wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
ورقة عمل سعادة الدكتور حسين الرواشدة

   كلما طرقنا موضوع الإصلاح فإنه يتبادر إلى ذهني ثلاث قصص، القصة الأولى هي قصة بقرة الإصلاح التي وردت في القرآن الكريم على لسان سيدنا موسى عليه السلام، في حواره مع بني إسرائيل حينما دار الجدل حول ماهيتها وشكلها ولونها، وهو يقول لهم "ربكم يأمركم بذبحها ويبين لهم أوصافها  حتى ذبحوها وما كادوا يفعلون".
   والقصة الثانية تداولها أشقاؤنا المصريون قبل الثورة حول شراء أحد الأشخاص "لدجاجة" من أحد المولات وهو يسأل عن مواصفات معينة لها، وفي كل مرة يصعد لطابق أعلى في المول على أمل أن يجد مبتغاه، ثم يسأله البائع عن مواصفات الدجاجة : صامدة أم مقطعة، طازجة أم مجمدة، ..الخ ، حتى وصل للطابق الأخير ليتفاجأ بأحد البائعين يقول له "لا يوجد في هذا المول دجاج للبيع".
   وأخشى  ما أخشاه أن تكون قصتنا مع الإصلاح هي ذاتها قصة صاحب الدجاجة ، ولهذا لا يلام المواطن الأردني إن تشاءم أو أكتئب أو شعر بالخوف من خلال التجارب السابقة التي مر بها أو حين يرى مآلات الإصلاح ووعوده وتباطؤ الحكومات في إنجازه.
   لا يمكن بالطبع  وضع مقاربة للإصلاح في الأردن إلا إذا فهمنا ما جرى في العالم العربي منذ عام على الأقل، حيث أنه لم تسقط الأنظمة فقط في العالم العربي بل سقطت أفكار كثيرة وكبيرة وكانت نواة لحركة تاريخية علينا الانتباه لها عند مناقشة الإصلاح في الأردن، سقطت فكرة الزعامة الواحدة، والحزب الحاكم، وفكرة الخوف، وفكرة " نقص الديمقراطية" في المجتمع وفكرة أبدية الحكم، وفكرة استجداء الناس لحقوقهم.
  صحيح أنه لا يوجد في الأردن ثورة ، بل ثمة فورة وثمة حراك شعبي سلمي واع ينقصه التنظيم والبرامج الواضحة، لكن استمراره لأكثر من عام يعطي إشارة بأنه حدث أصيل وأنه قادر على استلهام تجارب الآخرين ولا يمكن أن نفترض بأن ما يحدث في عالمنا العربي لا يؤثر علينا وبالتالي يفترض أن نتعامل مع هذا الحراك من منطلق الفهم والوعي لا بمنطق التهويل أو التهوين أيضا.
  نتفق جميعا على أن هناك بطيء بالإصلاح لكن أخشى ما أخشاه أن يكون هذا البطء مقدمة لمزيد من الشكوك والهواجس حول الإصلاح، ومقدمة لرفع السقوف وإحداث بلبلة داخل المجتمع الأردني.
  أخشى أيضا أن نقاد إلى الفوضى أو إلى أنفجارات اجتماعية يصعب مواجهتها، وأرى أن الانكفاء عن التحول نحو الديمقراطية بسرعة يضر بالمصلحة الأردنية وبالإصلاح نفسه، ومن المفترض بعد عام على الحراك أن نسأل أنفسنا أين أصبنا وأين أخطأنا؟ فالحراك لم يكن واضحا كما هو اليوم، والعودة عنه أو المراوغة في تنفيذه سيكلفنا ثمنا باهضا.
  من واجبنا أن نعترف بأننا وصلنا إلى طريق مسدود: الحراكات في الشارع أوشكت أن تستنزف نفسها بعد عام من الدوران حول شعارات ومطالبات واحتجاجات تجاوز عددها عشرة أضعاف أيام السنة، ولم تتمكن من تجديد آلياتها ووسائلها لاختراق جدار الصمت الرسمي، والحكومات ما تزال تراوغ وتتباطأ في التقدم بخطوات عملية نحو تحول ديمقراطي حقيقي يحسم الجدل المحتدم ويطمئن الناس على مستقبلهم.
  في المشهد نكتشف بأن مجتمعنا يعاني من فقر سياسي وبأن قواه الاجتماعية ضعيفة وغير منظمة، وبأن نخبة مشغولة بصراعات وحسابات سياسية ضيقة،كما نكتشف أيضا بأننا نفتقد للعقل السياسي القادر على رسم خريطة للخروج من مستنقع الأزمة، فنحن لم ننجح مثلا، في التوافق على عقد مؤتمر وطني يطلق وثيقة جامعة ترشدنا إلى الصواب أو تضغط لتنفيذ الإصلاح المطلوب، ومن المفارقة هنا أن أجدادنا قبل أكثر من 80 عاما وفي لحظة أقل خطرا من اللحظة الراهنة، تنادوا وعقدوا مؤتمرهم الوطني الأول وحددوا فيه مطالبهم بالتفصيل.
أمام استعصاء الإصلاح من جهة، ومراوحة حركة الشارع وعجزها عن تجاوز عتبة الاحتجاج بشكله الراهن، يبدو السؤال عن مخرج من الأزمة مشروعا وضروريا، كما يبدو البحث عن طريق جديد أو تيار( رابع)، يوازن بين ما يريده الناس حقا، وما يفترض أن تقدمه الدولة خيارا- إن شئت قدرا- لا مفر منه.
  اللاعبون على الساحة منذ عام انقسموا بين ثلاثة اتجاهات رئيسة، حراكات شبابية، ترفع شعارات بسقوف عالية وتتشوق إلى التغيير، لكنها في الغالب لا تملك مشروعا أو برنامجا سياسيا محددا، وقوى وأحزاب ونخب تسير، خلف الشارع وتحاول أن تتكيف مع مطالبه، أو تستثمرها لحسابات سياسية، وتيار يحاول فرملة عجلات الإصلاح وتزيين خطابه وصورته والعمل على إيقاعه، من أجل استيعابه بحلول شكلية ترسخ الوضع القائم مع إضافة بعض التحسينات عليه، وهدفها هنا تجاوز الأزمة بأقل ما يمكن من تنازلات، والرد على مطالب الشارع والنخب أيضا بأجوبة مبهمة تعتمد التدرج والمرحلية والاستجابة بالقطعة والتقسيط.
مشكلة التيارات التي تتصارع هنا على الإصلاح أنها ما زالت تدور في حلقة مفرغة، وتتشابك على تخوم الموضوع وتتخوف من الدخول في العمق، طبعا معها حق فالدخول قد يفرض عليها دفع فاتورة سياسية ليست مستعدة لها، أو ربما لا تريد أن تدفعها لأسباب ذاتية أو داخلية أو أخرى تتعلق بما يحدث في الإقليم وبالحسابات الدولية أيضا وبالتالي فإن مهمة " التيار الرابع" هي اختراق الحالة بمبادرة جريئة.
  تردم الفجوة بين الشعارات التي يرفعها الشارع وبين الوصفات التي تقدمها الحكومات وتجسير الفجوة هنا يتعلق بالثقة أولا من جهة استعادتها وتقديم ما يلزم من ضمانات لإقناع الناس بجدية المسؤول في التغيير أو بعقلنة المطالب ثانيا مع التنبيه هنا إلى عدم تجاوز مضامينها الأساسية المرتبطة بحقوق الناس وطموحاتهم وأحلامهم أيضا ، وثالثا بوضع خارطة الطريق تكون واضحة ومحددة الزمن لبناء مرحلة انتقالية جديدة على معادلات سياسية عاقلة تراعي تجديد الحالة السياسية وفق معايير ومضامين ووجوه تتناسب مع طبيعة المرحلة واستحقاقاتها.
  يمكن لمجموعة من العقلاء من غير المحسوبين على التيارات البارزة في الملعب السياسي أو من داخلها إذا ما تجاوزوا حساباتهم الحزبية أن يتبنوا هذه الفكرة باسم الأغلبية الصامتة أو باسم "عقل الدولة " الغائب ولتكن مهمتهم الأولى محددة في طرح مبادرة إنقاذ وطني تشكل مرجعية سياسية وأخلاقية ملزمة للجميع، وقد تعتمد هنا على ما تم انجازه في الميثاق الوطني الذي صدر في مطلع التسعينيات بتوافق أغلبية القوى السياسية لكن لا بد من مراعاة ما استجد من قضايا وتقديم إجابات حاسمة عن كل الأسئلة المقلقة المتعلقة بها، ابتداء من قضية الفساد إلى المواطنة والهوية إلى هواجس التوطين وإمكانية الإنفراد بالسلطة والعلاقة بين الدول والمجتمع الخ.
    لا بد للإشارة أيضا بأن الاختلاف على الإصلاح داخل المجتمع الأردني ما زال قائما سواء من قبل التيارات والكتل والشخوص، أو من قبل " الدولة" ذاتها، ثمة من لا يريد الإصلاح وثمة من يتواطأ عنده، أو يلوذ إلى الصمت ، وثمة من هو مؤمن به ويستعجله، وثمة من يضع فزاعات للتخويف منه.
  ومن السهولة الرد على مثل تلك الفزاعات فمثلا: الصراع القائم على الهوية الأردنية وأعتقد أنه لا خوف على الهوية الأردنية ، فهي جامعة، ونمو الهويات الفرعية قد يحدث إذا أحس المواطن بضعف الدولة، أما الدولة القوية فلا خوف عليها في هذه المسألة.
  من الفزاعات أيضا المطالبات الاقتصادية والتي هي أهم من المطالبات السياسية وهذا يثير تساؤلا: من أين نبدأ في الإصلاح؟ هل نبدأه من مكافحة الفساد أم من تغيير اللعبة السياسية؟
الجواب لا بد أن يقود حصان الإصلاح عربة استحقاقاته ومنها مكافحة الفساد ومحاربة الفاسدين، ولا يجوز أن نقلب المعادلة بحيث نضع العربة أمام الإصلاح لأننا عندئذ سنكون مثل من لا ظهر أبقى ولا أرضا قطع.
  اعتقد أن المواطن العادي وعلينا الإنصات له يشكك كثيرا في إرادة الدولة بشأن الإصلاح، والدليل على ذلك أنه طيلة السنة الماضية وهو يخرج للشارع مطالبا بالديمقراطية والعدالة، ونكتشف أن هذه الشعارات تفرع  من مضامينها وأخشى أن نضل طريقنا عن بر الأمان وتفضي بنا لسكة الندامة.
  مسألة تراجع الثقة بين المجتمع والدولة: فالمواطن الأردني يشعر بأن الدولة ضعيفة وغير قادرة على حمايته الأمر ذاته بالنسبة لمؤسساته، فكيف من الممكن إقناعه بجديتنا في الإصلاح ونحن  بالرغم من وجود الحراك إلا أنه لم يتغير إلا القليل خاصة وأن الرسائل التي تصدر عن الدولة لم تقنعه بجديتها في هذا الأمر.

السؤال المهم: ما هو النموذج الذي نريده للإصلاح؟
    نحن بصراحة حائرون أمام أي نموذج من نماذج الدول العربية نستلهم منه للتغيير والإصلاح ، ثمة نموذج ماليزيا، ونموذج المغرب ونموذج اردوغان تركيا، هل لدينا نموذج أردني يتناسب مع خصوصيتنا وظروفنا، الإجابة ما زالت معلقة. 
  اعتقد أن سؤال الإصلاح ما زلنا مختلفا عليه في الأردن فإشكالية الفساد والفزاعات المتعلقة بالوطن البديل والهوية ومستقبل الدولة  والولاية العامة ما زالت تشكل التبات بحاجة إلى حسم، واعتقد أن علينا أن نخرج من هذا الصراع إلى توافقات وطنية ، ومن جهتي أؤيد عقد مؤتمر وطني عام نحدد فيه أولويات الإصلاح في الأردن وننهي من خلاله مسألة التوطين والتجنيس وعدم نضوج الأحزاب لنستقر في النهاية على سكة تفضي بنا إلى السلامة.

 

8/3/2012 

 

 

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.