقة كما في قوله تعالى على لسان انبيائه (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ)(الأنعام: من الآية90) (يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ) (هود:51) وقوله تعالى (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (يونس:72) (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الشعراء:109) وقوله تعالى (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (سـبأ:47)  فيحصل من كل ما تقدم من انتفاء النفعية  المادية حقيقة التجرد لله تعالى في طلب الحق وبيانه للآخر من اجل فائدته لا غير.   
الفصل الثاني
المبــادئ الفكريـــة لــواقعيــــة الحــــوار
ويتكون من مباحث
المبحث الأول: التمييز بين أصناف الناس في الدعوة
المبحــث الثـــاني: الاتـفــــاق علــــى الثـــوابـــــــت
المبحث الثالث: استخدام وسائل الإقناع في التحــاور
المبحث الرابع: انتفــاء الشخصــنة في محـاورة الآخــر

 المبحث الأول 
التميـــيز بين أصناف النــاس في الحـــوار

مر بنا من قبل أن الإسلام لا يسعى للجدال وإذا جادل فهو يأمر بالحسنى، إلا أن الناس مختلفون من حيث القدرة على التلقي، وهم أصناف، منهم من يتلق ويسمع ويتدبر ومنهم الدهماء الذين لا يعقلون كثيرا، لذلك حرص القرآن على أن يكون الجدال مع أصناف الناس كل بحسب حاله، فأوصى بالحسنى مع أهل الكتاب لما لهم من معرفة بالله وبأنبيائه مما يقتضي تحيدهم، فربما كانوا قادة للناس بسبب ما عندهم من معرفة لذلك قال تعالى(وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (العنكبوت:46) 
       وحكى أهل التفسير في ذلك ثلاثة وجوه لمعنى الجدال:
           الوجه الأول: دعوتهم للإسلام. فيروى عن مجاهد قوله  " كان ناس من الأنصار يسترضعون لأولادهم في اليهود فكانوا يجادلونهم ويذكرون لهم الإسلام فانزل الله (لا إكراه في الدين)".
      الوجه الثاني: أن الآية منسوخة. فعن قتادة قوله: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ) نسختها (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ )(التوبة: من الآية5) ولا مجادلة أشد من السيف.
       الوجه الثالث: عدم مجادلة المؤمنين منهم. فعن اصبغ بن الفرج قال سمعت عبد الرحمن بن زيد بن اسلم في قول الله (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) قال ليست بمنسوخة لا ينبغي أن يجادل من امن منهم لعلهم أن يحدثوا شيئا في كتاب الله لا تعلمه أنت وعن سفيان بن حسين في قوله وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) قال التي هي أحسن( وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ ) (العنكبوت:46) إلى آخر الآية.
         والراجح – والله اعلم-  أن الآية ليست منسوخة وأنها تتعلق بضرورة الحوار مع الناس خصوصا أهل الكتاب منهم بالحسنى وبما يتفقون به معنا، يقول الطبري   " لا معنى لقول من قال نزلت هذه الآية قبل الأمر بالقتال وزعم أنها منسوخة لأنه لا خبر بذلك يقطع العذر ولا دلالة على صحته من فطرة عقل وقد بينا في غير موضع من كتابنا أنه لا يجوز أن يحكم على حكم الله في كتابه بأنه منسوخ إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل".
 
المبحـــث الثــــاني
الاتـفــــاق علــــى الثـــوابـــــــت

            هناك مسلمات في الحوار يُتَفَقُ عليها  من الممكن الولوج من خلالها للتحاور مع الآخر، وهو مبدأ قرآني بينته الآيات الكثيرة الدالة على ذلك منها قوله تعالى    (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران:64) وقوله تعالى(قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة:136) وفوله تعالى (قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (آل عمران:84) وقوله تعالى( وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (العنكبوت:46) 
         والاتفاق على هذه الثوابت من شأنه أن يحقق فرصا للتفاهم والتفاوض مع الآخر  من غير فرض لفكرة معينة توحي له بأنه يستخدم القوة بل ولكي يدرك العقلاء منهم بان الفكرة امتداد لما عندهم من اعتقاد وتجديد لما طرأ عليها من ركام ،كما انه يحيّد تلك الفئة من الناس والتي تتمتع بنوع من المعرفة والسبق للرسالات مما يعطيها ثقلا في الحكم على الوقائع ولذلك قال أبو هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم " لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ ولا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا (ا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا )" يقول الآلوسي: " الكلمة السواء كما قاله ابن عباس والربيع وقتادة هي العدل، وقيل إن  سواء مصدر بمعنى مستوية، أي لا يختلف فيها التوراة والإنجيل والقرآن، أو لا اختلاف فيها بكل الشرائع.... فان تولوا عن موافقتكم فيما ذكر مما اتفق عليه الكتب والرسل بعد عرضه عليهم فاعلموا أنهم لزمتهم الحجة وإنما أبو عنادا" .
         ولأهمية هذا الأسلوب فقد كانت هذه الآية من أول أبجديات الدعوة في محاورة الدول الأخرى وقد أرسل بها النبي^ إلى النجاشي وقيصر وكسرى فكان لها أثرها في نفس قيصر حتى ذكر عنه قوله (إن هذا الكتاب لم أره بعد سليمان بن داود.
         وقد كان فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفقا لذلك كما في صلح الحديبية فلما طلب منه المشركون حذف صفة الرحمن والرحيم وكلمة محمد رسول الله واكتفوا بقولهم بسمك اللهم وافق على ذلك فعن أَنَسٍ أَنَّ قُرَيْشًا صَالَحُوا النبي صلى الله عليه وسلم فِيهِمْ سُهَيْلُ بن عَمْرٍو فقال النبي صلى الله عليه وسلم لِعَلِيٍّ اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرَّحِيمِ قال سُهَيْلٌ أَمَّا بِاسْمِ اللَّهِ فما نَدْرِي ما بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرَّحِيمِ وَلَكِنْ اكْتُبْ ما نَعْرِفُ بِاسْمِكَ اللهم فقال اكْتُبْ من مُحَمَّدٍ رسول اللَّهِ قالوا لو عَلِمْنَا أَنَّكَ رسول اللَّهِ لأتبعناك وَلَكِنْ اكْتُبْ اسْمَكَ وَاسْمَ أَبِيكَ فقال النبي صلى الله عليه وسلم اكْتُبْ من مُحَمَّدِ بن عبد اللَّهِ فَاشْتَرَطُوا على النبي^ أَنْ من جاء مِنْكُمْ لم نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا فَقَالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ أَنَكْتُبُ هذا قال نعم إنه من ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ الله وَمَنْ جَاءَنَا منهم سَيَجْعَلُ الله له فَرَجًا وَمَخْرَجًا (فقال أصحابه دعنا نقاتلهم  قال لا ولكن اكتبوا كما يريدون) والنبي سايرهم فيما ارادوا كتابته لان قسما منه لا يضر بالعقيدة والقسم الآخر  في اطار الإثبات وهي النبوة لأنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يلج من خلال هدنة الحديبية إلى الجزيرة العربية وقد تحقق له ما أراد.
المبحث الثالث
استخـــدام وســــائل الإقنـــاع في التحـــــاور

     وفيه عرض القرآن لنماذج من محاورة الآخر من خلال ما يأتي: 
أولا: اعتماد الحجج الواقعية وبيان المقدمات والنتائج في الحوار.فهناك أدلة تحيط بالإنسان لا يستطيع الآخر جحودها وقد بين القرآن الكريم  منها الكثير  في أغلب حوارات الخليل إبراهيم عليه السلام- مع الآخر ففي بيان الحجة على عجز أصنامهم المعبودة عمد إلى تكسيرها واسند الفعل لها استدراجا لعقولهم أن تستفيق (قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ،قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ،فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ،ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ،قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ، أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (الانبياء: 62،67)           وقد افلح الخليل في استدراجهم بالحوار العقلي الى الفعل الملزم،( لأنه لما رأى عليه السلام منهم بادرة تعظيم الأكبر لكونه أكمل من باقي الأصنام وعلم إن ما هذا شانه يصان ان يشترك معه من دونه في التبجيل والتكبير، حمله ذلك على تكسيرها منبها لهم على إن الله أغير وعلى تمحيق الأكبر اقدر وحري أن يخص بالعبادة فلما كان الكبير هو الحامل على تكسير الصغير صحت النسبة إليه على ما سلف ولما تبين لهم الحق رجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم انتم الظالمون إذ وضعتم العبادة بغير موضعها).
          وقد لاح لبعضهم ان يستفيق لولا جذوة الظلم والجبروت التي أرادت أن تنهي الأمر بالإحراق فقد(رجع بعضهم إلى بعض أو رجع كل واحد إلى نفسه مفكراً فيما قاله إبراهيم -  أنتم الظالمون- بسؤاله لأنها لو كانت آلهة لم يصل إليها حادوا عما أرادوه من الجواب وأنطقهم الله بالحق).
 وكذلك هو الأمر مع النمروذ الذي جعل من نفسه نداً لله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (البقرة:258) فهنا قطع الخليل إبراهيم عليه السلام أي حجة للملك من الممكن ان يستغلها بسبب جبروته فألجأه إلى ما لا يملك فألجمه بالحجة التي بهت لها فسكت.يقول القرطبي " أن إبراهيم عليه السلام لما وصف ربه تعالى بما هو صفة له من الإحياء والإماتة لكنه أمر له حقيقة ومجاز، فقصد إبراهيم عليه السلام إلى الحقيقة وفزع نمروذ إلى المجاز وموه على قومه فسلم له إبراهيم تسليم الجدل وانتقل معه من المثال وجاءه بأمر لا مجاز فيه - فبهت الذي كفر - أي انقطعت حجته ولم يمكنه أن يقول أنا الآتي بها من المشرق لأن ذوي الألباب يكذبونه "  وهذا إلزام له بطرد دليله إن كان صادقا في دعواه فلما قال له أمرا لا قوة له في شبهة تشوش دليله ولا قادحا يقدح في سبيله بهت الذي كفر  أي تحير فلم يرجع إليه جوابا وانقطعت حجته وسقطت شبهته" .
      ثانيا: توجيه العقل الى المحيط الكوني وما فيه من مشاهد وسيلة من وسائل الإقناع التي يعرضها القرآن للحوار مع الآخر طلبا لإقناعه من ذلك قوله تعالى (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ،أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ،أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ،أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ،أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (النمل59،64) ومثله في قوله تعالى(قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ،سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ،(قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ،سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ،قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ،سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) (المؤمنون: 84،89) (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) (يونس:31).
       ثالثا: انتفاء التحاور بما هو غيبي. يختلف الحوار حسب المحاور فيما يتعلق بالغيبيات أو ما هو مجهول فمن كان ملحدا ليس  من السهل إقناعه بمسلمات الغيب فيما يتعلق بالعقيدة فأعلن القرآن في غير مرة أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم علم في أمور الغيب فقال تعالى(قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ) (الأنعام:50)  وقوله تعالى(وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ )(هود: من الآية31) ولذلك فقد عاب القرآن الكريم على اليهود خوضهم بما لا يعلمون من الجدل في وجهة إبراهيم عليه السلام (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ والإنجيل إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ،هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ،مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (آل عمران:67،65) 
رابعا:الفصل في  نتائج الحوارات.كثيرا ما نرى القرآن الكريم يفصل في الأمر في نهاية الحوار وليس هو من قبيل مصادرة الرأي الآخر وإنما هو لسببين:
 الأول: بيان عجز الآخر بعد بيان الحجة والدليل كما في قوله تعالى( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (آل عمران:67 
 الثاني: لبيان الحكم لأتباعه فلو ترك الأمر من غير بيان ربما ظن البعض بأن الأمر لا نتيجة منه أو أن الأمر لم يزل قابلا للبيان والبحث .
المبحث الرابع
انتفاء الشخصنة في محاورة الآخر

       الإسلام في حواره مع الآخر يحاور الفكرة من غير مساس بصاحبها ممن يعتنقها أو يدين بها وفي كثير من الحوارات التي نشاهدها أو نسمعها نجد أن الحوار ينساق لتنحصر القضية التي يجري التحاور فيها بالشخص المحاور وينال المتحاورون من بعضهم لضغائن شخصية قد لا يكون للفكرة صلة بها.
       وقد وجدت أن القرآن يبتعد عن هذا السلوك فلا يكاد يحصر الحوار في شخص محاوره وإنما ينسبه إلى ملته أو مذهبه وعقيدته، بل إن القرآن الكريم لا يكاد يربط بين الحدث بذكر الزمان والمكان وذلك تجنبا لشخصنة القضية وأسرها بزمن أو مكان أو ربطها بشخص معين، ليبقى الأمر صالحا لكل زمان ومكان، ولذلك فان الصراع مع قريش اخذ أمدا بعيدا من الزمن تجاوز العقد، إلا انك لا تكاد تجد تصريحا بذلك الصراع ولولا قراءة أسباب النزول لما عرفنا للصراع مع قريش وغيرها أي شي، وكذا الأمر مع أهل الكتاب ونفس الشيء في اغلب السجالات الفكرية التي تعتمد الحوار فكان القرآن يستخدم الألفاظ والصفات العامة كمثل قوله (يا بني آدم ) (يا أهل الكتاب ) و(الذين كفروا ) (والذين امنوا) و(فرعون والنمروذ وبلقيس) وهذه ألقاب للملوك وليست أسماء،  أو يستخدم الأسماء الموصولة التي تبهم الحدث ولا تدل عليه يقول الأستاذ الإدريسي: " إن القرآن الكريم غني بكل شيء ولكنه فقير جداً بفقر هو عين الغنى هو الفقر ( بالأسماء الموسوعية ) الأسماء الدالة على الزمان والمكان والأشخاص، أي أسماء القبائل والمدن والأماكن والأشخاص . بل هناك شيء عجيب جداً في قصص النبيين وحركة التاريخ ، والتاريخ لا يكون إلا بأسماء موسوعية ، فالأنبياء يذكرون بأسمائهم ولكن النبي محمد r يذكر أربع مرات فقط باسمه لأنه يمثل البداية لمرحلة النظر إلى التاريخ كحدث مضى ينبغي أن يقرأ ، وتأسيس النسق المجرد الذي سيصنع من خلاله التاريخ ، وفيما عدا ذلك يدعى ( يا أيها النبي).  وكذلك ما ذكرت امرأة باسمها في القرآن الكريم إلا مريم، حتى خولة التي كانت حدثاً حياً يمشي على الأرض ( قد سمع الله قول التي تجادلك قي زوجها وتشتكي إلى الله ) لم يذكرها القرآن باسمها.  .....لدرجة أننا نجد القرآن الكريم يترك منهج التجريد استثناء ويذكر بعض الأسماء للأماكن والأشخاص من باب أن لا يجرد تجريداً يُتهم فيه أنه غير تاريخي بالمرة فلا يأتي من ينكر أن القرآن له ارتباط بالتاريخ.  وأحياناً تكاد لا تجد ملمحاً واقعياً في حدث مادي).
 إلا أن القرآن ربما عمد إلى ذكر الشخص وزمانه ومكانه تحقيقا منه لشخصنة القضية كما في الحوار مع الشيطان وذلك من اجل تحويل الفكر إلى أن ثمة صراع بين هذا المخلوق من الجن وأتباعه وبين الإنس  الذين ما برح القرآن يحذرهم منه وسنضرب لذلك مثلا يجمع بين الشخصنة ونفيها كما في النص القرآني الآتي:
           قال تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، قالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ،قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ،قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ،قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ،قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ،ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ،قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ،وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ،فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ،وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ،فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ،قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الأعراف: 11-23) .            ويلاحظ هنا أن القرآن أسهب في ذكر القصة بكاملها ليسترعي نظر بني آدم من بعد ولذلك فإنه عمد ذكر السبب في رفض إبليس للسجود ثم عاود من بعد لذكر التحدي والحرب التي أعلنها الشيطان ضد آدم وذريته من بعد وآزرهم بالنصرة والمغفرة إذا ما تابوا وأكد على وسيلة الشيطان في استدراج الذراري من بني آدم فذكر الحوار بأشخاصه وهو ما كان منه بين إبليس وآدم عليه السلام وما كان منه بين الله تعالى وبين إبليس عليه لعائن الله تعالى، والغرض من ذلك أن يتحول النزال إلى الشخصنة بين الشياطين والصالحين من الإنس. 
يقول الرازي: " اعلم أن المقصود من ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام حصول العبرة لمن يسمعها فكأنه تعالى لما ذكر قصة آدم وبين فيها شدة عداوة الشيطان لآدم وأولاده أتبعها بأن حذر أولاد آدم من قبول وسوسة الشيطان فقال ( يَذَّكَّرُونَ يَابَنِى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ الْجَنَّةِ ) وذلك لأن الشيطان لما بلغ أثر كيده ولطف وسوسته وشدة اهتمامه إلى أن قدر على إلقاء آدم في الزلة الموجبة لإخراجه من الجنة بأن يقدر على أمثال هذه المضار في حق بني آدم أولى فبهذا الطريق حذر تعالى بني آدم بالاحتراز عن وسوسة الشيطان" .
   إلا أنه بعد أن نقل ذلك عمد الحوار من بعد إلى رفع الشخصنة فنلاحظه يوجه الخطاب عاما ولنصغ الى تكملة النص من بعد حيث يقول تعالى:     (يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ،وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ،قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ،فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ،يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ،قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ،قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (لأعراف: 27،33) .       فأنت ترى أن القرآن الكريم عمد إلى إبهام الأشخاص في التوجيه فاستعمل كلمة (بني آدم)لنصح كل الناس من غير تشخيص ولما ذم الشيطان أشار إلى أن أولياءه هم من غير المؤمنين ( إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) ثم قال لنبيه ومن الممكن أن ينعكس القول على لسان كل محاور (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) ثم حكى أن أقواما ضلت واتبعت الشيطان من غير تصنيف لهم( فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ) ليبقى الأمر شاملا لكل زمان ومكان من غير حصر للقضية في زمن أو مكان. 
" ولقد فهم المسلمون هذه الروح فوضعوا قواعد للتفسير تنسجم مع هذا التوجه كقولهم ( العبرة في عموم اللفظ لا بخصوص السبب ) لبيان أنها قوانين عامة لا تنحصر ولا تموت و لا تجمد عند الحادثة.  وهذا يدلنا أن القرآن الكريم يعطي الضمانة الأساسية ليبقى الحوار صالحاً.  فأنت إذا كنت تحاور الشخص لا تتخندق في ذاته وتتخندق في ذاتك وتفرض عليه معركة ذاتية . فالآيات تتحدث عن الذين آمنوا ، والذين كفروا ، والذين نافقوا هي مجموعات مرنة منفتحة قابلة للإدخال والإخراج بما فيها من مواصفات مجردة " .

 
الفصل الثالث
الــواقعـيــــة في الحـــوار مــع الآخــــــر
ويتكون من مباحث
المبحث الأول: الـواقـعيــة بين حــوار الدعـــوة والدولــــة
المبحث الثاني: الــواقـعيــــة في حــوار الدولــة والدعــــوة
المبحث الثالث: الواقـعيـــة فــي حــوار اليــهود والنــصارى 
المبحث الأول
الواقعيــة بين حــوار الدعــوة والــدولة

إن المصالح التي تتصل بالعقيدة والدعوة وبناء الدولة لا تأخذ حيزا واحدا من المنطق والحوار فلها أحوال  حسب الزمان والمكان، فتارة يكون الحوار هادئا وأخرى ينطلق من موقع القوة في تقريع الخصوم وسنرى طريقة الحوار مع المشركين والمنافقين واليهود  قبل الدولة. 
أولا: التحاور مع المشركين: فمع بداية الدعوة نجد أن القرآن يعرض الحوار مع الآخر بغاية من الهدوء بالرغم من الاستفزاز الذي ورد من جهة الآخر فيما طلب ويطلب وكما في قوله تعالى (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً،أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً،أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً،أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً) (الإسراء: 90،93) يقول الزمخشري : " لما تبين إعجاز القرآن وانضمت إليه المعجزات الأخر والبينات ولزمتهم الحجة وغلبوا أخذوا يتعللون باقتراح الآيات فعل المبهوت المحجوج المتعثر في أذيال الحيرة"  ومع ذلك فقد كان جواب النبي^ في غاية من الواقعية في أدراك مقدراته البشرية وعدم الرد بما يؤجج الموقف (فانصرف حزينا من مقالة قومه)  علما بأنه يعلم أن الله تعالى قادر على تحقيق ما طلبوه، وفعلا فان الوحي قد أعطى للنبي صلى الله عليه وسلم فرصة تحقيق ذلك شريطة إيمانهم وإلا كان العذاب جزاؤهم إلا انه آثر الحوار مع القوم طلبا لإقناعهم .
      وقد تجلى منطق الحوار  هذا في ذلك الظرف في أفعال النبي صلى الله علبه وسلم فلما شكا له أصحابه عنت الكافرين كما جاء عن خَبَّاب إذ  يقول( أَتَيْتُ النبي صلى الله عليه وسلم وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً وهو في ظِلِّ الْكَعْبَةِ وقد لَقِينَا من الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً فقلت يا رَسُولَ اللَّهِ ألا تَدْعُو اللَّهَ فَقَعَدَ وهو مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ فقال لقد كان من قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ ما دُونَ عِظَامِهِ من لَحْمٍ أو عَصَبٍ ما يَصْرِفُهُ ذلك عن دِينِهِ وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ على مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ ما يَصْرِفُهُ ذلك عن دِينِهِ وَلَيُتِمَّنَّ الله هذا الْأَمْرَ حتى يَسِيرَ الرَّاكِبُ من صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ ما يَخَافُ إلا اللَّهَ زَادَ بَيَانٌ وَالذِّئْبَ على غَنَمِهِ) ولما مر على آل ياسر وهم يعذبون لم يزد على أن قال (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة ).
وهذا كله في مكة قبل أن يكون له استقلال دولي لكن الأمر سيختلف من حيث السياسة والتعامل الدعوي في المدينة في ظل الدولة كما سيتبين لنا لاحقا.
ثانيا: التحاور مع أهل الكتاب. أكد القرآن الكريم على جدال أهل الكتاب بأحسن الطرق فقال تعالى (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (العنكبوت:46) وقال تعالى(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل:125) . ودعا للصفح عن أهل الكتاب كما في قوله تعالى (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة:13) يقول ابن كثير" وهذا هو عين النصر والظفر كما قال بعض السلف ماعاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه وبهذا يحصل لهم تأليف وجمع على الحق ولعل الله أن يهديهم) إلا أن الكثير من أهل التفسير قالوا : لم يؤمر يومئذ بقتالهم فأمره الله أن يعفو عنهم ويصفح ثم نسخ ذلك في براءة فقال ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) ( التوبة الآية 29 ) أو بآية السيف.
 وسواء كانت الآية منسوخة أو غير ذلك المهم أنها تثبت المرحلية التي تعبر عن واقعية القرآن في التحاور مع الآخر.
        ثالثا:التحاور مع المنافقين.النفاق ثوب يشق على الدولة التعامل معه لأنه مرض قلبي واعتقاد داخلي لا يمكن التعامل معه إلا بمقتضى الظاهر من هنا كان الحذر الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في تخوفه من الحكم عليهم بما يستحقون (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه. من هنا كان سجال الحوار معهم في البداية هادئا هادفا يبينه قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً،وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً،فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً،أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً) (النساء: 60،63) يقول الرازي:واعلم أنه تعالى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم بثلاثة أشياء:
 الأول قوله ( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ) وهذا يفيد أمرين أحدهما أن لا يقبل منهم ذلك العذر ولا يغتر به فان من لا يقبل عذر غيره ويستمر على سخطه قد يوصف بأنه معرض عنه غير ملتفت إليه.والثاني أن هذا يجري مجرى أن يقول له اكتف بالإعراض عنهم ولا تهتك سترهم ولا تظهر لهم أنك عالم بكنه ما في بواطنهم فان من هتك ستر عدوه وأظهر له كونه عالما بما في قلبه فربما يجرئه ذلك على أن لا يبالي بإظهار العداوة فيزداد الشر ولكن إذا تركه على حاله بقي في خوف ووجل فيقل الشر.
النوع الثاني قوله تعالى ( وَعِظْهُمْ ) والمراد أنه يزجرهم عن النفاق والمكر والكيد والحسد والكذب ويخوفهم بعقاب الآخرة كما قال تعالى ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) ( النحل 125 ) .
النوع الثالث قوله تعالى ( وَقُل لَّهُمْ في أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ) في قوله ( في أَنفُسِهِمْ ) وجوه منها قل لهم في أنفسهم خاليا بهم ليس معهم غيرهم على سبيل السر.
( وقيل المعنى بالإعراض معاملتهم بالرفق والأناة ففي ذلك تأديب لهم وهو عتابهم ولا يراد بالإعراض الهجر والقطيعة فإنّ قوله وعظهم يمنع من ذلك وعظهم أي خوفهم بعذاب الله وازجرهم وأنكر عليهم أن يعودوا لمثل ما فعلوا. 
والقول البليغ هو الزجر والردع قال الحسن هو التوعد بالقتل إن استداموا حالة النفاق ويتعلق قوله في أنفسهم بقوله قل على أحد معنيين أي قل لهم خالياً بهم لا يكون معهم أحد من غيرهم مسارَاً لأنّ النصح إذا كان في السرّ كان أنجح وكان بصدد أن يقبل سريعاً ومعنى بليغاً أي مؤثراً فيهم أو قلْ لهم في معنى أنفسهم النجسة المنطوية على النفاق قولاً يبلغ منهم ما يزجرهم عن العود إلى ما فعلوا)
              ويظهر مما مر أن القرآن الكريم في حواره راعى المنافقين لأسباب كثر  منها احتواؤهم وعدم الإساءة للإسلام بالنيل من أتباعه وهذا كله ربما في إطار التحاور الداخلي للدولة الجديدة مع رعاياها في بداية الأمر لكن النهج ربما تغير وهو ما سنلحظه في المبحث القادم بإذن الله تعالى.  
المبحـــث الثـــاني
الواقعيــة في حــوار الدولــة والدعـــوة

لعل القارئ يخبل له أن العنوان قد تكرر وهو ليس كذلك فما اعنيه في المبحث الأول إن الدعوة في بدايتها كانت تؤصل للحوار واحتواء الناس جميعا فكان يغلب على الحوار الهدوء والتاني والحلم. 
وفي طور الدولة الجديدة صار لزاما التفريق في التعامل مع المناوئين للدولة في الداخل من أهل الكتاب والمنافقين ومع خصومها في الخارج وسنلمس واقعية الحوار القولي والعملي في التحاور مع الآخر من تلك الفئات من منطق الدولة والدعوة وكما يأتي: 
أولا: التحاور مع أهل الكتاب.مر بنا منطق الحوار مع أهل الكتاب وكيف أن العفو والحسنى هو المنطق الغالب، إلا أن الأمر ربما يختلف في مواقف أخرى كونه حوار دولة ودعوة، فلما انتصر النبي صلى الله علبه وسلم في بدر كان من نتائج ذلك التحول النوعي في التحاور مع اليهود بمنطق جديد فقد جمعهم  في سوق بني قينقاع فقال لهم (يا معاشر يهودا احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم. قالوا يا محمد انك ترانا كقومك يغرك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، إنا والله لو حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس) وهنا أمر القرآن نبيه بلهجة جديدة معهم فقال تعالى(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وبئس الْمِهَادُ) (آل عمران:12) .
وكان اليهود قد تعاهدوا  مع النبي صلى الله عليه وسلم داخل المدينة إلا إن شرورهم لم تنقطع ولكثرة ما عرفوه من العفو خيل لهم بان ذلك ضعفا من الإسلام وهنا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم ما بعد الحوار وما يترتب على نقض المواثيق في الدولة الواحدة فتعامل معهم بحزم لما اعتدى نفر من يهود بني قينقاع يقول ابن هشام  ذكر عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة عن أبي عون قال كان من أمر ابن قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بن قينقاع وجلست إلى صائغ بها فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت انكشفت سوءتها فضحكوا بها فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله وكان يهوديا وشدت اليهود على المسلم فقتلوه فاصطرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع فحاصر النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه)  وهو تحول نوعي في الحوار وما يترتب على دولة الدعوة والحوار.
ثانيا: التحاور مع المنافقين. عرفنا من قبل أن دعوة الإسلام لأنصاره هو حوار اللين والمنافقون يلبسون ثوب الإسلام، ألا أن الأمر لا يخلو من مفاسد ربما استغلها المشركون والأعداء لصالحهم بسبب حيلة النفاق خصوصا بعد الدولة لذلك صار الحوار معهم من اجل كشفهم وفضحهم فمن حيث أمر بالعظة لهم أمر هنا بالغلظة معهم لما يصدر منهم من آفات تهدد كيان الدولة الفتية قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التوبة:73) من هنا دأب القرآن في رسم الحوار معهم والقائم على فضح أعمالهم من ذلك(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (النور:53) ورد على اتهاماتهم وتخرصاتهم كما في قوله تعالى(يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) (المنافقون:8) وأمر بعدم إشراكهم في المعارك القتالية دفعا لمفاسدهم  (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) (التوبة:83).   ولذلك فقد منع القرآن نبيه من العفو عنهم أو طلب الرحمة لهم كما في قوله تعالى (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) (التوبة:43) وقال تعالى (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة:80) .
      ثالثا:التحاور مع الخصم الخارجي.  كانت دعوة القرآن من قبل هي التحاور بالحسنى حتى مع هضم الحقوق كما مر بنا في مكة وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى أصحابه بالصبر مع ما يتحملونه من عذاب.
إلا أن ذلك كان من قبيل الدعوة وقبل تأسيس الدولة أما وقد تم بناء الدولة فإن الأمر اختلف، ولذلك بعد أن كان القرآن الكريم يوصي بالحسنى في الجدال عموما أمر نبيه بقتال الكفار فقال (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التوبة:73) قال عطاء نسخت هذه الآية كل شيء من العفو والصفح  فأمره أن يجاهد الكفار بالسيف والمواعظ الحسنة والدعاء إلى الله والمنافقين بالغلظة وإقامة الحجة وأن يعرفهم أحوالهم في الآخرة ثم من بعد ذلك كان الأمر بوقف الظلم وإزاحة الطغاة المانعين لدين الله تعالى فقال جل وعلا( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:123) وقال تعالى (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)(التوبة: من الآية36) ويرى بعض العلماء إن الآية السابقة نسختها اللاحقة،وأما المحققون فإنهم أنكروا هذا النسخ وقالوا إنه تعالى لما أمر بقتال المشركين كافة أرشدهم في ذلك الباب إلى الطريق الأصوب الأصلح وهو أن يبتدؤا من الأقرب فالأقرب منتقلاً إلى الأبعد فالأبعد ألا ترى أن أمر الدعوة وقع على هذا الترتيب قال تعالى ) (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين ) ( الشعراء: 214 ) وأمر الغزوات وقع على هذا الترتيب لأنه عليه السلام حارب قومه ثم انتقل منهم إلى غزو سائر العرب ثم انتقل منهم إلى غزو الشام. والصحابة رضي الله عنهم لما فرغوا من أمر الشام دخلوا العراق ، وإنما قلنا إن الابتداء بالغزو من المواضع القريبة أولى لوجوه الأول أن مقابلة الكل دفعة واحدة متعذرة ولما تساوى الكل في وجوب القتال لما فيهم من الكفر والمحاربة وامتنع الجمع وجب الترجيح.
 
المبحث الثالث
الواقعية في حوار اليهود والنصارى

القرآن الكريم حافل بعرض الحوار مع اليهود والنصارى في صور كثيرة إلا أن المتتبع للنص القرآني للحوار مع أهل الكتاب سيجد فرقا في طريقة الحوار بين الفريقين فحوار اليهود يختلف عن حوار النصارى وسنعرض لذلك من خلال النص الآتي والذي يتناول الحوار مع الفريقين وكما يأتي: 
أولا: واقعية الحوار مع اليهود.
إن النص يبدأ بالخطاب الموجه لأهل الكتاب بالعتاب ثم ينتقل مباشرة إلى ذكر مساوئ فريق منهم وهم اليهود ونلحظ أنه لم يصرح باسم اليهود لأن بعضا من النصارى ربما شاركهم بأفعالهم تلك إلا أنه بعد ذكر تلك الجرائم يصرح بهم قال تعالى (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ،قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ ،وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثم وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ،لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثم وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ،وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وليزبدن كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (المائدة:64) ويمكنني مما مر أن أشير إلى ما يأتي: 
1- أن القرآن استهل الحوار بذكر عامل مشترك وهو الإيمان بالله تعالى مذكرا إياهم بأنهم من حيث لم يؤمنوا بما جاء به القرآن الكريم فان المسلمين يؤمنون بما أنزل من كتب على من سبق من أنبياء ورسل ثم بين فسق الأغلبية الكاثرة منهم مما يعني قلة الفائدة من التحاور معهم. 
2- من حيث لم يصرح القرآن الكريم باليهود صراحة إلا أنه راح يعدد صنائعهم الباطلة وسوء أفعالهم ليتضح من بعد بان المراد بأهل الكتاب هنا هم اليهود.
3-ذكر القرآن الكريم من عقوباتهم اللعن والغضب والمسخ وأنهم شر مكانا وأنهم ضالين لا سبيل يجدي للتحاور معهم. 
4-  ذكر القرآن الكريم أبرز أوصافهم وهو الخداع عن طريق التظاهر بالأيمان إلا إنهم يكفرون بما اتفقوا عليه أو آمنوا به،إضافة إلى سرعتهم في انتهاك المحرمات من مأكل وملبس ومشرب.
5- ثم ذكر القرآن الكريم صلفهم وجرأتهم في التطاول على الله تعالى وبعدها أشار إلى مسالة في غاية الأهمية بان بيان الحق لهم سيزيدهم كفرا وجحودا وطغيانا مما يعني انتفاء الحاجة للتحاور معهم . 
6- ثم يعاود القرآن الكريم نصحه للفريقين،فيؤكد لهم قبولهم بالتوبة والاستغفار ودخولهم الجنة وأن إقامتهم لما بين أيديهم من الكتب مدعاة لرخائهم وهي إشارة إلى أنهم استخدموا الدين للتكسب ولو أقاموه لرزقوا قال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ،وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ والإنجيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) (المائدة،66).
7- ثم يوجه نبيه للتبليغ ويعاود الكرة معهم ليبين لهم أن ما بهم من عقاب ليس لأنهم أعرضوا عن اتباع الإسلام وإنما لأنهم أهملوا ما بين أيديهم من كتب أنزلت إليهم وأنهم على ما هم عليه من العقاب ما لم يحكموا أمر الله تعالى فيهم وبعد يعود القرآن الكريم ليذكر بعقم الحوار معهم من خلال تأكيده على أن ما يظهر لهم من الحق لا يزيدهم إلا طغيانا ،  (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ والإنجيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين)(المائدة،68).
8- يعلن القرآن الكريم مبدأً خالداً في الحكم على من عرف الحق واتبعه من كل الطوائف والشرائع بأنه آمن من عقاب الله تعالى يستحق رضوانه في جنات النعيم (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (المائدة:69). 
9- ومن بعد ما تقدم لأعمالهم يصرح القرآن بهم ذاكرا أبشع ما عندهم في قوله تعالى (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ،وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) (المائدة:71) 
ثانيا: واقعية الحوار مع النصارى.
 الحوار مع النصارى يأخذ طابعا آخر يعتمد النقاش الطويل والسجال الفكري وعرض الأدلة من غير ذكر لسيئات القوم الأخلاقية كما اليهود، وهو ما يتضح لنا من الشق الثاني من النص القرآ ني الآتي:  
(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (المائدة:17) وقوله تعالى(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ،لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ،مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُون،قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ،قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) (المائدة:77). 
1- لقد عمد القرآن إلى حسم النقاش في تاليه المسيح مما يعني أن الأمر معهم ربما وصل إلى طريق مسدود لذلك هرع النقاش إلى تأكيد عبودية المسيح وإنه إن أراد الله تعالى تعذيبه لن يملك احد منع ذلك وهو لفت لأنظارهم إلى قدرة الخالق وضعف المخلوق وإن كان نبيا.
2-في الآية الثانية يؤكد القرآن كفر من الّه المسيح إلا انه يتضمن توجيه النصح من المسيح لبني إسرائيل ومن ثم ينتقل القرآن إلى تأكيد التوحيد إلا أنه هدد من كفر بالعذاب الأليم لكنه ترك الباب مفتوحا لمن تاب منهم واستغفر بالتوبة.
3- ثم يعرض القرآن سلسلة من أوصاف الإنسان الضعيف التي تتناقض مع صفات الإله من الأكل والشرب والامومة، وانتفاء قدرات النفع والإضرار التي هي من صفات الله تعالى وبعدها يوصي أهل الكتاب واحسب النص موجه للنصارى بأن لا يغلوا في الدين ولا يتبعوا اليهود الذين ضلوا عن سواء السبيل لأنه وصفهم بهذا الوصف من قبل حينما تحدث عنهم.  
نتيجة الحوار 
بعد ما مر من عرض لنقاش الفريقين نجد أن الأمر من حيث قلنا بان الحوار مختلف يؤكد هذا نعت القرآن لكلا الفريقين كما في قوله تعالى(لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُون،تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ،وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (المائدة:81).         ومن بعد حكمه على اليهود يبين طبيعة العلاقة بين المسلمين واليهود والنصارى فيقول (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) (المائدة:82) )وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (المائدة:83) (وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ،فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة:85).
والأمر لا يخلو من الحكم على كلا الفريقين بأنهما جاحدان للحق وهو ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (البقرة:120) يقول الرازي: " أن القوم بلغ حالهم في تشددهم في باطلهم وثباتهم على كفرهم أنهم يريدون مع ذلك أن يتبع ملتهم ولا يرضون منه بالكتاب بل يريدون منه الموافقة لهم فيما هم عليه فبين بذلك شدة عداوتهم للرسول.

- د.عمر شاكر الكبيسي

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.