أ. د. أحمد محمد السعد
قسم الاقتصاد والمصارف الإسلامية
كلية الشريعة / جامعة اليرموك
لأسواق البورصة مزايا هامة ، ولها مساوئ أيضا شأنها في ذلك شأن أي سوق آخر . وقبل الجواب على استفسارات عديدة من المفيد الإشارة إلى ضرورة أسلمة هذا الجانب الاقتصادي الهام والذي تسعى بعض الدول الإسلامية إلى إنشاء سوق مالية إسلامية لتجنيب المستثمرين الحريصين على دينهم شبهات هم في غنى عنها . لذلك يجب عدم ترك أسواق البورصات ، بل يترتب على القائمين على الأسواق ضبطها ضمن البيوع الإسلامية فيمنعون استغلال المحترفين للغافلين والمسترسلين الذين يحتاجون إلى البيع والشراء ولا يعرفون الأسعار ويمنعون الصفقات المحظورة شرعا والمقامرة والاستغلال وأكل أموال الناس بالباطل ، كما يترتب عليهم منع المتلاعبين بالأسعار فيها أن يفعلوا مايشاؤون بمنعهم إتباع الطرق غير المشروعة ليحولوا دون التلاعب الذي يجر إلى كوارث مالية
يعيش العالم الآن أزمة مالية عالمية عاتية بدأت شراراتها في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 2007 ثم اندلعت نيرانها في سبتمبر 2008 في صورة انهيارات متتالية لعدة مؤسسات مالية كبرى من بنوك وشركات تأمين وشركات التمويل العقاري وصناديق الاستثمار ، وشملت تداعياتها أسواق المال والبورصات العالمية في صورة انخفاضات حادة متوالية للمؤشرات بها وامتدت تأثيراتها إلى جميع أنحاء العالم وإلى جوانب الإقتصاد في صورة ركود بدأ يخيم على حركة الأسواق وانخفاضات في معدل النمو ، وأصبحت هذه الأزمة الشغل الشاغل لجميع المسئوولين والخبراء وشغلت أخبارها الصحف والمجلات وجميع وسائل الإعلام .
القراءة الإسلامية للأزمة تدور حول بيان أن أسباب هذه الأزمة هي ممارسات ماليه حرمها الإسلام ، وأن بعض الأساليب التي اتخذت لعلاج الأزمة من الأساليب التي يقوم عليها الإقتصاد الإسلامي ، كما أن من تداعياتها مطالبة المسئولين في الدول الرأسمالية والخبراء فيها بإدخال تعديلات جوهرية على النظام الرأسمالي وبعض هذه التعديلات تعتبر من ركائز الاقتصاد الإسلامي .
وهذا ما سيتضح من خلال تشخيص الأزمة
تتلخص ملامح الأزمة المالية العالمية في أن المؤسسات المالية قدمت قروضا هائلة للتمويل العقاري بلغت حوالي 11 تريليون دولار لشراء المنازل كما قدمت مبلغا مماثلا بصفة قروض استهلاكية بموجب بطاقات الائتمان ، ثم قامت ببيع هذه القروض إلى شركات التوريق ، وأعادت إقراض ما حصلته في تمويل عقاري جديد مرات متتالية ، وقامت شركات التوريق بإصدار سندات بقيمة هذه القروض وطرحتها في أسواق المال وتم تداولها بإعادة بيعها للآخرين ومنهم إلى غيرهم في تيارات متتالية وذلك بأسعار أكثر من قيمتها الإسمية اعتمادا على ما تدره من فوائد والتي بدأت بسيطة لمدة سنتين ثم تتزايد بعد ذلك ، وفي المقابل قام المقترضون أصحاب المنازل بإعادة رهن العقارات بعد تقويمها بمبالغ أكثر من قيمتها الأصلية والحصول على قروض من مؤسسات أخرى التي بدورها باعت هذه القروض إلى شركات التوريق التي أصدرت بموجبها سندات وطرحتها في أسواق المال والبورصات للتداول ، وفي خطوة ثالثة تم إصدار أدوات مالية ( مشتقات) للمضاربة على فروق أسعار هذه السندات ، وتم طرحها في الأسواق هي الأخرى ويتم تداولها منفصلة عن السندات وبالتالي حملت المنازل بعدد كبير من القروض التي تفوق قيمة هذه المنازل وانقطعت الصلة بين حملة السندات وبين المقترضين بضمان العقارات ، ولما تشبع السوق العقاري وقل الطلب انخفضت أسعار المنازل أو العقارات ، وفي ظل تزايد الفوائد وعدم قدرة أصحابها على إعادة بيعها أو رهنها والحصول على قروض جديدة ، توقفوا عن سداد أقساط القروض وفوائدها ، وهنا بدأت أسعار السندات في الانخفاض ، واتجه حملتها إلى بيعها بخسارة وتوقفت المؤسسات المالية عن الإقراض نظرا لتعثر المقترضين السابقين وبالتالي قل الطلب مرة أخرى على العقارات فانخفضت قيمتها ، ومن المقرر قانونا أن المؤسسات المالية المقدمة للقروض رغم بيعها تعتبر مسئولة مع شركات التوريق عن متابعة تحصيل الأقساط والفوائد وتسليمها لحملة السندات ، وبتوقف المقترضين عن السداد تركوا المنازل للمؤسسات المالية والتي أصبحت قيمتها أقل بكثير من قيمة القروض فضلا عن عدم إمكان هذه المؤسسات بيعها للركود الحاصل في سوق العقارات ، وبالتالي صبحت هذه القروض رديئة لا يمكن تحصيلها ، والممولة أصلا من ودائع عملاء آخرين فبدأ العملاء في سحب جماعي لأموالهم عجزت معه المؤسسات المالية عن مواجهة السحب فأعلنت إفلاسها وفي المقابل انخفضت أسهمها وأسهم شركات الاستثمار العقاري التي تقدم قروضا أيضا ، فأدى ذلك إلى انهيار الأسواق المالية ، وهكذا وفي مثال مبسط أصبح يوجد منزل قيمته مليون دولار ترتبت عليه ديون متداولة في الأسواق المالية بحوالي 30 مليون دولار بعضها يستند إلى بعض في توازن هش ، بحيث إذا تعذر سداد أحدها انهارت المنظومة بكاملها فيه وهو ما حدث في الأزمة المالية العالمية .
وفي تطوير مترتب على ذلك قامت شركات التمويل العقاري والبنوك بالاتفاق مع مشتري العقارات على التأمين على سداد القروض في شركات التأمين مقابل أقساط ، وعندما عجز المشترون عن دفع الأقساط كانت شركة التأمين مطالبة بالسداد ، وعند تفاقم المشكلة عجزت هذه الشركات عن توفير السيولة اللازمة لدفع التعويضات فدخلت في دائرة التعثر والإفلاس ، وهكذا أصبح الجميع يتنازع الملكية أو الحقوق على المنزل ، فصاحب المنزل يظن أن له حقا في المنزل باعتباره مملوكا له لأنه اشتراه ، وشركات التمويل العقاري والبنوك المقرضة تظن أن لها حق في المنزل لأنه مرهون لها ، والمؤسسات الأخرى التي أعاد المشتري رهن العقار لها مقابل قرض جديد تظن أن لها حق في المنزل وشركة التأمين تقول أن لها حق المنزل ، أي أن العقار الواحد الذي يساوي مبلغا ما أصبح عليه حقوق للعديد من الأطراف بأضعاف قيمة هذا المبلغ ، وعندما توقف مشترو المنازل عن الدفع قامت الشركات والبنوك بمحاولة بيعها ، ولكن المشتري يرفض الخروج طبقا للقانون وهو ما دفع أسعار العقار إلى الإنخفاض لأنها مشغولة بساكن ، وهنا بدأت أسعار السندات التي طرحت برهن المنازل في الانخفاض لمحاولة تخلص حامليها منها بالبيع ، وهكذا تعقدت المشكلة وتشابكت وتراكمت .
هذا مع ملاحظة أن توقف البنوك عن ضخ قروض جديدة أصاب التمويل الذي تطلبه الشركات الإنتاجية ( صناعية وزراعية وتجارية وخدمية ) التي لم تجد المال اللازم لتمويل عملياتها مما أدى إلى تقليل نشاطها ، وبالتالي الاستغناء عن بعض العمالة بها لتزيد البطالة ويدخل الاقتصاد في حالة ركود متتابعة ، وهنا حدثت تداعيات خطيرة منها ما قررته الحكومات من ضخ أموال ضخمة للمؤسسات المالية لشراء القروض الرديئة وتأميم بعضها وإدماج البعض الآخر وفرض وصاية عليها ، ولكن هذه الأساليب لم تستطع وقف الأزمة بل ما زالت تتزايد يوما بعد يوم .
وفي ضوء هذا التشخيص المبسط يمكن قراءة الأزمة ، أسبابها وتداعياتها إسلاميا على الوجه التالي :
أسباب الأزمة
نقصد بالقراءة الإسلامية لأسباب الأزمة بيان أن هذه الأسباب ناتجة عن أساليب في التعامل وممارسات في العلاقات المترتبة عليها محرمة شرعا كما يتضح مما يلي :
أولا : موضوع الرهن العقاري : وصورته أن يتم التعاقد بعقد ثلاثي الأطراف بين مالك لعقار ومشتري وممول ( بنك أو شركة تمويل عقاري ) على أن يقوم المالك ببيع العقار للمشتري بمبلغ معين ويدفع جزءا من الثمن ( 10% مثلا ( ويقوم الممول في ذات العقد بدفع باقي الثمن للبائع مباشرة واعتباره قرضا في ذمة المشتري مقابل رهن العقار للممول ويسدد القرض على أقساط طويلة الأجل ( ما بين 15-30 سنة ) بفائدة تبدأ عادة بسيطة في السنتين الأوليتين ثم تتزايد بعد ذلك ويسجل العقار باسم المشتري ويصبح مالكه له حق التصرف فيه بالبيع أو الرهن .
وكان موضوع الرهن العقاري هو السبب الرئيس للأزمة ، لأن البنوك أهملت في التحقق من الجدارة الائتمانية للمقترضين وأغرتهم بفائدة بسيطة في الأول ثم تزايدت وتوسعت في منح القروض مما خلق طلبا متزايدا على العقارات إلى أن تشبع السوق فانخفضت أسعار العقارات وعجز المقترضون عن السداد واكنت البنوك قد باعت هذه القروض إلى شركات التوريق التي أصدرت بها سندات وطرحتها للاكتتاب العام وبالتالي ترتب على الرهن العقاري كم هائل من الديون مرتبط بعضها ببعض في توازن هش ، أدى إلى توقف المقترضين إلى إنهيار هذا الهرم وحدثت المشكلة .
ومن منظور إسلامي فإن هذا الإسلوب للرهن العقاري غير جائز شرعا من منظور إسلامي ، وفي ذلك جاء قرار محمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 52/1/6 في دورته المنعقدة في مارس 1999 ما يلي :
" إن السكن من الحاجات الأساسية للإنسان ، وينبغي أن يوفر بالطرق المشروعة بمال حلال ، وإن الطريقة التي تسلكها البنوك العقارية والإسكانية ونحوها من الإقراض بفائدة قلت أو كثرت هي طريقة محرمة شرعا لما فيها من التعامل بالربا ، وهناك طرق مشروعة يستغني بها عن الطرق المحرمة لتوفير المسكن بالتملك "
ومن الطرق المشروعة والتي تتعامل بها المؤسسات المالية الإسلامية شراء مؤسسة التمويل العقار وبيعه مرابحة ، وكذا إبرام عقد استصناع ( مقاولة) مع العميل لبناء المبنى ، وتوجد صورة أخرى تطبق في المؤسسات المالية الإسلامية العاملة في أمريكا وهي صورة ( المشاركة التأجيرية ) وهي أن يشترك العميل والمؤسسة المالية في شراء العقار ، ثم تؤجر المؤسسة المالية حصتها للعميل ، وفي نفس الوقت تبيع له كل سنة جزءا من حصتها حتى ينتهي العقد بتملك العميل للعقار وتفترق هذه الطرق عن طريق القرض العقاري بخلوها من الفوائد الربوية من جهة والربط بين التمويل والعقار دون توليد ديون متعددة .
ثانيا : إعادة بيع أو رهن العقار : كثيرا ما يقوم المشترون ببيع العقار المرهون أو رهنه مقابل قرض جديد بفائدة ، وبالتالي يتحمل العقار الواحد بحقوق رهن متعددة وما حدث في الأزمة أنه عند توقف المقترض عن السداد لم تكف فيمة العقار المرهون سداد القرضين .
وهذه المسألة باطلة شرعا لأمرين : أولهما أنها معاملة تنطوي على قرض جديد بفائدة ربوية والربا محرم شرعا ، وثانيهما أن الفقه الإسلامي على أنه لو رهن الشخص الشيء المرهون بدين آخر غير الأول بدون إذن المرتهن لا يصح ، ولو بإذن يصح الرهن الثاني ويبطل الرهن الأول ، لأن الرهن حق على عين ولا يجتمع حقان على عين واحدة ، وكذا إذا باع الراهن الشيء المرهون يصير الثمن رهنا لا يجوز التصرف به ، فإذا أذن المرتهن للراهن بالبيع والتصرف في الثمن سقط حقه في الرهن ، وبالتالي يكون القرض خاليا من الرهن .
ثالثا : التوريق : وهي قيام البنوك وشركات التمويل العقاري ببيع دين القروض المتجمعة لديها على العملاء الذين اشتروا العقارات إلى إحدى الشركات المتخصصة والتي تسمى قانونا ( شركات التوريق ) وهذا البيع يكون بمقابل معجل أقل من قيمة الدين ، ثم تقوم شركة التوريق بإصدار سندات بقيمة هذه الديون بقيمة إسمية لكل سند وتطرحها للاكتتاب العام (بيعها) للأفراد والمؤسسات بقيمة أكبر أو أقل من القيمة الإسمية ( أي بعلاوة أو خصم إصدار ) ويحصل حملة السندات على فوائد القروض ، وتتولى شركة التوريق مع شركة التمويل عملية تحصيل الأقساط والقوائد من المقترضين الأصليين وتوزعها على حملة السندات ، وبذلك تحصل شركة التمويل على سيولة وتكسب شركة التوريق الفرق بين قيمة القروض وبين ما دفعنه لشرائها ، ويكسب حملة السندات الفوائد ، كما يمكنهم تداول هذه السندات في سوق المال بالبيع لغيرهم بأسعار أكثر من سعر شرائهم لها في حالة ارتفاع سعر فائدتها عن سعر الفائدة السائدة ، وقد يبيعونها بخسارة عندما يقل سعر الفائدة أويحتاجون لسيولة عاجلة ، وباستمرار تداول السندات تنتقل الملكية إلى عديدين في داخل البلاد وخارجها .
وفي المقابل فإنه عندما يقترض مشترو العقارات من مؤسسات مالية أخرى برهن نفس العقارات تقوم هذه المؤسسات ببيع هذه القروض إلى شركة توريق والتي تصدر بها سندات وتطرحها في الأسواق ، وبالتالي يصبح للعديد من الناس والمؤسسات حقوقا على العقار ، وتتزايد قيمة الأوراق المالية المصدرة عن قيمة العقارات ، وإذا حدث وتحولت هذه القروض إلى قروض رديئة لتعثر مالكي العقارات عن السداد أو تنخفض قيمة العقارات في الأسواق فإن حملة السندات يسارعون إلى بيع ما لديهم فيزيد العرض وينخفض سعرها وتزيد الضغوط على كل من المؤسسات المالية وشركات التوريق ، وهكذا يمكن القول إن التوريق بما ينتجه من تضخم لقيمة الديون وانتشار حملة السندات الدائنين وترتيب مديونيات متعددة على نفس العقار وهو حجر الزاوية في حدوث الأزمة المالية .
وتوريق الديون هذا في حد ذاته غير جائز شرعا للآتي :
إن عملية التوريق تكون ببيع الدين لشركة التوريق بأقل من قيمته وهذا يعني أن تدفع الشركة أقل وتأخذ أكثر وهو عين الربا والسندات تدر دخلا عبارة عن فوائدها وهي ربا . وعادة ما يتم تداول هذه السندات في البورصة بالأجل أو على أقساط ، وهو من بيع الدين بالدين المنهي عنه شرعا . وفي ذلك جاء قرار محمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم 92/4/11 في دورته الحادية عشر بتاريخ نوفمبر 1988م ما يلي :
لا يجوز بيع الدين المؤجل من غير المدين بنقد معجل من جنسه أو من غير جنسه لإفضائه إلى الربا ، كما لا يجوز بيعه بنقد مؤجل من جنسه أو من غير جنسه لأنه من بيع الكالئ بالكالئ ( أي المتأخر دفعه بالمتأخر قبضه ) المنهي عنه شرعا ، ولا فرق في ذلك بين كون الدين ناشئا عن قرض أو بيع آجل .
وفي قرار لمجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته السادسة المنعقدة في يناير 2003م جاء ما يلي :
" لا يجوز التعامل بالسندات الربوية إصدارا أوتداولا أو بيعا لاشتمالها على الفوائد الربوية ، ولا يجوز توريق ( تصكيك ) الديون بحيث تكون قابلة للتداول في سوق ثانوية ، لأنه في معنى حسم الأوراق التجارية الذي يشتمل على بيع الدين لغير المدين على وجه يشتمل على الربا " .
وربما تخرج العملية على أنها( حوالة الحق ) وليست بيعا لدين أي أن شركة التمويل تحيل حقوقها الناشئة عن التمويل العقاري إلى شركة التوريق مقابل ما تدفعه لها ، فهي مثل الحوالة التي يحيل فيها المدين دائنه على آخر مدين له ، فهذا قياس مع الفاارق ولأنه يشترط في الحوالة تساوي الدينين الأصلي والمحال به . وأما في حوالة الحق من خلال عملية التوريق فإن شركة التوريق تعطي لشركة التمويل مبلغا أقل من الدين الأصلي المشترى .
رابعا : الفوائد الربوية : يلاحظ أن عمليات التمويل العقاري وتوابعها والتي كانت السبب الرئيس في الأزمة المالية العالمية تقوم على فوائد القروض ، وبإجماع المسلمين قديما وحديثا فإن القروض ربا محرم شرعا ، والربا في الإسلام من أشد الجرائم الاقتصادية والاجتماعية لمخالفة مرتكبيه لأمر الله تعالى القائل سبحانه ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) ، ولأن الربا هو الذنب أو المعصية التي توعدها الله سبحانه وتعالى بأكثر من عقوبة هي :
- المحق وذهاب البركة بذهاب المال أو نفعه فيقول ربنا تبارك وتعالى : (يمحق الله الربا ) ، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قلة". وها نحن نرى أن البنوك وشركات التأمين وحملة السندات وكل من تعامل بالربا خسر أصل ماله والفوائد .
- الأزمات النفسية التي تصيب أكلة الربا لقوله تعالى : ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) ، وما الفزع والإكتئاب والحزن الذي يخيم على الخاسرين في الأزمة إلا نوع من مس الربا .
- الوعيد بالحرب من اللله ورسوله لقوله تعالى( فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) وها هي الحرب قامت في صورة إعصار مالي عالمي على جميع المؤسسات الربوية والمتعاملين معها .
- الخلود في النار يوم القيامة لمن لم تردعه الأزمة وعاد إلى الربا حيث يقول الله تعالى : ( ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) .
خامسا : المشتقات المالية : إن شياطين التمويل المعاصر ومن أجل الجشع نحو مزيد من الأرباح والفوائد ابتكروا ما يسمى بالمشتقات المالية ، وهي حسب تعريف صندوق النقد الدولي " عقود تتوقف قيمتها على أسعار الأصول المالية محل التعاقد ولكنها لا تقتضي أو تتطلب استثمارا ( أي دفع نقود) لأصل المال في هذه الأصول ، وهي كعقد بين طرفين على تبادل المدفوعات على أساس الأسعار أو الفوائد فإن انتقال ملكية الأصل محل التعاقد والتدفقات النقدية يصبح أمرا غير ضروري".
وفي تعريف آخر " المشتقات عبارة عن عقود فرعية تبنى أو تشتف من عقود أساسية لأدوات استثمارية (أوراق مالية ، عملات أجنبية ، سلع ) نشأت عن تلك العقود الفرعية أدوات مالية مشتقة وذلك في ما اصطلح عليه بالهندسة المالية " .
وفي تعريف ثالث : " أن المشتقات ليست أصولا مالية وليست أصولا عينية وإنما هي عقود كسائر أنواع العقود يترتب عليها حقا لطرف والتزاما على الطرف الآخر .
وتوضيح ذلك بمثال مبسط لنوع من أنواع المشتقات ، شخص يريد أن يشتري أسهما أو سندات بسعر اليوم على أن يتسلمها في الستقبل ودون أن يدفع الثمن حالا ، ويحشى إن انخفضت اسعارها بعد تسلمها أن يخسر فيها عند بيعها فيتفق مع البائع على أن يعطيه حق الخيار في الرجوع عن الصفقة بمقابل لهذا الحق في الاختيار وليكن 5 جنيهات مقابل كل سهم أو سند ، ودون إلزام لمشتري حق الخيار في شراء الأسهم ، ويتم إصدار ورقة مالية بقيمة حق الاختيار هذا تتداول في السوق بأسعار متغيرة أي يبيع حق الشراء أو عدمه لشخص آخر ، فإن انخفضت أسعار الأسهم أكثر من خمسة جنيهات يكتفي بخسارتها ويتم تصفية العملية ، وإن ارتفعت أسعار الأسهم أكثر من خمسة جنيهات لا يشتري ولكن يأخذ الفرق منالبائع أي إن المعاملة تدور حول حق الخيار فكأنها مراهنة على الأسعار في المستقبل .
وهذا يتم بالنسبة للأسهم والسندات والسلع والنقود وأسعار صرفها وأسعار الفوائد ، بل وصل الأمر إلى إصدار أوراق مالية بمؤشرات البورصات ، أي المراهنة على انخفاض أو ارتفاع المؤشر يوما بعد يوم .
وتتعدد أدوات المشتقات المالية من أهمها مايلي :
1- العقود المستقبلية : وهي إبرام عقد بين بائع ومشتري على شراء سلعة أو أوراق مالية أو نقود بسعر معين على أن لا يتم تسليم الثمن أو المبيع عند التعاقد وإنما يدفع كل من المشترى والبائع مبلغا لهيئة السوق يمثل نسبة من الثمن في حدود التغيرات التي يتوقع أن تحدث في الأسعار بصفة هامش جدية وحتى تدفع منه الهيئة مستحقات أي طرف عند التصفية والغرض من إبرام هذه العقود ليس تسلم المعقود عليه أوالثمن بل المضاربة على فروق الأسعار فالبائع يضارب على هبوط السعر في المستقبل وبالتالي يكسب الفرق والمشتري يضارب على صعود السعر في المستفبل ليكسب الفرق ولذلك فإنه لا يتم تسليم أو تسلم للصفقة ، فإذا انخفض لسعر في المستقبل عن سعر التعاقد دفع المشتري الفرق للبائع والعكس صحيح ، والأمر لا يتوقف عند هذا الحد ولكن تصدر أدوات مالية بهذه العقود ويتم تداولها أي بيعها للغير ،فهو في حقيقة الأمر لا يبيع السهم أو السند أو السلعة وإنما يبيع توقع ارتفاع أو انخفاض الأسعار لها .
وما حدث في الأزمة أن تتم عقود مستقبليات على سندات التمويل العقاري وعلى أسهم البنوك المقرضة وشركات التمويل العقاري والشركات العقارية على أمل ارتفاع أسعارها وحينما بدأت الأزمة وتم فقد الثقة في السوق المالية سارع الجميع إلى تصفية مراكزهم المالية فانهارت هذه الأدوات المستعملة .
2- الخيارات أو الاختيارات : وهي عبارة عن عقود يسمح بموجبها بائع الخيار (مصدره) الحق لمشتري الخيار ( مكتب بالخيار ) ببيع أو شراء عملة أو سلعة دولية أو ورقة مالية بسعر محدد سلفا في تاريخ مستقبلي مقابل تعهد مشتري الخيار بدفع مبلغ لاكتسابه حق الخيار .
وبالتالي فإن من اشترى أداة مالية تعطيه حق الخيار في الشراء أو البيع تخلص منها بسرعة في بداية الأزمة وبالتالي بقلص التعامل بهذه الأداة وفقدت السوق المالية عدة نقاط من مؤشراتها . وأثر المشتقات على الأزمة يظهر في أن التوسع في اشتقاق أدوات مالية جديدة تعتمد على الثقة في تحقيقها مكاسب في المستقبل ، ونظرا لانهيار أسعار الأسهم والسندات الصادرة عن البنوك والشركات الاستثمارية انهارب قيمة هذه المشتقات وحدث ذعر في الأسواق ومن عجت أن من أهم أهداف هذه المشتقات هو مواجهة المخاطر التي يمكن أن تحدث وأظهرت الأزمة عجزها حتى عن حماية نفسها .
والمشتقات بهذا الشكل غير جائزة شرعا وفي ذلك جاء قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم 7/1/65 في دورته السابعة في مايو 1992م بالتمثيل لبيع السلع بأسلوب المستقبليات ما نصه : الطريقة الرابعة أن يكون العقد على تسلم سلعة موصوفة في الذمة في موعد آجل ودفع الثمن عند التسليم دون أن يتضمن العقد شرط أن ينتهي التسليم والتسلم الفعليين بل يمكن تصفيته بعقد معاكس ، وهذا هو النوع الأكثر شيوعا في أسواق السلع وهذا العقد غير جائز شرعا .
كما جاء في ذات القرار ما يلي : إن عقود الاختيارات كما تجري اليوم في الأسواق المالية العالمية هي عقود مستحدثة لا تنطوي تحت أي عقد من العقود الشرعية المسماة وبما أن المعقود عليه ليس مالا ولا منفعة ولا حقا ماليا يجوز الاعتياض عنه فإنه عقد غير جائز شرعا وبما أن هذه العقود لا تجوز ابتداء فلا يجوز تداولها .
3- وأما التعامل بالمؤشرات ( أي بالأرقام القياسية التي تبين حالات التعامل في البورصات ) فجاء في نفس القرار بشأنها ما يلي : ( المؤشر هو رقم حسابي يحسب بطريقة إحصائية خاصة يقصد منه معرفة حجم التغير في سوق معينة وتجري عليه مبايعات في بعض الأسواق المالية العالمية ، ولا يجوز بيع وشراء المؤشر لأنهمقامرة بحته وهو بيع خيالي لا يمكن وجوده .
سادسا : أساليب المضاربات قصيرة الأجل : من الأساليب التي أشعلت نيران الأزمة المضاربات التي تقوم على توقعات المضاربين بتغير الأسعار في الفترات القصيرة لكسب فروق الأسعار ، وزيادة حجم التعامل إتاحة التعامل لمن لا يملك مالا أو أوراق مالية الذي عبر عنها الاقتصادي الفرنسي البارز ( موريس آليه) بقوله : (من الممكن أن تشتري بدون أن تدفع وأن تبيع بدون أن تجوز ) ، ويتم ذلك من خلال عدة آليات منها ما يلي :
أ – البيع على المكشوف : وهو حسب ما عرفته الموسوعة الأمريكية بيع شخص ما لا يملكه حيث يتوقع شخص إنخفاض سعر ورقة مالية ( سهم أو سند ) في المستقبل القريب فيضارب (يقامر) على الهبوط ويقترض من السمسار من المخزون لديه أةو يقترض السمسار له من شخص آخر عدد من هذه الأسهم أو السندات لبيعها حالا لحسابه بالسعر المرتفع ويظل المبلغ لدى السمسار يستثمره دون أن يدفع عنه فوائد وبعد مدة قصيرة إن صدق توقع المضارب وارتفع السعر يأمر السمسار بشراء بدل منها ويسلمها للمقرض ويكسب الفرق بعد دفع عمولة السمسار ،وإن لم يصدق توقعه وانخفضت الأسعار يكون ملزما بدفع مبلغ لتكملة ثمن شرائها لردها إلى صاحبها الأصلي .
وهذا الاسلوب غير جائز شرعا فلقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته السابعة السابق الإشارة إليها ما نصه ( لا يجوز أيضا بيع سهم لا يملكه البائع وإنما يتلقى وعدا من السمسار بإقراضه السهم في موعد التسليم لأنه من بيع ما لا يملكه البائع ويقوى المنع إذ اشترط اقباض الثمن للسمسار لينتفع به بإيداعه بفائدة للحصول على مقابل الإقراض ) .
ب- الشراء بالهامش : وصورته أن يرغب شخص في شراء عدد من الأسهم أو السندات بمبلغ لديه فيتيح له السمسار أن يشتري بمبلغ أكبر يعادل 80% أو أكثر من ما معه عن طريق إقراضه الباقي بضمان الأوراق المالية المشتراه مقابل فائدة ، ويقصد المضارب من وراء ذلك توقع ارتفاع أسعار الأسهم أو السندات فيبيعها ويسدد من الثمن القرض ويكسب الباقي ، وإذا لم يصدق توقعه وانخفضت الأسعار يخسر الفرق ويدفعه من المقدم (الهامش) الذي دفعه .
والشراء بالهامش غير جائز شرعا وفي ذلك جائز في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي السابق ما نصه ( لا يجوز شراء السهم بقرض ربوي يقدمه السمسار أوغيره للمشتري لقاء رهن السهم لما في ذلك من المراباة وتوثيقها بالرهن ، وهما من الأعمال المحرمة بالنص على "لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه " .
كما أن المضاربات على صعود أو هبوط الأسعار تتم بواسطة المضاربين الذي لا تتوافر لديهم القدرة على دراسة أحوال السوق وهذا نوع من الغرر الذي نهى الرسول صلى الله عيله وسلم ، والغرر : هو الجهالة والمخاطرة بمعنى دخول الإنسان في معاملة بناء علىتوقع مكسب في المستقبل ، وهو لا يدري أيحصل مقصوده أم لا .
وصلة هذه الممارسات بالأزمة يظهرفي أن المسئولين في أمريكا وأوروبا أصدروا قرارات بوقف المضاربات قصيرة الأجل لمدة 12 يوما في أمريكا ولمدة أربعة شهور في انجلترا وعلى الأخص أسلوب البيع على المكشوف مما يؤكد أن لهذه الأساليب دور في حدوث الأزمة .
سابعا : تضخم الاقتصاد المالي والانفصام بينه وبين الاقتصاد الحقيقي : إن الاقتصاد في حقيقته هو النشاط الذي يدور حول توفير السلع والخدمات لإشباع الحاجات الإنسانية من خلال وظائف اقتصادية مثل الإنتاج والتوزيع والاستهلاك ، ولكن هذا يتطلب التبادل لأنه لا يوجد أحد يمكنه إنتاج ما يحتاجه من سلع وخدمات بنفسه ، والتبادل يحتاج إلى تمويل ومن هنا وجد الاقتصاد المالي لخدمة الاقتصاد الحقيقي ، ولكن السوق المالية انفصلت عن السوق الحقيقية وأصبح يتم التعامل في النقود والتمويل ذاته بيعا وشراء من خلال المداينات والائتمان ، وترتب على ذلك أن أصبح حجم التمويل المتاح من خلال الائتمان أضعاف أضعاف قيمة الاقتصاد الحقيقي ، مما أدى إلى خلل في التوازن بينهما ، ولما أصبح الاقتصاد المالي لا يستند إلى قاعدة من الأصول وإنما إلى أهرامات من الديون التي ركبت بعضها فوق بعض في توازن هش ومن أجل المزيد من كسب العوائد ، في صورة فوائد وفروق أسعار ، لذا فإنه عند وجود خلل في إحدى حلقات الديون المركبة كما حدث في توقف المقترضين في سوق التمويل العقاري عن سداد القروض انهار البناء المالي بكاملة وحدثت الأزمة ، وهذا ما عبر عنه الرئيس الفرنسي ساركوزي بقوله : ( إنه يجب جعل الرأسمالية أخلاقية بتوجيهها إلى وظيفتها الصحيحة وهي خدمة التنمية الاقتصادية وقوى الإنتاج والاقتصاد بعيدا تماما عن قوى المضاربة ) . ومن الجدير بالذكر أنه رغم الانفصام الواقع بين الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد المالي فإن آثار الأزمة ستمتد إلى الاقتصاد الحقيقي لأن الانهيار المالي للبنوك سيجعلها تكف عن الإقراض حتى عن الجزء الصغير الذي كان يواجه منها للشركات الإنتاجية بما يجعلها تقلص إنتاجها وتطرد بعضا من عمالها ، ومن جانب آخر فإن الخسارة التي مني بها المواطنون جراء تعاملهم في الأسواق المالية جعلتهم يخفضون مشترياتهم من الشركات الإنتاجية وبالتالي يقع الركود الاقتصادي ,.
وفي الإقتصاد الإسلامي فإن أي تيار مالي لا بد أن يقابله تيار سلعي في ربط محكم ولا يسمح الإسلام بجني أرباح من خلال التيارات المالية وحدها وإلا كان هذا ربا ، ولذا جاء القرض الحسن الذي يمثل تيارا ماليا شرعيا من أجل حاجة المقترضين للإنفاق على السلع والخدمات وبدون أن يحصل المقرض على زيادة على قرضه ، ومجرد التعامل في النقود ذاتها غير جائز شرعا .
وفي ذلك يقول بن القيم : " ويمنع من جعل النقود متجرا فإنه بذلك يدخل على الناس من الفساد ما لا يعلمه إلا الله بل الواجب أن تكون النقود رؤوس أموال يتجر بها ولا يتجر فيها " .
ثامنا : الجوانب السلوكية والأخلاقية للأزمة : لقد أظهرت الأزمة أن من أهم أسبابها هو السلوكيات غير السوية من جانب المتعاملين في المجال المالي مثل الطمع والجشع والفزع والهلع ، إلى جانب الممارسات غير الأخلاقية التي استشرت في المؤسسات والاسواق المالية مثل الفساد والمعلومات المضللة والكذب والاحتيال ،وهذا ما أكد عليه المسئولون والخبراء حيث تقول سارة بالين المرشحة نائبا لباكين عن الحزب الجمهوري ( بأن الطمع والجشع والفساد من أهم أسباب الأزمة ) .
ويظهر ذلك في أن الدافع الرئيس للمتعاملين في البورصات أو الأسواق المالية هو المضاربة للحصول على فروق الأسعار وليس الاستثمار في الشركات ، وأن البنوك تسعى إلى حصد مزيد من الأرباح لأنفسهم على حساب الآخرين ، كما أن غالبية المضاربين في الأسواق المالية يسلكون أسلوب القطيع الذي يفزع من مجرد حفيف الأشجار وظنه زئير الأسود فيسارع بالهرب في موجات جماعية عشوائية وبالتالي فسلوكهم مبني ليس على معلومات وتحليلات وإنما على مجرد الإشاعات ، وهذا ما جعلهم يتكالبون على بيع ما لديهم من أوراق مالية وبكميات كبيرة جدا ، فزاد العرض وتوالى انخفاض الأسعار في البورصات وتراجعت مؤشراتها إلى حد كبير ولو كانوا مستثمرين لنظروا إلى الشركات التي أصدرت هذه الأوراق ،والعجب أن كبار المتعاملين في البورصات والذين يطلق عليهم في كتب الإدارة المالية " الثيران ذوي القرون الطويلة " الذين لا يخافون حتى من زئير الأسود اصابهم الفزع وهرعوا لبيع ما لديهم من أدوات مالية فتزايد انهيار الأسواق ، ولو كان هدف الجميع الاستثمار الحقيقي والحصول على نصيب من الأرباح التي تحققها الشركات والمساهمون فيها لما همتهم الانخفاضات في أسعار الأسهم طالما الشركات باقية وتحقق أرباحا .
ومن جانب آخر فإن السوق الحرة وعدم التدخل فيها جعلت الكثيرين وبدافع الطمع يحاولونالحصول على أكبر قدر ممكن من الأرباح والعوائل ، وفي سبيل ذلك وجدت ممارسات غير أخلاقية منها فساد أعضاء مجالس إدارات البنوك والشركات الكبرى والاستيلاء على الأموال بمعلومات مضللة عن تحقيق أرباح عالية فيحصلوا على جزء منها بصفة مكافآت واستخدام المعلومات المتاحة لديهم عن أحوال الشركات والاستفادة من هذه المعلومات في تداول ما يملكونه من أسهم أو لأقاربهم ، وشاركهم في ذلك مراقبي الحسابات الذين يشهدون بصحة حسابات مزورة ، إلى جانب تقديم بعض الأساليب الاحتيالية ، مثل الاعتماد على ما يسمى القيمة العادلة عند تقويم العقرات المقدمة بصفة ضمانات للقروض أو تقويم الاستثمارات في الشركات والبنوك فمن المعروف أن أي أصل له قيمة أو تكلفة تاريخية وهي ما دفعه الشخص لحيازته ، وله قيمة سوقية وهي ما يباع بها ويشترى في الأسواق عند التقويم ، ولكنهم تركوا ذلك وابتكروا مصطلح القيمة المعادلة التي تعني ما يوافق عليه طرفي المعاملة دون النظر إلى القيمة السوقية ، وبالتالي كانوا يقومون العقارات عندالاقتراض بقيمة أعلى من حقيقتها ليزيد القرض الممنوح ، كما كانوا يظهرون الاستثمارات في الميزانيات بهذه القيمة العادلة ويعتبرون الففرق بين القيمة الدفترية المسجلة بها وهذه القيمة العادلة أرباحا توزع .
وهذا الفساد والممارسات غير الأخلاقية التي استشرت في الأسواق والشركات حدثت قبل الأزمة بكثير عندما ظهرت ما يطلق عليه الفضائح المالية الكبرى إثر انهيار كبريات الشركات مثل انهيار مؤسسة الادخار والإقراض الأمريكية عام 1994م بعد بخسارة بلغت 179 مليار دولار وانهيار شركة إنرون الأمريكية بخسارة 60 مليار دولار ، وانهيار شركة وورلد كوم للاتصالات الأمريكية بخسارة بلغت 50 مليار دولار .
ومن المعروف أن الأخلاق شعبة من شعب الإسلام الثلاثة مع العقيدة والشريعة حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( الخق وعاء الدين ) ، وأنه بالنظر نجد أن جميع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي تتناول أحكام وتوجيهات المعاملات المالية تربط بينها وبين قيم خلقية حسنة مثل : العدل والأمانة والصدق ، وتنهى عن القيم الخلقية السيئة مثل الظلم ، والخيانة والكذب وأن ارتكاب الممارسات يعرض مرتكبها لغضب الله عز وجل وعذابه ويمحق البركة بجانب حق من أضير الرجوع في المعاملة والتعويض العادل . وبذلك ننتهي إلى أن أهم أسباب الأزمة هي ممارسات وأساليب يحرمها الإسلام .
تداعيات الأزمة
تتمثل تداعيات الازمة في آثارها والخسائر التي لحقت بالاقتصاد وما اتخذ أو ما يوصي به لمواجهتها أما الآثار فلن نتناولها لأنها ما زالت تتوالى ومن الصعب الآن تقدير حجم الخسائر التي بدأت بآلاف المليارات من الدولارات وتتزايد كل يوم ، وأما أهم ما اتخذ من إجراءات لمواجهة هذه الأزمة وقراءة ذلك إسلاميا فإنه يتلخص في الآتي :
أولا : في البداية قامت السلطات المختصة في الولايات المتحدة الأمريكية بالموافقة على ضخ حوالي 700 مليار دولار في السوق المالية لشراء القروض الرديئة من البنوك وشركات التمويل العقاري حتى تتمكن من مواجهة سحب الودائع منها ، وتبعتها في ذلك العديد من الدول الأوروبية ، وبالنظر في هذا الأسلوب رعم أهميته في التخفيف منحدة الأزمة ما يلي :
أ. أنه يكافئ المتسببين في الأزمة بالإهمال وسوء الإدارة لأموال المودعين ويحمل دافعي الضرائب فاتورة ذلك .
ب. أن الحكومة سوف تدبر هذا المبلغ من خلال الاستدانة بموجب سندات حكومية تزيد من الدين العام وعلى حساب الأعباء للأجيال القادمة وتزيد من حجم الأوراق المالية في السوق المالي المنهار هو الآخر لعدم وجود تعاملات ، ومن جهة ثانية لو وفرت هذا المبلغ من خلال طبع النقود فإنها ستزيد من التضخم .
ثانيا : إن تدخل الدولة في الاقتصاد بالتأميم والإشراف والرقابة ضد مبادئ الرأسمالية وخروجا عن مقتضياتها ويظهر عدم صلاحية النظام الرأسمالي بمبادئه الأساسية ، وتدخل الحكومات في الاقتصاد بالتأميم أمر عليه محاذير إسلامية ، أما التدخل بالإشراف والرقابة فهو مطلوب ومن واجبات الحاكم إنشاء الأجهزة الخاصة بمراقبة الأسواق والمعاملات لضمان التحقق من الالتزام بأحكام الشريعة ومبادئ الأخلاق الاسلامية مما يؤكد أن ما تخذته السلطات بإقرار الإشراف والرقابة يقتربون به من الاقتصاد الإسلامي .
ثالثا : يطالب البعض بإعادة النظر في النظام المالي والنقدي الرأسمالي وتعديله ليكون في خدمةالتنمية والإنتاج ، وفي إطار ذلك يقول الرئيس القرنسي ساركوزي ( نحن بحاجة لإعادة بناء النظام المالي والنقدي من جذوره وإن فكرة وجود أسواق بصلاحيات مطلقة بدون قيود وبدون تدخل من الحكومات هي فكرة مجنونة ) .
وإذا كانت الشيوعية قد عامت على القيود المكبلة التي أدت إلى إنهيارها ، والرأسمالية تقوم على فكرة الحرية المطلقة ( المنفلته ) فإن النظام الاقتصادي الإسلامي يقوم على فكرة الحرية المنضبطة بضوابط الحلال التي يحقق النفع للجميع في عدالة وتوازن ، والبعد عن الحرام الذي يؤدي إلى الظلم وأكل أموال الناس بالباطل ، وبالطبع لا يقصد ساركوزي أوغيره من إعادة بناء النظام الرأسمالي التوجه نحو الشيوعية ، وإنما إلى ضبط الحرية الرأسمالية المنفلتة وهذا ما يحققه الإسلام الذي يمكن القول إنه قادر على علاج هذه الأزمة من خلال مرتكزات الاقتصاد الإسلامي والتي تتلخص في الآتي :
1- تعديل أسلوب التمويل العقاري ليكون بإحدى الصيغ الإسلامية ومنها أسلوب المشاركة التاجيرية السابق ذكره ويطبق في أمريكا بنجاح ليس فقط بواسطة المؤسسات المالية العاملة فيها وإنما بواسطة مؤسسات مالية أخرى مثل بنك ديفون
2- ضبط عملية التوريق لتكون لأصول عينية وليس للديون وهو ما يتم في السوق المالية الإسلامية في صورة صكوك الإجارة والمشاركة والمضاربة ، أما الديون فيمكن توريقها عند الإنشاء ولا تتداول ، وهو ما يتم في السوق المالية الإسلامية بصكوك المرابحة والسلم والاستصناع ، والتي يزيد حجم التعامل بها رغم حداثتها عن 180 مليار دولار وتتوسع يوما بعد يوم وتتعامل بها بعض الدول الغربية
3- منع أساليب المضاربات قصيرة الأجل من البيع على المكشوف والشراء بالهامش وهو ما تم إثر الأزمة في امريكا وإنجلترا
4- عدم التعامل بالمشتقات مثل المستقبليات والتعامل بدلا منها بأسلوب بيع السلم وجعل الخيارات بدون مقابل كما قرر الفقه الإسلامي والانتهاء عن التعامل في المؤشرات بيعا وشراء
5- الانتاء عن الفوائد الربوية واستخدام أساليب المشاركات والبيوع ، ومن الجدير بالذكر أن أحد أساليب مواجهة الأزمة في أمريكا وأوروبا هو تخفيض معدل الفائدة حتى وصل إلى 1%
6- وضع ضوابط للمعاملات ووجود هيئات متخصصة للإشراف والرقابة على الأسواق والمؤسسات في إطار الحرية المنضبطة التي يقوم عليها الاتصاد الإسلامي
وفوق ذلك كله العمل على جعل الاقتصاد أخلاقيا ووضع السبل التي تساند الالتزام بالاخلاق الحميدة في التطبيق ومن العجيب أن العالم الاقتصادي الفرنسي البارز والحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1988 م كتب مقالا مطولا بعنوان "الشروط النقدية لاقتصاد الأسواق – من دروس الأمس إلى إصلاحات الغد " ، سطر فيه انتقادات حادة إلى أسلوب عمل الأسواق المالية والنظام الرأسمالي وتنبأ فيه بحدوث أزمات حادة ، والمهم في هذا المقال القيم أن قدم مجموعة من الإصلاحات كلها تتفق مع ما جاء به الإسلام ، ولذا فقد استضافه المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي بجدة ليلقي محاضرة ضمنها هذه الآراء ، وقام المعهد بترجمة ونشر المحاضرة تحت سلسلة محاضرات العلماء البارزين رقم 1 في عام 1993
وفي الختام
فإن من أسباب حدوث الأزمة وممارسات محرمة شرعا وأن ما يطالب به لإصلاح النظام الرأسمالي يعد من مرتكزات الاقتصاد الإسلامي ، وإذا كانت البشرية قد جربت بقيادة الغرب نظامي الشيوعية والرأسمالية وسرنا نحن في العالم الإسلامي ورائهم في ذلك ولم نجن سوى الثمار الحامضة في صورة تخلف اقتصادي وتبعية سياسية واجتماعية ز
فهل آن الأوان للرجوع إلى ديننا والتمسك بأحكامه في جميع المجالات وخاصة في الاقتصاد الإسلامي ؟ إننا بذلك لن ننقذ أنفسنا من الأزمات المتلاحقو والتي بلغ عددها حسب تقرير أفاق الاقتصاد للعالم الأخير الصادر عن صندوق النقد الدولي 113 أزمة في 17 بلدا من خلال الثلاثين سنة الماضية ، فالأزمات لن تنتهي والمشكلات ستتفاقم ويكفي أنه في ظل هذه النظم الغربية يعيش العالم الآن ما بين كثرة فقيرة تعاني الحرمان والبؤس وقلة قليلة تستولي على الموارد في وفرة واضحة وتعيش في بحبوحة من العيش ولكنها خالية من البهجة ،أي أن البشرية كلها تعاني وتعيش حياة ضنكة وصدق الله تعالى إذ يقول ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ) .
كما أننا بتمسكنا بديننا نكون مساهمين في الحضارة الإنسانية لنقدم للعالم النموذج الاقتصادي السليم وهذه الدعوة ليست شماتة في الرأسمالية أو تعصبا لديننا ولكنها كلمة حق يقول بها بعض الغربيين الآن : ففي مقال رولاند لاكسين (Roland Laksine) رئيس تحرير صحيفة " لو جورنال دى فايننس " في الافتتاحية يوم 25/9/2008 م جاء عنوان المقال : ( هل حان الوقت لاعتماد مبادئ الشريعة الإسلامية في وول ستريت ) يقول فيه : " إذا كان قادتنا حقا يسعون إلى الحد من المضاربة المالية التي تسببت في الأزمة فلا شيء أكثر بساطة من تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية .
أما بوفيلس فينست ( Beaufils Vincent) رئيس تحرير مجلة تشالنجر (Challenger) كبرى الصحف الاقتصادية في أوروبا ، فقد كتب مقالا افتتاحيا للجريدة في 11 سبتمبر 2008 بعنوان " البابا أوالقرآن " ومما جاء فيه : " أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا ، لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من أحكام وتعاليم وطبقوها ما حل بنا ما حل من كوارث وأزمات ، وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري لأن النقود لا تلد نقودا ً " .
( قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة من 11-16 ربيع الآخر 1404 ) .
لذلك فقد لخصت وبسطت أعمال أسواق البورصات .. ثم تعرضت لرأي وقرار مجمع الفقه الإسلامي وهو مجمع لا يمكن تجاوزه .. وأخيرا ألحقت ملفا يضم عشرات الفتاوى لعلماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي لأن كلا منها يتناول جزئية بعينها ويلاحظ إجماعهم تجاه هذه القضايا ، أسأل المولى أن يجعل في هذا ردودا لكثيرين وأن يجمع كلمتهم لإنشاء السوق المالية الإسلامية فشريعتنا الغراء قادرة على استيعاب كل جديد وما استفسار الأخوة عن الحلال والحرام إلا للبحث عن الحلال واجتناب الحرام بغية مرضاة الله تعالى ، هذا والله أعلم .
إن أعمال أسواق البورصات تتلخص بما يلي :
- صكوك سندات القرض ، وهي السندات ذات الفائدة المحددة سواء أكانت طويلة أو متوسطة قصيرة ، وهي محرمة لما فيها من الربا .
- صكوك الأسهم أوصكوك حقوق الملكية : وهي الأسهم التي تستحق حصة من النتيجة المحاسبية للشركة ويحرم منها ما كان أصل تعاملها محرم كالتي تعامل بالخنزير والقمار وما إلى ذلك أو غلب على تعاملها المال الربوي كالتي تتمول بقروض ربوية .
كما تتداول سوق البورصة السلع وتكون صور البيع فيها على صورتين :
- عمليات نقدية : حيث تتم عمليات البيع والشراء بامتلاك البضائع ويتم دفع ثمنها مباشرة ، وهذه لا إشكال فيها إذا سلمت من صور الربا والمواد المحرمة .
- عمليات مؤجلة : حيث يتم البيع والشراء بسعر متفق عليه مع تأجيل عمليتي التسليم والاستلام إلى تاريخ لاحق ( شهر أو ثلاثة أشهر ) . وهذه محرمة إلا إذا تمت حسب شروط بيوع السلم ، كأن يكون القبض في مجلس العقد ولا يجوز للمشتري بعد ذلك بيعه قبل قبضه .
أما مجمع الفقه الإسلامي فقد قسم أعمال البورصة في دورته السابعة 7-12 ذي القعدة 1412 التداول في البورصات إلى الأنواع التالية :
1- السلع : يتم التعامل بالسلع في الأسواق المنظمة بإحدى أربع طرق ، وهي التالية:
الطريقة الأولى : أن يتضمن العقد حق تسليم المبيع وتسليم الثمن في الحال مع وجود السلع بإيصالات ممثلة لها في ملك البائع وقبضه وهذا العقد جائز شرعا بشروط البيع المعروفة .
الطريقة الثانية : أن يتضمن العقد حق تسليم المبيع وتسليم الثمن في الحال مع إمكانهما بضمان هيئة السوق وهذا العقد جائز شرعا بشروط البيع المعروفة .
الطريقة الثالثة : أن يكون العقد على تسليم سلعة موصوفة في الذمة في موعد آجل ودفع الثمن عند التسليم وأن يتضمن شرطا يقتضي أن ينتهي فعلا بالتسليم والتسلم ، وهذا العقد غير جائز لتأجيل البدلين . ويمكن أن يعدل ليستوفي شروط السلم المعروفة . فإذا استوفى شروط السلم جاز وكذلك لا يجوز بيع السلعة المشتراة سلما قبل قبضها .
الطريقة الرابعة : أن يكون العقد على تسليم سلعة موصوفة في الذمة في موعد آجل ودفع الثمن عند التسليم دون أن يتضمن العقدشرط أن ينتهي بالتسليم والتسلم الفعليين بل يمكن بصفيته بعقد معاكس ، وهذا النوع الأكثر شيوعا في أسواق السلع وهذا العقد غير جائز أصلا .
2- التعامل بالعملات : يتم التعامل بالعملات في الأسواق المنظمة بإحدى الطرق الأربعة المذكورة في التعامل بالسلع ولا يجوز شراء العملات وبيعها بالطريقتين الثالثة والرابعة . أما الطريقتان الأولى والثانية فيجوز فيها شراء العملات وبيعها بشرط استيفاء شروط الصرف المفروفة ( شرطي التقابض والمجلس ) .
3- التعامل بالمؤشر : المؤشر هو رقم حسابي يحسب بطريقة إحصائية خاصة يقصد منه معرفة حجم التغيير في سوق معينة وتجري عليه مبايعات في بعض الأسواق العالمية ، ولا يجوز بيع وشراء المؤشر لأنه مقامرة بحتة ، وهو بيع خيالي لا يمكن وجوده .
4- البديل الشرعي للمعاملات في السلع والعملات : ينبغي تنظيم سوق إسلامية للسلع والعملات على أساس المعاملات الشرعية وبخاصة بيع السلم والصرف والوعد بالبيع في وقت آجل والاستصناع وغيرها .
كيف الخروج من الأزمة ؟ قواعد وضوابط الاقتصاد الإسلامي هو المنقذ .
لقد تبين من تحليل أسباب الأزمة المالية المعاصرة أنها تتركز حول النظم الوضعية الآتية :
نظام الفائدة (الربا) على الودائع ونظام الفائدة على القروض .
نظام التجارة بالديون أخذا وعطاءً . نظام جدولة الديون مع رفع سعر الفائدة مقابل زيادة الأجل .
نظام بيع الديون .
نظام المشتقات الذي يقوم على المعاملات الاحتمالية والحظ .
كما تبين من مفاهيم وقواعد وضوابط النظام المالي والاقتصادي الإسلامي ومؤسساته المالية أنه يحرم كل هذه النظم التي كانت سببا في وجود الأزمة وتتعارض مع فطرة الإنسان ومقاصده الشرعية .
فلقد حرمت الشريعة الإسلامية نظام الفائدة الربوية على القروض والائتمان وأحلت نظم التمويل والاستثمار القائمة على المشاركة وتفاعل رأس المال والعمل في إطار الغنم بالغرم .
كما حرمت الشريعة الإسلامية كافة صور الغرر والجهالة والتدليس والمقامرة والغش والكذب والإشاعات والاستغلال وأكل أموال الناس بالباطل وأكدت على الالتزام بالصدق والأمانة والتبيان والشفافية .
*** قادة الغرب يطالبون بنظام أقتصادي جديد :
وعلى رأس أولئك الغربيين منظر الرأسمالية فرانسيس فوكوياما الذي كتب " نهاية التاريخ " بعد سقوط النظام الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفيتي ، واعتبر أن الرأسمالية هي نهاية التاريخ ، ولكنه سرعان ما بدأ يتراجع عن فكرته تلك بعد الاحتلال الأمريكي للعراق ، وتوقع سقوط ذلك النظام قد عاد وأكد على ذلك بعد الحرب الروسية الجورجية ، فكتب : ( إن الولايات المتحدة الأمريكية لن تنعم بوضعها الذي ظلت تتمتع به حتى الآن كقوة مهيمنة على العالم ، وهو ما أكده الغزو الروسي لجمهورية جورجيا في 7 أغسطس من هذا العام ، وأضاف أن قدرة أميركا على صياغة الاقتصاد الدولي عبر الاتفاقيات التجارية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ستضعف وستضاءل معها موارد البلاد المالية ، كما أن المفاهيم والنصائح وحتى المعونات التي تقدمها للعالم لن تحظى بذلك الترحيب الذي تتلقاه الآن ) . أما بعد الانهيار المالي العظيم فإنه اعترف : " أن بعض الأفكار الرأسمالية قد سقطت جراء الأزمة الحالية " .
كما أن الفيلسون البريطاني جون غراي قال : ( أن ما يجري في الأسواق يخطف الأبصار ويشد انتباهنا جميعا غير أن هذا الغليان أكثر من مجرد أزمة مالية كبيرة ، ما نراه اليوم هو تحول تاريخي لا رجعة عنه في موازين القوى العالمية ، فإن عصر القيادة الأميركية للعالم قد ولى إلى غير رجعة لقد سقط جراء هذه العاصفة نموذج كامل للحكم وإدارة الاقتصاد في تغير يشبه في آثاره إلى حد بعيد آثار انهيار الاتحاد السوفيتي ، فما يجري في واشنطن يعني نهاية شكل واحد من أشكال الرأسمالية هو الشكل الغريب والمتقلب الذي وجد في أميريكا خلال السنوات العشرين الماضية ، هذه التجربة المالية والمصرفية القائمة على سياسة عدم التدخل هي بالذات ما سقط وتلاشى ) .
ولم يكن بعض المفكرين والاقتصاديين الغربيين الذين طالبوا بوضع نظام اقتصادي عالمي جديد فقط ، ولكن القادة السياسيين الغربيين بالإجماع طالبوا بوضع نظام مالي جديد للعالم ، من ساركوزي إلى براون إلى ميركل إلى بوتين .... إلخ . ما يؤكد أن أسباب الانهيار لها علاقة بطبيعة النظام الاقتصادي الرأسمالي .
أضف إلى ذلك أن بعض مفكري الغرب الأكثر جراءة وموضوعية قد دعواإلى البحث عن الحل في الإسلام ، الذي رأوا فيه أنه النظامالاقتصادي الذي يمكن أن ينقذ البشرية ، كتب رئيس تحرير مجلة "تشالينجز" مقالا بعنوان ( البابا أم القرآن ) تساءل فيه عن " أخلاقية الرأسمالية " ، وقال " أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن بدلا من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا لأنه لو حاول القائمون علىمصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ما حل بنا من كوارث وأزمات وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري ، لأن النقود لا تلد النقود " . ونقل عن رولان لاسكين رئيس تحرير صحيفة " لوجورنال دفيناس " مطالبته بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حد لهذه الأزمة التي تهز أسواق العلم من جراء التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات الوهمية غير المشروعة ، ونقل أيضا عن لاسكين إدراجه لتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية من ضمن مقترحات وضعها للحل في مقال له بعنوان " هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية ؟" .
كما نسبت واشنطن بوست لروبرت كيمبت نائب وزير الخزانة الأميركية قوله – خلال زيارة لجة بالمملكةالعربية السعودية – إن الخبراء في وكالته عاكفون على دراسة ملامح الخدمات المصرفية الإسلامية .
يقول الدكتور سامي السويلم في تشخيص أسباب الأزمة المالية التي نعيشها اليوم : نشأت هذه الأزمة بسبب استفحال المديونية من خلال دوات الربا المختلفة ، وبسبب استفحال المجازفة من خلال أدوات الميسر المعقدة ، هذا الاستفحال جعل السوق تتحول إلى فقاعة كان لا بد أن تنفجر في النهاية ، فالكارثة جاءت لتصحيح الاختلالات الكبيرة التي تراكمت في مرحلة الصعود ، ولذلك فمحاولة منع هذا التصحيح لا تنتهي إلى الإخفاق فحسب بل إنها تضر الاقتصاد أكثر مما تنفعه وإن المخرج من هذه الأزمة ليس بضخ مزيد من المنشطات والمنبهات في جسد السوق المنهار من إفراطه في الجري وراء الأرباح ، ولكن بالتوجه نحو القطاع المكمل له ، وهو القطاع غير الربحي ... وإذا كانت المشكلة نشأت في القطاع الربحي تصحيحا للاختلالات التي تراكمت فيه عبر السنوات فالعلاج يجب أن يكون على مستوى آخر من مستويات السوق ، وهو القطاع غير الربحي ، وذلك من خلال صور المواساة المختلفة التي تجسد أنبل ما في الطبيعة البشرية ، فالتكافل والمواساة هما أفضل السبل لمواجهة الأزمات .
ويقول الدكتور السويلم في موضع آخر :
إن هذا النظام بهذا الشكل يمثل عبئا كبيرا على المجتمعات الإنسانية ، وتتزايد تكلفة بقائه باطراد ، فإذا أردنا بناء نظام اقتصادي مستقر قابل للاستمرار ، والنمو فيجب معالجة العلاقة بين المديونية والثروة معالجة جذرية لضمان تجنب هذه الكوارث مستقبلأ .
1/2/2011
ابحث
أضف تعليقاً