
المقدّمة:
الحمد لله , والصّلاة والسّلام على رسول اللهِ , وعلى آلهِ وصحبهِ ومَنْ والاه ..
وبعد : فموقف القرآن الكريم من الحوار مع الآخر , يُعدّ من أكثر المواقف إيجابيّة في دعوته , والذي اعتمد عليه الدّين الإسلامي , حتى صار مفهومه من أكثر الأديان ترحيباً وقبولاً في هذا الشأن , ووصف بدين الحوار . وهذا ما يدعونا إلى كيفية الاستفادة من فرصة الحوار وطرح الآراء مع الآخرين , بعيداً عن الإكراه والقسر ملتزمين بقوله تعالى:{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[البقرة:256] . والحوار يكتسب أهميّة بالغة في منظومة الدّعوة الإسلاميّة ؛ ذلك لأنّه أسلوب أصيل من أساليب الدّعوة ومَعْلم من مَعَالمها , فله دورٌ كبيرٌ في تأصيل الموضوعيّة وردّ الفكرة المغرضة القائلة: إنّ الإسلام دين القهر وإنّه انتشر بالسّيف , بل انتشر بفضل الله تعالى ومن ثمّ بفضل الحوار الهادف الذي يعني قبول التكافؤ بين مختلف الشعوب والأمم . فبالحوار والإقناع وإعطاء التصوّر الصّحيح للإسلام ومحاولة نقاش الآخرين واحترامهم ، تحقق انتصار الإسلام , وتمّ قبول دعوته السّامية القائمة على البساطة والاعتقاد الصّحيح , والتزام حقوق الإنسان , ولاسيّما العمل بمقتضى العدالة والحريّة والإخاء الإنساني .
لذا فالمنهج القرآني يدعونا إلى مبدأ إنساني حضاري وهو تقريب وجهات النّظر والمسافات , ويهدف إلى استبعاد وإقصاء سبل استخدام الاعتداءات والصّدامات . ولا يغمط ثقافة الآخرين ومعارفهم وتجاربهم وخبراتهم ، لكنّه يصحّح المعوّج منها أو الضارّ ، ويوجه الناس إلى الخير دون إجبار , ويعتمد في ترسيخ عقيدته على العقل والحِكمة والعِلم والمنطق السّليم في تبادل الآراء المفيدة عن طريق النقاش الهادئ ؛ لإظهار الحقيقة ، وإيثار المصلحة ، وتوفير مناخ السّعادة ، والابتعاد عن الجدل العقيم , فهو بحقّ رحمة شاملة للعالمين , كيف لا ؟ وهو طريق النّجاة في إرساء معالم الحِكمة والاعتدال . وقد حفل بنصوص عدّة حول الحوار , يحضّ عليه وينوّه بقيمته ويُقدّم نماذج من الحوارات التي ينبغي أن يسلكها الدّعاة إلى الله مع مختلف أصناف المدعوّين من المشركين والملاحدة ومنكري البعث وغيرهم .
ومن هنا تتضح قيمة الحوار في مفهوم القرآن ، باعتباره نموذجاً يمكن في ضوئه الاقتناع بإمكان قيام حوار معاصر على نحو سليم . وهو ما تسعى هذه الدراسة(حوار القرآن مع المشركين) إلى إبرازه وبلورته من خلال ثلاثة مباحث , الأول : في إثبات وجود الله وتوحيده , والثاني: في إثبات النبوّات , والثالث: في إثبات المعاد , وذلك عبر المصطلحات والمفردات الدالة عليه ... ويتقدّمها تمهيد : يتحدّث عن تعريف الحوار وأسسه , وعن مقوّمات نجاح الحوار مع الآخر , ذلك من خلال التعرّف على منهجيّة القرآن الكريم لهذا الموضوع.. وتأتي بعدها الخاتمة التي تلخص أهمّ النّتائج .
ولا يفوتني أن أتقدّم بوافر شكري وعرفاني إلى جامعة الشارقة عموماً , وكليّة الشريعة الممثلة برائدها وعميدها أ.د. عبد الناصر ابو البصل خصوصاً ؛ لما عوّدونا من طرح مفاجئات قيّمة , ومنها هذا المؤتمر:
(الحوار مع الآخر في الفكر الإسلامي) ؛ ولما أتاحوه لنا من فرصة المشاركة فيه , فجزا الله الجميع عنّي وعن إخوتي الزّملاء المشاركين خيراً , وبارك فيهم .. والحمد لله ربّ العالمين .
تمهيد
ويتضمّن ما يأتي ...
أوّلاً : تعريف الحوار لغة واصطلاحاً , وأسسه وأركانه .
ثانياً : منهج الحوار في القرآن الكريم .
أوّلاً : تعريف الحوار , وأركانه ..
* فالحوار لغة : (أصله من الحَوْر , بمعنى الرّجوع عن الشيء وإلى الشيء , وهم يتحاورون أي: يتراجعون الكلام . والمحاورة : مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة) . (1)
وفي الاصطلاح:(مراجعة للكلام وتداوله بين طرفين أو أكثر , دون وجود خصومةٍ بينهم بالضرورة , ومنه التحاور أي التجاوب)(2), وهي ضرب من الأدب الرّفيع وأسلوب من أساليبه . وبما أنّ القرآن الكريم قد ذكر نصوصاً حواريّة تدلّ على معنى الجدل , نرى من الضرورة بمكان أن نلقي نظرة على تعريف الجدل ؛ ليتبين لنا مدى العَلاقة بينهما .
* فالجدل لغةً : هو(اللدد في الخصومة والقدرة عليها) .(3) أي ما يدلّ على الشدّة والقوّة .
وفي الإصطلاح:(دفع المرء خصمه عن فساد قوله بحجة ٍأو شبهةٍ وهولا يكون إلا بمنازعة غيره) . (4)
ويبدو لنا أنّ الحوار هو تبادل المعلومات والأفكار والآراء سواء أكانت تبادلاً رسميّاً أم غير رسميّ مكتوباً أم شفويّاً . وينعقد الحوار بمجرد التعرّف على وجهات نظر الآخرين وتأمّلها وتقويمها والتعليق عليها . ومن هذا المفهوم يمكن أن يطلق الحوار على تلاقح الثقافات بين بعضها الآخر وما يحصل من جراء ذلك من تلاقي المتحاورين وتأثير وتصويب بعضهم لبعض . وقد ورد الحوار في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم فحسب قوله تعالى:{فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً}[الكهف:34], وقوله:{قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً}[الكهف:37], وقوله:{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}[المجادلة:1] .
وأما الجدل ففيه لدد في الخصومة , ومنازعة في البيان وشدة في الكلام مع التمسّك بالرّأي والتعصّب له , والجدل لم يؤمر به ولم يُمدح في الكتاب أو السنّة على إطلاقه , وإنّما الممدوح منه ما قيّد بالحسنى أو بالحق.(5) قال تعالى:{وَجَادلهُمْ بالتي هيَ أحْسَنُ}[النحل:125],{وَلا تُجَادلوآ أهْلَ الكتابِ إلا بالتي هيَ أحْسنُ}[العنكبوت:46] فهو ليس من باب الدّعوة , بل مظنّة التعصّب والإصرار على نصرة الرّأي بالحق أو الباطل والتعسّف في إيراد الشبه حول الرّأي الآخر وإن كان على حق ٍ. ويؤكد لنا هذا قوله تعالى :{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}[النحل:125], إذ قصر الدّعوة على ذكر هذين القسمين ؛ لأنّ الدّعوة إذا كانت بالدلائل القطعيّة فهي الحِكمة ، وإن كانت بالدلائل الظنيّة فهي الموعظة الحسنة , والدّعوة بحسب مراتب الخلق , فالمستجيب القابل الذكي لا يُعاند الحقّ ولا يأباه: يدعى بطريق الحكمة . والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر: يدعى بالموعظة الحسنة وهي الأمر والنّهي بالترغيب والترهيب . أما الجدل فليس من باب الدّعوة ، بل المقصود منه غرض آخر مغاير للدّعوة وهو الإلزام والإفحام , فلهذا السّبب لم يقل ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل الأحسن ، بل قطع الجدل عن باب الدّعوة تنبيهاً على أنه لا يحصل الدّعوة ، وإنما الغرض منه شيء آخر .(6) وفي الحقيقة أن الجدال الحسن يتساوى في الحوار مع الأهداف والآداب ويؤدّي إلى النتائج نفسها ؛ لما تقدّم من قوله تعالى:{وَجَادلهُمْ بالتي هيَ أحْسَنُ}, وعلى الرّغم من الطبيعة المتشعّبة للحوار ، فإنه ليس دعوة في بعض الأحيان ، ولا مناظرة ، ولا مجادلة ، ولكنّه صيغة جامعة ، وأسلوب من أساليب التقارب والتجاوب والتفاعل , فهو أعمّ من الجدل ..
لذا سيكون منطلق حديثنا في هذا البحث إن شاء الله تعالى ما يعني المراجعة في الكلام , وأسلوب طرفي هذه المراجعة من وجهة القرآن الكريم , ولا يعني حديث الخصومة , ولا اللدد فيه , أو الخصومة لذاتها , إلا ما جاء مقترناً بالمحاورة .
* أسس الحوار وأركانه : وهي أربعة لا يمكن للحوار أن يقوم بدونها ..
1ـ المحاوِر (بكسر الواو) وهو الطرف الأول . 2ـ المحاوَر (بفتح الواو) وهو الطرف الثاني .
3ـ موضوع الحوار : الفكرة التي يقوم الحوار من أجلها ولو لم توجد لما وجد الحوار فهي الباعث عليه . 4ـ أسلوب الحوار : وهي المقاولة والمراجعة بين الطرفين . (7)
ثانياً : منهج الحوار في القرآن الكريم : يتجه القرآن الكريم في حواره مع الآخر ضمن منهجيّة عالية المستوى رفيعة القدر والمحتوى , وذلك من بداياته الأولى ؛ لتكون طريقاً يُهتدى به ومسلكاً يتخذه المتحاورون في حواراتهم لإقناع بعضهم بعضاً سواء في الأمور الدّنيويّة أو الأخرويّة , ويُعدّ المنهج القرآني قانوناً يُلائم كل زمان ومكان ٍحتى قيام السّاعة , وسنتعرّف على ذلك من خلال ما يأتي :
* المنهجية العامّة للحوار في القرآن الكريم : إذا ما نظرنا إلى حوار القرآن الكريم بأنواعه كلها نظرة شاملة , دون تحديد أيّ نوع , يتبيّن لنا ما يأتي ..
1- الشمول والتنوّع : إنّ القرآن الكريم لم يقتصر في حواراته على طرح قضيّة معيّنة وكيفية معالجتها أو نوع معيّن كالعقيدة وحدها , أو العبادات أو المعاملات , بل شمل جوانب الحياة كلها دينيّة كانت أو اجتماعيّة أو اقتصاديّة أو سياسيّة , بمعنى كل ما يحقق المنفعة للمجتمع الإسلامي في حاضره ومستقبله ، فهو جدير بأن يكون موضوعاً للحوار ، ولا يقتصر الحوار على موضوع دون آخر ، ما دامت المنافع والمصالح هي محورَه الرئيس ومجاله الحيويّ ، إذ يغطّي شتى الموضوعات التي ترتبط بجميع مناحي الحياة ، ويستجيب للحاجات الضرورية التي تفرضها طبيعة العلاقات الثنائيّة والمصالح المتبادلة . وهذا يدلل على أنّ الحوار في القرآن كان غرضاً أساسيّاً وأسلوباً ناجحاً في تحقيق أغراضه الشاملة لكل جوانب الإصلاح فرديّة كانت أو جماعية . (8)
2- إظهار الحجّة وإقناع العقل : إن القرآن الكريم ينطلق في حواره إلى إبراز الحجّة والمنطق وإقناع العقل بالعلم والبرهان , ويدعوا إلى التحاور والجدال بالحِكمة والموعظة الحسنة : فما أكثر ما يرد في القرآن:{هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ}[البقرة:111] , وقال تعالى مرشداً إلى اعتماد العلم والحجّة في الحوار:{هَآ أَنْتُمْ هَؤُلآءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}[آل عمران:66] , فالعلم شرط أساس لنجاح الحوار وتحقيق غايته ، وبدونه لا ينجح أيّ حوار , قال الإمام ابن تيميّة-رحمه الله- :(وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة ، إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجّة وجواب الشبهة ، فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضلّ ، كما ينهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجًا قويًا من علوج الكفار ، فإنّ ذلك يضرّه ويضرّ المسلمين بلا منفعة).(9) وفي اتباع اللين والحِكمة والموعظة الحسنة يأمر الله موسى عليه السلام:{اذهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ، اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ، فقولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}[طه:42-44] ويأمر بإتباع الحِكمة في الدّعوة :{وَمَنْ أَحْسَنُ قولاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[فصلت:33-34] , وتأكيداً لهذا المنهج ينهى الله المؤمنين عن اتباع أساليب السّفهاء
ومجاراتهم في السبِّ والتسفيه لمعتقدات الآخر:{وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}[الأنعام:108] . كما أنّ القرآن يتابع التسلسل المنطقيّ مهما بلغ من صور الإفتراضات التي قد تتنافى مع مبادئ القرآن في الظاهر لغرض إلجاء العقل إلى التسليم , ونقرأ هذا من خلال توجيه الله إلى نبيّه في حواره مع المشركين إلى أن يُخاطبهم بطريقة التسليم الظاهري قال تعالى:{قُلْ لو كانَ فيهمآ آلهةٌ إلا اللهُ لفسَدَتا} [الأنبياء:22] , فيقول لهم لو فرضنا جدلاً أنّ هناك آلهة أخرى لحصل النّزاع والصّراع بينهما ولأدّى هذا إلى فساد الكون فهو يفترض ثمّ يُحاور لينتهي إلى النّتيجة .
3ـ اعتماد القرآن في محاوراته على العقل المجرّد : ونلمس هذا الجانب من خلال تأمّلنا في الأسلوب القرآني للحوار , إذ يعتمد أثناء المحاورة على العقل المجرّد دون التأثر بأي عامل آخر أو مؤثر خارج المحاورة وهذا أقصى ما يمكن أن يطلبه أو ينتظره مفكر يدّعي الحريّة في فكره أوباحث يدّعي التجرّد من التعصّب والانحياز , والدّليل على ذلك حوار إبراهيم عليه السّلام مع المشركين من قومه الذين كانوا يعبدون الكواكب , إذ افترض أنّه يعبدها مثلهم فقال: {فلمّا جنّ عليهِ الّليلُ رءَا كوْكبَاً قالَ هذا ربّي}[الأنعام:76] , والغرض من هذا نفي وجود أي مؤثر على المحاور غير العقل .(10)
* المنهجيّة الخاصّة للحوار في القرآن الكريم , ويمكننا إجمالها في قسمين :
أولاً : منهج القرآن الكريم لكلا الطرفين : ويدعوهما لما يأتي ..
1ـ حريّة الفكر : يدعو القرآن الكريم المتحاورين إلى حريّة الفكر في بداية حوارهم , يرافقه ثقة المحاور بشخصيّته الفكريّة المستقلة، فأمر الله رسوله أن يحقق ذلك ويوفره لمحاوريه:{قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف:110] ، فلا يُهزم المحاور أمام الآخر لما يحسّ فيه من العظمة والقوّة التي يمتلكها الآخر ، فتتضاءل إزاء ترك ثقته بنفسه وبالتالي بفكره وقابليتّه لأن يكون طرفاً للحوار فيتجّمد ويتحوّل إلى صدىً للأفكار التي يتلقاها من الآخر .(11)
2ـ طرح المنهج الفكريّ : قال تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَآؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُون}[البقرة:170] , فأوّل ما يُناقش فيه هو المنهج الفكريّ عندما يمتلك أطراف الحوار الحريّة الكاملة , وذلك قبل المناقشة في طبيعة الفكر وتفاصيلها في محاولةٍ لتعريفهم بالحقيقة التي غفلوا
عنها , وهي أن القضايا الفكريّة لا ترتبط بالشخصيّة , فلكلّ ٍمجاله وأصوله التي ينطلق منها ويمتدّ إليها .(12)
3ـ مناقشة الأطراف عند الأجواء الهادئة : من العوامل المهمّة التي ركز عليها القرآن في نجاح الحوار , هو أن يتمّ في الأجواء الهادئة؛ ليبتعد التفكير فيها عن الأجواء الانفعالية التي تبتعد بالإنسان عن الوقوف مع نفسه وقفة تأمّل وتفكر، فإنَّه قد يخضع للجوّ الاجتماعي ويستسلم لا شعوريّاً ممّا يفقده استقلاله الفكريّ:{قلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ} [سبأ:46] , فاعتبر القرآن اتهام النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالجنون خاضعاً للجوّ الانفعالي العدائي لخصومه لذلك دعاهم إلى الانفصال عن هذا الجوّ والتفكير بانفراد وهدوء . (13)
4ـ التأكيد على استقلالية كلّ من المتحاورين ومسؤوليته عن فكره : قبل الانفصال بين المتحاورين يتمّ التأكيد على استقلالية كلّ واحد , ومسئوليته عن نفسه ومصيره:{وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ وَانتَظِرُوآ إِنَّا مُنتَظِرُون}[هود:121-122]،{ قلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنْ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ }[سبأ:50], إنها مسئوليّة فرديّة لا تداخل فيها :{وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ}[ يونس:41] .(14)
5ـ عدم تتبع الأخطاء الناتجة عن الانفعال أثناء الحوار : يدعو القرآن الكريم المتحاورين على أن لا يُتَابَعَ أحدهم الآخر على ما بدر من إساءات أثناء الحوار ، وليكن العفو والصّبر أساساً وخلقاً في التعامل ولاسيّما مع الجاهلين15:{خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ}[الأعراف:199] , {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً}[المزمل:10] .
6ـ ختم الحوار بهدوء : إذا سار الحوار جادَّاً وفق هذا المنهج من قبل جميع الأطراف ؛ فلا بدّ أن يصلوا جميعاً إلى ما التزموا به في بداية الحوار من الرّجوع إلى الحقّ وتأييد الصّواب ، فإذا رفض المحاور الحجج العقليّة كأن لم يقتنع بها ؛ فإنه بذلك يمارس حقاً أصيلاً كَفِلَه له ربّ العزّة، وينتهي الحوار بهدوء كما بدأ دون حاجة إلى التوتر والانفعال :{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قلْ إِنْ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ}[هود:35] .
ثانياً : منهج القرآن تجاه الخصم : من الأمور البارزة التى عني بها القرآن الكريم وأولاها اهتماماً كبيراً , هي عدم مصادرة حقّ الخصم وإنصافه من كلّ وجهٍ , وكيف يمكن ذلك ؟ هذا ما سنتطرّق إليه فيما يأتي ..
1ـ التسليم بإمكانيّة صواب الخصم : من تمام الإنصاف التسليم الجدلي بأنَّ الخصم قد يكون على حق , والتفريق بين الفكرة وقائلها ، لذا نقرأ بعد مناقشة طويلة في الأدلة على وحدانيّة الله تأتي هذه الآية :{قلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاوَاتِ والأرض قُل اللَّهُ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}[سبأ : 24] ، فطرفا الحوار سواء في الهداية أو الضلال ، ثم يضيف على الفور في تنازل كبير بغية حمل الطرف الآخر على القبول بالحوار:{قلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا ولا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُون}[سبأ : 25] ، فيجعل اختياره هو بمرتبة الإجرام على الرّغم من أنّه هو الصّواب ، ولا يصف اختيار الخصم بغير مجرد العمل ، ليقرّر في النهاية أن الحكم النهائيّ لله :{قلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ}[سبأ : 26] .(16)
2ـ حماية الخصم أثناء الحوار : فمهما يبلغ الشخص المحاور من ضعف في رأيه او في شخصيّته أو ركاكة
حجته نجد الخصم في محاورة القرآن الكريم مصوناً من أيّ أذى أو تسفيه أو تحقير أو سخريّة أو بذاءة أو فحش قال تعالى:{لا يَسْخرْ قوْمٌ مِنْ قوْم}[الحجرات:11] .. حتى يصدرَ الحكمُ عليه .
3ـ إظهار المساواة للخصم : وهذه أرفع درجة من سابقها , إذ سنلاحظ من محاورات القرآن الكريم إشعار الخصم بمساواته مع محاوره وبكلّ وضوح أثناء المحاورة , وهذا اٌقصى ما يمكن من عدالةٍ تُمنح للخصوم حين يشعر الخصم أنّه مساو ٍلخصمهِ , على الرّغم من أنّ الملابسات كلها توحي بغير هذه المساواة , قال تعالى :{ وَإنّا أو إيّاكمْ لعَلى هُدىً أوْ في ضلال ٍمبين }[سبأ:24] , وبالتأكيد أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم على حقّ ومجادليه على باطل , بيدَ أنّ الله تعالى أراد أن يوجّه نبيّه إلى افتراض التجرّد من ذلك وإشعار الخصم بالمساواة معه في صورة افتراض أنّه لا يعلم أيّهما على الهدى أو الضلال .
4ـ التعهد والالتزام بالحقّ : وهذا لا يكفي مجرّد التسليم الجدلي بإمكانيّة صواب الخصم ، بل لا بدّ من التعهد والالتزام باتباع الحقّ إن ظهر على يديه ، حتى ولو كان التعهد بإتباع ما هو باطل أو خرافة إذا افتُرِض ثمّ ثبت وتبيّن أنّه حقّ :{قلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَآ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ}[الزخرف:81] .
5ـ الرّفق بالمهزوم : عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول:(من يحرم الرّفق يحرم الخير كله)(17) , وإذا قرأن القرآن وتتبّعنا محاوراتِهِ لم نجد فيه محاورةً واحدةً أخذت المنتصر فيها نشوة الانتصار فحملته على الكبرياء والنّيل من شخصيّة الخصم نفسه أو الاستهزاء به أو السّطو عليه , بل يرفق دائماً بالخصم ويحميه من كلّ أذىً حتى تنتهي المحاورة ثمّ تعلن النّتيجة ؛ وذلك لأنّ نتائج محاوراتِ القرآن هي الدّعوة إلى الدّين نفسه , أمّا الخصم ذاته فنجد أنّ محاور القرآن لا تهدف إلى النّيل منه أو إيذائه حتى بعد إعلان خطئه وسوء موقفه خلال المحاورة .(18)
وهكذا يرشد المنهج القرآني في الحوار مع الآخر إلى إنهائه بمهمّة وأداء رسالة يبقى أثرها في الضمير إن لم يظهر أثرها في الفكر ، إنّه أسلوب لا يُسيء إلى الخصم بل يؤكد حريّته واستقلاليّته ويقوده إلى موقع المسئوليّة ليتحرّك الجميع في إطارها وينطلقوا منها ومعها في أكثر من مجال .
حوار القرآن مع المشركين
إنّ القرآن الكريم قد حفل بنصوص عدّة حول الحوار , يأمر به ويحضّ عليه ويُنوّه بقيمته ويُقدّم نماذج من حوارات الأنبياء والمرسلين ، ويُقدّم نماذج من الحوارات التي ينبغي أن يسلكها الدّعاة إلى الله مع مختلف أصناف المدعوّين من المشركين والملاحدة ومنكري البعث وغيرهم .
فكان من البديهيّ أوّلاً أن نبيّن أنّ التعدّد في المخلوقات وتنوّعها سنّة الله في الكون , إذ طبيعة الوجود في الكون أساسها التنوّع والتعدّد , والإنسانية خلقها الله تعالى وفق هذه السّنّة الكونيّة فاختلاف البشر حقيقة فطريّة , وقضاء إلهي أزليّ مرتبط ومحتم بالابتلاء والتكليف الذي تقوم عليه خلافتهم في الأرض , قال تعالى:{لكلّ جَعلنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَاً وَلوْ شآءَ اللهُ لَجَعَلكُمْ أمّةً وَاحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلوَكُمْ فِيمَآ آتاكُمْ فاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إلى اللهِ مَرْجِعَكُمْ جَميْعَاً}[المائدة:48] , وقال:{وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أمّةً وَاحِدَةً وَلا يَزالونَ مُخْتلِفينَ إلا مَنْ رَحِمَ رَبّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ}[هود:118-119] , فالاختلاف والتعدّدية بين البشر قضيّة واقعيّة لا بدّ منها .
والآلية الفريدة في تعامل الإنسان مع قضية الاختلاف , هي الحوار والتفاهم مع الآخر ؛ لتبادل وجهات النّظر والوقوف عندها ؛ وليتسنّى من خلاله توظيف الاختلاف وترشيده بحيث يقود أطرافه إلى التعارف , ويُبعدهم عن الصّراع العنيف والقطيعة الانعزالية والاحتكار الاستبدادي . فالذي يسعى لإلغاء هذا التعدّد كليّة أو يتجاهله , وهي سنّة الله في خلقه , فإنّما يروم مُحالاً ويطلب مُمتنعاً , ويتمنّى مخاطر الشقاق , وقد ناقض الفطرة وأنكر المحسوس . لذا لم يكن حديث القرآن عن الحوار مع الآخر حديثاً عَرَضياً , بل اهتمّ به اهتماماً كبيراً من حيثُ المنهجُ والضوابط التي ينبغي للإنسان أن يسيرَ عليها , وعرض لأساليبه ونماذج منه , ممّا يُعطي المتأمّل فيه نظرة متكاملة عن الحوار من خلال القرآن الكريم ؛ لأنّ الآخر أو الغير يشكل في المبادئ الإسلاميّة وجودا أساسيّا إذ ينصب الكثير من الخطاب الإسلامي الوارد في كيفية التعامل الإيجابي مع الآخر ؛ لأنّ الإسلام دينٌ للعالم جميعاً لا يختصّ بفئةٍ منعزلةٍ متعصّبةٍ إذ قال تعالى:{وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَة لِلْعَالَمِينَ}[الانبياء:107] , و{وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً}[سـبأ:28] . فالأسلوب الذي يعتمد الانغلاق والقطيعة مع الآخر لا يمثل الإسلام ؛ لأنّ الإسلام كدين عالميّ يمتلك مبادئ حيوية لا يُمكن أنْ تنسجمَ مع وضع التصادم والانغلاق الذاتي . لذا يُعطى المحاور كلّ الحريّة في إبداء رأيه الذي يتمسّك به ، ويتفهّم في الوقت نفسه الرّأي الآخر المعبّر عنه في الحوار , وذلك انطلاقًا من الاعتقاد بالتعدديّة والاعتراف بالآخر، من خلال اختلاف التجارب والخبرات , وهذا الذي ينفع الناس ويمكث أثرُه في الأرض وهو أساس الحوار الهادف .
والخلل الذي نعاني منه اليوم في مجتمعنا الإسلامي لا يُصلحه إلا التفاعل من خلال الحوار بعيدًا عن القهر وتأليب جانب على آخر ، والسّلطة السياسيّة يجب أن تمثل دور الوازع الذي يقف عند تهيئة جو الحوار الهادف ، والذي يحترم حريّات جميع الفئات ، حتى وإن كانت متحفظة عليها ، ولا يُمكن أن نتخيلَ عدالة اجتماعيّة بدون استقلال فكريّ ومذهبيّ ، ولا بدّ من أدب في الحوار يحترم فيه صاحب السّلطة . والحوار في المنظومة الإسلاميّة أسلوب ووسيلة في الدّعوة إلى الله ، وفي دحض الشبهات والافتراءات ، وفي رد الشاردين والجاهلين والغافلين من أبناء المسلمين إلى حياض الإسلام ، إنّ الحوار ترياق فعّال لمعالجة داء الاعتداء , فبالحوار تنفتح مغاليق الشبهات ، وبالحوار تدرأ الكثير من مكنونات النفس وتراكمات العقائد الباطلة ، وللحوار في القرآن الكريم مساحات شاسعة ، من بينها حوار المخالفين في الدّين ؛ لما له من صور وأبعاد وأهداف وآثار من مادة علميّة لها ظلال عميقة في واقع التطبيق . والمتتبع للحوار القرآني مع المشركين بالتحديد يجد أن طرحه للخطاب معهم يتمثل بحوار هدايةٍ ودلالةٍ وجدل إقناع وإقحام ٍعلى البراهين العقليّة , ولفة الأنظار في الآيات الكونيّة حتى يهتدوا إلى خالقها فيعبدوه ويُعظموه وحده لا شريك له وينبذوا عبادة غيره من الأصنام والأوثان التي لا تملك لنفسها ضرّاً ولا نفعاً .. وسنتعرّف على ذلك من خلال تتبعنا للآيات القرآنيّة ؛ كي يكون لنا تصوّراً في إيجاد تحقيق روح جديدة وحلول تفيض بالفكر والإبداع . وقد أورد الله تعالى نماذج عدّة في كتابه العزيز , ودعا إلى استخدامها مشروطاً بآداب الحوار , ممّا لها صلة بواقعنا الحاضر , وسنحاول حصرها في ثلاثة مباحث ..
المبحث الأوّل
حوار القرآن مع المشركين
في إثبات وجود الله تعالى ووحدانيّته
ويُعدّ هذا المطلب من أهمّ موضوعات الحوار؛ لكون الشرك بالله تعالى العقبة الكبرى والكؤودة التي تقف حاجزاً أمام حركة الرّسالة في المجتمعات , وهي المشكلة العظمى المطروحة على السّاحة ؛ لما لهذا الحوار من أسس واقعيّةٍ في صفاء وتنقية العقيدة من شوائب الوثنية وبراثن الشرك .. لذا سنتعرّف من خلاله إلى الحوار الهادئ والبنّاء في طرح الدّعوة إلى إظهار السّلوك الصّحيح القويم والفكر السّليم تجاه الصّراعات العقديّة كلها , والمتنوعة في طقوسها وتقاليدها في عبادةٍ امتدّت إلى أكثر من صورة . وإلى الحوار الهادف إلى نتيجةٍ مثاليةٍ يُقتدى بها في مجال المناقشات والحوارات . فخاطب الله تعالى المشركين خطاباً يقوم على البرهان والحجّة العقليّة التي تلزمهم بالتفويض الكامل والتسليم المطلق لإرادته , ولا يُعارض في ذلك إلا معاند ومكابر فدعاهم أوّلاً إلى الإعتراف بوجود الخالق الصّانع , وإلى توحيد الرّبوبيّة ثانياً , وهذا أهمّ ما يبتغيه العقلاء , الذين يُلغون حواسهم , ويتبرّون من عملية التقليد الأعمى والعشوائي ولاسيّما ما يدّعيه الملحدون من دين آبائهم وأجدادهم . فلمّا انتشر الفساد في الأرض وعمّ البلاء بعبادة الأصنام فيها , بعث الله عباده ورسله إلى جميع خلقه , ليدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له , وينهوهم عن عبادة ما سواه , فكان أوّل رسول بعثه الله إلى الأرض , هو نوح عليه السّلام , كما ذكره المحدّثون(19) ولمّا بُعث إلى قومه حاورهم ودعاهم إلى إفراد عبادة الله وحده , وألا يعبدوا معه صنماً ولا تمثالاً ولا طاغوتاً وأن يعترفوا بوحدانيّته , وأنّ لا إله غيره ولا ربّ سِواه كما أمر سبحانه من بعده من الرّسل الذين هم كلهم من ذريّته{وجعلنا ذرّيّتَهُ همُ البَاقينَ}[الصافات:77] , فنادى بهم فقال:{يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَن ِاعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ}[نوح:2ـ3]..عن قتادة قوله:{أَن ِاعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} قال:(أرسل الله المرسلين بأن يُعْبَد اللهُ وحده ، وأن تتقي محارمه وأن يُطاع أمره) .(20) وصرّح لهم قائلاً:
{اعبُدُوا الله مَا لكم مِنْ إلهٍ غيرُهُ إنّي أخافُ عليكم عَذابَ يوم ٍعظيم}[الأعراف:59] , ثمّ قال:{ ياقوم ِاعبُدوا الله مَا لكم مِنْ إلهٍ غيرُهُ أفلا تتّقونَ }[الأعراف:65] , وقال:{ أن لا تعبُدوا إلا الله إنّي أخافُ عليكم عذابَ يوم أليم } [هود:26] , وهذا هو صلب موضوع المحاورة إذ اختار نوحٌ عليه السّلام ألفاظاً بسيطة المعنى , سريعة الوصول إلى أذهانهم , لا تعقيد فيها , ولم يكن خيالاً أدبيّاً , فكان هذا التعبير:{ِاعبُدُوا الله مَا لكم مِنْ إلهٍ غيرُهُ} , {أن لا تعبُدوا إلا الله}, ثمّ يخوّفهم ويُهدّدهم بعد إعلامهم موضوع رسالته التي جاء من أجلها في تبليغهم بوجود الخالق الصّانع ووحدانيّة ذلك الموجد جلّ في عُلاه , وبعد ملأ نفوسهم حذراً ورهبة من العصيان والنّفور, قال :
{إنّي أخافُ عليكم عَذابَ يوم ٍعظيم ٍ} , وهذا بعد ذلك التمهيد المسبق وتلك الصّياغة العظيمة وبسط التحاور في جذب هؤلاء .. حتى قال: {ياقوم ِإنّي لكمْ نذيرٌ مبينٌ أن ِاعْبُدُوا اللهَ وَاتّقوهُ وأطيعونَ}[نوح:2ـ3] , فبيّن لهم تأكيد هدفه في دعوته لوجود الخالق وتوحيده بعد إبداء عطفه لهم ؛ ليحدث في نفوسهم الرّهبة والتهيؤ فجاء بهذه الصّياغة المختارة{ياقوم إنّي لكمْ نذيرٌ مبينٌ} بكامل الأدب عليه السّلام .
فنلحظ ممّا تقدّم أنّ نوحاً عليه السّلام قد حاورهم عن طريق الإقناع ولم يجبرهم إجباراً قسريّاً ؛ ذلك لأنّه يعلم أنّ العقيدة الحقيقية هي التي تقوم على الإقناع واليقين ، وليس على مجرد التقليد أو الإرغام . وكل فرد هو حرّ في أن يعتقد ما يشاء وأن يتبنى لنفسه من الأفكار ما يريد ، حتى ولو كان ما يعتقده أفكارًا إلحاديّة , فلا يستطيع أحد أن يمنعه من ذلك طالما أنّه يحتفظ بهذه الأفكار لنفسه ولا يؤذي بها أحدًا من الناس فيُترك وشأنه: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)[الممتحنة:8] . وإن كان المفسرون قد اختلفوا في نسخ هذه الآية بآية السّيف وعدمها , إلا أنّ ما يؤيّد عدم النّسخ ما ذكره الإمام الطبري بقوله:( وأولى الأقوال في ذلك بالصّواب قول من قال: عُنِي بذلك: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدّين} ، من جميع أصناف الملل والأديان أن تبرُّوهم وتصلوهم، وتُقسطوا إليهم ، إنّ الله عزّ وجلّ عمّ بقوله :{الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} جميع من كان ذلك صفته , فلم يخصّصْ به بعضًا دون بعض ، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ ) .(22) وما نقله الإمام القرطبي عن أكثر أهل التأويل أنّها محكمة(23) ، وكذلك كلام الإمام الترمذي عند قوله تعالى :{ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً }[آل عمران : 28] بأنّ ذلك رخصة في حالة الخوف والضعف مع اشتراط سلامة الدّاخل في القلب ، فإنّ مفهومه أنّها محكمة وباق العمل بها عند اللزوم ، ومفهومه أن المؤمنين إذا كانوا في حالة قوّة وعدم خوف وفي مأمن ٍمنهم ، وليس منهم قتال ، وهم في غاية من المسالمة فلا مانع من برّهم بالعدل والإقساط معهم ، وهذا ممّا يرفع من شأن الإسلام والمسلمين ، بل وفيه دعوة إلى الإسلام بحسن المعاملة وتأليف القلوب بالإحسان إلى من أحسن إليهم ، وعدم معاداة من لم يعادهم ، وممّا يدل لذلك من القرائن التي نهينا عنها سابقاً ما جاء في التذييل لهذه الآية بقوله تعالى :{ إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين } , فهذا ترشيح لما قدّمنا كما قابل هذا بالتذييل على الآية الأخرى .
وإذا ما رجعنا إلى عموم اللفظ وجدنا الآية صريحة شاملة لكلّ من لم يناصب المسلمين العداء ، ولم يظهر سوءاً إليهم ، وهي في الكفار أقرب منها في المسلمين ؛ لأنّ الإحسان إلى ضعفة المسلمين معلوم بالضرورة الشرعيّة ، وعليه فإنّ دعوى النّسخ تحتاج إلى دليل قويّ يُقاوم صراحة هذا النّص الشامل ، وتوفر شروط النّسخ المعلومة في أصول التفسير .(23) وقد عقد الإمام البخاري باباً أسماه (باب الهديّة للمشركين) وروى فيه : عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إذ قَالَتْ :(قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاستفتيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قلْتُ وَهِيَ رَاغِبَة أَفَأَصِلُ أُمِّي قَالَ نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ) .(24) وفي روايةٍ أخرى , قَالَتْ:(أَنتننِي أُمِّي رَاغِبَة فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , آصِلهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ) . قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا:{لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} .(25)
إذاً قسمٌ مسالمٌ لم يُقاتلْ المسلمينَ ولم يُخرجهم من ديارهم ، فلم ينه الله المسلمين عن برّهم والإقساط إليهم ، وقسمٌ غير مسالم يُقاتل المسلمين ويُخرجهم من ديارهم ويُظاهر على إخراجهم, فنهى الله المسلمين عن موالاتهم وفرّق بين الإذن بالبرّ والقسط , وبين النّهي عن الموالاة والمودّة .(26) وهذا من محاسن الإسلام وسمو تعاليمه
وإنّ العالم كله اليوم لفي حاجةٍ بها ماسّةٍ إلى معرفة هذه التعاليم السَّماوية السّامية حتى مع أعدائه , علماً أنّ القرآن الكريم قد نصّ في أكثر من موطن على تحريم الاعتداء على غير المحاربين , وأمر سبحانه بقتال الذين يُقاتلون المسلمين فحسب ، ونهى عن العدوان ، إذ قال:
{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}[البقرة: 190] , وقال:{ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ }[المائدة: 87] , وقد أجرم من نسب إلى الإسلام إباحة الاعتداء على الآمنين ، وزعم أن مجرد المخالف هو عدو في نظر المسلمين .
أما إذا حاول ذلك الشخص نشر أفكاره التي تتناقض مع معتقدات الناس ، وتتعارض مع قيمهم التي يدينون لها بالولاء ، فإنّه بذلك يكون قد اعتدى على النظام العام للبلد بإثارة الفتنة والشكوك في نفوس الناس . وأيّ إنسان يعتدي على النظام العام في أيّ أمة من الأمم يتعرّض للعقاب ، لا بل يصل الأمر في ذلك إلى حدّ تهمة الخيانة العظمى التي يُعاقب عليها الإسلام بالقتل{إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[الممتحنة:9] . فقتل المرتدّ في الشريعة الإسلاميّة ليس لأنّه ارتدّ فقط ولكن لإثارته الفتنة والبلبلة وتعكير النظام العام في الدولة الإسلامية . أمّا إذا ارتدّ بينه وبين نفسه دون أن ينشر ذلك بين الناس ويثير الشكوك في نفوسهم فلا يستطيع أحد أن يتعرّض له بسوء ، فالله وحده هو المطلع على ماتخفي الصّدور . وقد ذهب بعضُ العلماء المحدّثين إلى أنّ عقاب المرتدّ ليس في الدّنيا وإنّما في الآخرة ، وإنّ ما حدث من قتل للمرتدّين في الإسلام بناء على بعض الأحاديث النبويّة فإنّه لم يكن بسبب الارتداد وحده ، وإنّما بسبب محاربة هؤلاء المرتدّين للإسلام والمسلمين .(27)
وهذا الأمر يدعونا إلى كيفية الاستفادة من هذه الفرص المتاحة في الحوار وطرح الآراء بعيداً عن الإكراه والقسر , كما إنّه يقودنا إلى مكانة الحوار مع الآخر في ديننا الإسلامي وتراثنا الطويل . إذ الإسلام كله دعوة دائمة للحوار مع الآخرين , بل هو دعوة خالصة لحوار الحضارات لبيان زيف الحضارة الماديّة وانطلاقها من الماديّات فقط ، وإثبات صحة منهج الحضارة الإسلامية القائمة على مراعاة الماديّات والرّوحانيّات معاً .
ومن الحوارات الأخرى الدّاعية إلى كلمة التوحيد والإخلاص والإذعان إلى منهج واحد قويم في العقيدة والشريعة , حوار إبراهيم مع قومه , حين أرسله الله إليهم ليدعوهم إلى نبذ الشرك والأوثان , وهذه المرحلة تصوّر لنا مشهداً من مشاهد الصّراع بين الحق والباطل , فهمس في أذهان أبيه وقومه إنّ الذي يعبدونها من دون الله لا تصلح أن تكون إله تُعبد ؛ لأنّها لا تملك لنفسها فضلاً عن غيرها ضرّاً .. قال تعالى:{وَإذْ قالَ إبراهيمُ لأبيهِ ءَآزَرَ أتتّخذُ أصْنَامَاً ءَآلهَة إنّي أراكَ وَقوْمَكَ في ضلال ٍمبين ..}[الأنعام:74] , بدأ إبراهيم الخليل عليه السّلام حواره أوّلاً بدعوته لأبيه الذي كان يعبد الأصنام ؛ وهو أحق النّاس بإخلاص النّصيحة له وكذلك مَنْ معه وهم أهل بابل:{ وَقالَ إنّمَا اتّخذتُمْ منْ دونِ اللهِ أوْثانَاً مودّةَ بينكمْ في الحياةِ الدّنيا ثمّ يومَ القيامة يَكفرُ بعضُكم ببعض ٍوَيَلعنُ بعضُكم بعضَاً وَمَأواكم النّارُ وَمَا لكمْ منْ نَاصِرين}[العنكبوت:25] , ومن ثمّ عبدة الكواكب من أهل حرّان (28)
{ فلمّا جنّ عليه الّليل رءَا كوْكباً قالَ هذا ربّي فلمّآ أفَلَ قالَ لئنْ لم يَهْدني ربّي لأكونَنَّ منَ القوْم ِالضآلّينَ ...}[الأنعام:76ـ78] , فأشار إبراهيم إلى هذه العقيدة الفاسدة وبطلان ما كانوا يعبدون , ذلك بعد التدرج في حواره معهم وعلى حسب عقولهم بإبطال وتفنيد عبادة الهياكل والأصنام، فبيّن في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضيّة ، التي هي على صورة الملائكة السّماويّة ؛ ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم الذين هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه ، وإنما يتوسّلون إليه بعبادة ملائكته ؛ ليشفعوا لهم عنده في الرّزق والنصر ، وغير ذلك ممّا يحتاجون إليه . وبيّن في المقام الثاني خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل ، وهي الكواكب السيّارة السّبعة المتحيّرة ، وأشدهنّ إضاءة وأشرقهنّ عندهم الشمس ، ثمّ القمر ، فبيّن أنّ هذه الأجرام المشاهدة من الكواكب النّيّرة لا تصلح للألوهية ولا أن تعبد مع الله ؛ لأنها مخلوقة مربوبة مصنوعة مدبّرة مسخرة(29) وأنّ الخالق المعبود هو الذي لا يغفل ولا ينام ولا يطرأ عليه التغير أو الأفول كما أفلت تلك النّجوم .
قال النسفي: (والصّحيح هذا قول من يُنصف خصمه مع علمه أنّه مبطل فيحكي قوله أولاً كما هو , غير متعصّب لمذهبه ؛ لأنّه أدعى إلى إنصات الخصم وأنجى من البدء بالشغب ثمّ يكرّ عليه بعد حكايته فيبطله بالحجة , وقد كانت هذه الحجّة كافية في إقناع القوم لكنّهم أهل عناد ولجاج فما برحوا أن واجهوا الحجّة النّاصعة والبرهان السّاطع بالجدال والحجاج العقيم , وقد طوى القرآن كيفية حجاجهم ؛ لعدم الفائدة منه فقال: {وَحآجّهُ قومُهُ} أي في توحيد الله تعالى ونفي الشركاء عنه) .(30)
ثمّ يدعو إبراهيم قومه مرّة أخرى إلى التأنّي والتأمّل في أنّ آلهتهم جمادات: {وَإبراهيم إذ قالَ لقومهِ اعبُدُوا اللهَ واتّقوهُ ذالكم خيرٌ لكم إنْ كنتم تَعْلمونَ إنّمَا تَعْبُدونَ من دون اللهِ أوْثاناً وَتخلقونَ إفكاً إنّ الذينَ تَعْبُدونَ من دون ِاللهِ لا يَمْلكونَ لكُمْ رزقاً فابْتغوا عندَ اللهِ الرّزقَ وَاعبُدُوهُ وَاشكروا لهُ إليهِ تُرْجَعون...}[العنكبوت:16ـ17] غير قادرة على جلب نفع ٍولا دفع ضرٍّ فيقول لهم أغفلتم فلا تتذكروا إنّها غير قادرة على إضراري , وقد كان هذا من دقة وبلاغة التعبير في حواره معهم بأن دعاهم إلى التذكر دون التفكر ونظائره إشارة إلى أنّ أمر أصنامهم في بطلان عبادتها مركز في العقول لا يتوقف إلا على التذكر .(31) حينذاك:{ قالَ ياقوْم ِإنّي بريء ممّا تُشركون إنّي وجّهْتُ وَجْهيَ للذي فَطَرَ السّماواتِ وَالأرض حَنيفَاً وَمَا كانَ منَ المُشركين وحآجّهُ قومُهُ قالَ أتُحآجّونّي في اللهِ وقدْ هَدَان ِوَلآ أخافُ مَا تُشركونَ بهِ إلا أنْ يَشآءَ ربّي شيْئاً وَسِعَ ربّي كلّ شيءٍ عِلماً أفلا تتذكرون}[الأنعام:80] .
وهذه دعوة إلى المحاور المسلم بالتمسّك بالعزة والثبات على الحقّ , وأن يستمدّ قوّته من قوّة الدّين ، وعظمة الإيمان ، ولا يجوز له أن يؤدّي الحوار به إلى الذلة والهوان . والعزّة الإيمانيّة ليست عنادًا يستكبر على الحقّ ، وليست طغيانًا وبغيًا ، وإنّما هي خضوع لله وخشوع ، وخشية وتقوى ومراقبة الله سبحانه .
ثمّ سلك إبراهيم عليه السّلام منهجاً آخراً في مخاطبتهم ومحاجّتهم بأنّ تلك الأصنام التي انتم لها
عاكفون لا تملك الأمن لنفسها فكيف يمكن أن تؤمّن عبادها ؟ فيجيبهم مستفهماً على سبيل الإنكار عليهم:{ وكيف أخافُ مَآ أشركتُم وَلا تخَافونَ أنّكم أشركتم باللهِ مَا لم يُنَزّلَ بهِ عليكم سُلطانَاً }[الأنعام:81] يقول مالكم تنكرون عليّ الأمن , في موضع الأمن ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف .(32) ثمّ قال مستفهماً:{ فأيُّ الفريقين أحقّ بالأمْن ِإنْ كنتم تعْلمون }[الأنعام:81] , أنا الذي أوحدوا الله تعالى أم أنتم الذين أشركتم به ؟
وهذا أسلوب دعوي رفيع المستوى في المحاورة إذ استنزلّهم عن رتبة المكابرة والتعسّف بسوق الكلام على سنن الإنصاف .(33) وكان الجواب الأبديّ لفصل هذا الخطاب بين الموحّدين إبراهيم والمشركين من قومه:{ الذينَ آمنوا وَلمْ يَلبِسوا إيمانَهُمْ بظلم ٍأولئكَ لهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدون }[الأنعام:82] , بينما كان ردّهم بعد هذا الشوط الذي قطعه إبراهيم عليه السّلام وأمنيّته بإيمانهم:{ فمَا كانَ جوابَ قومهِ إلآ أنْ قالوا اقتلوهُ أوْ حرّقوهُ فأنْجَاهُ اللهُ منَ النّار إنّ في ذلكَ لآياتٍ لقوم ٍيُؤمنون }[العنكبوت:24] , { قالوا حَرّقوهُ وَانْصُروآ آلهتكم إنْ كنتم فاعلين قلنَا يَا نَارُ كوني برْدَاً وَسَلاماً على إبراهيم وَأرادوا بهِ كيْدَاً فجَعَلنَاهُمْ الأخسرين }[الأنبياء:68ـ70] .
وبعد هذا الحوار العجيب الفريد من نوعه في القرآن الكريم في نسق ونظم وترتيب الأدلة وطرح البراهين والحجج الدّامغة الدالة على وجود الله تعالى ووحدانيّته , عظمها الله تعالى وفخمها فقال: { وَتلكَ حُجّتُنَآ ءَآتَيْنَاهَا إبراهيمَ على قوْمه }[الأنعام:38] .
ونستنج من مضى بأنّ المحاور الناجح هو الذي يريد أن يصل إلى هدفه بأقرب طريق ، ولا يضيّع وقته فيما لا فائدة منه ، ولا عَلاقة له بأصل الموضوع ، فمعرفة الأهم والبدء به يختصر الطريق , وأوضح الأمثلة على ذلك بدء الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام بأهمّ قضيّة وأكبر غاية ، وهي الدّعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له:{ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ }[الأعراف :65،73،85, 95] قالها نوح وهود وصالح وشعيب عليهم السّلام.., ومع التأكيد على هذا الأدب - البدء بالأهمّ - فقد يحتاج المحاور إلى أن يتدرّج ويتنازل مع خصمه ، ويسلم له ببعض الأمور تسليمًا مؤقتاً حتى يصلَ إلى القضية الأمّ والمسألة الأهمّ . ومن نماذج هذا الأسلوب ما اتبعه إبراهيم مع قومه ليصل بهم إلى التوحيد وإبطال الشرك ، كما قال سبحانه :{ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي } , وهذا على وجه التنزّل مع الخصم ، أي ربي - بزعمكم- { فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لآ أُحِبُّ الْآفِلِينَ } فبطلت عبادة الكواكب ، ثم فعل مثل ذلك لمّا رأى القمر ولمّا رأى الشمس حتى وصلَ بهم إلى حدّ إبطال ما هم عليه من الشرك .(34) ومن الأساليب التي طرحها القرآن الكريم في إثبات وجوده ووحدانيّته سبحانه وتعالى , والتي أطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حركته للحوار مع هؤلاء ومن خلال اعتراضهم على نبوّته , قال تعالى :{ وَعَجِبُوا أَنْ جَآءهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ، أَجَعَلَ الآلهـة إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانطَلَقَ الملأ مِنْهُمْ أَنْ امْشُـوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ، مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخرة إِنْ هَذَا إِلا اختلاق }[ص:4-7] , فوصف القرآن هنا حالة المشركين النفسيّة تجاه الرّسول صلى الله عليه وسلم , إذ كان موقفهم انفعاليّاً فجعلوا يردّون بالتهم والتعجّب ؛ ليريحوا أنفسهم من عناء التفكير بالاتكاء على تقليد الآباء , فقابلهم الرّسول بكلّ هدوء ، وطلب منهم إبداء الدّليل على ما هم عليه من الشرك:{ قلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأرض أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْل ِهَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }[الأحقاف:4] ، { سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلآ آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلاّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ } [الأنعام:148] . ولما عجز المشركون عن إقامة الدليل ؛ بعد اتكالهم على التقليد وإتباع الظنّ , تطوّر الموقف في الحوار إلى تأكيد فكرة الإسلام في التوحيد , ورفض الشك من قاعدة التفكير العقلي , فأقام الدليل عليهم:{ أَمْ اتَّخَذُوا آلِهَة مِنْ الأرض هُمْ يُنشِرُونَ ، لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ، أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَة قلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِي وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُون }[الأنبياء:21-24] . ثمّ ينطلق الحوار القرآني إلى رفض الفكرة , من طرح القضيّة في اتجاهٍ آخر , وهي أنّ وجود الآلهة الآخرين يقتضي أن يملكوا القدرة على مغالبة ذي العرش والوصول إليه:{ قلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً }[الإسراء:42] تطلب الآلهة المنازعة والمخالفة في المراد , ولابتغوا إليه سبيلاً في إفساد ملكه ومضاهاته في قدرته , وهذا بيان للتمانع , فحينئذٍ يقع الفساد إذ يريد أحدهما حياة شخص والآخر موته , أو إسعادَه والآخر إشقاءَه (35) , وهذا من طبيعة البشر , وإذا ما قلنا بالمشاركة فهذا من المستحيل ؛ لأنّ الاشتراك في الألوهية يوجب الاشتراك في صفات الذات , وفي مقدّمتها القدرة المطلقة ولأنّه غير وارد ولا أثر له في الكون .
وهنا نلاحظ أنّ الله تعالى لمّا ذكر الحجّة اليقينيّة في إبطال الشرك , وكذلك في صحة المعاد , تبعهما بقوله:
{وَقلْ لِعِبَادِي يَقُولوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا } [الإسراء:53] وهذا يعني قل يا محمّد لعبادي إذا أردتم إيراد الحجّة على المخالفين فاذكروا تلك الدلائل بالطريق الأحسن , وهو أن لا يكون ذكر الحجة مخلوطاً بالشتم والسّب ؛ ذلك لأنّ ذكر الحجّة لو اختلط به شيء من السّب والشتم لقابلوكم بمثله كما قال:{ وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ }[الأنعام:108] فيزداد الغضب وتتكامل النّفرة ويمتنع حصول المقصود ، أمّا إذا وقع الاقتصار على ذكر الحجّة بالطريق الأحسن الخالي عن الشتم والإيذاء أثر في القلب تأثيراً شديداً .(36)
وهذا تقدّم للحوار والمقابلة من غير تراجع ولا خوف . والملاحظ اليوم أنّ من بين المعضلات الكبيرة التي تواجه الأمّة خارجيّاً , هو الخوف من الآخر وتجنّب الحوار معه , على عكس ما قرأنا الآن من محاورة القرآن للمشركين وعلى لسان الصّفوة المختارة وهم الأنبياء , وكيف بدأهم الحديث ثمّ استمرّ معهم على الحوار , بينما تسعى بعض الفئات وضع الحواجز أمام أيّ تقارب مع الآخر وباستمرار ؛ خوفاً من مواجهته فكريّاً ، وتحصّناً ضد انفتاح تابعيه على الرّأي الآخر ، وخشية ضياع مصالحه ، وتقوّض سلطته الداخليّة على جماعته ؛ لذلك حرص بعض الناس وباستمرار على مخاصمة الأفكار الأخرى ، وعدم دعوة أصحابها وترك إقامة الحجج والبراهين عليهم , بل توجيه التهم لها بالتآمر ، عبر تذرّعهم بأدلة تافهةٍ لا نصّ لها في الكتاب أو السنّة , ممّا يؤثر سلباً على سماحة ودماثة هذا الدّين الحنيف .
ويتجّه الحوار القرآني إلى افتراض فكرة التقسيم في الكون , فضلاً عمّا سبق:{مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}[المؤمنون:91] , فلمّا لم ينفعهم الاستدلال العقلي على بطلان مُدَّعَاهم ، أتاهم بأدلة حسيّة ماديّة من الواقع تثبت بطلان ألوهية الأصنام:{ أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ، وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ، وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتمْ صَامِتونَ ، إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ، أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قل ادْعُوا شُرَكَآءَكُمْ ثمَّ كِيدُونِي فَلا تُنظِرُونِي }[الأعراف:191-195] ، {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَة لا يَخْلقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعـًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًـًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً}[الفرقان:3] ، {يآ أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابـًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئـًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}[الحج:73] فبيّن الله تعالى مدى عجز هذه الأصنام بل وسائر المعبودات من دونه على خلق أحقر وأقلّ المخلوقات شأناً وهو الذباب , ولا تستطيع الدّفاع عن نفسها أو عن ما حواليها ..حتى أصبحت النّتيجة:{ َضعُفَ الطالبُ والمطلوبُ } عابد الصّنم ومعبوده أو الصّنم والذباب .(37) ثمّ يسلك القرآن مسلكاً آخراً في تحاورهم وإقناعهم من خلال نشر وثيقة شاملة تحتوي على تأمّلاتٍ لكلّ ما في الكون من اختراع ٍ:{وَآيَة لهُمُ الأرضُ المَيْتة أحْيَيْنَاهَا وَأخرجْنَا مِنْهَا حَبّاً فمِنْهُ يَأكُلونَ } [يس:33] , وأدلةٍ في الأنفس:{ وَاللهُ أخرجَكُمْ منْ بُطون ِأمّهاتِكُمْ لا تَعْلمُونَ شيْئاً وَجَعَلَ لكُمُ السّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفئِدَة لعلكُمْ تَشكُرُونَ}[النحل:78] وكذلك في الآفاق والموجودات والأوضاع ؛ لتكون مادة حيّة في نفوسهم وقريبة من عقولهم:{أوَ لمْ يرَ الذينَ كفروا أنّ السّماواتِ والأرضَ كانَتَا رَتْقاً ففتقنَاهُمَا وَجعلنَا منَ المآءِ كلّ شيءٍ حيٍّ أفلا يُؤمنون}[الانبياء:30] , وذلك للتفكر في خلق هذه الموجودات وبدون تكلفٍ ؛ حتى يُطرح السؤال وببساطةٍ مَنْ هو خالقها ؟ وهل هذه الموجودات وليدة المصادفة والاتفاق , أو وجدت بقدرة قادر وحكمة مدبّر فاعل ؟ وإذا أردنا سرد الأدلة على وجود الخالق لما استطعنا ؛ ذلك نظراً لكثرتها إذ أنّ كلّ موجود من عدم , فهو دليل على وجود المُوجد .
ونخلص بالقول إلى أنّ إحداثيات الحوار مع المشركين تجلّت فيها معالم الاستقلاليّة التامّة والحريّة المطلقة التي أعطيت للمشركين , إذ قوبل توترهم وردّهم العنيف بالدّعوة إلى إبداء الدّليل العلمي ، وإذ عجزوا عنه أقيم عليهم الدّليل العلمي والواقعي على بطلان دعواهم دون أن يتعدّى ذلك إلى أيّ شائبةٍ من شوائب الإكراه المادّي أو النّفسي أو الفكريّ , في حين نرى موقف الإسلام من الحوار مع الآخر موقفاً إيجابياً تامّاً , على الرّغم من وجود أديان أخرى ترحّب بالحوار أيضاً , بَيْدَ أنّ موقف الدّين الإسلامي من الحوار أكثر إيجابية وقبولاً إلى حدٍ يُمكن وصفه بأنّه دين الحوار ؛ ذلك لأنّه دين عامّ للبشريّة وليس دينًا خاصًّا لجماعة دون أخرى , لذا قامت عالميّة الإسلام على أساس ٍمن عالميّة الإله الواحد وعالمية التوحيد ووحدة البشريّة ، إذ الإله الواحد الخالق إلهٌ لكلّ العالم الذي خلقه ودين البشريّة دينٌ واحدٌ يقومُ على أساس ٍمن التوحيد وهو عقيدة البشريّة جمعاء , واستنادًا إلى هذا المبدأ اتجه الإسلام إلى استخدام الحوار استخدامًا جليّاً في مجال الدّعوة الإسلاميّة , وكان من أولاها الوصول بالإسلام إلى غير المسلم .
المبحث الثاني
حوار القرآن مع المشركين في إثبات النّبوّات والرّسالات
وسنستعرض في هذا المبحث فكرة ولادة رفض تصديق الأنبياء من قبل المشركين ؛ بحجّة أنّهم بشر مثلهم , حتى ألصقوا بهم تهمة السّحر والجنون وما شاكل ذلك , وكيف كانوا يُحاولون التشكيك في نبوّتهم من خلال أثارة اسئلةٍ إنكاريّةٍ مع أكثرهم , وبالتحديد حول شخصيّتهم , ظنّاً منهم أنّ النّبوّة حدث غير عاديّ فيجب أن تتجسّد في شخص غير عاديّ , وأن ترتبط بغير عالم البشر . وعلى هذا الأساس سنرى كيف أنّ القرآن الكريم حاورهم وخاطبهم عن طريق الإقناع والتفهيم وبأسلوب هادئ لا يختلف عن سابقه في تصحيح أفكارهم الخاطئة والمنحرفة . فنهج القرآن الكريم مع هؤلاء المشركين حواراً يدلل على إثبات ما يُنكرونه من النّبوّات , وذلك من خلال الاستدلالات العقليّة المحضة , والتي تقوم على الحجج والبراهاين , ومن بين تلك النّماذج القرآنيّة والتي نلمس فيها وضوح فكرة النّبوّة , بعد إن تحدّثنا عن الأهداف التي انطلقت من أجلها الرّسالات وهي : الدّعوة والتشريع , وتغيير الواقع ؛ ليمارس النّاس حياتهم بأمن وسلام أساسه العدالة والرّحمة , قال تعالى:{كانَ النّاسُ أمّة ًواحدة ًفبَعثَ اللهُ النّبيّينَ مُبشّرينَ ومُنْذرينَ وَأنْزلَ معهُمْ الكتابَ بالحق ليحكمَ بينَ النّاس ِفيمَا اختلفُوا فيه..} [البقرة:213] , وقال:{ لقدْ أرْسَلنا رُسُلنا بالبيّنَات وَأنْزلنَا معهُم الكتابَ وَالميزانَ ليقومَ النّاسُ بالقِسْط } [الحديد:25] .. ومن خلال ما تقدّم يمكننا تقسيم هذا المطلب على اسلوبين من حيث نوعية المحاورة :
فالأسلوب الأوّل: يتمحور في العَرض التأريخي القرآني الذي يحكي لنا ما دار من حوار بين الأنبياء السّابقين وخصومهم في إقناعهم تجاه الرّسالات .
والأسلوب الثاني: الحوار القرآني المستقلّ الذي ينقل لنا ما جرى بين النّبيّ صلى الله عليه وسلم وخصومه من المشركين في إثبات النّبوّة والرّسالة .. وبدءاً ببعض النّماذج القرآنيّة التي تخصّ الأسلوب الأول , إذ انّ حديث القرآن عن نوح عليه السّلام وقومه بعد دعوته لهم بنبذ الأصنام وعبادة الواحد القهار , وبأنواع الدّعوة ليلاً ونهاراً , سرّاً وعلانيّة , بالترغيب تارةً والترهيب أخرى , وبأسلوبٍ حان في إشفاق الأخ النّاصح الأمين وصدق الرّائد لأهله , ولكن لم ينجح هذا فيهم , بل استمرّ أكثرهم على الضلالة والطغيان وعبادة الاوثان لذا:{قالَ الملأ مِنْ قومهِ} , السّادة الكبراء منهم : {إنّا لنراكَ في ضلال ٍمبين}[الأعراف:60] , فردّ عليهم برفق ردّ الواثق من نفسه والمتيّقن بدعوته ورسالته مع ربط الجأش ودماثة الأخلاق فلم يقابل قذاعتهم بمثلها بل ردّ عليهم بأسلوبٍ لطيفٍ فاكتفى بنفي الضلالة عن نفسه:{قالَ يَا قوم ِليسَ بي ضلالةٌ وَلكنّي رسولُ ربِّ العَالمينَ}[الأعراف:61] , كما اكتفى بنفي السّفاهة , أي رقة الحلم والطيش فـ:{ قالَ يَا قوْم ِليْسَ بي سَفاهَة }[الأعراف:67] , فلم يردّ النفي منه على لفظ ما قالوه ولم يأتِ بالتركيب لستُ في ضلال مبين بل جاء في غاية الحسن والجمال من نفي أن يلتبس به ويختلط ضلالة ما واحدة فأنى يكون في ضلال , فهذا أبلغ من الانتفاء من الضلال إذ لم يعتلق به ولا ضلالة واحدة وفي ندائه لهم ثانياً والإعراض عن جفائهم ما يدلّ على سعة صدره والتلطّف بهم . (38)
قال الزمخشري:( وفي إجابة الأنبياء عليهم السّلام من نسبهم إلى الضلالة والسّفاهة بما أجابوهم من الكلام الصّادر عن الحلم والإغضاء وترك المقابلة بما قالوا لهم مع علمهم بأنّ خصومهم أصل السّفاهين وأسفلهم , أدب حسن وخلق عظيم , وحكاية الله عزّ وجل عنهم ذلك تعليم لعباده كيف يُخاطبون السّفهاء , وكيف يغضون عنهم ويسبلون أذيالهم على ما يكون منهم ) . (39)
حتى بيّن عليه السّلام فلستُ كما تزعمون بل جئتُ لهدايتكم ونصحكم وما أنا إلا رسول ربّ العالمين الذي يقول للشيء كن فيكون . ولم يتركهم أو ييأس منهم , بل بقي :{ أبلّغكمْ رِسَالاتِ ربّي وأنْصَحُ لكُم }[الأعراف:62] , وظيفتي تبليغكم ببيان توحيده وأوامره ونواهيه ، على وجه النصيحة لكم والشفقة عليكم . (40)
وهذه دعوة صريحة لأخواننا الدّعاة المخلصين والمصلحين , فإذا ما أنعمنا النّظر في هذه الآية , رأينا أنّ المقصود منها إفادة التّجدّد ، وأنّه غير تارك التّبليغَ من أجل تكذيبهم تأييساً لهم من متابعته إيّاهم , على الرّغم من مبالغة هؤلاء المشركين في السَّفَاهَةِ عليه , ثم إنَّهُ في اليوم الثَّاني كان يعودُ إليهم ، ويدعوهم إلى الله كما ذكر تعالى عنه في قوله:{ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً }[ نوح : 5 ] , ولكثرة العود إلى تجديد الدّعوة في كل يوم وفي كل ساعةٍ ، لا جَرَمَ ذكره بصيغة الفعل فقال :{ وَأنْصَحُ لَكُمْ }.(41) فكان ردّهم وحوارهم آنذاك أن أنكروا نبوّته ونصبوا له العداوة في كل وقتٍ وحين , بعد لجوئهم إلى محاولة سدّ منافذ الحوار معهم فقالوا:
{مَا نَرَاكَ إلا بَشَرَاً مِثلنَا} استهزاءً بل تنقصوه وتنقصوا مَن آمنَ به , وتوعّدوهم بالرّجم والإخراج ونالوا منهم وبالغوا في أمرهم:{ وَمَا نَراكَ اتّبَعَكَ إلا الذينَ هُمْ أراذِلُنَا بَاديَ الرّأي وَمَا نَرَى لكُمْ عَليْنَا مِنْ فَضْل بَلْ نَظُنّكُمْ كاذِبينَ }[هود:27] بمجرد ما دعوتهم يا نوح استجابوا لك من غير نظر ٍولا رويّةٍ .(42) وهذا في حقيقة الأمر هو مدح لمن آمن بنوح ٍعليه السلام ؛ لأنّ الحقّ الظاهر لا يحتاج إلى رويّةٍ ولا فكر ٍولا نظر ٍ, بل يجب اتباعه والانقياد له متى ما ظهر .
وبعد تعنّدهم وتكذيبهم لرسالة نوح ٍ ومَنْ آمن معه خاطبهم بلطف ٍولين ٍفي الدّعوة إلى الحقّ ولم يكلّ أو يملّ حتى:{قالَ يَاقوم ِأرءَيتُمْ إنْ كنْتُ على بيّنةٍ مِنْ ربّي وَآتَاني رَحْمَة مِنْ عنْدهِ فَعُمّيَتْ عليكُمْ أنُلزِمُكُمُوهَا وَأنْتُمْ لهَا كَارِهونَ}[هود:27ـ28] , أنا نبيّ ورسولٌ إليكم فإذا كنتم لم تفهموا هذه البيّنة ولم تهتدوا إليها {أنُلزمُكُمُوهَا}, أي أنغصبكم بها ونجبركم عليها ؟ {وَأنتُمْ لهَا كَارهُونَ} ليس لي فيكم حيلة والحالة هذه , كما أنّني لا أريد منكم أجرة على إبلاغي إيّاكم ما ينفعكم في دنياكم وأخراكم:{ وَيَاقوم لآ أسْئلكُمْ عَليهِ مَالاً }, ولن أطلبَ ذلك إلا من الله تعالى الذي ثوابه خير لي وأبقى ممّا تعطونني أنتم:{ إنْ أجريَ إلا عَلى اللهِ }[هود:29] , ثمّ :{وَلآ أقولُ لكم عِنْدي خزآئِنُ اللهِ وَلآ أعلمُ الغيبَ وَلآ أقولُ إنّي مَلَكٌ}[هود:31] , فأدّعي فضلاً عليكم بالغنى حتى تجحدوا فضلي بقولكم:{ وَمَا نرَى لكُمْ عَليْنَا مِنْ فضْل ٍ} , { وَلآ أَعْلَمُ الغيب }, حتى أطلع على ما في نفوس أتباعي وضمائر قلوبهم , وهو معطوف على:{ عندي خزائن الله } , أي لا أقول عندي خزائن الله ولا أقول أنا أعلم الغيب :
{وَلآ أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ} قال ذلك ؛ لأنّ المَلك يقدر على ما لا يقدر عليه الآدميّ ويشاهد ما لا يشاهده الآدميّ ، يُريد لا أقول لكم شيئاً من ذلك فتنكرون قولي وتجحدون أمري:{ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ }[الأنعام:50], أي ما آتيكم به فمن وحي الله تعالى ، وذلك غير مستحيل في العقل مع قيام الدّليل والحجج البالغة:{وَلآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ}, ولا أحكم على من استرذلتم من المؤمنين لفقرهم:{لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْرًا} في الدّنيا والآخرة لهوانه عليه مساعدة لكم ونزولاً على هواكم:{الله أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمْ} , من صدق الاعتقاد وإنّما على قبول ظاهر إقرارهم إذ لا أطلع على خفي أسرارهم:{ إِنّى إِذًا لَّمِنَ الظالمين } , إن قلتُ شيئاً من ذلك . (43)
وهكذا ينبغي للدّاعية أن يكون في هذا العصر قال تعالى:{فقولا لهُ قوْلاً ليّنَاً لعلّهُ يتَذكّرُ أوْ يَخْشَى}[طه:44] وقال:{ادْعُ إلى سيبل ِربّكَ بالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالتي هِيَ أحْسَنُ}[النحل:125] , وليس خطاب نوح المتقدّم من هذا ببعيد بل هو عينه .
ثمّ حاور هؤلاء المتعنّدون نوحاً وطلبوا منه أن يطرد ويبعد من آمن منهم بالله وبنبوّته استكباراً وتعجيزاً ووعدوه أن يجتمعوا به آنذاك , فأبى عليه السّلام وقال بكل أدبٍ:{وَمَآ أنَا بِطَاردِ الذينَ آمنُوآ إنّهم مُلاقوا ربّهم وَلكنّي أرَاكُمْ قوْمَاً تَجْهَلونَ}[هود:29] وقال:{وَمَآ أنَا بِطاردِ المُؤْمنينَ إنْ أنَاْ إلا نَذيرٌ مبينٌ}[الشعراء:114ـ115] فأخاف إن طردتهم أفلا تذكرون:{وَلآ أقولُ للذينَ تَزْدَري أعْيُنُكُمْ} يعني من أتباعه {لَنْ يُؤْتيَهمُ اللهُ خَيْراً اللهُ أعْلمُ بِمَا في أنْفسِهِم إنّي إذاً لَمِنَ الظالمينَ}[هود:31] لا أشهد عليهم بأنّهم لا خير لهم عند الله يوم القيامة - وهذا من آدب حسن الظنّ بالنّاس- والله أعلم بهم وسيجازيهم على ما في نفوسهم إن خيراً فخير وإن شرّاً فشر , لذا أجابهم عند اعتراضهم:{ قَالوآ أنُؤْمِنُ لكَ واتّبَعَكَ الأرْذَلُونَ قَالَ ومَا عِلمي بِمَا كانُوا يَعْمَلونَ إنْ حِسَابُهُم إلا على ربّي لوْ تَشْعُرُونَ }[الشعراء:111-113] . والدّعاة اليوم غير مسؤلين عن بواطن النّاس , بل يجب علينا أن حسن الظنّ بهم جميعاً .
وبعد هذا الحوار وهذا الجهد الذي بذله نوح عليه السّلام مع قومه بقوا على ضلالتهم وغيّهم في اعتراضهم على نبوّته وما أرسل به:{ فقالَ المَلأ الذينَ كفرُوا مِنْ قوْمِهِ مَا هذا إلا بَشَرٌ مِثلكُمْ يُريدُ أنْ يتَفضّلَ عليكُمْ وَلوْ شَآءَ اللهُ لأنْزَلَ مَلآئِكة ًمَا سَمِعْنَا بِهَذا في آبآئِنَا الأوّلينَ }[المؤمنون:24]..حتى وصل الأمر بهم بان يصفوه بالجنون-حاشاه-{إنْ هوَ إلا رَجُلٌ بِهِ جِنّةٌ فتربّصوا بِهِ حتى حينٍ}[المؤمنون:25] فوصّوا أتباعهم بعدم الإيمان به وبدعوته ومحاربته ومخالفته وذلك كلما انقرض جيل منهم , لا بل كان الوالد حينذاك إذا بلغ ولده وعقل عنه كلامه , وصّاه فيما بينه وبينه , ألا يؤمن بنوح أبداً ما عاش ودائماً ما بقي , فهدّدوه وتجرّئوا:{ قالوُا لئِنْ لمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لتَكُونَنَّ مِِنَ المَرْجُومِينَ }[الشعراء:116] , فكانت سجاياهم تأبى الإيمان واتباع الحقّ , فعدلوا بعد تلك المحاورة بينهم وبين نوح إلى التجبر والتوعد فلما سمع نوح قولهم هذا:{قالَ ربّ إنّ قوْمِي كذبُون}[الشعراء:117] أصرّوا على تكذيبي ولم يسمعوا قولي ولا أجابوا دعائي . ولشدّة حرصه عليه السّلام على إيمانهم يعاوده الحنين إلى استمالتهم , فيذكرهم بأنّه ناصح لهم أمين فيما يدعوهم , ولكن يحتفظ بالسّياق الذي يتطلبه الرّدّ , وهو أنّه مجرد رسول , وقد أدّى الرّسالة بأمانة , فالخصومة الآن ليست بينهم وبين الرّسول ؛ لأنّهم رفضوه , ولكنّها بينهم وبين مَنْ أرسله , وهو الله سبحانه , فحينئذٍ:{ وَلا يَنْفَعُكُم نُصْحي إنْ أردتُ أنْ أنْصَحَ لكُمْ..}[هود:34] , وكانت النتيجة:{فافتحْ بيْني وَبيْنهُمْ فتحَاً وَنَجّنِي وَمَنْ مَعيَ مِن المُؤمِنينَ}[الشعراء:118] , أحكم بيني وبينهم حكماً . (44)
وبعد مبدأه الأوّل معهم وهو التبليغ والنّصح مع الإخلاص لهم في تبيين الرّشد والسّلامة في العاقبة شريطة إعلان عبوديتهم لله وحده , قال:{وَأعْلمُ مِن اللهِ مَا لا تعْلمُونَ}[الأعراف:62] من بطشه بكم وهو مآل أمركم إذا لم تفردوه بالعبادة فنبّه على مبدأ أمره ومنتهاه معهم . وعلى الرّغم من ذلك وفقده لصلته هو بهم , لم ييأس من صلتهم بالله , عسى أن يهتدوا إليه , فكرّر تذكيرهم به سبحانه , وأنّه ربهم لا شريك له , وأنّهم لا بدّ إليه راجعون:
{هُوَ ربّكُمْ وَإليهِ تُرْجَعُون}[هود:34] . فمن يرد الله فتنته فلن يملك أحد هدايته , هو الذي يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء , وهو الفعّال لما يُريد , العليم بمن يستحق الهداية والتوفيق ومن يستحق الغواية - كل حسب عمله - وله الحِكمة البالغة والحجة الدّامغة .(45) ولم يقل هذا عليه السّلام إلا بعد تلك المعاناة وتلك المراحل التي قطعها والأشواط التي بذلها والعاقل يعي ذلك كله ويجعله نُصب عينيه عند دعوته , إذ رغم هذا الحوار الهادف كذبوه , فكانت عاقبتهم أن أغرقهم الله بالطوفان وأنجى نوحاً ومن آمن معه وكذلك ينجّي الله عباده المتقين .
ونخلص بهذا إلى أنّ نوحاً عليه السّلام قد استقصى كلّ حججهم وهجومهم , وردّ على كل فقرة ردّاً جميلاً محدّداً واضحاً لا لبس فيه كما تقدّم , مبدياً لهم في ذلك حرصه الشديد على تأليفهم وعدم تنفيرهم , ولذلك يُكرّر في كل فقرة ٍ{يَا قوم ِ} إشعاراً منه بأنه واحد وفرد منهم مع رقة اسلوبه ولين جانبه , فضلاً عن تحاشي كل ما يُؤذي نفوسهم من لفظ أو معنى , وأكثر من هذا تحاشيه الرّدّ على إيذائهم وله القدرة على ذلك بإذن الله تعالى . والتزامه عليه السّلام المنطق العقلي الذي يتفق عليه العقول كلها ولا ينكره الخصوم أنفسهم , كإلزامهم الحجة في أنّه لا يطلب منهم أجراً , وحتى فيما يثقل على نفوسهم لتعودهم عليه كأوضاع الفوارق الاجتماعيّة بين الأغنياء والفقراء , والسّادة والدّهماء , إذ تعوّد على ذلك , ولذا فإنّه عليه السّلام أبدى رغبته في االرّفق بهم , على افتراض مجاراتهم فيما يطلبون , فيفترض أنّه طرد هؤلاء الفقراء الضعفاء إرضاءً لمدّعيّ السّيادة منهم , ولكنّه يعود بالسّادة إلى المنطق العقليّ حين يوجّه إليهم هذا السّؤال{... مَنْ يَنْصُرُني مِنَ اللهِ إنْ طرَدتّهم} .(46) وهكذا يطرح القرآن حواره ؛ ليؤكد في أكثر من موضع , خطأ الفكرة التي كان يزعمها قومُ نوح عليه السّلام بأنّ النّبيّ لا بدّ أن يكون مَلكاً .
وتمتدّ القضيّة إلى بقيّة الأنبياء كما حدّثنا بذلك القرآن .. فقال عن قوم هود:{ وَقالَ المَلأ منْ قومِهِ الذينَ كفروُا وَكذبوا بِلقآءِ الآخِرَةِ وَأترَفنَاهُمْ في الحياةِ الدّنْيَا مَا هذآ إلا بَشَرٌ مِثلكُمْ يَأكُلُ ممّا تَأكُلوُنَ مِنْهُ وَيَشربُ ممّا تشربُونَ } [المؤمنون:33] , حتى توعّدوهم بنتيجةٍ كاذبةٍ:{وَلئِنْ أطعْتُمْ بَشَرَاً مِثلكُمْ إنّكُمْ إذاً لخَاسِرُونَ}[المؤمنون:34] وأصرّوا على غيّهم وضلالتهم ,فـ{قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} رادّين لدعوته ، قادحين في رأيه:{إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} ما نراك إلا سفيها غير رشيد ، ويغلب على ظننا أنك من جملة الكاذبين .. حتى انقلبت عليهم الحقيقة ، واستحكم عماهم حيث رموا نبيّهم عليه السّلام بما هم متصفون به ، وهو أبعد الناس عنه ، فإنّهم السّفهاء حقاً الكاذبون , وأيّ سفه أعظم ممّن قابل أحقّ الحقّ بالرّد والإنكار، وتكبر عن الانقياد للمرشدين والنصحاء ، وانقاد قلبه وقالبه لكل شيطان مريد ، ووضع العبادة في غير موضعها، فعبد من لا يغني عنه شيئا من الأشجار والأحجار؟ وأيّ كذب أبلغ من كذب من نسب هذه الأمور إلىاللّه: {قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ} بوجهٍ من الوجوه ، بل هو الرّسول المرشد الرشيد:{وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ}[الأعراف:68] , فالواجب عليكم أن تتلقوا ذلك بالقبول والانقياد وطاعة ربّ العباد . (47)
وهذا نبي الله صالح عليه السّلام إذ اتهموه بالسّحر وكذبوه أيضاّ فقالوا له:{إنّمآ أنْتَ مِنَ المُسَحّرينَ }[الشعراء:153] , فحاورهم بأحسن العبارات وألطفها مع لين الجانب:{قالَ يَاقوم أرءَيْتُمْ إنْ كُنتُ على بيّنةٍ منْ ربّي وَءَآتَاني مِنْهُ رَحْمَة فمَنْ يَنْصُرُني منَ اللهِ إنْ عصَيْتُهُ فمَا تزيدُنَني غيرَ تخسير}[هود:63] , غير أنّهم تجبّروا وعتوّا عتوّاً كبيراً فقالوا:{مَآ أنْتَ إلا بشرٌ مِثلنا فأتِ بِآيةٍ إنْ كُنْتَ منَ الصّادقينَ قالَ هذهِ ناقة ٌلهَا شِرْبٌ وَلكُمْ شِرْبُ يوم ٍمَعْلوم وَلا تَمَسّوهَا بِسُوءٍ فيَأخذكُمْ عذابُ يوم ٍعظيم}[الشعراء:154ـ156] , يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له فما لكم إله يجوزُ لكم أن تعبدوه غيره ، وها قد جاءتكم حُجَّة وبرهان على صدق ما أقول ، وحقيقة ما إليه أدعو من إخلاص التوحيد لله ، وإفراده بالعبادة دون ما سواه ، وتصديقي على أنّي له رسول . وبيِّنتي على ما أقول وحقيقة ما جئتكم به من عند ربي ، وحجتي عليه ، هذه الناقة التي أخرجها الله من هذه الهَضْبة ، دليلاً على نبوّتي وصدق مقالتي ، فقد علمتم أن ذلك من المعجزات التي لا يقدر على مثلها أحدٌ إلا الله . (48)
وهذا من أروع الحوار, إذ أبدى عليه السّلام الرّحمة والشفقة للمحاوَر أولاً من دون الإسراع في إقناعهِ مباشرة .
وكذلك يُحدّثنا القرآن عن قوم شعيب: {قالوآ إنّمَآ أنْتَ مِنَ المُسحّرينَ وَمَآ أنْتَ إلا بَشرٌ مِثلُنَا وَإنْ نَظنّكَ لمِنَ الكاذبينَ}[الشعراء:185ـ186] , وبعد هذا الإصرار والتعنّد والمكابرة ترك محاورتهم ولم يُلاسنهم حتى فوّض أمرهم إلى الله: {قالَ ربّي أعْلمُ بمَا تَعْلمُونَ}[الشعراء:188] .
فهذه مشاهد تبيّن عدم تقبل المعرضين لنتائج الحوار الذي أبداه الأنبياء والمرسلون , وهي مشاهد مؤثرة ولمسات مثيرة , ممّا يُدلل على حسن آداب الأنبياء , إذ أنهم كانوا يُصغون جيداً لمحاوريهم , بل كانوا يتفضلون فيمنحونهم الفرصة الأولى للإدلاء بآرائهم وحججهم ومهما تكن نتيجة الحوار . فالمسلم مكلف بالاستماع تطييباً لخاطر من يتكلم وذلك أدعى إلى جلبه إلى جانبه في هذا الموقف ، وفي كلّ موقف حوار له مع الكفار الحقّ ، وذلك ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المخالفين . وإذا كان حتى الكافر يُمنح تلك الفرصة في الاستماع ليعرض أفكاره وآراءه ، فإنّ ذلك الحقّ نفسه لا بدّ أن يعطى للمخالفين ضمن إطار التصوّر الإسلامي العام ، أو للمخالفين من أصحاب الثقافات والحضارات والأديان , على وجه الخصوص ؛ ذلك لأنّ الحوار آلية مهمّة لتحقيق أداء واجب الدّعوة بالتبليغ لرسالة هذا الدّين الحنيف .
وأمّا عن الأسلوب الثاني في محاورة القرآن للمشركين لإثبات النّبوّات والمستقلّ في مواجهة الرّسول صلى الله عليه وسلم لهذه الاعتراضات .. إذ بدأ الرّسول كأسلافه من الأنبياء بالدّعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له , وأعلن أنّه رسولٌ من عند الله وأنّ الوحي ينزل عليه تباعاً , فعارضه قومه بشراسةٍ وعنفٍ من دون تحكيم ٍللعقل والمنطق السّليم في إبعاد تلك الدّعوة العالميّة الخيّرة . قال تعالى :{ وَقالوُا مَا لهَذا الرّسول } ما لهذا الذي يزعم الرسالة وفيه استهانة وتهكم . (49) {يَأكُلُ الطعامَ وَيَمْشي في الأسْوَاق ِلوْلآ أنْزلَ عَليْهِ مَلكٌ فيكونَ معهُ نذيرَاً أوْ يُلقى إليهِ كنْزٌ أوْ تكونَ لهُ جنّة يأكُلُ مِنْهَا وَقالَ الظالمونَ إنْ تتبِعُونَ إلا رَجلاً مَسْحُورَاً}[الفرقان:7-8] , زعم هؤلاء خمسة أمور ظنّاً منهم أنها تُخل برسالته , فبدأوا يطعنون في صفاته فاعترضوا على أكله للطعام ؛ لأنّهم أرادوا أن يكون الرّسول ملكاً , وعيّروه بالمشي في الأسواق حين رأوا الأكاسرة والقياصرة وملوك الجبابرة يترفعون عن الأسواق , فقالوا هذا يطلب أن يتملك علينا فما باله يُخالف سيرة الملوك .50 وردّ الله شبهتهم هذه بقوله:{وَمَآ أرْسلنَا قبْلكَ مِن َالمُرْسَلينَ إلا أنّهُمْ ليَأكُلونَ الطعامَ وَيَمْشُونَ في الأسْوَاق}[الفرقان:20] كما كذبوه ؛ لأنّه لم يكن معه مَلك يشهد له ويُصدّقه , والله قد شهد له ولإخوانه من الأنبياء بذلك:{وَمَا كانَ لرسُول أنْ يأتيَ بآيَةٍ إلا بإذن اللهِ}[الرعد:38] , وادّعوا أنّه لم يلقَ إليه كنز من السّماء فينفقه فلا يحتاج إلى طلب المعايش , ثم يتبجّحوا فيقولون إن لم يكن له كنز فلا أقلّ من أن يكون له بستان يأكل من ثمره (51) , ثمّ أعقبوا قولتهم هذه الخائبة بدعوى أنّه رجل مسحور . ولمّا انهارت حججهم وتلاشت شبهاتهم , ثارت كوامن الأحقاد في نفوسهم فرموه صلى الله عليه وسلم بالجنون:{وَقالوآ يآ أيُّهَا الذي نُزّلَ عليهِ الذكرُ إنّكَ لمَجْنُونٌ}[الحجر:6] .
فهذه الحوارات الإنكاريّة هي في غاية الرّكاكة , وبطلانها ظاهر لكلّ ذي لب عاقل:{انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال} [الإسراء:48] , أي قالوا فيك الأقوال الشاذة واخترعوا لك الأحوال النادرة {فُضَلُّواْ} , عن الطريق الموصل إلى معرفة خواص النبي والمميز بينه وبين المتنبي فخبطوا خبطاً عشوائيّاً:{فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً}[الإسراء:48] إلى القدح في نبوّتك أو إلى الرّشد والهدى .(52) فيكون شأنه صلى الله عليه وسلم كغيره من الرّسل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ؛ لطلب المعيشة ويتزوج النّساء ويكون له أولاد ولا يقدح ذلك رسالته كما لم يقدح رسالات الأنبياء من قبله , وهذه سنّة الله في رسله بأن يجعلهم من البشر؛ كي يُناسب حالتهم البشرية:{وَلوْ جَعلنَاهُ مَلكَاً لجَعلنَاهُ رَجُلاً وَللبِسْنَا عَليْهِمْ مَا يَلبِسُونَ}[الأنعام:9] . فخاطبهم القرآن الكريم بأن يتمهّلوا ويتفكروا في أمر صاحبهم ولا يستعجلوا في الحكم عليه , وهو الذي نشأ بينهم وترعرع على مرأى ومسمع منهم ويعرفونه حقّ المعرفة , بل كما يعرفون أبناءهم بالصّدق والأمانة ورجاحة عقله:{قُلْ إنّمآ أعظكُمْ بِوَاحِدَةٍ أنْ تقوموا للهِ مَثنَى وَفُرَادى ثمّ تفكروُا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جنّةٍ إنْ هوَ إلا نَذيرٌ لكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عذَابٍ شَديْدٍ}[سبأ:46] , فبقوا على إصرارهم وعنادهم فكانت النّتيجة:{ وَإن، كذّبُوكَ فقُلْ لي عَمَلي وَلكُمْ عَمَلكُمْ أنتُم بَريئُونَ ممّآ أعْمَلُ وَأنَا بَريءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ } [يونس:41] . وهذا بعد إحساسه باليأس من استجابتهم وميلهم إليه , فبدأ ينسلخ منهم نفسيّاً , ولذلك تحاشى حينئذٍ ما تعوّدناه منه صلى الله عليه وسلم من استمالتهم . {اصْبرْ عَلى مَا يَقولُونَ} , وهي الإشارة إلى الطريق المطروق في حياة الرّسل الطريق الذي يضمّهم أجمعين , فكلهم سار في هذا الطريق , كلهم عانى , وكلهم ابتلي وكلهم صبر , وكان الصّبر هو زادهم جميعاً وطابعهم جميعاً , كلّ حسب درجته في سلم الأنبياء . . لقد كانت حياتهم كلها تجربة مفعمة بالابتلاءات ؛ مفعمة بالآلام ؛ وحتى السرّاء كانت ابتلاء وكانت محكاً للصبر على النعماء بعد الصّبر على الضرّاء , وكلتاهما في حاجة إلى الصّبر والاحتمال , ولاسيّما في الحوار مع المشركين وقد قالوا:{هذا ساحرٌ كذاب} وقالوا:{أجعلَ الآلهة إلهَاً وَاحِدَاً} ؟ {إنّ هذا لشيءٌ عُجَاب} , وقالوا: {أأنْزلَ عليْهِ الذكْرُ مِنْ بيْنِنِا}؟. . وغير ذلك كثير . والله يوجّه نبيّه إلى الصّبر على ما يقولون , ويوجّهه إلى أن يعيش بقلبه مع نماذج أخرى غير هؤلاء الكفار , نماذج مستخلصة كريمة , هم إخوانه من الرّسل الذين كان يذكرهم صلى الله عليه وسلم ويحسّ بالقرابة الوثيقة معهم , ويتحدّث عنهم حديث الإخوة والنسب والقرابة . (54)
فالحوار إذاً أجدى على الإسلام والمسلمين من التقاطع والتدابر والانعزال ، أو العزلة أو الانغلاق والعنصريّة فهو يحقق المصلحة الإسلامية ، بنشر الدّعوة بطريق هادئ ، كما لاحظنا فعله صلى الله عليه وسلم في هذه المرحلة المكيّة مع المشركين ؛ ولأنّ الحوار دليل على الثقة بالنفس والمبدأ ؛ ولأنّ الإسلام كما عرفنا دين التسامح والتوازن والاعتدال ، ولا يقرّ ما يسمى بالعنّف الفكري والحربي إلا للضرورة لقمع عدوان المعتدين ، واستخلاص الحقوق المغتصبة من الظلمة الغاصبين , كما أنّ الإسلام في تكوين عقيدته وغرس الإيمان في النفس الإنسانيّة يعتمد على العقل والحِكمة ، والعلم وموازينه ، وتبادل الآراء المفيدة لإظهار الحقيقة ، وإيثار المصلحة ، وتوفير مناخ السّعادة ، والابتعاد الجدل العقيم , ولا يغمط الإسلام ثقافة الآخرين ومعارفهم وتجاربهم لكنّه يصّحح المعوّج منها أو الضارّ ، ويوجّه الناس للخير دون إجبار . ولا ينكر في الإسلام تفاوت المدارك والثقافات ، فيكون الإسلام طريق إنقاذ ونجاة ، وإرساء لمعالم الحِكمة والاعتدال . (54)
- د.أحمد عبد الكريم شوكه الكبيسي
ابحث
أضف تعليقاً