
نتجاوز في هذه المقالة الجدل القائم حول نشأة تنظيمات مثل «داعش» و «جبهة النصرة» وأخواتهما، وحول هوية الوالدة الشرعية لمثل هذه الجماعات: هل هي الاستخبارات الاميركية انطلاقاً من الحرب ضد الاتحاد السوفياتي في افغانستان؟ أم هي التيارات الدينية المتطرفة، التي لعبت أدواراً محددة في فترات متفاوتة من التاريخ العربي؟ أم خلاف ذلك؟
نتجاوز هذا الجدل لنحصر النقاش في مسألة أهم في الوقت الراهن، لأنها تتعلق بالدور الذي تقوم به «داعش» وأخواتها، في معركة تفكيك الأوطان العربية مثل سوريا والعراق واليمن ومصر، بما يمثل هذا الدور مباشرة، من جهات دولية تموّله وتحرّكه وتستثمره.
لعل الميدانين السوري والعراقي هما الأكثر فائدة في توجيه مثل هذا النقاش النظري، لأن فيهما يدور الصراع الأساسي حالياً بين اتجاهين مكتملَي التناقض:
ـ اتجاه يحاول استئصال «داعش» من جذورها، وضرب تجربتها السياسية والايديولوجية في الصميم ضربة قاتلة ونهائية.
ـ واتجاه يعمل علناً (كان وما زال) على تقدمة «داعش» بالرجال والأسلحة المتطورة والقدرات المالية، ليستثمر دورها في خطة واضحة المعالم لإعادة تفتيت ما فتّتته بالأصل اتفاقية «سايكس ـ بيكو»، قبل قرن من الآن. وهي معركة سبقت حتى الظهور العلني والسافر لتنظيم «داعش» وأخواته، وذلك على الغزو الاميركي المباشر للعراق في العام 2003، والحرب الاسرائيلية ضد لبنان في العام 2006، عندما جاءت وزيرة خارجية اميركا تصرّح علناً من على سلم طائرتها الآتية الى المنطقة، أن ما تقوم به اسرائيل، ليس سوى مخاض ولادة شرق أوسط جديد! أما في الصراع الدائر حالياً، في اكثر من بلد عربي، فان الدولة القائدة عالمياً، أي الولايات المتحدة، تحاول القيام بعملية خداع فهي تشنّ منذ اشهر طويلة غارات جوية ملتبسة على تنظيم «داعش»، بحجة العمل الدؤوب على محاربته، بينما نرى النتائج العملية لهذه الغارات لا تصب أبداً في مجال استئصال التنظيم، بل إبقائه على قيد الحياة والقوة والإمداد، من قبل دول حليفة للأميركيين، مثل تركيا وقطر وسواها، وذلك لاستثمارها في المخطط الاستعماري الأميركي القديم الجديد، بإعادة صياغة المنطقة العربية، تثبيتاً للكيان الصهيوني المصطنع على أرض فلسطين العربية. اليوم، تقوم أميركا بغارات على تنظيم «داعش» بحجة محاربته، وتتسامح مع فتح الجهة الجغرافية الواسعة لتركيا مع سوريا، لإمداد «داعش» وأمثالها بـآلاف الرجال، في موجات متتالية، وتزويدها، مرة بعد أخرى، بالاسلحة المتطورة التي تساعدها على الصمود وعلى المزيد من الإيذاء، وبالمساعدات المالية المفتوحة، الى جانب إعانتها على تصريف كل ما تسلبه من ثروات نفطية.
لم يعد هناك أمر مخفيّ، بغض النظر عن نشأة «داعش» وأخواته. فالدور الاميركي المباشر، اضافة الى دور عدد من الانظمة المتحالفة مع الأميركيين أو الخاضعة لنوفذهم، تنصبّ كلها باتجاه تزويد «داعش» بكل مقومات الحياة والقوة والثروة والقدرات القتالية، لاستثمارها في تنفيذ المخطط القديم ـ الجديد لصياغة أوضاع إقليمية محيطة بالكيان الصهيوني.
ابحث
أضف تعليقاً