
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد: فإنسانية الإنسان تفرض عليه أن يمتد ليعيش في الإنسان الآخر، ليتقرب عقله من عقله، وينفتح قلبه على قلبه، لأن الهدف من تنوع الخلق هو التعارف والتعايش الذي لا يمكن تحققه إلا بالتفاهم، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى
وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾ ولهذا يصبح الحوار لازما من لوازم الحياة الإنسانية المستقرة .
وقد تضمن القرآن الكريم مشهداً متكاملاً حفل بألوان متعددة من الحوار في قضايا متنوعة، وبين جهات مختلفة؛ وهذا يعتبر إغناءً وإثراءً، وميادين تدريب، وأدلة عمل لكل من يريد فتح باب الحوار حول أي موضوع، وفي أي اتجاه.
ولهذا كان من الضروري استجلاء الأسس المنهجية للحوار مع الآخر في القرآن الكريم، وهذا يقتضي بيان مفهوم الحوار، وأنه ضرورة إنسانية وفريضة دينية، ثم استجلاء نظرة المسلمين لجدوى الحوار مع الآخر، وإلقاء الضوء على الحوارات القائمة، ثم عرض الأسس المنهجية للحوار مع الآخر في القرآن الكريم، والتي تتمثل في
الاعتراف بالآخر وبأن الاختلاف بين البشر حقيقة فطرية، وأنه لا حدود للحوار، وتحقق المعرفة بالآخر، واعتماد العقل والالتزام بالمنهجية العلمية، والتزام آداب الحوار، وأتبعت ذلك بخاتمة تضمنت أهم نتائج البحث وتوصياته.
ولست أدعي فيما أوردته العصمة من القصور، أو البراءة من السهو، ولهذا أرغب إلى كل من أدرك خطأ أو زللا أن يصلحه، ليتخذ عندي يداً أكل جزاءه عليها إلى فضل الله عز وجل.
﴿ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾
مفهوم الحوار:
الحِوَار في اللغة: مشتق من الحَوْر، وهو الرجوع إلى الشيء وعن الشيء، قال ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى يحور حتى سمعت أعرابية تقول لبنية لها: حورى، أي أرجعي . وفي القرآن الكريم: ﴿ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ﴾ أي لن يرجع إلى الله تعالى مبعوثا محشورا
قال لبيد: وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يحور رمادا بعد إذ هو ساطع
والحوار: مراجعة الكلام، والمحاورة: المجاوبة، وأحار الرجل الجواب أي ردَّه، وما أحاره أي ما ردَّه، والمتحاورون قد يرجع أحدهم إلى رأي صاحبه أو قولـه أو فكره، رغبة في الوصول إلى الصواب، أو للاستفسار، أو الرد والتفنيد .
الحوار اصطلاحاً: مراجعة الكلام والحديث بين طرفين أو أكثر، دون أن يكون بينهما ما يدل بالضرورة على الخصومة، بهدف الانتقال من تصور إلى تصور، ومن قول إلى قول، وصولا إلى التصورات الشاملة والمبادئ العليا.
فمدلوله أوسع من الجدال الذي يفيد معنى الصراع، بينما تتسع كلمة الحوار للصراع ولغيره مما يراد منه إيضاح الفكرة، فحيثما وجد الجدال وجد الحوار، وليس كلما وجد الحوار وجد الجدال، لأن الجدال ومعه المحاجة يعطيان الحوار قوة العناد للفكرة والإصرار عليها.
ومن هنا قال الراغب: " الجدال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من جدلت الحبل، أي أحكمت فتله، فكأن المتجادلين يفتل كل واحد الآخر عن رأيه، وقيل: الأصل في الجدال الصراع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة وهي الأرض الصلبة ".
وقد وردت مادة الحوار في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع:
أولها: قول الله عز وجل: ﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ .
ثانيها: قوله تعالى: ﴿ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ﴾ .
ثالثها: قوله تعالى: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾
ولكن عشرات المواضع في القرآن الكريم تضمنت نماذج لحوارات كثيرة في قضايا متنوعة بين أطراف متعددة.
وهذه يؤكد أن الحوار في المنظور القرآني هو الأصل الذي يجب أن يتخلل كل العلاقات؛ لأن القرآن الكريم يريد للإنسان أن يحصل على القناعة الذاتية المرتكزة على الحجة والبرهان في إطار الحوار الهادئ العميق، ويجعل من ذلك الحوار بديلا للمقارعة بالحديد والنار، تلك المقارعة التي تسحق فيها الطاقات، وتهدر الإمكانات.
الحوار ضرورة إنسانية وفريضة دينية:
الحوار ضرورة إنسانية لأنه صيغة من صيغ التواصل والتفاهم، وأسلوب من أساليب العلم والمعرفة، ووسـيلة من وسـائل التبليغ والدعوة، اعتمده الأنبياء والرسل والمصلحون في إقناع الناس بالحق، ودعوتهم إلى الخير والرشاد .
وهو الشكل الفلسفي الممتاز، إذ أكثر ما تكون الأفكار فلسفية عندما يستطيع من يفكر فيها من الداخل أن يبحث عن وجهها الخارجي، والحوار هو الذي يساعد على ذلك .
وطبيعة العصر الحديث تؤكد أن الناس في حاجة ماسة إلى الحوار لتأسيس صيغة معرفية متجددة تعتمد تزاوج الأفكار، وتبادل الرؤى، من خلال سماع الرأي الآخر، والاهتمام به، تحقيقاً للتواصل العلمي والمعرفي، وابتعاداً عن العزلة والانكفاء الذي لم يبق لهما مكان في عالم اليوم.
كما أن الحوار هو أفضل وسيلة للتصدي لمواجهة العولمة الرامية لإحلال ثقافة واحدة على حساب مختلف الثقافات القديمة والحديثة.
وإذا كان الحوار ضرورة إنسانية أملتها ظروف ومقتضيات الحياة المعاصرة، فإنه في الإسلام واجب شرعي وتكليف ديني تتحقق من ورائه غايات نبيلة من أهمها ما يأتي:
( 1 ) إقامةُ الحجة، ودفعُ الفاسد من القول والرأي، فهو تعاون بين أطرافه على معرفة الحقيقة والتَّوصُّل إليها، ليكشف كل طرف ما خفي على صاحبه منها، والسير بطرق الاستدلال الصحيح للوصول إلى الحق.
ولهذا قال الإمام القرطبي: " لا يظهر الفرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل ".
وفي تصوري أن الهدف المرحلي للحوار يجب ألا يتجاوز إعادة الاعتبار للقيم الإيمانية وجعل هذه القيم قوة فاعلة ومؤثرة، بحيث تصير الحضارة الحديثة ذات ضمير أخلاقي يمكنها من إعادة بنية القيم الفاضلة في النفس الإنسانية.
وهذا يستلزم أن يكون الدين في نطاق الأصول الإيمانية المشتركة منطلقا للحوار لا موضوعا له، بحيث نبحث عن المساحات المشتركة في قضايا الإنسان ونستغلها في تحقيق هذا الهدف المرحلي، وعندما يتحقق هذا الهدف سنتمكن من البدء في تحقيق الغاية العظمى وهي الوصول إلى الحق في الجانب الديني.
( 2 ) تنويع الرُّؤى، وتوسيع الأفق لتعزيز مفهوم التسامح، واحترام التنوعية والتعاون، وزيادة تبادل المعرفة حول مختلف مجالات الأنشطة البشرية، لأننا نعيش في عالم واحد لكنه يشتمل على عشرة آلاف ثقافة أو تزيد.
وهذا يستلزم إقامة حوار بين هذه الثقافات يكون قادرا على رسم مستقبل تخرج فيه البشرية من عنف الهيمنة إلى عنفوان التعايش السلمي الذي بدونه تدق ساعة أفول الحضارات .
جدوى الحوار مع الآخر في نظر المسلمين:
المسلمون على مدى تاريخهم كانوا دعاة حوار يحرصون على التعايش مع أصحاب الحضارات والثقافات المختلفة في أخوة إنسانية بعيدة عن روح التعصب أو فرض الهيمنة، بل إنهم أفادوا من حضارات العالم وثقافاته في جميع المجالات، طالما لم تشكل هذه الاستفادة خروجاً عن مبادئ الإسلام وقيمه، وثوابت أمته الأساسية.
وقد انطلقوا في ذلك من ثابتين قرآنيين، ومن ثابت تاريخي:
فالثابت القرآني الأول: أن الله عز وجل خلق الناس شعوبا وقبائل بهدف التعارف لا التناكر، قال تعالى: ﴿ يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَـاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَـارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَـاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ .
والثابت القرآني الثاني: أن التواصل والود هو أصل العلاقة بين المسلم والآخر، قال تعالى: ﴿ لاَّ يَنْهَـاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَـاتِلُوكُمْ فِى الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَـارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَـاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَـاتَلُوكُمْ فِى الدّينِ وَأَخْرَجُوكُم مّن دِيَـارِكُمْ وَظَـاهَرُواْ عَلَى إِخْراجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ
وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّـالِمُونَ﴾ .وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ .
وأما الثابت التاريخي فيتجلى في اللقاء الإسلامي المسيحي الذي دام على أرض أوروبا نفسها أكثر من سبعة قرون، وترك أبعادا هائلة على تطور الحالة الثقافية الأوروبية، لأن الإسلام استطاع أن يحول فكره إلى أفق كوني مكنه من توصيل معارفه وعلومه وتجاربه إلى الأوربيين.
ومثلت الأندلس وصقلية قاعدة انطلاق كبرى لعلميات الاقتباس التي قام بها الأوربيون من الثقافة العربية الإسلامية.
ولا شك أن هذا الاقتباس قد اتخذ صيغا من الحوار بين علماء الجانبين، وهو حوار استعان فيه الجانب المسلم بكل أسلحته الفكرية، وعلى رأسها معرفة لغة الآخر، والتعمق في دراسته.
ورغم ذلك فالمسلمون في الوقت الراهن لهم مخاوفهم من الحوار مع الآخر - خصوصا الغرب - ويمكن أن نرصد ثلاثة اتجاهات في الوسط الإسلامي حول جدوى الحوار:
الاتجاه الأول: يعتبر الحوار مع الآخر غير ذي جدوى؛ لأن انعدام توازن القوى يفضي إلى وضع يملي فيه أحد الأطراف ما يريد، بدليل أن الغرب هو الذي يضع أجندة الحوار، ويحدد قضاياه التي تستهدف صياغة المجتمعات الإسلامية على النحو الذي يخدم مصالحه.
ولا يمكن أن تحظى دعاوى الحوار التي تأتي من الغرب بالقبول في ظل السياسات الغربية التي تدعم كل مظاهر البغي على الشعوب الإسلامية، ومنها الشعب الفلسطيني الذي يرزح تحت نير احتلال بغيض يحظى بدعم غربي غير محدود.
ووثائق الحوار بين الأديان في العقود الأخيرة تؤكد أن الفاتيكان كان يتخذ من هذه الحوارات وسيلة مخفية للتبشير.
فقد أوضح الدكتور هالكروتز _ وهو عالم لاهوتي نرويجي – في إحدى دراساته أن الحوار هو التطوير الثاني لحركة التبشير المسيحي .
ومن هنا رفض الدكتور محمد البهي وعدد من العلماء دعوة وجهتها جمعية أصدقاء الشرق الأوسط في الولايات المتحدة لحضور مؤتمر عنوانه " النواحي الروحية والقيم المثلى التي وردت في تعاليم الدينين لتبيان عقم الفلسفة المادية الفانية " وذلك في نيسان 1954م وسبب الرفض هو الماضي التبشيري لأحد منظمي
المؤتمر وهو القس كرلاند إيفانز هوبكنز.
الاتجاه الثاني: يؤيد الحوار ويؤمن بجدواه، وينطلق من أن على الجميع أن يبحثوا عن أرضية مشتركة تغذي الحوار وتساعد على ازدهاره ونجاحه، وعليهم أن يبتكروا أساليب غير تقليدية تتيح التواصل مع كافة شرائح الآخر دون النظر في خلفيات دعواته للحوار.
الاتجاه الثالث: يؤيد الحوار ويؤمن بجدواه، لكنه يوجب انطلاقه من ثوابت الأمة، ومن قضاياها، ويرفض أن يكون موقفا دفاعيا في مواجهة اتهامات الغرب أو سياساته الصراعية.
فالمسلمون لدى هذا الاتجاه مطالبون بالحوار؛ لأنه جهاد العصر وليس اعتذار العصر، ومن هنا يجب أن ننطلق في الحوار من أسسنا الإسلامية، وألا نقبل بأي دعوة إلا إذا عرفنا خلفياتها، وتتبعنا أهدافها، واستشرفنا نتائجها، وحددنا الرسالة التي ينبغي أن نوصلها.
نظرة على الحوارات القائمة:
الناظر في الحوارات القائمة بين الحضارات في العقود الأخيرة يلاحظ أمرين:
الأول: أن هذه الحوارات قد عانت ولا تزال من نقص في المنهجية والتصويب، ومن غياب المراكمة المعرفية والجهد التوثيقي والتبويب، كما افتقدت الإطار النظري الضابط الذي يسمح ببلورة خبرات الحوار وتطويره، وبتجديد أسئلته وإشكالياته وإغنائها، واستخلاص دروسه، وصولا إلى صوغ برنامج نضالي مشترك لمواجهة
تحديات عالم اليوم .
الثاني: مدى رغبة الطرف الغربي في فرض هيمنته على الثقافات والحضارات الأخرى، وهو أمر واقع له آثاره الملموسة، وحقيقة ظاهرة لا سبيل لإنكارها أو تجاوزها.
فقادة الكنيسة الكاثوليكية رفعوا شعار" إفريقيا نصرانية سنة 2000 " ثم زحزحوا هذا الشعار إلى سنة 2025.
وهم لا يستحون من الحديث عن التحدي الإسلامي، فمسؤول المجلس الفاتيكاني للثقافة الكاردينال بول بوبار يقول في حديثه لصحيفة الفيجارو الفرنسية: " إن الإسلام يشكل تحديا بالنسبة لأوروبا وللغرب عموما " .
وبروتوكولات مؤتمر كلورادو الذي عقد في الولايات المتحدة الأمريكية في مايو سنة 1978 م تؤكد ذلك، فقد جاء فيها " إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي تناقض مصادره الأصلية أسس النصرانية، والنظام الإسلامي هو أكثر النظم الدينية المتناسقة اجتماعيا وسياسيا، ونحن بحاجة إلى مئات المراكز للتركيز على الإسلام لفهمه،
ولاختراقه في صدق ودهاء " .
وقد ازدادت هذه الرغبة مع ظهور نظرية " صدام الحضارات" التي يرى صاحبها أن ثقافة الإسلام وحضارته هي مصدر الخطر وعامل التهديد لثقافة الغرب وحضارته، وبالتالي فالعلاقة بين الحضارتين لا يمكن إلا أن تكون غير الصراع والصدام.
وقد نالت هذه النظرية شهرة مدوية، حتى قيل إنها أصبحت الخطة الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا في التعامل مع العالم الإسلامي، وأصبح الحوار عند النخبة المؤثرة في القرار الغربي وسيلة من وسائل إدارة هذا الصراع .
وأهدافهم من الدعوة إليه مع المسلمين تتمثل في اتخاذه وسيلة للتنصير، وتشويه بعض الفرائض والأحكام الإسلامية، ومنها الجهاد والحدود وتشريع الجزية، وامتصاص غضب المسلمين من الظلم الواقع عليهم، وتحصيل مكاسب للأقليات المسيحية في البلدان الإسلامية .
وأهم شيئ أن يكسب اليهود والنصارى من وراء هذا الحوار اعترافاً من المسلمين بسماوية دينهم، وهذا له دور كبير في صد النصارى واليهود عن الدخول في الإسلام .
ولهذا يتم تحديد موضوعات الحوار حسب أجندة الغرب السياسية والفكرية، وهذا ما لاحظه فهمي هويدي من خلال مشاركته في أربعة مؤتمرات إسلامية كانت محاورها تدور حول سماحة الإسلام، وتجديد الخطاب الديني، وموقف الإسلام من التطرف، وقد استغرب الدعوة بسماحة الإسلام في ظل الظروف التي يتعرض فيها المسلمون
للعدوان والسحق والإذلال، الأمر الذي يثير التساؤل عن الطرف المطالب بالتسامح المجني عليهم أم الجناة ! .
الأسس المنهجية للحوار مع الآخر:
مشاهد الحوار التي حفلت بها آيات القرآن الكريم تتضمن جملة من الأسس المنهجية التي تضمن تحقيق الغايات والأهداف المرجوة من وراء الحوار مع الآخر.
وهذه الأسس تتجلى إجمالا فيما يأتي:
أولا: الاعتراف بالآخر وبأن الاختلاف بين البشر حقيقة فطرية.
ثانيا: لا حدود للحوار مع الآخر.
ثالثا: تحقق المعرفة بالآخر.
رابعا: اعتماد العقل والالتزام بالمنهجية العلمية.
خامسا: التزام آداب الحوار.
وتفصيل هذه الأسس على النحو الآتي:
أولا: الاعتراف بالآخر وبأن الاختلاف بين البشر حقيقة فطرية:
الاعتراف بالآخر حق مكفول له باعتبار الوجود، وهو في الوقت نفسه يتيح فرصة اكتشاف إيجابياته والوقوف على سلبياته، ويفرض عليه أن يعترف بوجودنا، ويساعدنا على اكتشاف إيجابياتنا لتنميتها والوقوف علي سلبياتنا لعلاجها.
وبهذا المعنى يكون الحوار اكتشافا للآخر داخل الذات، واكتشافا للذات في نظر الآخر، أي التعرف على الأنا الموضوعية التي يراها الآخرون، مقابل الأنا الذاتية التي نراها نحن .
وكل ألوان الحوار في الوحي العزيز تمثل مظهرا من مظاهر الاعتراف بالآخر، قال الله تعالى: ﴿ قُلْ ياأَهْلَ الْكِتَـابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ .
والرسول اعترف بالآخر؛ وكاتبه وراسله، وطلب من أصحابه رضي الله عنهم أن يتعلموا لغته، وكان ينتقي السفارات المؤهلة للقيام بمهمة التواصل معه، بل لقد توصل بالتفاوض والحوار إلى معاهدات، منها المعاهدة التي أبرمت مع يهود المدينة بطوائفهم جميعاً عند مقدمه إليها، ومعاهدة الحديبية التي أبرمها مع مشركي قريش في
العام السادس للهجرة.
ومثل هذه المعاهدات تحمل في طيها اعترافا بالآخر، وعدم إلغائه ونفيه وإقصائه أيا كان الدين الذي يدين به.
ومما يدخل في هذه المعاهدات ويمثل اعترافا من المسلمين بالآخر عقد الذمة، وهو العقد الدائم الذي يتم بين السلطة الحاكمة وغير المسلمين، ويرتب حقوقا لكل منهما على الآخر.
والذمة معناها العهد والأمان والكفالة والحق والحرمة ويطلق على من يعقد معهم عقد الذمة من غير المسلمين أهل الذمة أو الذميون، لأن لهم بموجب هذا العقد عهداً بأن يعيشوا في حماية الإسلام وفي كنف المسلمين آمنين مطمئنين.
جاء في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أهل بيت المقدس:" هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيليا من الأمان: أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، إنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيئ من أموالهم،
ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم ".
وإذا كان عقد الذمة يمثل اعترافا بالآخر الموجود تحت سلطان الدولة الإسلامية فإن عقد الأمان يمثل اعترافا بالآخر الذي يعيش تحت سلطان دولة أخرى.
والمستأمن بكسر الميم: طالب الأمان، وبفتحها: من صار آمنا، وهو غير المسلم من رعايا أي دولة غير إسلامية إذا دخل الدولة الإسلامية بإذن منها.
وهذا يقيم في الدولة الإسلامية بمقتضى عقد أمان يشبه في العصر الحاضر التأشيرات التي تمنحها الدولة للأجانب كي يدخلوا أراضيها.
والأصل في هذا العقد قول الله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ﴾ .
قال ابن كثير: " والغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة أو تجارة أو طلب صلح أو مهادنة أو حمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب من الإمام أو نائبه أمانا؛ أعطي أمانا ما دام مترددا في دار الإسلام، وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه ".
وقد توسعت الشريعة الإسلامية في إعطاء حق عقد الأمان لسائر المسلمين رجالا كانوا أو نساء ، فقد أجاز الرسول أمانا منحته السيدة أم هانئ لاثنين من أقاربها، وقال لها: " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ".
بل إن المسلم أو المسلمة إذا أمنا أحدا من غير المسلمين حتى ولو كان من أهل الحرب صار أمانهما ذمة في عنق المسلمين جميعا، وصار غير المسلم بهذا الأمان معصوم الدم والمال.
والأصل في ذلك قول الرسول : " ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ".
قال النووي: " المراد بالذمة هنا: الأمان، ومعناه أن أمان المسلمين للكافر صحيح، فإذا أمنه به أحد المسلمين حرم على غيره التعرض له ما دام في أمان المسلم ".
كل هذا يدل على إقرار الإسلام بأن الاختلاف بين الناس في الآراء والاتجاهات حقيقة فطرية، وقضاء إلهي أزلي واقع في مختلف الأعصار والأمصار.
وقد صرح القرآن الكريم بهذه الحقيقة في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾.
أي خلقهم مستعدين للاختلاف والتفرق في علومهم ومعارفهم وآرائهم ومشاعرهم، وما يتبع ذلك من إراداتهم واختيارهم في أعمالهم، ومن ذلك الإيمان، والطاعة والمعصية .
والطريق الصحيح لمعالجة تلك الاختلافات هو الاحتكام إلى الحق، وقد ثبت جلياً أن أقـرب طريق للوصول إلى الحق هو الحوار العقلي المجرد عن اتباع الهوى.
ثانيا: لا حدود للحوار مع الآخر:
الأساس الثاني من الأسس المنهجية للحوار في القرآن الكريم أنه لا حدود للحوار مع الآخر، لا من ناحية من يمكن أن نفتح معهم أبواب الحوار، ولا من ناحية الموضوع الذي يمكن أن يتم الحوار بشأنه، ولا من ناحية التوقيت.
فقد طرح القرآن الكريم مسألة وجود الله عز وجل وتوحيده على طاولة الحوار، فنفى بهذا الطرح أن يكون هناك موضوع - يمكن للعقل الإنساني أن يعمل فيه – خارج دائرة الحوار.
قال تعالى: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ ﴾ وقال سبحانه: ﴿ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ. أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ. أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ
خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ. أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ. أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ. أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ
يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .
وطرح مسألة الحوار حول النبي وهل هو نبي يوحى إليه حقا أم مجرد إنسان عادي، وهل هو مجنون أو ساحر أو كاهن؟
قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾
وقال عز وجل: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَا بِمَا تُبْصِرُونَ. وَمَا لا تُبْصِرُونَ. إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ. وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ. تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ. لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ﴾ (
).
وبهذا اعتبر القرآن الكريم الحوار مع الآخر قاعدته الأساسية في الدعوة إلى كل قضاياه، وعلى رأسها القضية الكبرى التي بعث من أجلها هذا الموكب الكريم من الأنبياء والمرسلين – قضية الإيمان - ولم ينأ بأية قضية مهما كانت قدسيتها عن دائرة الحوار.
ومن الدروس البليغة في حوارات القرآن أنه لا يحق لأحد أن ينأى بنفسه عن حوار الآخرين، فقد تحاور الله عز وجل مع الشيطان كما تحاور مع الملائكة، كما أنَّ دعوات الرسل عليهم السلام كانت محكومة بالحوار مع أقوامهم.
وقد أطال القرآن الكريم في عرض صور من هذه الحوارات، ومنها الحوار الذي دار بين موسى وفرعون، والحوار الذي دار بين إبراهيم والملك الذي حاجه في ربه.
ومن هنا استنكر القرآن الكريم موقف رفض الحوار والإصرار على عدم ممارسته، قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ﴾ .
وقال تعالى: ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ. وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ .
وقد لاحظت أن الإسلام يفتح أبواب الحوار في كل وقت وحين، فلا حدود للحوار من ناحية التوقيت، ولهذا أمر الرسول أصحابه أن لا يتركوا الدعوة إلى الإسلام – وهي صورة بارزة من صور الحوار - حتى وهم على مشارف الحرب مع كل من يعتدي عليهم .
فقد قال لعلى رضي الله عنه بعد أن أعطاه الراية يوم خيبر: " انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يحب عليهم من حق الله فيه، فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم ".
قال الشوكاني: " فيه الترغيب في التسبب لهداية من كان على ضلالة، وأن ذلك خير للإنسان من أجل النعم الواصلة إليه " .
وقد التزم بهذه القاعدة في كافة المواقع بدليل قول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: " ما قاتل رسول الله قوما حتى يدعوهم ".
وعلى نهجه سار الأئمة العدول من خلفاء المسلمين، فحينما فتح قتيبة بن مسلم سمرقند دون إنذار أو دعوة؛ رفع أهلها شكواهم إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز، فأمر قاضيه أن ينظر هذه القضية، فلما تحقق من صحة الشكوى؛ حكم بخروج المسلمين من المدينة؛ ودعوة أهلها إلى الإسلام أو الصلح أو القتال، فقالوا: نرضى بما
كان، ولا نحدث حربا، وتراضوا بذلك .
ولابد أن يقترن بالدعوة إلى الإسلام بيان مظاهر العدوان التي مارسها الخصوم واقتضت أن يتصدى المسلمون لها، وهذا من شأنه أن يفتح للحوار أبوابا موصدة ونوافذ مغلقة.
ثالثا: تحقق المعرفة بالآخر:
الأساس الثالث من الأسس المنهجية للحوار في القرآن الكريم تحقق المعرفة بواقع الآخر وبخلفيته الفكرية والتاريخية؛ لأن واقعه هو الذي يبصرنا بمشكلاته، وخلفيته الفكرية هي التي تدلنا على كيفية التعامل معه، وتاريخه يبين لنا مدى تمكن هذه الخلفية من سلوكه واستجاباته .
والمعرفة بالآخر تقتضي ابتداءً تحديد من هو فعلاً، لأن الكثير من الحوارات التي يُعَنْون لها بالحوار مع الآخر إنما تتم غالباً بغيابه أو بالوصاية عليه من خلال خصومه.
كما أن الكثير ممن يسـتدعيهم الجانب الأقوى المهيمن في الحوارات التي يدعو إليها، هم المولعون بحضارته، المسكونون بثقافته، ولو لم يكونوا يسكنون عنده جغرافياً.
وفي هذه الحالة لا يؤدي الحوار إلى نتيجة، وبدلاً من أن يكون حلاً لمشكلة التجافي والتباعد وعدم التفاهم، يصبح مشكلة تساهم في ترسيخ التعصب والانغلاق، ويتحول لتسويغ وتأجيج المواجهة والصراع.
من هنا رأينا نصوصا قرآنية كثرة تفيد أن الله عز وجل كان يعرف أنبياءه عليهم السلام على الآخر الذي سيحاورونه.
فقد قال لموسى وهارون عليهما السلام عن فرعون: ﴿ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ .
وبين لنبيه محمد خلفية موقف مشركي قريش منه ومن دعوته فقال: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ .
وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمْ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمْ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴾ .
كما قال له عن أهل الكتاب: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنْ الظَّالِمِينَ. الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ .
ولهذا كان من الضروري أن ننطلق في الحوار مع الآخر من خلال معرفتنا به، وليس من خلال ما نريد ونتمنى أن يكون عليه.
ولعل هذا هو ما أراده الله تعالى حين أنكر على نبيه محمد تأثره الشديد بسبب عدم إيمان قومه، وهو التأثر الناتج عن عدم معرفته بهم على الحقيقة، ورغبته في ألا تخرج هذه المعرفة على النحو الذي يريده ويتمناه.
قال تعالى: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ. إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ. وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ. فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون. أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ. إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ
مُؤْمِنِينَ ﴾ .
ولن تكتمل معرفتنا بالآخر إلا إذا أدركنا أنه ليس واحدا سواء في المسائل الدينية أو الإنسانية أو في موقفه منا ومن ديننا.
فالله تعالى يقول في أهل الكتاب: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً ﴾ ويقول: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ ﴾ .
ويقول:﴿ لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ﴾ .
من هنا يجب أن نسلم بتنوع الآخر وأن يسلم هو أيضا بتنوعنا، فالظلمة والغلاة موجودون على الجانبين، والكارثة الحقيقية ستقع إذا ما ظلت ساحة المواجهة حكرا على هؤلاء، بينما طوق النجاة الحقيقي يتمثل في تقدم المعتدلين من الجانبين لتحمل مسؤولياتهم، وأخذهم مكانهم في الساحة، لأن هؤلاء وحدهم هم المؤهلون للحوار، أما من
عداهم فقد ثبت أنهم يفسدون ولا يصلحون، ويقطعون ولا يصلون .
رابعا: اعتماد العقل والالتزام بالمنهجية العلمية :
اعتماد العقل والالتزام بالمنهجية العلمية هو الأساس الرابع من الأسس المنهجية للحوار مع الآخر في القرآن الكريم .
ويتجلى هذا الأساس في توفر الحرية الفكرية، والإحاطة بقضية الحوار، وتحديد الغاية وتوضيحها، والالتزام بقاعدة إن كنت ناقلاً فالصحة أو مدّعياً فالدليل، وتجنب الوقوع في التناقض، وتحديد المصطلحات.
وبيان ذلك كله على النحو الآتي:
( 1 ) توفر الحرية الفكرية:
لابد أن يمتلك كل طرف من أطراف الحوار الثقة بشخصيته الفكرية المستقلة، بحيث لا يكون فريسة للإرهاب الفكري والنفسـي الذي يشعر معه بانسحاق شخصيته أمام شخصية الطرف الآخر، مما يؤدي إلى ارتباكه وتشتيت أفكاره، وبدلاً من أن يستحضر حججه وبراهينه لمعالجة القضية التي يحاور من أجلها، يجد نفـسه مضطراً للدفاع
عن شخصيته الفكرية والفكاك بها من أسـر الإرهاب الواقع عليها.
وقد لاحظت تعدد النصوص القرآنية التي يلزم الله عز وجل فيها رسوله بالتأكيد على أنه بشـر يتلقى الوحي باعتباره رسول رب العالمين، ومهمته تبليغ الرسالة عن طريق الحوار والمناظرة دون أن يشعر الناس بتميّزه عنهم، أو إملاء أفكاره عليهم.
قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾ وقال: ﴿ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إلاّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ وقال أيضاً: ﴿ قُلْ ياأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبّكُمْ فَمَنُ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ
عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾.
وبهذا تتفرد الذات الإلهية بخصائص لا يشاركها البشر في شيء منها، ولو كان هذا البشر رسول الله فهو يقف عند حدود حدها الله له، وليس موكلا بالناس يسوقهم إلى الهدى سوقاً، إنما هو مبلغ، وهم موكولون إلى إرادتهم وإلى اختيارهم.
فلا مجال عندئذ للإرهاب الفكري، لأنه لا يملك طاقة سحرية تدفعهم إلى الإيمان بما يدعوهم إليه، وإنما لهم الحرية الكاملة ؛ فإن استجابوا له فـذلك هـدف الرسالة وغايتها، وإن لم يستجيبوا فحسبه أنه قام بواجبه تجاه الوحي المنـزل إليه.
وهكذا تنتفي أجواء الهيمنة والتسلط في حوار المسلم مع غيره، لأن هذه الأجواء تحول الحوار مع الآخر إلى حوار مع الذات.
والواقع يشهد بوجود هذا النوع من الحوار في واقعنا المعاصر، فهناك من يتحدث عن الحوار بشكل منغلق، وكأنما ليس هناك إلا طرف واحد مثل كاتب سويسري اختتم كتابه dialogue with islam بنداء وجهه للمسلمين " إننا نطلب منكم يا من تؤكدون بشدة القرابة القوية بين ديننا أن تؤمنوا أن لدى
الغرب شيئا أكثر وأفضل من ثقافتكم " .
ولا تكتمل الحرية الفكرية إلا بمشاركة كافة الأطراف في اختيار موضوعات الحوار، أما أن تأتي هذه الموضوعات من قبل طرف واحد حسب أجندته وأولوياته ومصالحه، فهذا يضع الطرف الآخر في نطاق الفكر الدفاعي، ويترتب على ذلك فقدان الحرية، وهذا يتناقض مع المنهجية العلمية للحوار.
ثم إن وجود بعض الموضوعات المحظورة والمحرم طرحها على ساحات الحوار يحوِّل ندوات الحوار ومنتدياته إلى مخافر تدار بعقليات أمنية، وليس علمية موضوعية.
وقد رأينا فيما سبق كيف أن القرآن الكريم لم يضع أي حدود للحوار، لا في من نحاورهم، ولا في موضوعات الحوار، ولا في توقيتاته.
( 2 ) الإحاطة بقضية الحوار:
الإحاطة بقضية الحوار قبل البِدء فيه تضمن عدم بعثرة الأفكار وضياعها بسبب ضبابية الفكرة وعدم وضوحها، وتجعل المحاور يعلم كيف يبدأ الحوار، وكيف ينتهي منه في وضوح وهدوء وقوة، وبهذا لا يتحوّل الحوار إلى نوع من اللجاج.
والقرآن الكريم يعيب على الذين يخوضون غمار الحوار وليس لديهم إحاطة بالموضوع الذي يتحاورون فيه، مما يجعل حوارهم ورفضهم لنتائجه قضية مزاج، وعقدة نفسية تدفعهم إلى اللجاج والإنكار بلا مبرر، الأمر الذي لا يؤدي إلى أية نتيجة لمصلحة الحق، فضلا عن أنه يجلب مقت الله عز وجل والمؤمنين، ويستدعي الطبع على
قلوب أصحابه.
قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾ .
وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُجَـادِلُونَ فِى ءايَـاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـانٍ أَتَـاهُمْ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم بِبَـالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّـهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ .
وتقييد المجادلة بذلك مع استحالة إتيانه للإيذان بأن التكلم في أمر ما لابد من استناده إلى سلطان مبين البتة، وهذا عام لكل مجادل.
ولما حاج اليهود والنصارى في إبراهيم عليه السلام بلا علم أنكر الله عز وجل عليهم ذلك، وأمرهم برد ما لا علم لهم به إلى الذي يحيط علما بكل الأمور.
قال تعالى: ﴿ هأَنتُمْ هَـاؤُلاء حَـاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
قال القرطبي: " في الآية دليل على المنع من الجدال لمن لا علم له، والحظر على من لا تحقيق عنده ".
وقد نص القرآن الكريم على أن الذي يجادل دون احترام للأسس العلمية ومنها الإحاطة بقضية الحوار متبع لشيطان مريد.
قال تعالى: ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ.كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾ .
وهذا الشيطان إما أن يكون جناً يوسوس له في صدره، أو إنسانا يلقي عليه بأطروحات مغشوشة منمقة ومفتعلة يستهويه بها.
وقد طلب الله تعالى منا أن نعرض عنه؛ لأنه زاغ وأضاع زمنه، ويبحث عن إضاعة أزمنة الآخرين بعد أن زين له الشيطان حب الدنيا.
قال تعالى: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اهْتَدَى ﴾ .
( 3 ) تحديد الغاية وتوضيحها:
المنهجية العلمية تستلزم أن تكون الغاية من الحوار واضحة والهدف محدداً، وهذا يتجلى في قول الله تعالى لنبيه محمد يلقنه ما ينبغي أن يقوله لأهل الكتاب: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾
ومحاورة إبراهيم الخليل عليه السلام مع قومه تعد أنموذجا في وضوح الغاية من الحوار، فقد تدرج عليه السلام معهم حتى وصل إلى الغاية وصولا لا يبقي حجة لأحد منهم.
قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ. وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ .
فهذه الآيات تفيد أن كل المفاهيم التي أوردها إبراهيم عليه السلام قد انصبت على تحديد الغاية من حواره مع قومه، وهي إثبات وحدانيته تعالى، وقد سلك في سبيل ذلك كل الوسـائل الممكنة لجعلها في غاية الوضوح.
ولهذا قال لقومه: أتجادلونني في شأنه تعالى ووحدانيته والحال أنه تعالى هداني إلى الحق بعدما سلكت طريقتكم بالفرض والتقدير، وتبين بطلانها تبينا تاما كما شاهدتموه.
( 4 ) الالتزام بقاعدة إن كنت ناقلاً فالصحة، أو مدّعياً فالدليل:
لاشك أن الحوار الذي يعتمد على الحجة الصحيحة والدليل المنطقي القوي سيؤدي إلى النتائج المرجوة، ومن هنا تأتي أهمية هذه القاعدة التي تستدعي أمرين:
أولهما: تقديم الأدلة المثبتة أو المرجّحة لكل فرضية أو دعوى يقدمها المحاور.
ثانيهما: صحة النقل للنصوص المنقولة والمروية.
وقد تضمن القرآن الكريم آيات كثيرة يطالب الله عز وجل المشركين فيها بتقديم براهينهم وأدلتهم على دعاويهم إن كانوا على يقين منها.
قال تعالى: ﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِي وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ .
وقال تعالى: ﴿ أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .
فمثل هذه النصوص تدل على أن المدعي لا بد له من الدليل والبرهان؛ لأن كل قول لا دليل عليه غير ثابت عند الخصم، فلا يعتد به، ولذا قيل: من أدعى شيئا بلا شاهد لا بد أن تبطل دعواه، وذلك من أصدق الدلائل عند البعض على بطلان القول بالتقليد، لكن البعض الآخر يقول: ليس في الآية دليل على منع التقليد، فإن دليل
المقلد دليله كما لا يخفى .
وفي إضافة البرهان إلى ضميرهم تهكم بهم؛ لأنه يوهم أن لهم برهانا، وأني لهم ذلك!؟ وقيل: إن الإضافة لزيادة التبكيت، كأنه قيل نحن نقنع منكم بما تعدونه أنتم برهانا يدل على ذلك وإن لم نعده نحن ولا أحد من ذوي العقول كذلك، ومع هذا أنتم عاجزون عن الاتيان به.
( 6 ) تجنب الوقوع في التناقض:
يجب أن لا يكون في الدعوى أو في الدليل الذي يقدمه المحاور تعارض واضـح، أو أن يكون بعض كلامه ينقض الآخر، فإذا كان كذلك كان كلامـه ساقطاً وأفـكاره مردودة.
ومن أوضح الآيات القرآنية التي تشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾ .
واختلف في قائلي ذلك القول، فقيل: إنهم مشركو قريش، والجمهور على أنهم اليهود ومرادهم من ذلك الطعن في رسالته على سبيل المبالغة، فقيل لهم على سبيل الإلزام: قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى، فالمراد أنه تعالى قد أنزل التوراة على موسى عليه السلام ولا سبيل لكم إلى إنكار ذلك، فلم لا تجوزون إنزال القرآن
على محمد ؟ .
وحاصل ذلك أنهم أبرزوا إنزال القرآن عليه في صورة الممتنعات، فقيل للرسول : قل لهم في جواب سلبهم العام بإثبات قضية جزئية موجبة: من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ليستضاء به في كشف المشكلات، ويهتدى به من ظلم الشبهات، فجعلتموها قطعا تكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديكم، وتحرفون فيها، وتبدلون
وتتأولون، وتقولون هذا من عند الله وما هو من عند الله ﴿ وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ ﴾ أي ومن أنزل القرآن الذي علمكم الله فيه من خبر ما سبق ونبأ ما يأتي ما لم تكونوا تعلمون ذلك لا أنتم ولا آباؤكم، وقوله ﴿ قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾ أي ثم دعهم في جهلهم وضلالهم يلعبون حتى يأتيهم من الله اليقين، فسوف
يعلمون ألهم العاقبة أم لعباد الله المتقين .
( 7 ) تحديد المصطلحات:
تثير المصطلحات بعض الإشكاليات التي يطول الجدل حولها، ويزيد هذه القضية تعقيدا من يهتمون بالألفاظ دون المضمون، فيسرفون في تغليب اللفظ على حساب المعنى، وهناك من يحملون الألفاظ غير معانيها فيسرفون في تشويه الحقيقة، ولا شك أن كلا الاتجاهين يؤثر سلبيا على لغة الحوار وآلياته، خصوصا إذا انصرف الذهن إلى
المصطلحات حسب دلالتها في ثقافة معينة فقط، أو اقتصر التفكير على معنى بعينه دون اعتبار باقي المعاني، مع ملاحظة أن لكل لغة عقلها وإطارها الفكري الذي يعطي لألفاظها ومفاهيمها دلالات وظلالا لا يمكن أن تتطابق مع لغة أخرى.
من هنا تأتي أهمية الكشف عن معاني المصطلحات المتداولة وضبطها ورسم حدودها بحيث يتم استعمال المصطلح استعمالاً صحيحا يؤدي إلى سلامة مواقفنا تجاهه، ويحول دون استلاب البعض لذلك المصطلح وتوظيفه توظيفاً غير نزيه، كما يفعل بعض العلمانيين حين يختطفون مصطلحا إسلاميا، ويعملون على إفراغه من مضامينه
الشرعية، ثم تعبئته بالمضامين والتوجهات العلمانية المنحرفة، وتسريبه بعد ذلك إلى العقل المسلم الذي ربما يغتر بكون المصطلح شرعياً في أصله، وكما فعل الغربيون حين استلبوا مصطلح الإرهاب وشحنوه بجملة من المفاهيم والتوجهات التي تصب في مصلحتهم وتتناقض مع مصالحنا.
إن مدلول مصطلح الإرهاب في قوله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ يختلف عن مدلولاته في العقل الغربي.
فقد ذكر الله تعالى ما لأجله أمر بإعداد القوة فقال ﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ وذلك أن الكفار إذا علموا كون المسلمين متأهبين للجهاد مستكملين لجميع الأسلحة والآلات خافوهم وذلك الخوف يفيد أمورا، أولها أنهم لا يقصدون دخول دار الإسلام، وثانيها أنه إذا اشتد خوفهم فربما التزموا
من عند أنفسهم جزية، وثالثها أنه ربما صار ذلك داعيا لهم إلى الإيمان، ورابعها أنهم لا يعينون سائر الكفار، وخامسها أن يصير ذلك سببا لمزيد الزينة في دار الإسلام .
فتقييد القصد من إعداد المستطاع من القوة بإرهاب الأعداء دليل على تفضيل جعله سببا لمنع الحرب على جعله سببا لإيقاد نارها، وكأنه تعالى يقول: أعدوا ما تستطيعونه من قوة ليرهبكم الأعداء عسى أن يمتنعوا عن الإقدام على قتالكم، وهذا عين ما يسمى في عرف دول هذه الأيام بالسلام المسلح، بناء على أن الضعف يغري
الأقوياء بالتعدي على الضعفاء .
وبهذا يختلف مدلول مصطلح الإرهاب في القرآن الكريم عن مدلولاته في العقل الغربي تماما، وهذا يؤكد ضرورة تحديد المصطلحات حتى لا يتلاعب الآخرون بقضايانا.
كما ينبغي التأكيد على ضرورة الفصل بين من يمارس الإرهاب من الناس وبين الدين الذي ينتمي إليه، خصوصا ونحن نرى هذه المسارعة إلى القول بالإرهاب الإسلامي عند وقوع فرد أو فئة من المسلمين في أية ممارسة إرهابية، بينما لا يقال إرهاب مسيحي أو يهودي عند وقوع فرد أو فئة من المسيحين أو اليهود – وما أكثر وقوع
ذلك - في نفس الممارسة، بل ينسب الإرهاب إلى الفرد أو الفئة، ولا يتعداه أبدا إلى الدين.
مع العلم بأن معظم ما يصدر عن المسلمين ليس إلا رد فعل مشروع لظلم عظيم يتعرضون له، كما هو الشأن في فلسطين وفي غيرها.
سادسا: التزام آداب الحوار:
التزام آداب الحوار من الأسس المنهجية للحوار مع الآخر في القرآن الكريم، وأصل هذا الأسس يتجلى في تفريق القرآن الكريم في التعبير بين المطلوب في الموعظة، والمطلوب في الجدال عند الدعوة إلى الله عز وجل.
ففي الموعظة اكتفى بأن تكون حسنة، أما في الجدال فلابد أن يكون بالتي هي أحسن، قال تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ .
وسر ذلك أن الموعظة ترجع عادة إلى الموافقين الذين لا يحتاجون إلا إلى موعظة تذكرهم، بينما يوجه الجدال عادة إلى المخالفين الذين قد يدفع الخلاف معهم إلي شئ من القسوة في التعبير، فكان من الحكمة أن يطلب القرآن اتخاذ أحسن الطرائق وأمثلها للجدال حتى يؤتي أكله.
وإذا كان الحوار أوسع في مدلوله من الجدال باعتبار أنه يفيد معنى الصراع، بينما تتسع كلمة الحوار للصراع ولغيره مما يراد منه إيضاح الفكرة، فأحرى بالناس أن يلتزموا بالطريقة التي هي أحسن فيه.
وهذه الطريقة تتضمن آدابا يمكن إجمالها فيما يأتي:
( 1 ) نبذ التعصب للأفكار المسبقة.
( 2 ) عفة اللسان.
( 3 ) تهيئة النفس لقبول نتائج الحوار.
( 4 ) رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيي غيري خطأ يحتمل الصواب.
( 5 ) الابتعاد عن الأجواء الانفعالية.
وتفصيل هذه الآداب على النحو الآتي:
( 1 ) نبذ التعصب للأفكار المسبقة:
التعصب لوجهة نظر مسبقة، والتمسك بفكرة مع رفض نقضها أو مخالفتها يتباين مع منهجية الحوار في تبادل الأفكار وتداول القضايا المطروحة وسماع الرأي الآخر الذي يمكن أن ينتج فكرة جديدة تقوم من خلالها الأفكار المسبقة أو الموروثة.
وهذا لا يعني زوال التنوع ومحو التعددية الثقافية، ولكنه يعني تخلى أطراف الحوار عن كل العوائق التي تحول بينهم وبين النظر في أطروحات الآخر، وتجلية الحقائق الأفضل لدى الأطراف المختلفة، فالحوار مع الآخر لا يتطلب التطابق معه، ولكنه يبدأ من استيعاب مستويات الاختلاف، وتقبلها، والفعل الخلاق في عملية الاختيار
والانتقاء.
وينبغي إقصاء ما ينكره الطرف الآخر في إقامة الحجة عليه، فلا يمكن أن يكون الشرع خلفية للحوار مع من ينكره، بل يجب علينا تجـريد النظر في رد مذهبه بالأمور العقلية، لأن الشرع هو محل النـزاع بيننا وبينه.
ورغم أن الله عز وجل يقرر في غير مواطن الحوار أن الحق كله والهدى جميعه مع رسول رب العالمين وحده ، كما في قوله تعالى: ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾ إلا أن المتتبع للحوارات القرآنية يلاحظ أن الله تعالى يوجه رسوله إلى افتراض أنه لا يعلم أي الفريقين على الهدى، فريقه أم الفريق المقابل له ؟
ففي سورة القصص يقول الله عز وجل: ﴿ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ .
وفي سورة سبأ يوجه الله تعالى رسوله أن يقول للآخر:﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ .
فهذه ملاطفة وتنزل في المجادلة إلى غاية الإنصاف كقولك الله يعلم أن أحدنا على حق وأن الآخر على باطل، ولا تعين بالتصريح أحدهما، ولكن تنبه الخصم على النظر حتى يعلم من هو على الحق ومن هو على الباطل .
( 2 ) عفة اللسان:
لا بأس أن يؤيد الإنسان مذهبه بالحجة والبرهان ولا بأس أن ينقض أدلة محاوره ويزيفها بما يعتقد أنه مبطل لها، ولكن لا يليق أبدا أن يتنـزل المتحاورون إلى جارح اللفظ وسيئ العبارة، فهذا دليل العجز والجهل كما يقول المنفلوطي .
ولهذا قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ .
وقال عز وجل: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً ﴾ .
وقال سبحانه: ﴿ وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
ففي ذلك كله وغيره تنبيه على أن الطرف الآخر إذا شافهك بجهل وسفاهة لم يجز لك أن تقدم على مشافهته بما يجري مجرى كلامه؛ لأن ذلك يوجب فتح باب المشاتمة والسفاهة، وذلك لا يليق بالعقلاء .
( 3 ) تهيئة النفس لقبول نتائج الحوار:
كل من يقبل الحوار حول قضية من القضايا مطالب بأن يهيئ نفسـه لتقبل النتائج التي يؤول إليها الحوار، لأن رفض النتائج وعدم تقبلها يحول الحوار إلى جدل عقيم لا يراد منه سوى المماحكة والمزايدات الجدلية المقيتة.
ومن هنا عاب القرآن الكريم على أولئك الذين يحاورون رسـول الله ولكنهم ليسوا مستعدين لتقبل نتائج هذا الحوار.
وقد سجل الله عز وجل قولهم الدال على ذلك في قوله: ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ﴾ .
وقال تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ .
فهم معرضون عن الإيمان لعدم استعدادهم لقبول نتائج الحـوار، إنكـاراً وكفراً وعـناداً، وليس لديهم إلا قول ﴿ إِنْ ْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ دونما حجة أو برهان على ذلك.
( 4 ) رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيي غيري خطأ يحتمل الصواب:
الله عز وجل وحده هو الذي وسع كرسيه السماوات والأرض، فاتسع علمه للحق كله ظاهره وباطنه، يعلمه علم اليقين، علما ليس فيه إما وإما، أما علمنا نحن البشر فأقصاه معرفة تحتمل البدائل، نرجح فيها بديلا على بديل، فما من فكرة إلا وتحتمل أن يكون نقيضها هو الصواب، ولهذا يجب علينا أن نتقصى جميع الممكنات، ليقوم بينها
حوار يثبت أحدها ويقصي سائرها .
وقد حث الله تعالى رسوله على التزام هذا الأدب في الحوار مع المشركين والكافرين فقال: ﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ .
فالمطلوب منه أن يقول للطرف الآخر هناك حقيقة ضائعة بيننا، فتعال نتحاور من أجل اكتشافها، وليتحول الحوار إلى رحلة مشتركة بيننا من أجل الوصول إليها، فأي أدب للحوار أكثر إنسانية من هذا الأدب القرآني الذي حوله الرسول إلى نموذج عملي!؟.
إن أحد المتناظرين إذا قال للآخر هذا الذي تقوله خطأ يغضبه غضبا لا يبقى سداد الفكر وحسن الفهم، فيفوت الغرض، وأما إذا قال له بأن أحدنا لا يشك في أنه مخطىء والتمادي في الباطل قبيح والرجوع إلى الحق أحسن الأخلاق، فنجتهد ونبصر أينا على الخطأ ليحترز، فإن ذلك الخصم يجتهد في النظر ويترك التعصب، وكل من يسمع
هذا الكلام المنصف من موال أو مناف يقول لمن خوطب به: قد أنصفك صاحبك .
قال المزني صاحب الشافعي: من حق المحاورة أن يراد بها الله عز وجل، وأن يقبل منها ما تبين، ولا تصح المحاورة ويظهر الحق بين المتحاورين حتى يكونوا متقاربين أو مستويين في مرتبة واحدة من الدين والعقل والفهم والإنصاف وإلا فهو مراء ومكابرة .
( 5 ) الابتعاد عن الأجواء الانفعالية:
أمر الله تعالى رسوله أن يدعو الآخر إلى الابتعاد عن الأجواء الانفعالية إلى الأجواء الهادئة التي تساعد من فيها على استجلاء الصواب والوصول إلى الحقيقة.
فعندما كان اتهامه بالجنون خاضعاً للجو الانفعالي الذي كان يسيطر على التجمع العدائي لخصومه آنذاك، طالبهم بأن يتخذوا من الأجواء الهادئة فرصة للتفكير المتعمق الذي يضع الأمور في نصابها الصحيح.
قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَـاحِبِكُمْ مّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾ .
والمعنى أن تقوموا اثنين اثنين وواحدا واحدا في غير تأثر بعقلية الجماهير التي تتبع الانفعال الطارئ، ولا تتلبث لتتبع الحجة في هدوء، ومعلوم أن في الازدحام تهويشا للخاطر، ومنعا من الفكر السديد، وتخليطا للكلام، وقلة في الإنصاف، وفي تقديم مثنى إيذان بأنه أوثق وأقرب إلى الإطمئنان ولأن طلب الحقائق من متعاضدين في النظر
أجدى من فكرة واحدة .
إنها دعوة إلى القيام لله تعالى بعيداً عن الهوى وعن المصلحة وعن ملابسات الأرض وعن الهواتف والدوافع التي تشتجر في القلب، وعن التأثر بالتيارات السائدة في البيئة والمؤثرات الشائعة في الجماعة، دعوة إلى منطق الفطرة الهادئ الصافي بعيداً عن الضجيج والخلط واللبس والرؤية المضطربة والغبش الذي يحجب صفاء الحقيقة
.
خاتمة
يجدر بي وقد انتهيت من هذه الدراسة أن أختم بنتائجها وتوصياتها، وأبدأ بأهم النتائج وهي على النحو الآتي:
أولا: الحوار في الإسلام تكليف ديني تتحقق من ورائه غايات نبيلة من أهمها إقامةُ الحجة، ودفعُ الفاسد من القول والرأي، وتنويع الرُّؤى، وتوسيع الأفق لتعزيز مفهوم التسامح، واحترام التنوع، وزيادة تبادل المعرفة حول مختلف مجالات الأنشطة البشرية.
ثانيا: القرآن الكريم يريد للإنسان أن يحصل على القناعة الذاتية المرتكزة على الحجة والبرهان في إطار الحوار الهادئ العميق، ويجعل من ذلك الحوار بديلا للمقارعة بالحديد والنار، تلك المقارعة التي تسحق فيها الطاقات، وتهدر الإمكانات.
ثالثا: المسلمون كانوا على مدى تاريخهم دعاة حوار، يحرصون على التعايش مع أصحاب الثقافات المختلفة في أخوة إنسانية بعيدة عن روح التعصب أو فرض الهيمنة، بل إنهم استفادوا من حضارات العالم وثقافاته في جميع مجالات الحياة، طالما لم تشكل هذه الاستفادة خروجاً عن مبادئ الإسلام وقيمه، وثوابت أمته الأساسية.
رابعا: الناظر في الحوارات القائمة بين الحضارات في العقود الأخيرة يدرك مدى رغبة الطرف الغربي في فرض هيمنته على غيره، وقد ازدادت الرغبة في هذه الهيمنة مع ظهور نظرية " صدام الحضارات" التي يرى صاحبها أن ثقافة الإسلام وحضارته هي مصدر الخطر وعامل التهديد لثقافة الغرب وحضارته.
خامسا: الأسس المنهجية للحوار مع الآخر في القرآن الكريم تتمثل في الاعتراف بالآخر وبأن الاختلاف بين البشر حقيقة فطرية، وأنه لا حدود للحوار، وضرورة تحقق المعرفة بالآخر، واعتماد العقل والالتزام بالمنهجية العلمية، والتزام آداب الحوار.
سادسا: المنهجية العلمية للحوار تتمثل في توفر الحرية الفكرية، والإحاطة بقضية الحوار، وتحديد الغاية وتوضيحها، وتكافؤ الفرص في الحوار بين المتحاورين، والالتزام بقاعدة إن كنت ناقلاً فالصحة أو مدّعياً فالدليل، وتجنب الوقوع في التناقض، وتحديد المصطلحات.
سابعا: آداب الحوار تتمثل في نبذ التعصب للأفكار المسبقة، وعفة اللسان، وتهيئة النفس لقبول نتائج الحوار، والتحلي بقاعدة رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيي غيري خطأ يحتمل الصواب، والابتعاد عن الأجواء الانفعالية.
وأما التوصيات فمن أهمها ما يأتي:
أولا: يجب أن ننطلق في الحوار من أسسنا الإسلامية، وألا نقبل بأي دعوة إلا إذا عرفنا خلفياتها، وتتبعنا أهدافها، واستشرفنا نتائجها، وحددنا الرسالة التي ينبغي أن نوصلها، لأن الحوار الذي يراد منه أن تتخلى الأمة عن هويتها وخصائصها الذاتية وتصوراتها الفكرية نوع من أنواع التبعية، وهو أشـد أنواع العدوان وأعلى مرحلة من
مراحل محو الثـقافة.
ثانيا: ضرورة السعي إلى تكوين جيل من العلماء والمفكرين الذين يملكون أدوات خوض غمار الحوار مع الآخر على مختلف الأصعدة وفي كافة الاتجاهات.
ثالثا: ضرورة أن يكون للجامعات العربية ومراكز الدراسات الإسلامية الدور الأكبر في كل الحوارات التي تعقد مع الآخر، وألا يقتصر الأمر على المؤسسات الرسمية التي تقع تحت مؤثرات كثيرة تفقدها الأهلية الكاملة للقيام بهذه المسؤولية الجسيمة.
رابعا: مد جسور التواصل بين الجامعات ومراكز الدراسات في عالمنا الإسلامي وبين الأقليات المسلمة التي تعيش في ظل الآخر الذي نريد التحاور معه، بحيث نستفيد من خبرة هذه الأقليات المتمثلة في معرفتها الأعمق بالآخر.
خامسا: العمل على أن يكون الحوار مع الآخر خيار اجتماعي تتبناه المجتمعات بصفة عامة، والاتجاه بالحوار نحو الجانب الإنساني بحيث لا يبقى دائرا حول القضايا الفكرية والعقدية دون غيرها.
والحمد لله رب العالمين
محمد عبد العاطي
المراجع
القرآن الكريم
- الاقتصاد في الاعتقاد لأبي حامد الغزالي، مكتبة صبيح، القاهرة، بدون تاريخ.
- تجديد الفكر العربي للدكتور، زكي نجيب محمود، دار الشروق 1974م القاهرة.
- التسهيل لعلوم التنزيل للكلبي، دار الكتاب العربي 1983 م بيروت.
- تفسير أبي السعود، دار إحياء التراث، بيروت ، بدون تاريخ.
- تفسير القرآن العظيم لابن كثير، دار الفكر 1401 هـ بيروت.
- التفسير الكبير للفخر الرازي، دار الكتب العلمية 1421 هـ بيروت.
- تفسير المنار ، محمد رشيد رضا ، دار الفكر ، بيروت ، بدون تاريخ.
- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ، دار الشعب ، القاهرة ، بدون تاريخ.
- الحوار الإسلامي المسيحي ضرورة المغامرة للدكتور سعيد المولى، دار المنهل اللبناني 1996م بيروت.
- حوار الحضارات، محمد خاتمي، ترجمة سرمد الطائي، دار الفكر 2002م بيروت.
- حوار الحضارات ومؤهلات الإسلام في التأسيس للتواصل الإنساني للدكتور عمار جيدل، دار الحامد 2003م الأردن.
- الحوار في القرآن، محمد حسين فضل الله، الهيئة الجامعية للدراسات والنشر 1985م بيروت.
- خطابنا الإسلامي في عصر العولمة للدكتور القرضاوي، دار الشروق 2004م بيروت.
- روح المعاني للألوسي، دار إحياء التراث، بيروت، بدون تاريخ.
- شرح النووي على صحيح مسلم، دار إحياء التراث 1392 هـ بيروت.
- صحيح البخاري، دار ابن كثير 1987 م بيروت.
- صحيح مسلم، دار إحياء التراث ، بيروت ، بدون تاريخ.
- صحيفة الشرق الأوسط، لندن بتاريخ 1 / 10 / 1999م.
- في التنوير العلمي للدكتور أحمد فؤاد باشا، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2006 م القاهرة.
- في ظلال القرآن لسيد قطب، دار إحياء التراث العربي 1386 هـ 1967م بيروت.
- الكامل في التاريخ لابن الأثير، دار الكتاب العربي 1985 م بيروت.
- مسند الإمام أحمد بن حنبل، مؤسسة قرطبة، القاهرة، بدون تاريخ.
- مستقبلنا بين العالمية الإسلامية والعولمة الغربية للدكتور محمد عمارة، دار نهضة مصر 2000 م القاهرة.
- المفردات في غريب القرآن للراغب، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ.
- الكشاف للزمخشري، دار إحياء التراث، بيروت، بدون تاريخ.
- لسان العرب لابن منظور، دار صادر، بيروت، بدون تاريخ.
- لمحات عن منهجية الحوار، رشدي فكار، مكتبة وهبة 1982م القاهرة.
- مجلة الأزهر الجزء العاشر، السنة 79، نوفمبر 2006، مقال الدكتور محمد عمارة.
- مجلة الرسالة التي تصدر عن مركز الإعلام العربي، العدد الأول ديسمبر 2001م، مقال الأستاذ الدكتور أحمد العسال.
- مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، محمد حميد الله، دار النفائس 1985 م بيروت.
- المحرر الوجيز لابن عطية، دار الكتب العلمية 1993 م بيروت.
- مستقبل حوار الحضارات في ظل العولمة للدكتور عبد المجيد عمراني، نشر ندوة الثقافة والعلوم 2004م دبي.
- المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، الطبعة الثالثة، القاهرة، بدون تاريخ.
- المفترون، فهمي هويدي، دار الشروق 1996 م بيروت
- الممانعة أو الطوفان، فهمي هويدي ، جريدة الأهرام 16 نوفمبر 2004.
- النظرات، مصطفى لطفي المنفلوطي، دار الجيل ، بيروت ، بدون تاريخ .
- نيل الأوطار للشوكاني، مكتبة دار التراث، القاهرة، بدون تاريخ.
ابحث
أضف تعليقاً