wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
"الخطاب ألمسجدي" في عصر العولمة
الأحد, May 3, 2009 - 01:00

مع التطور الهائل في وسائل الاتصال والمعلوماتية وانتشار الفضائيات، بدأت تتزايد فرصة الوعي الديني لدى الناس، ما ساهم في تزايد فرص نقد الخطاب المسجدي وتحديد اشكالياته المعاصرة، بالموازاة مع انزياح الدور الدلالي المعرفي للخطاب المسجدي وتراجع الوظيفة الدينية للخطيب في عصر العولمة، حيث بات الكثير من رواد الحضور الإيماني الأسبوعي يرون أن نمطية هذا الخطاب ورتابة موضوعاته، باتتا عبئاً على الذاكرة المزدحمة بهموم الحياة ومشكلاتها.
ولا أكون مبالغا لو قلت: إن أكثر المؤمنين الذين يأتون في هذا الاجتماع الأسبوعي في هذه الأيام، لا يأتون للإفادة من موضوع الخطبة ومتابعة توجيهات الخطيب الدينية كما كان في السابق، بقدر ما يأتون لغاية تأدية الفريضة وإسقاط الواجب الديني المكلفين به "في خير يوم طلعت عليه الشمس" كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وليس أدل على ذلك إلا غياب الدور التنافسي بين الخطباء، الذي كان سائدا لاستقطاب الجمهرة الإيمانية لموضوع الخطبة، والإفادة من توجيهات الخطيب الدينية في القضايا المختلفة، وغياب الدور التفاضلي للمتلقي الذي يبحث عن موضوع الخطبة التي تلبي ذوقه وتنمي شعوره الديني والروحي، أو تساعده في حل بعض مشاكله أو تسكين آلامها.
في عصر العولمة، يبدو أن إشكالية الخطاب ألمسجدي بدأت تتفاقم مع كثرة الناقدين له، واتساع الشرخ التوعوي بين المتلقي والخطيب، إذ بات يشعر المتلقي أنه يعيش فصاما دينيا بين المثال والواقع، أو بين النظرية والممارسة، حيث بات يشعر بازدواجية الزمن وتباينه داخل المسجد وما يدور في خارجه، لتتقطع خطوط الاتصال والتواصل المعرفي في ذهن المتلقي بين نمطية خطاب الداخل ألمسجدي، وحقائق الخارج وفاعليته المتمردة على التاريخ، ليرخي المتلقي أعصابه عندئذ للنوم، حيث لا يستفزه إلى وعي العصر إلا بعض مظاهر "الحداثة المعطوبة" المنعكسة من الجدران والقباب والأضواء.
عادة ما يشعرك موضوع الخطبة، أن الخطيب يريد منك أن تفهم أن الإسلام كيان "جوهراني"، وأن الخطاب الإسلامي لا تزحزحه حركة التاريخ، حيث تريد أن تفهمه أنت بشكل مغاير، بأن الحدود المعرفية للأذواق في الخطاب ألمسجدي قد أزيلت، و المسكوت عنه بات مفضوحا في عصر العولمة، وأن الدور الاختزالي للخطيب الذي كان يحدد أطر المعرفة الدينية ويسيّر الأذواق بحسب وظيفته الدينية تفككت عراه، وأن الدور المركزي التاريخي للخطيب الذي لم يكن من قناة معرفية واستكشافية لما حوله سواه، قد أصبحت جزءاً من الماضي التليد، وأن الممنوع المعرفي في عصر العولمة غدا مسموح بلا حواجز أو قيود، لينهل المتلقي بحسب ذوقه مما "هب ودب" من الديني والسياسي ومن مختلف التيارات والمذاهب والمشارب.
لعل المتلقي يريد أن يقول للخطيب أيضا، إن عليك واجبا كبيرا للتواصل معي من جديد، حيث يجب عليك أن تعيد دور وظيفتك الدينية الاستكشافية للمعرفة الدينية، من خلال احترام عقل المتلقي واحترام زمنه الذي يعيش فيه، ومن ثم تحديد موضوع الخطبة الذي يتعايش مع الزمن ويخرجه من النمطية والإنشائية والسردية والقصصية إلى تحليل الواقع والتقاط خيوطه المقاصدية في النظرية الدينية، حيث يشتبك وعي المتلقي النظري في داخل المسجد مع خارجه المعاش، في ضوء نظر حضاري قائم، ممتد وشامل، للتعامل مع الواقع، حيث تبدأ الرحلة الاستكشافية لمضمرات الخطاب الديني، ومعرفة آليات اشتغاله التي تؤسس لحركة واعية وفاعلة وداعية لتفكيك جوهرانية الخطاب ونقله إلى ديناميكية الزمن.
ولعل المتلقي يريد أن يقول للخطيب أيضا، إن ثمة مسؤوليات مشتركة بيني وبينك، في تفحص مفاهيم المعاصرة المعولمة وشروطها، لتحديد أولويات الخطاب الديني بعامة والخطاب المسجدي بخاصة، الذي ينعكس على تطوير الوعي الإسلامي العام من خلال القدرة على بث رسالة الإسلام في بعد زمني آخر عن مستويات التكوين.
ولعل المتلقي يريد أن يقول للخطيب أيضا، ما دمنا نؤمن وإياك أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، فكيف إذن نعمل سوية على أن يغدو الإسلام سلوكا ومنهاجا لتوحيد الله وتبليغ رسالته بشكل صحيح في القرن الواحد والعشرين، بكل ما يحيط به من متغيرات؟ وكيف نعمل على أن يستقر الإيمان في القلب مع حركة الزمن المتموجة؟ وكيف تنتظم القيم والأفكار إذا ما تعارضت مع موقف زمني ما؟ وكيف نعمل وإياك على أن تصبح عقيدة المسلم بعد أن ترسخ في قلبه وعقله رقيبا يهديه إلى جادة الحق والصواب، في عصر الادعاء والابتلاء والاعتداء والتطرف؟

* كاتب أردني جريدة الغد الأردنية
3/5/2009

 

 

 
 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.