د. نوح مصطفى الفقير
مقدمة:أرض الأردن مباركة
الحمد لله؛ الذي خلق فسوّى؛ وقدّر فهدى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه وأتباعه، منارات الهدى....وبعد؛
فلقد فاضلَ الله تعالى بين الأماكن والبلدان؛ وحظي الأردن بأنه بلد مبارك؛ لأنه من أكنافِ بيت المقدس؛ وفي بيت المقدس وفيما حوله قال الله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ، وفي قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام قال الله تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إلى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} ، والأرض هنا أبواب بيت المقدس وما حولها.
واسم الأردن بذاته شريف؛ فأهل اللغة يقولون: سمّي الأردن بذلك لطيب هوائه، وشدة وغلبة أهله؛ فقد ذكر الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات الأردن؛ وقال: (قال أهل العلم: إنما سُمي بذلك في قولهم للنعاس الثقيل: أردن؛ فسُمي بذلك؛ لثقل هوائه)، وها هو ياقوت الحموي يذكر الأردن ؛ ويذكر بعضاً من المعاني اللغوية لهذا الاسم الأنيق، ويناقش تلك المعاني ويحلّلها، ويرجّح فيقول: (والظاهر أن الأردن الشدة والغلبة؛ ومنه سمي الأردن بهذا الاسم) والذي يعيش في الأعالي لا شك يطيبُ هواؤه، وينمو فكرُه، ويغدو أرحبَ وأشملَ.
إن أرض الأردن طهور مباركة، وإن سماءه نقيةٌ، وتاريخه ناصعٌ، وجذوره ضاربة في عمق التاريخ لأمتنا الماجدةِ، فلنا فيه من شواهدِ التاريخِ الإسلامي الكثيرُ من الذكريات.
وفي الأردن سكن بعض أتباع الأنبياء؛ ودخلها الإسلامُ بدخول ثلة من الصحابةِ الأطهار الكرام؛ وانبعثت اشراقاتُهم في الأرجاء؛ وعلى الثرى الطهور جرت سرايا وغزوات ومعارك؛ والأردنيون يتنسمون عطرَ الصحابة شهداء طاعون عمواس، وغيرهم من الأفذاذ الأطهار الأبطال.
ولقد ولد بعض الصحابة الكرام في الأردن، وعاصروا العهد الزاهر؛ عصر النبوةِ الأغر؛ فاشرقت بوجودهم سماؤه؛ وتزينت بهم أرضه، ومن التابعين المنسوبين للأردن قادة وخلفاء وعلماء، ولقد تأسست في الأردن مدارسٌ للقرآن وللحديث؛ منها مدرسةُ الأيليين ورحاب وعجلون والكرك والشوبك والبلقاء واربد، ولقد تميّز بعض العلماء الأردنيين بالقيادة السياسية والعسكرية؛ كالذين ولدوا أو عاشوا في الحميمة، هذا ويعتز الأردن ويفتخر بوجود فضليات ذوات رأي في تاريخه؛ وهذا بلا شك يدفع المرأة اليوم أن تسير على نهج سلفها من تاريخها
إن الأردن كشجرة؛ لا شرقية ولا غربية؛ باسقة في الطول؛ سيقانها صنوان وغير صنوان، تسقى بماء واحد، طيبة العطر، وارفة الظل، عمادُها النبوة، وشرفُها الأصالة، وأوراقها شمائلُ مَن تحت القبة الخضراء ثوى، ثمرها، وظلّها يعجب الزراع، ويغيظ الكافرين، ويسر الناظرين، فتبارك الله أحسن الخالقين.
المبحث الأول: آثار النبيين وأتباعهم
للأنبياء آثار ومواطن عز لهم ومقامات في الأردن، ولبعضهم أضرحة شاهدة على أنها حوت أجسادهم الطاهرة، ومثل ذلك لأتباع الأنبياء.
أولاً: رسول الله لوط عليه السلام في البحر الميت ومآب والربة: رسول الله لوط بن هاران، ابن أخ رسول الله إبراهيم الخليل عليه السلام، عاصره، وعاش في كنفه، وآمن به؛ قال الله تعالى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ، وهاجر لوط مع عمه عليهما السلام إلى الشام؛ قال الله تعالى في إبراهيم عليه السلام: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إلى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} ، ثم نزح عن محلة عمه الخليل عليه السلام بأمره وإذنه، فنزل بمدينة سدوم ، وهي منطقة حول البحر الميت في الأردن اليوم وتسمّى بحيرة لوط، وليس لرسول الله لوط عليه السلام مقام معروف في الأردن، ولكن البحر الميت يسمى باسمه؛ فيقال: (بحيرة لوط)، وما جاورها من الأرض هي أرض سدوم، وهي التي كان يسكنها قومه عليه السلام، ولقد سميت بعض الأماكن بأسماء أبنائه وبناته؛ ومن ذلك:
1. زغر قرية مباركة في غور الكرك نجّاه الله فيها: زُغَرُ تقع في غور الأردن الجنوبي (غور الصافي)، غرب مدينة الكرك، وبالقرب من مصب وادي الحسا، قال ياقوت : (قرية بمشارف الشام.. وقيل: زُغَرُ اسم بنت لوط عليه السلام؛ نزلت بهذه القرية فسميت باسمها )، وقال النووي: (وهي بلدة معروفة في الجانب القبلي من الشام)، وقيل: عين بالبلقاء ، وأما القرى المقلوبة فهي المعروفة الآن بالبحر الميت، سميت بهذا الاسم لأن ما فيها شيء له روح لا حوت ولا دابة، كما في سائر المياه الراكدة والمتحركة، وماؤها حار، كثير الأملاح، كان فيها سفن صغار تحمل عليها الغلات وصنوف التمر من زغر والدارة إلى أريحا ، وقيل إن فيها الحجر الذي ضربه موسى فانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً ، وفي زغر عين صغيرة ضئيلة، ويُخبر من حولها من السكان أنها كانت فيما مضى دفاقة الماء قوية الجريان، ويسميها أهلها بلهجتهم: (العين الزغيرة)؛ أي الصغيرة، وقد جاءَ ذكر عين زُغَر في حديث الجساسة، وأنها تغور في آخر الزمان، وغورها من علامات الساعة ، وقد وردت القصة في صحيح مسلم ، عاش في زغر القارئ محمد بن الحسن أبو الطيب الزغري ، فلها في التاريخ ذكر طيب.
2. قرية الرّبة مرّ منها رسول الله لوط عليه السلام ودفن ابنته فيها وفيها آثار القلعة التاريخية: الربة بلدة في محافظة الكرك؛ قال ياقوت الحموي: (الربة قرية في طرف الغور بين أرض الأردن والبلقاءِ) ، كان اسمها "رّبة مؤاب" أي عاصمة مؤاب؛ حيث تعني ربة المدينة الرئيسة أو العاصمة. يقال: إنها سميت بهذا الاسم بسبب دفن ربة بنت رسول الله لوط عليه السلام؛ قال ابن أبي حاتم: (خَرَجَ لُوطٌ عليه السلام مِنْهَا بِبِنَاتِهِ وَهُنَّ ثَلاثٌ، فَلَمَّا بَلَغَ مَكَانًا مِنَ الشَّامِ مَاتَتِ الْكُبْرَى فَدَفَنَهَا، فَخَرَجَ عِنْدَهَا عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا: عَيْنُ الرَّبَةِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى إِذْ بَلَغَ مَكَانًا آخَرَ مَاتَتِ الصُّغْرَى فَدَفَنَهَا، فَخَرَجَ عِنْدَهَا عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا: الزّغْرِيَّةُ، وَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الْوُسْطَى) ، ومثل هذا قال ياقوت الحموي في معجم البلدان ، وهذا يدل دلالة واضحة على أن رسول الله لوط عليه السلام قد مرّ منها، ودفن ابنته فيها، وولقد عاش في الربة من العلماء أبو عبد الله بن عبد الله بن الحسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي، وهذا يدل دلالة واضحة على أن الربة كانت مركزاً علمياً، ومأرزاً يلجأ إليه الزاهدون والعبّاد، وأن مجتمع الربّة مجتمع متآزر متكافل.
3. مآب سميت باسم مؤاب بن لوط عليه السلام: مَآب، ويقال: مؤاب؛ بِلادٌ شَرْقِيَّ الْبَحْرَ الْمَيِّتَ، وَيُقَالُ: إنَّ مُؤَابًا اسْمٌ لابْنِ لُوطٍ عليه السلام، ومن نسله شَعْبُ مُؤَابٍ، الَّذِي أُعْطِيَ اسْمُهُ لِهَذِهِ الْبُقْعَةِ، ومِنْ هنا نَعْرِفُ أَنَّ مَآبَ هِيَ السَّرَاةُ – الشراه- الَّتِي تَمْتَدُّ بِمُحَاذَاةِ الْغَوْرِ الأُرْدُنِّيِّ مِنْ الشَّرْقِ، وَتَقَعُ عَلَيْهَا مُدُنُ كثيرة؛ منها الْبَتْرَاءُ، وَالْكَرْكُ، وَالسَّلْطُ، وَعَجْلُون، وَرُبَّمَا جُرَشٌ وَعَمَّانُ، قال المقدسي البشاري : (أما الشراة فجعلنا قصبتها زغر، ومدنها مآب، ومعان، وتبوك، وأذرح، وأيلة، ومدين)، ومن مدنها صَرَفَةُ؛ قال ياقوت : (صَرَفَةُ: قرية من نواحي مَآب قرب البلقاء يقال: بها قبر يوشع بن نون)، وقال ياقوت : (مَآبُ في اللغة المرجع، وهي مدينة في طرف الشام من نواحي البلقاء)، ويقال لها مُؤَابٌ؛ ففِي الْمُنْجِدِ مُؤَابٌ، بِلادٌ شَرْقِيَّ بَحْرِ لُوطٍ، وَبَحْرُ لُوطٍ، ويُسَمَّى الْيَوْمَ الْبَحْرَ الْمَيِّتَ، وقد ورد اسم مآب في مسير الصحابة الكرام إلى مؤتة، وقال ياقوت : (قال أحمد بن محمد بن جابر: توجه أبو عبيدة بن الجراح في خلافة أبي بكر في سنة ثلاث عشرة بعد فتح بُصرَى الشام إلى مآب من أرض البلقاء، وبها جمع العدو، فافتتحها على مثل صلح بُصرَى، وقيل: إن فتح مآب قبل فتح بُصرَى)، قال ابن جرير الطبري : (أول صلح كان بالشام صلح مآب، مرّ أبو عبيدة بها في طريقه، وهي قرية من البلقاء، فقاتلوه، ثم سألوه الصلح فصالحهم)، وذلك أنه لما خرج أبو عبيدة والمسلمون إلى الشام مروا بوادي القرى، ثم أخذوا على الحِجر أرض صالح النبي عليه السلام، ثم ذات المنار، ثم على زيزاء، ثم ساروا إلى مآب بمعان، فخرج إليهم الروم، فلم يلبثهم المسلمون من أن هزموهم حتى دخلوا مدينتهم، فحاصروهم فيها، وصالح أهل مآب عليها، فكانت أول مدائن الشام صلحاً.
ثانياً: ضريح رسول الله شعيب النبي العربي في واد يسمى باسمه في البلقاء: وهو من نسل مدين بن إبراهيم الخليل عليه السلام، أرسله الله تعالى إلى مدين، قال سبحانه وتعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} ، وكانوا قوماً عرباً يسكنون مدينتهم مدين؛ والتي هي قرية من أرض معان في الأردن، تقع قريباً من بحيرة لوط (البحر الميت) ينسب قومه إلى جدهم مدين، وهو ممن هاجر مع إبراهيم عليه السلام إلى ارض الشام ، والجمهور على أن أصحاب مدين هم أصحاب الأيكة، وأجابوا عن عدم ذكر الأُخوة في أصحاب الأيكة بأنهم لما كانوا يعبدون الأيكة- والأيك شجر ملتف- فقد نسبوا إلى غيضة كانوا يسكنونها ، وقد وقع في صدر الكلام بأنهم أصحاب الأيكة، فناسب أن لا تذكر الأخوة هنا؛ فلا ينسب نبي الله إلى غيضة، ولرسول الله شعيب عليه السلام مقام مشهور في البلقاء ؛ يقع على الطريق المؤدي إلى الأغوار الوسطى إلى الجنوب الغربي من مدينة السلط في منطقة وادي شعيب.
ثالثاً: ضريح النبي هارون عليه السلام في وادي موسى: وهو شقيق رسول الله موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، وفي وادي موسى على قمة جبل من جبال البتراء يوجد مقام ومسجد النبي هارون عليه السلام، قرب مدينة البتراء التاريخية، ويقع في أعلى نقطة في البتراء، ومن بلغ المكان انكشف أمام ناظريه مشهد غني بالمناظر الطبيعية المتنوعة، ويرجع تاريخ بناء المقام إلى بداية القرن الثامن الهجري، فقد كتب على أعلى باب المقام (تاريخ تجديده سنة 709 هجرية)، قال ابن فضل الله العمري : (قبر هارون في السيق ببلاد الشَّوبَك)، والمقام على قمة جبل ، ويتألف البناء من مسجد تعلوه قبة، وهو المقام الذي تتناقله الأجيال هناك أنه مقام رسول الله هارون عليه السلام، وقد كانت البتراء عاصمة الأنباط ، قال المقريزي: (لم يتخذ الأنباط دمشق قصبة لهم؛ لبعدها عن محور المملكة، فكانت عاصمتهم سلع، في وادي موسى) ؛ والمراد بسلع البتراء؛ وسمي وادي موسى بهذا الاسم نسبة إلى رسول الله موسى عليه السلام؛ قال ياقوت الحموي : (وادي مُوسى منسوب إلى موسى بن عمران عليه السلام؛ وهو واد في قبلي بيت المقدس؛ بينه وبين أرض الحجاز؛ وهو واد حسن كثير الزيتون، وإنما سمي وادي موسى لأنه عليه السلام لما خرج من التيه ومعه بنو إسرائيل كان معه الحجر الذي ذكره الله تعالى في القرآن، وكان إذا ارتحل حمله معه وخرج، فإذا نزل ألقاه على الأرض، فخرجت منه اثنتا عشرة عيناً؛ تتفرق على اثني عشر سبطاً، قد علم كل أناس مشربهم فلما وصل إلى هذا الوادي، وعلم بقرب أجله عمد إلى ذلك الحجر فسمّره في الجبل هناك، فخرجت منه اثنتا عشرة عيناً وتفرقت على اثنتي عشرة قرية؛ كل قرية لسبط من الأسباط ثم مات موسى عليه السلام، وبقي الحجر على أمره هناك، وحدثني القاضي جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف أدام الله علوَه أنه رآه هناك، وأنه في قدر رأس العَنز، وأنه ليس في هذا الجبل شيء يشبهه)، انتهى كلام ياقوت، والمراد بالعالم جمال الدين هو الشيباني القُفطي الذي عاش بين ( 568 هـ) و (646 هـ) وهي الفترة الموافقة 1172 م- 1248 م، وذكر ياقوت أن الشوبك كانت خراباً وعمرّها أحد ملوك الفرس، ولعله يريد بالخراب ما يعرف اليوم بالبتراء، ولقد نسب إلى وادي موسى الشيخ يوسف بن إبراهيم الصُهيبي، الذي رحل إلى مروَ وتفقه بها وسمع أبا منصور محمد بن علي بن محمد المروزي وكان متقشفاً، وكان شافعياً، وبلغني أنه قتل بمرو سنة 535 هـ .
رابعاًً: مقام رسول الله إلياس عليه السلام في مار إلياس (لستب اشتفينا): رسول الله إلياس ذكر في القرآن الكريم مرتين بهذا الاسم، في سورة الأنعام، وفي سورة الصافات ذكر باسم إلياسين، وهو من نسل رسول الله هارون عليه الصلاة والسلام؛ ومار إلياس قرية جبلية جميلة، ذات خضرة دائمة، بسبب كثرة شجر البلوط، وهو شجر معروف بعدم تأثير الخريف على تساقط أوراقه، وهي بلدة أثرية قديمة، وكثيرة الأرضيات الفسيفسائية والنقوش الكتابية والآبار القديمة التي تعود إلى الفترة البيزنطية (القرن السابع الميلادي)، سميت مار إلياس بهذا الاسم نسبة إلى رسول الله إلياس عليه السلام؛ قال ابن عاشور : (أما إلياس فهو المعروف في كتب الإسرائيليين باسم إيليا، ويسمى في بلاد العرب باسم إلياس أو مار إلياس)، ولعلها سميت باسمه عليه السلام لأنه لجأ إليها لمّا هاجر من بلده بعلبك؛ ومما يعزز هذه التسمية العثور على نص كتابي باللغة اليونانية فوق أرضية الفسيفساء، حيث يذكر النص الكتابي النبي إلياس عليه السلام بالاسم، وتعتبر مار إلياس واحدة من خمسة مواقع مقدسة عند المسيحيين في العالم، ووجد فيها قطع عملة إسلامية، وعاش فيها علماء مسلمون؛ يذكرون في سجل العلماء الأردنيين، كانت لستب غنية بالسكان، وكان فيها مدرسة دينية، وبرز منها بعض العلماء المسلمين؛ ومن المشهورين منها العجلوني ابن خطيب عذراء رحمه الله؛ وهو إبراهيم بن محمد، البرهان، أبو اسحق العجلوني، كان أبوه عالماً، مشهوراً بالخطابة في مسجد بلدة عذراء في دمشق، ويقال له: خطيب عذراء، وينسب ابنه البرهان إليه؛ فيقال: ابن خطيب عذراء، وله فضل في الفقه، ترجم له السخاوي فقال: (أبو اسحق العجلوني، الشافعي، ويعرف بابن خطيب عذراء، ولد سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة (752هـ)، بعجلون، وقال ابن قاضي شهبة: (في سنة ست وخمسين وسبعمائة (756هـ)، بقرية من تلال عجلون؛ يقال لها: الإستب، بقرب باعون، وعذراء قرية بالمرج من دمشق، قدم وهو صغير مع والده خطيب عذراء إلى دمشق)، وحسبه منقبة له ثناء الإمام البُلقيني عليه، وامتداحه له ، ووصفه الإمام الحافظ شمس الدين السخاوي بأنه سليم الباطن فقيه، وكان البُلقيني يفرط في تقريظ البرهان، ويثنى عليه ثناء حسناً، ويصفه بالفضل، والاستحضار، مات يوم الأربعاء سابع عشر المحرم سنة خمس وعشرين وثمانمائة).
خامساً: وادي موسى عليه السلام: سمي وادي موسى بهذا الاسم نسبة إلى رسول الله موسى عليه السلام؛ قال ياقوت الحموي : (وادي مُوسى منسوب إلى موسى بن عمران عليه السلام؛ وهو واد في قبلي بيت المقدس؛ بينه وبين أرض الحجاز؛ وهو واد حسن كثير الزيتون، وإنما سمي وادي موسى لأنه عليه السلام لما خرج من التيه ومعه بنو إسرائيل كان معه الحجر الذي ذكره الله تعالى في القرآن، وكان إذا ارتحل حمله معه وخرج، فإذا نزل ألقاه على الأرض، فخرجت منه اثنتا عشرة عيناً؛ تتفرق على اثني عشر سبطاً، قد علم كل أناس مشربهم فلما وصل إلى هذا الوادي، وعلم بقرب أجله عمد إلى ذلك الحجر فسمّره في الجبل هناك، فخرجت منه اثنتا عشرة عيناً وتفرقت على اثنتي عشرة قرية؛ كل قرية لسبط من الأسباط ثم مات موسى عليه السلام، وبقي الحجر على أمره هناك، وحدثني القاضي جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف أدام الله علوَه أنه رآه هناك، وأنه في قدر رأس العَنز، وأنه ليس في هذا الجبل شيء يشبهه)، انتهى كلام ياقوت، والمراد بالعالم جمال الدين هو الشيباني القُفطي الذي عاش بين ( 568 هـ) و (646 هـ) وهي الفترة الموافقة 1172 م- 1248 م، وذكر ياقوت أن الشوبك كانت خراباً وعمرّها أحد ملوك الفرس، ولعله يريد بالخراب ما يعرف اليوم بالبتراء، وفي التاريخ يطلقون اسم الشوبك على وادي موسى؛ قال ياقوت في الشوبك: (قلعة حصينة في أطراف الشام بين عُمَان وأيلة والقلزم قرب الكرك، وذكر يحيى بن علي التنوخي في تاريخه أن يقدور الذي ملك الفرس سار في سنة 509 إلى بلاد ربيعة من طيئ وهي ياق والشراة والبلقاءُ والجبال ووادي موسى ونزل على حصن قديم خراب يعرف بالشوبك بقرب وادي موسى، فعمره ورتب فيه رجاله، وبطل السفر من مصر إلىِ الشام بطريق البرية مع العرب بعمارة هذا الحصن).
سادساً: هارون عليه السلام: رسول الله هارون بن عمران عليه الصلاة والسلام هو شقيق رسول الله موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، قال ابن فضل الله العمري : (قبر هارون في السيق ببلاد الشَّوبَك)، والمقام على قمة جبل ، ويتألف البناء من مسجد تعلوه قبة، وهو المقام الذي تتناقله الأجيال هناك أنه مقام رسول الله هارون عليه السلام.
سابعاً: ضريح يوشع بن نون عليه السلام في البلقاء: يوشع بن نون عليه السلام؛ وهو فتى رسول الله موسى عليه السلام، واختلف في نبوته، والظاهر أنه نبي، وقد وردت قصتهما في القرآن الكريم، وهو الذي ورد ذكره في حديث رسول اللهِ : (غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لاَ يَتْبَعْنِي رَجُلٌ قَدْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا، وَلَمَّا يَبْنِ، وَلاَ آخَرُ قَدْ بَنَىَ بُنْيَاناً، وَلَمَّا يَرْفَعْ سُقُفَهَا، وَلاَ آخَرُ قَدِ اشْتَرَىَ غَنَماً أَوْ خَلِفَاتٍ، وَهُوَ مُنْتَظِرٌ وِلاَدَهَا، فَغَزَا، فَأَدْنَىَ لِلْقَرْيَةِ حِينَ صَلاَةِ الْعَصْرِ، أَوْ قَرِيباً مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: أَنْتِ مَأْمُورَةٌ، وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيَّ شَيْئاً، فَحُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّىَ فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ) ، قال النووي: قوله : (فَقَالَ لِلشَّمْسِ: أَنْتِ مَأْمُورَةٌ، وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيَّ شَيْئاً، فَحُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّىَ فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ)، وقد اختلف في حبس الشَّمس المذكور هنا: فقيل: ردَّت على أدراجها، وقيل: وقفت ولم تردّ، وقيل: أبطئ بحركتها، وكلُّ ذلك من معجزات النُّبوَّة، قال: ويقال: إنَّ الَّذي حبست عليه الشَّمس: يوشع بن نون.
يقع المسجد على روابي مدينة السلط محافظة البلقاء؛ قال ياقوت : (صَرَفَةُ: قرية من نواحي مَآب قرب البلقاء يقال: بها قبر يوشع بن نون).
ثامناً: مسجد ومقامات أهل الكهف والرقيم: أصحاب الكهف فتية آمنوا بربهم؛ وفرّوا من القوم الذين اتخذوا من دون الله آلهة؛واختلف العلماء في مكان الكهف؛ قال ابن حجر : (اختلف في مكان الكهف فالذي تضافرت به الأخبار أنه في بلاد الروم، وروى الطبري بإسناد ضعيف عن ابن عباس أنه بالقرب من أيلة، وقيل: بالقرب من طرسوس، وقيل: بين أيلة وفلسطين، وقيل: بقرب زيزاء، وقيل: بغرناطة من الأندلس).
ويرجح أن الكهف المشهور في الأردن بجوار عمان الأقوال الآتية:
1. قال ياقوت الحموي :( قيل إن عمان هي مدينة دقيانوس- الذي فتن أصحاب الكهف - وبالقرب منها الكهف، والرقيم معروف عند أهل تلك البلاد، والله أعلم).
2. قال ابن شداد : (البلقاء بلد به الكهف والرقيم، وعنده مدينة يقال لها عَمَّان بها آثار قديمة).
3. قال المقريزي: (عُمّرت مدينة عمان من البلقاء للأمير صَرْغَتمش، ونقل إليها الولاية والقضاء من حسبان، وجعلت أم تلك البلاد، وهي بلد قديم من بناء عمان ابن أخي لوط، بناها بعد هلاك قوم لوط، وقيل هي مدينة دقيانوس الملك الذي أخرج منها أصحاب الكهف، والرقيم هناك موضع معروف، وبها ملعب سليمان بن داود عليهما السلام) .
4. قال القزويني: ( بلقاء: كورة بين الشام ووادي القرى، بها قرية الجبارين ومدينة الشراة، وبها الكهف والرقيم فيما زعم بعضهم) .
وفي هذه الأقوال ما يؤكد وجوده في الأردن، ويقال: إنه ليس بجوار عمان، ولكنه في البتراء؛ عن ابن عباس: ({أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ} قال: الرقيم: واد بين عُسْفان وأيَلة دون فلسطين، وهو قريب من أيَلة.
يقع الكهف ضمن مقبرة قديمة؛ بالقرب من العاصمة عمان في أراضي (أبو علندا)، وقد حفرت قبورهم في سفح الجبل، يفتح المدخل على قاعة مركزية تتفرع عنها ثلاثة محاريب؛ مسقوفة بعقود برميلية، وتوجد سبعة مدافن حجرية في الكوتين الشرقية والغربية، مزينة بزخارف هندسية ونباتية، وتغطي جدران الكهف الداخلية كتابات يونانية وعربية بالإضافة إلى بعض الرسومات، كما يوجد في الموقع مسجدان قديمان؛ يقع الأول فوق الكهف مباشرة، ويمكن رؤية محرابه فوق مدخل الكهف، أما الثاني فيقع في الساحة أمام الكهف، وقد يعود تاريخ بناء المسجدين إلى الفترة الأموية؛ إذ وجد العديد من الكتابات في المسجدين وداخل الكهف, تشير إلى محاولات كثيرة لإعادة بناء وتجديد الأبنية على امتداد الفترات الإسلامية، توجد بالإضافة إلى المسجد في ساحة الكهف الأمامية شجرة زيتون قديمة عند مدخل الكهف، ومعالم معصرة زيتون عند زاوية المسجد الجنوبية الغربية.
سابعاً: من آثار خاتم النبيين محمد e: كان الرسول محمد e قبل البعثة يمر في طريق تجارته من الأردن؛ ومن أشهر أثاره e:
1. شجرة جلس تحتها e، وقد اختلفت أقوال المؤرخين في موقع الشجرة؛ وفي تاريخ دمشق ذكر ابن عساكر أن الراهب بحيرى (كان يسكن البلقاء بقريةٍ يقال لها: ميفعة وراء زيزاء، وأنه توفي قبل بعثة النبي e) ؛ هكذا قال ابن عساكر، وتعرف اليوم بأم الرصاص، وفيها آثار كثيرة، ومنها صومعة الراهب.
2. ثلاث قرىً فتحها النبي e بنفسه؛ هي:
أ. أيلة (العقبة): فقد قدم ملك أيلة على النبي وهو في تبوك، فصالحه، واشترط النبي على أهل أيلة قِرى مَن مرّ بهم من المسلمين، وكتب لهم كتاباً أن يحفظوا ويمنعوا؛ وقد ذكر ابن كثير مصالحته ملك أيلة وأهل جرباء وأذرح قبل رجوعه من تبوك؛ في سنة تسع؛ وذكر أنه لما انتهى رسول الله إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة ؛ فصالح رسول الله وأعطاه الجزية، (وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ بُرْدًا، وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِم) ، ونصه: (بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ هَذِهِ أَمَنَةٌ مِنْ اللّهِ وَمُحَمّدٍ النّبِيّ رَسُولِ اللّهِ لِيحَنّةَ بْنِ رُؤْبَةَ وَأَهْلِ أَيْلَةَ، سُفُنُهُمْ وَسَيّارَتُهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ لَهُمْ ذِمّةُ اللّهِ وَذِمّةُ مُحَمّدٍ النّبِيّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الشّامِ، وَأَهْلِ الْيَمَنِ، وَأَهْلِ الْبَحْرِ فَمَنْ أَحْدَثَ مِنْهُمْ حَدَثًا، فَإِنّهُ لا يَحُولُ مَالُهُ دُونَ نَفْسِهِ وَإِنّهُ طَيّبٌ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنْ النّاسِ وَإِنّهُ لا يَحِلّ أَنْ يُمْنَعُوا مَاءً يَرِدُونَهُ وَلا طَرِيقًا يُرِيدُونَهُ مِنْ بَرّ أَوْ بَحْرٍ) زاد ابن إسحاق بعد هذا (وهذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة بإذن رسول الله)، قال ابن إسحق: (أعطى النبي أهل أيلة بردة مع كتابه أماناً لهم)، وفي كشف الظنون : ( أن النبي أول من أملى كتب العهود والمواثيق منها عهده لنصارى أيلة بخط علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه)، وقال ابن سعد : (كساه رسول الله برداً يمانية، وأمر بإنزاله عند بلال)، وأما البردة فاشتراها أبو العباس السفاح بثلاثمائة دينار، فكانت عند معاوية ، وفقدت عند زوال دولة بني أمية ، وهذا الكتاب يكشفُ عن قاعدة مهمّة في السياسة الإسلامية؛ وهي أن أيّ شعب أراد أن يسالِم المسلمين وفَّر الإسلام له كلَ أمن وسلام، ثم إن رسول الله eصالَحَ بقية الحكام الحدوديين؛ مثل سادة أقوام أذرح وجرباء، الّتي كانت تتمتع بأهمية إستراتيجية، وبذلك ضمنَ أمن المنطقة الإسلامية من ناحية الشمال.
ب. أذرح والجرباء، وفيهما قال ياقوت: (وهو اسم بلد في أطراف الشام من أعمال الشراة ثم من نواحي البلْقاء، وعمان مجاورة لأرض الحجاز) ، وأذرح هي المدينة الرئيسة في الشراة سابقاً؛ قال الإدريسي: (وشراة مدينتها تسمى أذرح) ، وذكرهما النبي e؛ ففي البخاري عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ e قَالَ: (أَمَامَكُمْ حَوْضٌ كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ) ، وفي مسلم: (إِنَّ أَمَامَكُمْ حَوْضاً، مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْهِ كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ) ، وقد تمّ فتح أذرُحُ والجَربَاء في حياة رسول الله e سنة تسع صلحاً، وذلك لمّا حلّ جيش المسلمين في أرض تبوك، وعلم جنود الروم بكثرة جنود الإسلام وبشهامتهم وتضحيتهم النادرة، الّتي شهدوا نموذجاً منها عن كثب في غزوة مؤتة، رأوا من الصالح أن ينسحبوا إلى داخل بلادهم، وأن لا يواجهوا المسلمين، وهناك خشي الحكام والولاة في المناطق المجاورة، فاتصلوا برسول e شخصياً؛ وهم زعماء أيلة – العقبة- وأذرح والجرباء، فكتب الرسول e كتب أمان لهم، وبذلك فتحت هذه البلاد سلماً، قال الواقدي: (نسخت بيدي كتاب أذرح وإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي e لأهل أذرح، أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجبٍ وافية طيبة، والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان للمسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين من المخافة والتعزير – النصرة - إذا خشوا على المسلمين وهم آمنون) ، وفي كتاب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم: (أذرح: مدينة متطرفة حجازية شامية، وعندهم بردة رسول الله e وعهده وهو مكتوب في أديم) ، ولأذرح والجرباء تاريخ ثرٌ فذّ بين الآثار الدينية الإسلامية في الأردن، لأن من يقف عليه يرى فيه الحاضر الماثل، وقد كان أمر الحكمين بين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما، وذلك سنة 37 هـ وقد نشبت معركة صِفَّين على شاطئ الفرات من الجانب الغربي ، بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وشَبَّتِ الحَرْبُ، وَقُتِلَ خَلْقٌ، وَضَجِرُوا، فَرَفَعَ الناس المَصَاحِفَ، وَقَالُوا: نَدْعُوْكُم إِلَى كِتَابِ اللهِ، وَالحُكْمِ بِمَا فِيْهِ، فَاصْطَلَحُوا، وَكَتَبُوا بَيْنَهُم كِتَاباً عَلَى أَنْ يُوَافُوا أَذْرُحَ، وانتهت المعركة بقبول مبدأ التفاوض والتحكيم، واختيرت منطقة أذرح مكانا للقاء الحكمين ، وسمي ذلك العام عام أذرح.
المبحث الثاني: سرايا غزوات ومعارك على أرض الأردن وشهداؤها
أولاً: سرية ذات أطلاح قرب الطفيلة: تقع ذات أطلاح قرب الطفيلة في الأردن، وصفها ياقوت الحموي بأنها وراء ذات القرى، وفي الإصابة : من أرض البلقاء، وفي خطط الشام : بين تبوك وأذرعات، نزلت فيها قبائل قضاعة، تطلب المتسع من المعاش، قال شاعرهم :
وقد نزلت منا قضاعة منزلاً بعيداً فأمست في بلاد الصنوبر
أرسل إليها رسول الله كعب بن عمير الغفاريt ، وهو من كبار الصحابة، كان رسول الله يبعثه مرة بعد مرة على السرايا، وفي السنة الثامنة بعد هجرة المصطفى بعثه رسول الله إلى ذات أطلاح، قال الطبري : (في شهر ربيع الأول من السنة الثامنة كانت سرية عمرو بن كعب الغفاري إلى ذات أطلاح) كذا قال ابن جرير، والصواب ما أثبتت كتب التراجم أنه كعب بن عمير، وقال ابن جرير: خرج في خمسة عشر رجلاً حتى انتهى إلى ذات أطلاح، فوجد جمعاً كثيراً فدعوهم إلى الإسلام فأبوا أن يجيبوا، فقتلوا أصحاب كعب جميعاً، وتحامل ، حتى بلغ المدينة، قال الواقدي: وذات أطلاح من ناحية الشام وكانوا من قضاعة، ورأسهم رجل يقال له: سدوس.
ونقل ابن سعد عن الزهري أن الغفاري t وأصحابه لما بلغوا ذات أطلاح من ارض الشام وجدوا جمعاً من جمعهم كثيراً، فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم، ورشقوهم بالنبل، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله قاتلوهم أشد القتال حتى قتلوا، وأفلت منهم رجل جريح في القتلى، فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله فأخبره الخبر، فشق ذلك عليه، وهمّ بالبعث إليهم - إلى قضاعة – فبلغه أنهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم .
وكدأبه لم يذكر التاريخ غير العدد اكتفاء بالأفعال بدل الاشتهار، والحظ الأوفر للأرض التي تباركت بأجسادهم وتعطرت بأفعالهم، وكريم خصالهم، فعليهم وعلى شهدائنا الأبرار الرحمة والرضوان.
ثانيا: من أوائل الشهداء:
1. الصحابي الجليل الحارث بن عمير الأزدي t ومقامه جنوب الطفيلة: وهو من أوائل شهداء الصحابة على أرض الأردن، وهو سفير من الرسل والسفراء؛ الذين وجههم رسول الله e إلى الملوك والأمراء، ففي السنة الثامنة بعد الهجرة الشريفة بعثه الرسول e بكتابه إلى ملك بُصرى الشام التابع لقيصر ملك الروم وأحد أمرائه ، وقيل: إلى هرقل عظيم الروم بالشام، فلما نزل الصحابي t اللهبي الأزدي أرض حاكم مؤتة جنوب الأردن عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني، وقال له: أين تريد؟ لعلك من رسل محمد؟ قال: نعم، فأوثقه رباطاً، ولم يثنه تعذيب الغساني عن مواصلة دعوته بجرأة وشجاعة وإقدام، فقُدم وضربت عنقه، ولم يُقتل لرسول الله e رسول غيره، ولم تجر العادة بقتل الرسل والسفراء عند الملوك والأمراء مهما اشتد الخلاف، ومهما كُرهت الرسالة التي يحملونها، وإن الدماء الزكية التي نزفت من الحارث الأزدي لم تذهب هدراً، فقد تطيب بها ثرى الأردن أولاً، وانتقم لها رسول الله e ثانياً؛ إذ لما وصل خبره إلى رسول الله e اشتد ذلك عليه، وندب الناس فأسرعوا وعسكروا بالجرف على بعد ثلاثة أميال من المدينة المنورة، وعقد لهم رسول الله e اللواء الأبيض، وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير ويدعو من هناك إلى الإسلام فإن أجابوا وإلا استعانوا عليهم بالله تبارك وتعالى وليقولوا: بسم الله، وقال لهم رسول الله e (أغزوا بسم الله فقاتلوا عدو الله وعدوكم بالشام) ، يقع مقام الحارث بن عمير الأزدي t في منطقة ذات أطلاح على بعد 20 كم جنوب مدينة الطفيلة.
2. ضريح شهيد عفرا الصحابي الجليل فروة بن عمرو t : جذام فبطن متسع له شعوب كثيرة، وديارهم من أطراف الشام إلى أطراف المدينة، كانت لهم رئاسة في معان وما حولها، ثم آلت لفروة بن عمرو، فأصبح عاملاً للروم على قومه، وعلى من كان حوالي معان من العرب، ولما ظهر الإسلام بمكة والمدينة، وحدثت وقعة تبوك هداه الله للإسلام؛ إذ سطع نور الإيمان في قلب فروة بن عمروt ، فرفض الدنيا وقد تشوّفت إليه، وتزينت لديه، ولبى النداء، وآثر آخرته على الدنيا رغم كثرة المغريات، فيا له من زاهد بمنصبه، وماله، وحاشيته! فكتب إلى رسول الله بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء، ولم يُنقل أنه اجتمع بالنبي ، لكنه أحبه حتى كان أقرب إلى قلبه ممن حوله من أهله وعشيرته، ولما بلغ الروم ذلك من إسلامه طـلبوه، فحبسوه عندهم، فقال في محبسه ذلك أبياتاً ؛ منها:
ولقد جمعتُ أجلَّ ما جمع الفتى من جودةٍ وشجاعة وبيان
وأصرّ فروة الجذامي t على دينه رغم محبسه المظلم بعد رفاهية ونعومة عيش عُمالِ الروم ورؤسائهم، ورغم التعذيب بعد التكريم، والرفض بعد القبول، مما أثار قيصر الروم، فأغرى به الحارث ابن أبي شمر الغساني وهو الحارث السادس أو السابع ، فاجمعوا على صلبه على ماء يقال له عفرا، وقُدّم ليضرب فقال:
بلّغ سُراةَ المسلمين بأنني سلمُّ لربي أعظُمي ومقامي
ثالثاً: شهداء مؤتة الأبرار: مُؤْتة بلدة عريقة، يذكرها المؤرخون على أنها من قرى البلقاء ، وقد ورد ذكرها في البخاري، فقال: (باب غزوة مؤتة من أرض الشام)، وقيل: من مشارف الشام وبها كانت تطبع السيوف، وإليها تنسب المشرفية من السيوف، قال كثير:
إذا الناس ساموكم من الأمر خطة لها خطمة فيها السمام المثًّملُ
أبى الله للشّم الأنوف كأنهم صوارم يجلوها بمؤتة صيقلُ
وصف الإدريسي الطريق إلى مؤتة فقال: (تمرّ منها إلى عمان فيما بين شعبي جبل؛ يقال له الموجب، وهو واد عظيم عميق القعر، ويمر فيما بين هذين الشعبين، وليسا بمتباعدين، وذلك يمكن أن يكون بمقدار ما يمكن أن يكلم إنسان إنساناً وهما واقفان على ضفتي النهر فيسمع بعضهما بعضاً، ينزل فيه السالك ستة أميال ويصعد ستة أميال أيضاً) ، ولقد دارت على أرضها معركة عظيمة، وذلك بعد عمرة القضاء في جمادى الأولى سنة ثمانٍ من هجرة النبي e، وسببها أن الرسول e بعث الحارث بن عمير الأزدي t أحد بني لِهْب – بكسر اللام وسكون الهاء - بكتابه إلى ملك بُصرى الشام؛ الذي يتبع لقيصر ملك الروم، وهو أحد أمرائه ، وقيل: إلى هرقل عظيم الروم بالشام، فلما نزل الصحابي الجليل t أرض حاكم مؤتة جنوب الأردن عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني، وقال له: أين تريد؟ لعلك من رسل محمد؟ قال: نعم، فأوثقه رباطاً، ولم يثنه تعذيب الغساني عن مواصلة دعوته بجرأة وشجاعة وإقدام، فقُدم وضربت عنقه، ولم يُقتل لرسول الله e رسول غيره، ولم تجر العادة بقتل الرسل والسفراء عند الملوك والأمراء مهما اشتد الخلاف، ومهما كُرهت الرسالة التي يحملونها؛ ولذلك لما اتصل خبره برسول الله e اشتد ذلك عليه، وندب الناس فأسرعوا وعسكروا بالجرف على بعد ثلاثة أميال من المدينة المنورة، وعقد لهم رسول الله e اللواء الأبيض، وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، ويدعو من هناك إلى الإسلام؛ فإن أجابوا وإلا استعانوا عليهم بالله تبارك وتعالى، وليقولوا: بسم الله، وقال لهم رسول الله e: (أغزوا بسم الله فقاتلوا عدو الله وعدوكم بالشام) ، وأمّر رسول الله e الأمراء، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أمّر رسول الله e في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله e: (إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ ابْنُ رَوَاحَةَ) ؛ وسار الجيش حتى بلغوا معان فأقاموا بها يومين، وبلغهم أن هرقل قد نزل بمآب من أرض البلقاء بمائة ألف من الروم ومائة ألف من نصارى العرب، ولما رأى المسلمون كثرتهم قالوا: نبعث إلى رسول الله e فنخبره بكثرة عدونا، فحثهم عبد الله بن رواحة t، فتقدم المسلمون، والتقى الجيشان، وجلس رسول الله e ينظر إلى معركتهم، ويخبر عنهم، وعن مقتل أمرائهم، حتى أخذ الراية خالد بن الوليد t، ولم يكن من الأمراء، فقال رسول الله e: (اللهم إنه سيف من سيوفك فأنت تنصره) ؛ فمن يومئذٍ سمي سيف الله، ففتح الله عليه، وانحاز بالمسلمين، حتى رجعوا سالمين بعد أن انكشف عدوهم منهزمين، خائفين، لقد فتح الله تعالى على خالد بن الوليد t فجعل المقدمة ساقة – مشاة – والميمنة ميسرة، فأنكر العدو حالهم، وقالوا: جاءهم مدد، فرعبوا وانكشفوا، وأصاب منهم المسلمون، وغنموا بعض أمتعة المشركين، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّ النَّبِيَّ e نَعَى زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ فَقَالَ أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ - وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ - حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) ، وعاد خالد بن الوليد سالماً، والمسلمون معه نجاهم الله تعالى ليفوزوا بقول النبي e: (إنهم الكرار إن شاء الله) ، وتركوا لنا كنوزاً، من الشهداء الأبرار الأخيار، وفيهم قال كعب بن مالك:
صلى الإله عليهم من فتية وسقى عظامهم الغمام المسبل
صبروا بمؤتة للإله نفوسهم حذر الردى وحفيظة أن ينكلوا
فمضوا أمام المؤمنين كأنهم فنق عليهن الحديد المرفل
إذ يهتدون بجعفر ولوائه قدام أولهم فنعم الأول
والذي يدعو للعجب والدهش أن تتقابل فئتان متعاديتان في الدين، أحدهما تقاتل في سبيل الله عدتها ثلاثة آلاف، والأخرى كافرة، وعدتها مائتا ألف؛ من الروم مائة ألف، ومن العرب النصارى مائة ألف، يقاتلون على أرضهم التي يعرفونها، والمؤمنون قد قطعوا المسافات الشاسعة، ولا يقتل منهم إلا هذا العدد ثلاثة عشر على قلة مؤنتهم! ويقاتلون على أرض لا يعرفون تضاريسها! ولا أوديتها! ولا جبالها! ولا تربوا في أحضانها، ويقابل المؤمن ثلاثين من الروم، ويقتلون من الكفار خلقاً كثيرين، بل يقول خالد بن الوليد t: (لَقَدْ انْقَطَعَتْ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ فَمَا بَقِيَ فِي يَدِي إِلا صَفِيحَةٌ يَمَانِيَةٌ) ؛ فماذا ترى قد قتل خالد t بهذه الأسياف؟!، ومن هنا أنكر رسول الله e على من وصف جيش مؤتة بالفرار، إذ لما رجعوا إلى المدينة المنورة سالمين، وقد حماهم الله سبحانه وتعالى من قتل محقق لولا الكرامة والتأييد الإلهي.
إن صبيان المسلمين لا يعرفون الهزيمة، وما تعودوا سماع كلمة الفرار من الزحف، ولذلك أنكروا، وأما القائد رسول الله e فقد اعتبره نصراً مؤزراً، واعتبر فعلهم إقداماً لا هزيمة، لأنه كان يشاهد خيل الله، وجنود الله، تقابل عدواً شرساً، فاق عدده عدد المسلمين، وعدته عدتهم، وقد جلس على المنبر يصف الحال وعيناه تذرفان، ويراقب مقتل ابن عمه وحبه، ومن معه، ثم كان سرور رسول الله e أنه رآهم في الجنة حيث قال: كان الذي رأيتم مني أنه أحزنني قتل أصحابي، حتى رأيتهم في الجنة إخواناً على سرر متقابلين ، ففي صحيح الإمام البخاري عَنْ أَنَسٍ t: (أَنَّ النَّبِيَّ نَعَى زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ فَقَالَ: أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) وهم:
1. ضريح الصحابي الجليل زيد بن حارثة t: ضريح الصحابي الجليل زيد بن حارثة t في مؤتة ؛ قال ابن فضل الله العمري: (قبر جعفر الطيّار بقرية مُؤتَة، من أعمال كَرَك الشَّوبك، وبها أيضاً قبر زيد بن حارثة، وقبر عبد الله بن رواحة) ، ولما التقى الجمعان وكان الأمراء الثلاثة زيد وجعفر ابن أبي طالب وعبد الله بن رواحة يقاتلون على أرجلهم، أخذ زيد اللواء فقاتل حتى شاط في رماح القوم، فقتل طعناً، وخرّ صريعاً، ويذكر أنه لما أخذ الراية جاء الشيطان فحبب إليه الحياة، وكرّه إليه الموت، وحبب إليه الدنيا، فقال: الآن استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تحبب إليّ الدنيا؟! فمضى قَرْماً ، لقد جلس رسول الله ذلك اليوم يصف حال المجاهدين؛ فلما نعى زيداً– أي دعا له – وقال: (استغفروا لأخيكم قد دخل الجنة وهو يسعى) .
2. ضريح ذي الجناحين جعفر الطيار t: ضريح الشهيد جعفر ابن أبي طالب t بجوار ضريح زيد بن حارثة t؛ قال ابن فضل الله العمري: (قبر جعفر الطيّار بقرية مُؤتَة، من أعمال كَرَك الشَّوبك، وبها أيضاً قبر زيد بن حارثة) ، وقال ابن موسى المشهور بابن سعيد المغربي المتوفى سنة 685 هـ فقال: (وهناك في مؤتة قبر جعفر الطيار وقبر أصحابه، وله واد فيه ماء وبساتين) ، وصاحب الضريح فهو السيد الشهيد جعفر ابن أبي طالب t ، الكبير الشأن، علم المجاهدين، أبو عبد الله، ابن عم النبي ، أخو علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه، وهو أسن منه بعشر سنين ، هاجر الهجرتين، وهاجر من الحبشة إلى المدينة، فوافى المسلمين وهم على خيبر إثر أخذها، فالتزمه رسول الله ، وقّبل بين عينيه، وقال: (ما أدري بأيهما أنا أفرح بقدوم جعفر أم بفتح خيبر؟!)، لقد كان له في الحبشة صولة وجولة، أدهشت النجاشي، حتى تمنى أن يكون خادماً للنبي وحاملاً لنعليه وموضئه، إنه من شهداء آل بيت النبي ، وهو من شجرتهم، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: سمعت النبي يقول لجعفر: (أشبه خَلقُك خَلْقي، وأشبه خُلُقُك خُلُقي، فأنت مني ومن شجرتي) وأما جوده وكرمه فيصوره أبو هريرة t إذ يقول: (ما احْتَذَى النّعَالَ وَلاَ انْتَعَلَ، وَلاَ رَكِبَ المَطَايَا أَفضْلُ مِنْ جَعْفَر بن أبي طالب) .
قدم جعفر t الأردن في غزوة مؤتة، السنة الثامنة للهجرة قائداً ثانياً للجيش، ولما أصيب القائد الأول زيد بن حارثة t، أخذ جعفر اللواء الأبيض فشدَّ على الناس حتى قتل، وذلك بعد أن اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ، وكان أول من عقر فرسه في الحروب الإسلامية، وحارب ماشياً، وقال:
يَا حَبَّذَا الجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَا طَيِّبَةٌ وَبَارِدٌ شَرَابُهَا
وَالرُّوْمُ رُوْمٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا عَلَيَّ إِنْ لاَقَيْتُهَا ضِرَابُهَا
لقد تناوشته سهام القوم، وطعن وكثُر فيه الطعن؛ قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (كُنْتُ فِيهِمْ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ فَالْتَمَسْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَوَجَدْنَاهُ فِي الْقَتْلَى وَوَجَدْنَا مَا فِي جَسَدِهِ بِضْعًا وَتِسْعِينَ مِنْ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ) ، ولكن تلك الطعنات لم تثنه عن قتاله، طمعاً في الشهادة، وحرصاً على الراية حتى تقطعت أطرافه، فأبدله الله تعالى جناحين يطير بهما في الجنة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: بينما رسول الله جالس وأسماء بنت عميس قريبة، إذ قال: (يا أسماء هذا جعفر مع جبريل وميكائيل مرّ، فأخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا وكذا فسلّم فردي عليه السلام، وقال: إنه لفي المشركين فأصابه في مقاديمه ثلاث وسبعون، فأخذ اللواء بيده اليمنى فقطعت، ثم أخذ باليسرى فقطعت، قال: فعوضني الله من يديّ جناحين أطير بهما مع جبريل وميكائيل في الجنة آكل من ثمارها) .
3. ضريح عبد الله بن رواحة t: صاحب المقام هو ثالث القادة من قادة غزوة مؤتة الشهيرة؛ وهو (الأمير السعيد الشهيد؛ أبو عمرو الأنصاري الخزرجي البدري النقيب الشاعر) ؛ عبدالله بن رواحة t ، كان إذا لقي الرجل من أصحابه يقول: (تعال بنا نؤمن ساعة)، فقاله يوماً لرجل فغضب، فجاء إلى النبي e فقال يا رسول الله! ألا ترى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة! فقال رسول الله e: رحم الله ابن رواحة، إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة) ، هذا قول رسول الله e فيه، إنه الذي استثني من قول الله سبحانه وتعالى: {وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} ؛ إذ لما نزلت قال سائلاً رسول الله e: أنا منهم؟ فأنزل الله سبحانه وتعالى: {إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} ، ولما استشهد صاحباه كرهت نفسه الإقدام، فأرغمها قائلاً:
أقسمت يا نفس لتنزلنَّه طائعةً أو لا لتُكرَهِنَّه
فطالما قد كنت مُطمئنهْ ما لي أراك تكرهين الجنَّة
فقاتل حتى قتل، رحمه الله تعالى كما رحم الشهداء الأبرار، رحمك الله يا أبا محمد، وأسكنك فسيح جناته، فإنك القائل: يا قوم والله إن الذي تكرهون للذي جئتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل العدو بعدد ولا عدة، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، ومن أجل نصرة الدين قاتلت حتى استشهدت، روي أنه أتاه ابن عم له قبل مؤتة بعرق من لحم، فقال له: شدّ بهذا صلبك؛ فقد لقيت أيامك هذه ما لقيت، فأخذه فانتهس نهسة ثم سمع الحطمة في ناحية العسكر، فقال لنفسه: وأنت في الدنيا؟! ثم ألقاه، وأخذ سيفه وتقدّم؛ فقاتل حتى قتل ، ناك أحد عشر صحابياً باقي شهداء مؤتة لا مقامات معروفة لهم وهم: عَباد بن قيس t بن عَبَسة، وابن العجماء مسعود بن الأسود العدوي t، جابر ابن أبي صعصعة t وأبو كلاب ابن أبي صعصعة t، وسراقة بن عمرو بن عطية t، والحارث بن النعمان t؛ وعامر بن سعدt وعمرو بن سعد t وهبار بن سفيان المخزوميt .
رابعاً: معركة اليرموك: استهلت السنة الثالثة عشرة وأبو بكر الصديق t عازم على جمع الجنود ليبعثهم إلى الشام، وذلك بعد مرجعه من الحج، اقتداءً برسول الله الذي بعث قبل موته أسامة بن زيد t ليغزو تخوم الشام، فجمع الصديق الجيوش ثم حثهم على الجهاد فقال: ألا لكل أمر جوامع فمن بلغها فهي حسبه، ومن عمل لله كفاه الله، عليكم بالجد والقصد، فإن القصد أبلغ، ألا إنه لا دين لأحد لا إيمان له، ولا إيمان لمن لا خشية له، ولا عمل لمن لا نية له، ألا وإن في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله لما ينبغي للمسلم أن يحب أن يُخص به، هي النجاة التي دلُّ الله عليها، إذ نجّى بها من الخزي، وألحق بها الكرامة ، رع الصديق t في توليه الأمراء، وعقد الألوية والرايات، فأرسل عمراً بن العاص t، وسمى له طريقاً إلى فلسطين، وأرسل يزيد ابن أبي سفيان t على جيش عظيم فيهم سهيل بن عمروt إلى دمشق، وأوصاه أحسن الوصايا، وكان مما أوصاه: إذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم، وابدأهم بالخير، وعدهم إياه، وإذا وعظتهم فأوجز، فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضاً، وأصلح نفسك يصلح لك الناس، وصلَّ الصلوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها، والتخشع فيها، وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرمهم، وأقلل لبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به، ولا تريّنهم فيروا خللك، ويعلموا علمك، وأنزلهم في ثروة عسكرك، وامنع مَنْ قبلك من محادثتهم، وكن أنت المتولي لكلامهم، ولا تجعل سرك لعلانيتك، فيخلط أمرك، وإذا استشرت فاصدق الحديث، تصدق المشورة، ولا تُخزن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك، واسمر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار، وتنكشف عندك الأستار، وأكثر حرسك، وبددهم في عسكرك، وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك، فمن وجدته غفل عن محرسه فأحسن أدبه، وعاقبه في غير إفراط، وأعقب بينهم بالليل، واجعل النوبة الأولى أطول من الأخيرة، فإنها أيسرهما لقربها من النهار، ولا تخف من عقوبة المستحق، ولا تلجنَّ فيها، ولا تسرع إليها، ولا تخذلها مُدفعاً، ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده، ولا تجسس عليهم فتفضحهم، ولا تكشف الناس عن أسرارهم، واكتف بعلانيتهم، ولا تجالس العباثين، وجالس أهل الصدق والوفاء، وأصدق اللقاء، ولا تجبن فيجبن الناس، واجتنب الغلول فإنه يقرب الفقر، ويدفع النصر، وستجدون أقواماً حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وما حبسوا أنفسهم له ، رسل الصديق t أبا عبيدة بن الجراح t إلى حمص، وسار أبو عبيدة t على باب من البلقاء، فقاتله أهله، ثم صالحوه، فكان أول صلح في الشام، رسل الصديق t شرحبيل بن حسنة t إلى الأردن، وكان قد قدم من عند خالد بن الوليد t إلى أبي بكر t وافداً، فأمره أبو بكرt بالشام، وندب معه الناس، جتمع إلى أبي بكر t ناس فأرسلهم مع معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما، وأمره باللحاق بأخيه يزيد، وأمر الصديقt كل أمير أن يسلك طريقاً غير طريق الآخر، لما لحظ في ذلك من المصالح، واقتداءً بنبي الله يعقوب عليه السلام حين وصّى بنيه: {وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} ، ولمّا وصل الأمراء إلى الشام ومع كل أمير سبعة آلاف، وتتابع الإمداد حتى تم جمعهم، فبلغ أربعة وعشرين ألفاً ، ونزل ابو عبيدة t الجابية، ونزل يزيد t البلقاء، ونزل شرحبيل t الأردن، ونزل عمرو بن العاص t العربة، واجتمع فيها الروم، فوجه إليهم يزيد ابن أبي سفيان t أبا أمامة الباهلي t، ففض ذلك الجمع، فقتل بطريقاً من بطارقتهم، وغنم منهم، وكان أول قتال بالشام بعد سرية أسامة بن زيدt، ثم أتوا الداثن قرب غزة فهزمهم أبو أمامة t أيضاً ، وسارت جيوش المسلمين إلى اليرموك ونزل جيش المسلمين جانب النهر، كي يتمكن المدد من المدينة المنورة الوصول إليهم، ولعل هذا هو السبب الأول: الذي دعانا لاعتبار أرض اليرموك المشهورة في الأردن الآن هي أرض المعركة؛ إذ بقاؤهم جانب النهر جهة الجنوب يسهل وصول الإمدادات إليهم من المدينة المنورة.
والسبب الثاني: أن سير جيوش اليرموك من البلقاء والداثن وأجنادين كان من الجنوب إلى الشمال، ولم يثبت توغل جيوش المسلمين عبر نهر اليرموك مما يعني بقاءهم في الأرض المشهورة.
والسبب الثالث: قول ابن الأثير في الكامل : (فلما وصل الأمراء إلى الشام نزل أبو عبيدة t الجابية، ونزل يزيد t البلقاء، ونزل شرحبيل t الأردن وقيل: بصرى، ونزل عمرو بن العاص t العربة… ثم أمروا بالمسير فاجتمعوا باليرموك متساندين) واليرموك من أرض الأردن حسب وصف ياقوت الحموي .
وتكامل جيش الروم أربعون ومائتا ألف، منهم ثمانون ألفاً مسلسلون بالحديد والحبال، وثمانون ألف فارس، وثمانون ألف راجل، وظل القسيسون والرهبان يحرضون الروم شهراً ثم خرجوا إلى القتال الذي لم يكن بعده قتال، وفي تعبئة لم ير مثلها قط.
ويذكر أن هرقل لما بلغه حال المسلمين، وكان بالقدس آنذاك، قال لمن عنده: أرى أن تصالحوا المسلمين، فإنهم أهل دين جديد، وإنهم لا قِبَل لأحد بهم، فأطيعوني وصالحوهم بما تصالحونهم على نصف خراج الشام، ويبقى لكم جبال الروم، وإن أنتم أبيتم ذلك أخذوا منكم الشام، وضيقوا عليكم جبال الروم، فنخروا في ذلك نخرة حمر الوحش، كما هي عادتهم في قلة المعرفة والرأي بالحرب والنصرة في الدين والدنيا، كذا قال ابن كثير ، ثم أمر هرقل الجيوش الرومية؛ فجعل في مقابلة كل أمير من المسلمين جيشاً كثيفاً، وقال: والله لنشغلن أبا بكر عن أن يورد الخيول إلى أرضنا، فكتب الأمراء المسلمون إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما يُعلمونَهما بما وقع من الأمر العظيم، فكتب إليهم أن اجتمعوا وكونوا جنداً واحداً، فأنتم أنصار الله، والله ناصر من نصره، وخاذل من كفره، وإن مثلكم لا يؤتى من قلة ولكن من تلقاء الذنوب، فاحترسوا منها، واجتمعوا باليرموك متساندين، وليصل كل رجل منكم بأصحابه، وقال الصديق: والله لأشغلن النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد t ، وبعث إليه وهو بالعراق ليقدم إلى الشام فيكون الأمير على من به، ولما بلغ هرقل ما أمر به الصديق t أمراءه من الاجتماع، بعث إلى أمرائه أن يجتمعوا أيضاً وأن ينزلوا بالجيش، فنزلوا وادياً أرادوا أن يتأنس الروم بالمسلمين؛ لترجع إليهم قلوبهم، ونزل المسلمون بقيادة أبي عبيدة على طريقهم، ليس للروم طريق إلا عليهم، فقال عمرو: أبشروا حصرت الروم، وقلَّ ما جاء محصور بخير، وأقاموا شهرين لا يخرج الروم خرجة إلا أديل عليهم المسلمون، وسار خالد بن الوليد t مسرعاً في تسعة آلاف وخمسمائة، يجتاب البراري والقفار، ويقطع الأودية، في مفاوز معطشة حتى وصل بصرى الشام، ففتحها وكانت أول مدينة فتحت بالشام على يد خالد، ثم تبع عكرمة بمن معه حتى تكامل جيش المسلمين باليرموك قريباً من أربعين ألفاً معهم ألف صحابي ومائة بدري، ولما وصل خالد بن الوليد t، وجمع الناس، ورضيه القادة قائداً لهم، فقام فيهم خطيباً؛ فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر، ولا البغي، أخلصوا جهادكم، وأرضوا الله بعملكم، فإن هذا يوم له ما بعده، وخرج خالد في تعبئة لم تعرفها العرب قبل ذلك، إذ خرج في ستة وثلاثين كردوساً، في كل كرودس ألف مقاتل عليهم أمير، فقال رجل لخالد: ما أكثر الروم وأقلَّ المسلمين، فقال خالد: ما أكثر المسلمين وأقل الروم، إنما تكثر الجنود بالنصر، وتقل بالخذلان، ولما تراءى الجمعان، وتبارز الفريقان، وعظ أبو عبيدة المسلمين فقال: عباد الله انصروا الله ينصركم، ويثبت أقدامكم، يا معشر المسلمين اصبروا، فإن الصبر منجاة من الكفر، ومرضاة للرب، ومدحضة للعار، ولا تبرحوا مصافكم، ولا تخطوا إليهم خطوة ولا تبدأوهم بالقتال… والزموا الصمت إلا من ذكر الله في أنفسكم، ثم وعظ الناس معاذ بن جبل، وعمرو بن العاص وأبو سفيان وأبو هريرة رضي الله عنهم أجمعين، وخرج جرجة – أحد كبار الأمراء من الروم – من الصف واستدعى خالد بن الوليد فجاء إليه حتى اختلفت أعناق فرسيهما، فقال جرجة: يا خالد: أخبرني فاصدقني ولا تكذبني، فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعني؛ فإن الكريم لا يخادع المسترسل، بالله هل أنزل الله على نبيكم سيفاً من السماء فأعطاكه فلا تسله على أحد إلا هزمتهم؟ قال: لا! قال: فبم سميت سيف الله؟ قال: إن الله بعث فينا نبيه فدعانا فنفرنا منه، ونأينا عنه جميعاً، ثم إن بعضنا صدّقه وتابعه، وبعضنا كذبه وباعده، فكنت فيمن كذبه وباعده، ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وبايعناه، فقال لي: أنت سيف من سيوف الله سله على المشركين، ودعا لي بالنصر، فسميت سيف الله بذلك فأنا من أشد المسلمين على المشركين ، وما زال به حتى أسلم ومال إلى خالد يقاتل الروم في صفه، واشتد القتال بالتحام الصفوف، ونادى عكرمة ابن أبي جهل t قائلاً: من يبايع على الموت؟ فبايعه عمه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، وتضعضع الروم، وانهزم فرسانهم، وتركوا الراجلة، ولما رأى المسلمون خيل الروم قد توجهت للمهرب أفرجوا لها، فتفرقت، وقتل الراجلة، واقتحموا في خندقهم، وقد هوى فيه المقترنون وغيرهم، ولا ترى إلا مخاً ساقطاً، ومعصماً طائراً، وكان خالد t قد ألجأهم إليه، فتساقطوا إليه وهم لا يبصرون، واجتمع عليهم ظلام الليل والضباب، فقتل فيه ثمانون ألفاً من المقيدين وأربعون من غيرهم، ويسمى ذلك المكان الواقوصة ، وتبعهم خالد t حتى وصل دمشق ثم إلى حمص وصالح من فيهن، ونصر الله المسلمين نصراً مؤزراً، ولم يقتل منهم في هذه المعركة إلا ثلاثة آلاف، فعليهم رحمة الله، وأما الروم ففرَّ مَن لم يقتل منهم، ولما قدم منهزمتُهم قال هرقل: ويلكم أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشراً مثلكم؟ قالوا بلى، قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافاً في كل موطن قال: فما بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر، ونزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغضب، ونظلم، ونأمر بالسخط، وننهى عما يرضي الله، ونفسد في الأرض، فقال: أنت صدقتني، وأما شهداء اليرموك فلم تستوعب كتب التاريخ أسمائهم جميعها، وليس لهم مقامات تذكر، ومنهم: أربعة شهداء من الصحابة بنوا تمثال الإيثار في اليرموك، وهم الحارث بن هشام وعكرمة، وعياش ابن أبي ربيعة، وقيل: سهيل بن عمرو بدل عياش،وسلمة بن هشام وناقش الخاتم النبوي عمرو بن سعيد الأموي، وأبان بن سعيد وذو النور وابن ذي النور الطفيل بن عمرو الدوسي وعمرو بن الطفيل الدوسي، والنحام العدوي نُعيم القرشي والقرشي السهمي هشام بن العاص والرهين النُضَير بن الحارث العبدري وحامل اللواء النبوي أبو الروم العبدري، والهاشمي المطلبي عبدالله بن الزبير بن عبد المطلب، وعبد الله ابن أبي الجهم، وعبيد الله
ابن سفيان بن عبد الأسد، ورِدْفُ النبي الفضل بن العباس، وأول من أهرق دماً من مشرك طليب
ابن عمير، والشاعر الفهري ضرار ابن الخطاب ، وتميم بن الحارث بن قيس، وسعيد بن الحارث وحجاج بن الحارث، وعريف دوس جندب بن عمرو، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
خامساً: معركة فحل في الأغوار الشمالية: فِحْل اسم بلدة في الأردن، قريبة من الغور الأردني، تنخفض عن مستوى سطح البحر حوالي 50 متراً، وقد أكسبها موقعها الجغرافي أهمية خاصة، لا سيما وأنها كانت ممراً ضيقاً باتجاه وادي الأردن، وهي واحدة من المدن العشر التي اشتهرت في عهد اليونان والرومان، والمدن العشر هي المدن الواقعة عند ملتقى حدود الأردن وسورية وفلسطين، لذلك يغلب على آثارها الطابع اليوناني والروماني بالإضافة إلى كنائس بيزنطية، كان اسمها في التاريخ بيلا، وهي غنية بآثارها العائدة إلى عصور غاية في القدم، وما تزال أعمال البحث تؤكّد أنها كانت عامرة ومأهولة منذ آلاف السنين، ويعتبر من أهم المواقع الأثرية التي تعود إلى عهود الرومان والبيزنطيين، وأما آثار المسلمين فالذي يقف فيها يستذكر ذكريات المعركة، معركة فحل، التي وقعت بين جيوش المسلمين وجيوش الروم، والتي أحرز المسلمون فيها ذلك الانتصار التاريخي العظيم، وفيها أحياء سكنية تعود للعهود الإسلامية المبكرة؛ حيث يوجد مسجد صغير فيها.لقد شهدت وقعة للمسلمين مع الروم، ويوم فحل مذكور في الفتوح، في السنة الثالثة عشرة؛ في خلافة عمر بن الخطاب t، واختلف في هذه المعركة، هل كانت قبل فتح دمشق أم بعده؟ وعزى ابن جرير ذلك الاختلاف إلى قرب تلك الأحداث بعضها من بعض ، والظاهر أنها بعد فتح دمشق؛ إذ بعد الهزائم التي مني بها الروم أقبل هرقل إلى بيت المقدس، محتفلاً بتخليص الصليب الذي استرده قبل ذلك، واستنصر الروم وأهل الجزيرة وبعث عليهم رجالاً من خاصته وثقاته، فلقوا المسلمين بفحل، وفجّر الرومُ الماء حول فحل، فوحلت الأرض.
وكان قائد جيوش المسلمين بفحلٍ شرحبيل بن حسنة t، فبعث خالداً على المقدمة، وأبا عبيدة وعمراً على مجنبته، وعلى الخيل ضرار بن الأزورt، وكرهوا أن يعمدوا لهرقل وخلفه ثمانون ألفاً، فكتبوا إلى عمرt بالخبر، وهم يحدثون أنفسهم بالمقام حتى يرجع جواب كتابهم، لما رأوا من صعوبة الإقدام على عدوهم في مكانهم، لما دونهم من الأوحال، وكانت العرب تسمى تلك الغزاة ذات الردغة - والردغة: الوحل - وكان المسلمون قد أصابوا من ريف الأردن في فحل أفضل مما فيه المشركون، مادتهم متواصلة، وخصبهم رغد.
وأما الروم فكان عليهم سقلار بن مخراق؛ فأتى المسلمين على غرة، والمسلمون حذرون، لا يأمنون مجيئهم، وهم على حذر، إذ كان شرحبيل لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبية، فلما هجموا على المسلمين اقتتلوا كأشد قتال اقتتلوه قط ليلتهم، ويومهم إلى الليل، فأظلم الليل عليهم وقد حاروا، فانهزموا، وهم حيارى، وقد أصيب رئيسهم سقلار، وأُصيب الذي يليه منهم نسطورس، وظفر المسلمون أحسنَ ظفر وأهنأه، وركبوهم فوجدوهم حيارى لا يعرفون مأخذهم، فأسلمتهم هزيمتهم وحيرتهم إلى الوحل فركبوه، ولحق أوائل المسلمين بهم وقد وحلوا فركبوهم، وما يمنعون يد لامس، فوخزوهم بالرماح فأُصيب الثمانون ألفاً، ولم يفلت منهم إلا الشرَّيد، وكان الله سبحانه وتعالى يصنع للمسلمين وهم كارهون للقتال؛ بسبب الوحل، ولكن الوحل أعانهم على عدوهم، ثم سار شرحبيل t إلى بيسان؛ فحاصروهم أياماً، ثم خرجوا عليهم فقاتلوهم، وصالحوا بقية أهلها، وبلغ أهل طبرية الخبر فصالحوهم، وتفرقت جيوش المسلمين في مدائن الأردن وقراها؛ من بيت رأس وجرش وغيرهما، وغنموا مالاً جزيلاً، وكُتب إلى عمر بن الخطاب t بالفتح والنصر المبين، والحمد لله رب العالمين ، ولما رأى أهل فحل أن الأردن قد غلبوا عليها سألوا الصلح على أن يؤدوا الجزية، فصالحهم المسلمون وكتبوا لهم كتاباً .
وصفت فحل بالتاريخ بالرغد والخصوبة، ففي تاريخ دمشق وَصفَ موقع المسلمين في معركة فحل؛ فقال: (أصاب المسلمون من ريف الأردن أفضل ما ترك فيه المشركون؛ مادتهم متواصلة، وخصبهم رغد) .
ولقد تغنى الشعراء بيوم فحل، قال القعقاع بن عمرو التميمي :
كم من أبٍ لي قد وَرثتُ فعالَهُ جمِّ المكارمٍ بحرُه تيارُ
وغداةَ فِحل قد رأَوْني معلمًا والخيلُ تَنحِطُ والبلاَ أطوارُ
ما زالت الخيلُ العرابُ تدوسُهم في حَوم فِحل والهَبَا موَارُ
حتى رَمَين سراتَهم عن أسرهم في روعةٍ ما بعدها استمرارُ
إنها إذن معركة عظيمة، ونصر مؤزر أكرم الله عز وجل به شرحبيل بن حسنة t ومن معه من الصحابة بالتأيد والنصر، وعن الزهري أن عكرمة ابن أبي جهل t يومئذ كان أعظم الناس بلاءً، وأنه كان يركب الأسنة؛ حتى جرحت صدره ووجهه، فقيل له: اتق الله، وأرفق بنفسك، فقال: كنت أجاهد بنفسي عن اللات والعزى، فأبذلها لها، أفأستبقيها الآن عن الله ورسوله؟ لا والله أبداً، قالوا: فلم يزدد إلا إقداماً حتى قتل رحمه الله تعالى ، والظاهر أنه استشهد بعد ذلك.
وما زالت بعض الآثار الإسلامية ضمن الآثار القديمة، مما يدل على محافظة المسلمين على آثار السابقين، وبناء حضارتهم على حضارات السابقين؛ دون هدم أو اعتداء.
ولم يذكر التاريخ من شهداء فحل من الصحابة إلا العدد القليل، ومنهم الشقيقان السهميان السائب بن الحارث t والحارث بن الحارث t.
سادساً: الشهداء الصحابة في طاعون عمواس: بعد ثلاث سنوات من استيلاء المسلمين على القدس في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وفي السنة الثامنة عشرة بالتحديد، أصاب الناس مجاعة شديدة، وجدب وقحط، ولَزْبة ظهرت في الأقاليم، وسمي ذلك العام عام الرمادة، وسبب تلك التسمية أن الريح كانت تسفي تراباً كالرماد، واشتد الجوع، حتى جعلت الوحش تأوي إلى الإنس، وحتى جعل الرجل يذبح الشاة فيعافها من قبحها، واستمر الحال تسعة أشهر، وفي تلك السنة بدأ مرض الطاعون في قرية قريبة من القدس تسمى عمواس – بفتح أو كسر فسكون – وانتشر في بلاد الشام، وامتد إلى العراق، وقيل : هو من قولهم زمن الطاعون: عمَّ وآسى؛ أي: اتسع وأحزن، وذلك لكثرة من مات فيه ، وبلغ ذلك الخبر عمر بن الخطاب، فكتب إلى أبي عبيدة ليستخرجه، وفيه قال عمر: أما بعد؛ فقد عرضت لي إليك حاجة، أُريد أن أشافهك فيها، فعزمت عليك إذا أنت نظرت في كتابي هذا ألا تضعه من يدك حتى تقبل اليَّ، فعرف أبو عبيدة ما أراد، فكتب إليه: يا أمير المؤمنين قد عرفت حاجتكُ إليّ، وإني في جند من المسلمين، لا أجد بنفسي رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضي الله فيّ وفيهم أمره وقضاءه، فحللني من عزيمتك، فلما قرأ عمر بن الخطاب الكتاب بكى، فقال الناس: يا أمير المؤمنين أمات أبو عبيدة؟ فقال: لا، وكأن قد.
إن الصحابة الكرام كانوا يرون الطاعون شهادة؛ لقول النبي (الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) ، ومن ثَم ثبت الصحابة الكرام في أرض الشام يتحدون الطاعون، وتوفي من الناس في الطاعون خمسة وعشرون ألفاً ، وكان منهم الكثير من أصحاب النبي ورضي عنهم، ودفن بعضهم في الأرض المباركة، فتشرفت بهم، وما زالت تسعد بعطرهم، ويشتاق الناس إلى مثوى كل صحابي عرف بينهم، ومن شهداء عمواس:
1. ضريح أمين الأمة أبي عبيدة t في الأغوار الوسطى: أمين الأمة أبو عبيدة ، عامر بن الجراح، القرشي المكي، أحد السابقين الأولين المقربين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، مناقبه شهيرة جمّة، أبلى يوم أحد بلاءً حسناً، ونزع يومئذ الحلقتين اللتين دخلتا من المِغْفَر في وجنة رسول الله e، من ضربة أصابته، فانقلعت ثنيتاه، فحسن ثغره بذهابهما، حتى قيل: ما رؤي هتم قط أحسنُ من هتم أبي عبيدة ، فرضي الله عنك يا صاحب الهتم الأغر، يا من جمعت القرآن في صدرك، وزينت بالحُسن خُلقك، ولينت شكيمتك، وزدت في حلمك وصبرك، وتجملت بتواضعك، وفُقت الأقران بأمانتك حتى سماك رسول الله e أمين الأمة، إذ قال: (إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِيناً، وَإِنَّ أَمِينَنَا، أَيَّتُهَا الأُمَّةُ، أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ) ، لقد وزنك رسول الله e بميزان النبوة، فوجدك متميزاً وبحسن الخلق متسماً، ومن ثمَّ ألفك الصحابة الكرام، وأحبوك، وسعدوا بك قال عمر بن الخطاب t لجلسائه: تَمنُّوْا، فتمنَّوا، فقال عمر: لكني أتمنى بيتاً ممتلئاً رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح ، ولعل ذلك راجع إلى قصة وسبب؛ إذ لما قدم عمر بن الخطاب t أرض الشام َتَلَقَّاهُ الأُمَرَاءُ وَالعُظَمَاءُ، فَقَالَ: أَيْنَ أَخِي أَبُو عُبَيْدَةَ؟ قَالُوا: يَأْتِيْكَ الآنَ، قَالَ: فَجَاءَ عَلَى نَاقَةٍ مَخْطُوْمَةٍ بِحَبْلٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: انْصَرِفُوا عَنَّا، فَسَارَ مَعَهُ حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرَ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ سَيْفَهُ وَتُرْسَهُ وَرَحْلَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَوِ اتَّخَذْتَ مَتَاعاً، أَوْ قَالَ: شَيْئاً، فَقَالَ: يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ! إِنَّ هَذَا سَيُبَلِّغُنَا المَقِيْلَ، وفي رواية أَنَّ عُمَرَ t حِيْنَ قَالَ لأَبِي عُبَيْدَةَ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى مَنْزِلِكَ، قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ عِنْدِي؟ مَا تُرِيْدُ إِلاَّ أَنْ تُعَصِّرَ عَيْنَيْكَ عَلَيَّ، قَالَ: فَدَخَلَ، فَلَمْ يَرَ شَيْئاً، قَالَ: أَيْنَ مَتَاعُكَ؟ لاَ أَرَى إِلاَّ لِبْداً وَصَحْفَةً وَشَنّاً، وَأَنْتَ أَمِيْرٌ، أَعِنْدَكَ طَعَامٌ؟ فَقَامَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى جَوْنَةٍ، فَأَخَذَ مِنْهَا كُسَيْرَاتٍ، فَبَكَى عُمَرُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَدْ قُلْتُ لَكَ: إِنَّكَ سَتَعْصِرُ عَيْنَيْكَ عَلَيَّ يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، يَكْفِيْكَ مَا يُبَلِّغُكَ المَقِيْل، قَالَ عُمَرُ: غَيَّرَتْنَا الدُّنْيَا كُلَّنَا، غَيْرَكَ يَا أَبَا عُبَيْدَة ، وأما ضريح أبي عبيدة فيقع على مسافة 65 كم من مدينة عمان في منطقة الأغوار الوسطى، وعلى بعد (7) كم إلى الشمال من بلدة دير علا في الغور؛ المعروف بغور أبي عبيدة، وقد ثبتت على سور الجهة الغربية من المسجد لوحة رخامية تشير إلى أن السلطان بيبرس المملوكي قام بإنشاء قبة فوق ضريح أبي عبيدة، والظاهر بيبرس عاش في الفترة بين (625 هـ إلى 676 هـ والتي توافق 1228 م إلى 1277 م ، وزار مقام أبي عبيدة الرحالةُ ابن بطوطة في عام 725 هـ الموافق 1324 م وذكره في رحلته بقوله: (فمررت الغور وهو واد بين تلال؛ به قبر أبي عبيدة بن الجراح؛ أمين هذه الأرض t؛ زرناه وعليه زاوية فيها الطعام لأبناء السبيل، وبتنا هناك ليلة، كما مرّ بهذا المزار الرحالة بيركهارت في صيف عام 1812 م قال: (وصلنا إلى مزار "أبو عبيدة" حيث استرحنا ساعتين، ويحيط بضريح الشيخ بضعة بيوت للفلاحين، ولا سكن فيها حالياً باستثناء القيّم على الضريح، وزوجته، اللذين يعيشان على إحسان البدو)، وفي العصر الحديث يعتبر هذا المشروع من أهم المشاريع التي تتولاها اللجنة الملكية الأردنية بالرعاية؛ لذلك انطلقت أفكار التصميم فيه من منطلق التوازن بين الإطار الروحي والمعرفي والتنموي والاجتماعي، فهو اليوم عبارة عن قرية إسلامية حضارية تضم في جنباتها مسجداً جامعاً، ومركزاً ثقافياً إسلامياً ومكتبة إسلامية، ومتحفاً إسلامياً، وصالات للزوار، وفيه سكن الإمام، وساحات وحدائق، وصمم المشروع بنمط معماري إسلامي متميز، استوحي من رموز وعناصر العمارة الإسلامية بشكل متناغم، وقد بلغت مجموع مساحات مباني المشروع حوالي ( 6500) م2.
2. ضريحا الصحابيين الجليلين معاذ بن جبل وابنه عبد الرحمن رضي الله عنهما في الأقحوانة في الشونة الشمالية: معاذ بن جبل ، صاحب الوجه الجميل، والثغر الحسن، الطويل الأبيض، الحنيف القانت، الساكت، فإذا تكلم خرج منه نور ولؤلؤ، وإذا رآه الرآئي وقعت محبته في قلبه، فعن أبي سلمة الخولاني قال: دخلت مسجد حمص، فإذا فيه نحواً من ثلاثين كهلاً من الصحابة، فإذا فيهم شاب أكحلُ العينين، براقُ الثنايا ساكت، فإذا امترى القوم أقبلوا عليه فسألوه، فقلت: من هذا؟ قيل: معاذ ابن جبل، فوقعت محبته في قلبي ، إنه أحد جامعي القرآن الكريم، الذين حفظوه في الصدور والسطور، قال فيه رسول الله : (خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَالِمٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) ، شهد بيعة العقبة، وشهد بدراً وله عشرون سنة، فكان من البدريين الذين غُفر لهم في سن مبكرة، وبلغ من العلم مبلغاً عظيماً في سن مبكرة أيضاً، إذ وصفه رسول الله بأنه أعلم الناس بالحلال والحرام، فعن أنس t مرفوعاً: (أَرْحَمُ أُمّتِي بأُمّتِي أبُو بَكْرٍ، وأشَدّهُمْ في أَمْرِ اللّهِ عُمَرُ، وأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ بنُ عَفّانَ، وأَعْلَمُهُم بالْحَلاَلِ والْحَرامِ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بنُ ثابِتٍ، وَأَقْرَؤُهُم أُبَيّ بنُ كَعْبٍ، ولِكُلّ أُمّةٍ أمِينٌ، وأَمِينُ هَذِهِ الأُمّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرّاحِ) ، وأخبر رسول الله أنه يتقدم العلماء يوم القيامة، قال عمر بن الخطاب t: لو أدركت معاذاً، ثم وليته ثم لقيت ربي، فقال: من استخلفت على أمة محمد؟ لقلت: سمعت نبيك وعبَدك يقول: (يأتي معاذ بن جبل بين يدي العلماء برتوة) ، والرتوة رمية سهم، وقيل: مد البصر، قبض معاذ t وهو ابن ثلاث أو أربع وثلاثين سنة، وذلك سنة ثماني عشرة t ورحمه، وأما ابن معاذ فهو للمجاهد الشبل عبد الرحمن بن معاذ بن جبل رضي الله عنهما، وهو ابن العالم المبجل، الذي كان يكنى به، شاب، صغير السن، إذ لم يزد سِنُ والده عن أربع وثلاثين سنة فما بالك بسِنّه؟! يذكر دائماً مقروناً بأبيه، ولكنه مشتهر بالفضل كأبيه رضي الله عنهما، قال ابن الأثير : (لا شك أن له صحبة مع النبي )، يقع مسجد الصحابيين الجليلين معاذ بن جبل وابنه عبد الرحمن رضي الله عنهما في مسجد قرب بلدة الشونة الشمالية، ويُقال له مسجد معاذ؛ ويبعد المسجد عن العاصمة عمان حوالي 95 كم، ويُقال للمنطقة الأقحوانة؛ قال البلاذري: (معاذ بن جبل أحد بني سلمة، من الخزرج، ويكنى أبا عبد الرحمن توفى بناحية الأقحوانة من الأردن وله ثمان وثلاثون سنة) ، وقال ياقوت: (الأقحوانة موضع بالأردن) ؛ وسميت بالأقحوانة لكثرة نبات الأُقْحُوان، وهو من نبات الرَّبيع، مُفَرَّضُ الورق، دقيقُ العِيدان، له نَور أَبيض، وعند العرب وهو البابُونج ، لقد خيّم في الأقحوانة صلاح الدين الأيوبي وهو في طريقه إلى فتح بيت المقدس ، وزار الرحالة ابن بطوطة المتوفى سنة 779هـ قبر معاذ بن جبلt؛ قال: (سافرت منها إلى مدينة عجلون، وهي مدينة حسنة لها أسواق كثيرة، وقلعة خطيرة، ويشقها نهر ماؤه عذب، ثم سافرت منها بقصد اللاذقية، فمررت بالغور، وهو وادٍ بين تلال به قبر أبي عبيدة ابن الجراح؛ أمين هذه الأرض رضي الله عنه، زرناه، وعليه زاوية فيها الطعام لأبناء السبيل، وبتنا هنالك ليلة، ثم وصلنا إلى القصير، وبه قبر معاذ بن جبل رضي الله عنه، تبركت أيضاً بزيارته) ، والقصير اسم للمنطقة؛ قال ياقوت: (قُصير مُعين الدين بالغور من أعمال الأردن يكثر فيه قصب السكر) ، وقال ابن فضل الله العمري: (قبر معاذ بن جبل. بالقُصَير المعينيّ) ، وبنى مقام معاذ بن جبل t الشيخ المهندس محمد بن علي بن عبد الرحمن الطَيْبي رحمه الله، وأصله من الطيبة في محافظة إربد، وهو حفيد الشيخ عبد الرحمن الطََيبي المتوفى عام أربعة وستين ومائتين وألف (1264هـ)، وأما الشيخ المهندس فقد ولد عام ستة وأربعين ومائتين وألف (1246) هـ وهو فقيه، متكلّم، فرضي، حاسب، مهندس، فلكي، وقد جدد علاقاته مع مواطنيه في الطيبة وناحيتها، وأشرف على عمارة جامع معاذ بن جبل ؛ ذلك البناء الذي ظلّ مفخرة في بنائه ما يزيد عن مائتين وخمسين سنة، وأشرف على أوقاف المقام، وقد كانت بيد آل الطيبي من عهد جدهم الأول الشيخ علي؛ المدفون في الطيبة ، وتوفي المهندس بحوران سنة سبع عشرة وثلاثمائة وألف هجرية (1317هـ)، فعليه وعلى آبائه الصالحين رحمة الله.
3. ضريح فاتح الأردن شرحبيل بن حسنة tفي وادي اليابس: فاتح الأردن المشهور بابن حَسَنَة نسبةً إلى أمه الصحابية الكريمة، إذ توفي أبوه وهو صغير فعاش في حجر أمه فنسب إليها، ويقال: تبنته أمه وليس بابن لها فنسب إليها ، كان من الفرسان الذين سادوا الناس، وهو من السادة الأفذاذ، ومعدود في وجوه قريش، ولما تولى أبو بكر t القيادة برزت شخصية شرحبيل الجهادية، فقام بدور بارز في قتال المتنبئين، وحروب الردة، ثم قاد أحد الجيوش الأربعة التي أنفذها أبو بكر لفتح الشام، وكانت وجهته إلى الأردن ، شارك شرحبيل في معركة اليرموك الحاسمة، وكان من الأبطال تولى أحد كراديس الميمنة، وكان له أثر طيب مرموق في انتصار المسلمين على الروم، وكما ساهم في الدولة الصديقية أبلى بلاءً حسناً في الدولة العمرية ؛ إذ سار مع أبي عبيدة t قاصداً دمشق، وكان شرحبيل على الراجلة، وحاصروا دمشق مدة طويلة، وأهلها ممتنعون غاية الامتناع، ثم فتحها الله على المسلمين، وكتب أبو عبيدة t الصلح، وشهد عليه شرحبيل بن حسنة، ثم عاد شرحبيل إلى الأردن وهو أمير الناس، فهاجم بيسان، وحاصرها أياماً ولم يلبثوا أن هزموا، فصالحهم على مثل صلح دمشق، ثم سار برفقة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لفتح بيت المقدس، ولما وَقَعَ الطَّاعُونُ بِالشَّامِ، خَطَب عَمْرُو بن الْعَاصِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الطَّاعُونَ رِجْسٌ، فَفِرُّوا مِنْهُ فِي الأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ شُرَحْبِيلَ بن حَسَنَةَ، فغضب، وجاءَ يَجرُّ ثوبَه، ونعلاهُ في يدهِ، فقال: (صحبت رسول الله، فَقَالَ: لَكِنَّهُ رَحْمَةُ رَبِّكُمْ، وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ، وَوَفَاةُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُم) ، ولم تنقضِ هذه السنة حتى أستشهد وهو ابن سبع وستين سنة.
4. مقام ضرار بن الأزور t في دير علا: الفارس الشاعر ضرار بن الأزور الأسدي t؛ التحق بالنبي وترك وراءه ألف بعير برعاتها، فأخبر النبي بما خلف وقال: يا رسول الله قد قلت شعراً، فأنشده، وفي آخره:
فيا رب لا أُغبنن صفقتي فقد بعت أهلي ومالي بدار
فقال رسول الله : (ما غبنت صفقتك يا ضرار)، ومن حديثه عن رسول الله قال: مرّ بي النبي وأنا أحلب فقال (أحلب هذه الناقة ودع داعي اللبن) أي: لا تجهدها، اختلف المؤرخون في وفاته قيل: قتل يوم أجنادين، وقيل: في خلافة أبي بكر الصديق، وردّ آخرون بأنه وهم؛ لأن الذي توفي في خلافة أبي بكر هو ضرار بن الخطاب t ، وقيل: قاتل في اليمامة قتالاً شديداً؟ حتى قطعت ساقاه جميعاً، فجعل يحبو على ركبتيه ويقاتل، وتطؤه الخيل حتى غلبه الموت، وقيل : (مكث مجروحاً وبايع على الموت يوم اليرموك)، ولعل هذا هو الأقرب ومقامه في الأردن يشهد بصحته والله تعالى أعلم.
5. ضريح الصحابي الجليل عامر ابن أبي وقاص t في بلدة وقاص من الأغوار الشمالية:
الصحابي الجليل عامر ابن أبي وقاص ؛ وهو عامر بن مالك بن أهيب بن عبد مناف القرشي، وهو أخو سعد ابن أبي وقاص، الذي فاخر به النبي ؛ فقد أقبل سعد يوماً فقال النبي : (هذا خالي فليرني امرؤ خاله) ، وهو أخو عمير ابن أبي وقاص، قال سعد: رأيت أخي عمير قبل أن يعرض رسول الله للخروج إلى بدر يتوارى، فقلت: مالك يا أخي؟ فقال: إني أخاف أن يراني رسول الله فيستصغرني فيردني، واني أحب الخروج لعل الله يرزقني الشهادة، قال: فعرض رسول الله فاستصغره فقال: ارجع، فبكى عمير، فأجازه رسول الله ، فقتل ببدر وهو ابن ست عشرة سنة ، قال البلاذري كتب عمر بن الخطاب إلى عامر ابن أبي وقاص بولايته الشام، وأمره مع الأمراء ، مات بالشام شهيداً t.
المبحث الثالث: صحابة وتابعون ولدوا في الأردن
لقد ولد في الأردن صحابة؛ منهم من عرفنا مقامه؛ كفروة الجذامي t، ولقد سبق الحديث عنه، قبل الحديث عن شهداء مؤتة، ومنهم مَن لم نعرف مقامه، ولكنا عرفنا بلده؛ التي نسب إليها؛ ومن التابعين كذلك، ومن هؤلاء:
أولاً: الصحابي الجليل سَيمَويه البلقاوي t: وليس غريباً أن نجد في أسماء الصحابة الكرام رضوان الله عليهم صحابياً بلقاوياً، من الأردن؛ فقد ورد اسم الصحابي الجليل سيمونة؛ ويقال: سَيمَويه البلقاوي؛ في كتب تمييز الصحابة .
لقد كانت الحنطة المادة الأساسية التي تصدّرها البلقاء إلى المدينة المنورة، ويضرب بالبلقاء المثل في جمالها، ووفرة مائها، وجودة حنطتها، وكان من التجار الذين كانوا يحملون القمح إلى المدينة المنورة الصحابي الجليل سَيمَويه البلقاوي ؛ فعن الربيح بن صبيح قال: حدثني سَيمَويه؛ قال: أتيت النبي ، وسمعت من فيه إلى أذني، وحملنا قمحاً من البلقاء إلى المدينة، فبعنا وأردنا أن نشتري تمر المدينة فمنعونا، فأتينا النبي فأخبرناه، فقال لهم النبي للذين منعونا: (أما يكفيكم رخص هذا الطعام بغلاء هذا التمر الذي يحملونه ؟! ذروهم يحملونه) ، وهذا من رحمة النبي بالأمة، ودعوته لتيسير أسباب المعيشة.
كان سيمويه قبل إسلامه نصرانياً من رؤوس النصارى، وكان شماساً؛ والشماس في اصطلاحات النصارى هو الذي يحلق وسط رأسه، ويلزم الكنيسة، كسائر الشماسين، فقدم المدينة المنورة، ورأى رسول الله ، وسمع منه، وأسلم، وذكر بعض المؤرخين أنه أسلم بعد وفاة النبي ، والصواب أنه من الصحابة، الذين سُجلت أسماؤهم بأحرف من نور في سجلات الصحابة الأبرار، يدل على ذلك قوله: (أتيت النبي ، وسمعت من فيه إلى أذني).
عاش مائة وعشرين سنة، ولا شك أنه بانتقاله من دين إلى دين كان أنضج فكراً، وأكثر خبرة في الحياة، وانضاف إلى ذلك ما اكتسبه إبان سفره بين البلقاء والمدينة المنورة، ولا شك أنه كان يسمع الجديد من فتوى الرسول ؛ فينقله إلى أهل بلده.
ولكن انشغاله بالتجارة أخفى عنا الكثير؛ من سيرته، وأهل بيته، وعلمه، وتدريسه، وغير ذلك مما كان يحدث به أهله عن مقابلاته رسول الله ، ويبقى شرف انتسابه للأردن عموماً، وللبلقاء خصوصاً مفخرة لنا جميعاً، ومناط عزة وكرامة وشرف.
لقد وصلنا منه رواية واحدة عن رسول الله ؛ وفيها الكثير من المكرمات والفضائل، ومن أجمعها أنه لم تقعد به تجارته عن ملاقاة الرسول ، بل تلقى العلم منه مباشرة، حتى في قضاء حاجاته الدنيوية، ويكفيه أنه في سجل الصحابة الكرام، أحباب النبي ورضي الله تعالى عنهم أجمعين.
ثانياً: الصحابي الجليل عبد الله بن حَوَالة الأردني : يُكّنى أبا حوالة، وقيل: أبا محمد، قال البخاري: له صحبة، ونسبه الواقدي إلى بني عامر ابن لؤي، ونسبه ابن عبد البر إلى الأزد، وقال : هو الأشهر، وخالفه ابن حجر؛ فقال : أنكرَ كونَه من الأزد ابنُ حبان، وقال: (إنما هو الأردني، لكونه نزلها).
أقول: هو الأردني، وليس الأزدي؛ لأنه كان قد وصاه الرسول أن يسكن زمن الفتن في الشام؛ والأردن جزء من الشام في التاريخ؛ فقد روي عن العرباض بن سارية عن النبي أنه قام يوماً في الناس؛ فقال: (يا أيها الناس توشكون أن تكونوا أجناداً مجندة، جند بالشام وجند بالعراق وجند باليمن، فقال ابن حوالة: يا رسول الله إن أدركني ذلك الزمان فاختر لي، قال: إني أختار لك الشام، فإنه خيرة المسلمين، وصفوة الله من بلاده، يجتبي إليها من صفوته من خلقه، فمن أبى فليلحق بيمنه، وليسق من غُدُرِه فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله) ؛ لهذا كلّه نزل عبد الله أرض الأردن خاصة؛ فنُسب إليها.
روى أبو داود بسنده حدثني ضمرة أن ابن زُغْبٍ الإِيادي حدّثه قال: نزل عليَّ عبد اللّه بن حوالة، فقال لي: بعثنا رسول اللّه لنغنم على أقدامنا فرجعنا، فلم نغنم شيئاً، وعرف الجهد في وجوهنا، فقام فينا فقال: (اللهم لا تكلهم إليَّ فأضعف عنهم، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم)، ثم وضع يده على رأسي - أو قال: على هامتي - ثم قال: (يا ابن حوالة، إذ رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام، والساعة يومئذٍ أقرب من الناس من يدي هذه من رأسك).
وكما كان عالماً كان مُعلماً؛ فقد روى عنه أحاديث الرسول أبو إدريس الخولاني، وعبدالله بن شقيق، والحارث بن الحارث الحمصي، وبشر بن عبيد الله، ويحيى بن جابر، وآخرون، ورحل رحمه الله إلى مصر؛ فسمع منه العلماء، فروى عنه من أهلها ربيعة بن لقيط التُّجبي، وغيره؛ ومما روي عنه أنه قال: تذاكرنا عند النبي الفقر والغنى وقلة الشيء، فقال الرسول : (أنا لكثرة الشيء أخوف عليكم من قلته).
توفي عبدالله بن حوالة سنة ثمان وخمسين؛ قاله الواقدي، وقيل: مات سنة ثمانين، وبه جزم ابن عبد البر في الاستيعاب .
ثالثاً: الصحابي الجليل عطية بن عروة السعدي وولده التابعي الجليل محمد وحفيده عروة الذي كان عاملاً لعمر بن عبد العزيز رحمه الله على اليمن: الصحابي الجليل عطية بن عروة السعدي ، الذي نزل الشام، وكان ولده بالبلقاء ، روى عن النبي أحاديث معدودة، وروى عنه ابنه محمد، وربيعة بن يزيد الدمشقي، وإسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، وعطية بن قيس، ومما رواه عن الرسول أنه قال:( لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به بأس) .
وعن أبي وَائِلِ الْقَاصّ: "دخَلْنَا عَلَى عُرْوَةَ بنِ مُحَمّدِ بنِ السّعْدِيّ فَكَلّمَهُ رَجُل فأَغْضَبَهُ فَقَامَ فَتَوَضّأَ ثمّ رَجَعَ وَقَدْ تَوَضّأَ فقالَ حدّثنِي أَبِي عن جَدّي عَطِيّة قال:َ قالَ رَسُولُ الله :( إِنّ الْغَضَبَ مِنَ الشّيْطَانِ، وَإِنّ الشّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النّارِ، وَإِنّمَا تُطْفَأُ النّارُ بالمَاءِ، فإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُم فَلْيَتَوَضّأْ) ، وقال ابن عبد البر : (عطية بن عروة السعدي روى عنه أهل اليمن وأهل الشام، هو جد عروة بن محمد بن عطية).
وأما ولده محمد بن عطية البلقاوي فكان صاحب فضل في إنشاء مدرسة، تعلّم فيها بنوه وأبناء بنيه، قال ابن حجر : ذكره أبو الحسن بن سميع في الطبقة الثالثة من التابعين وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال البخاري : (محمد بن عطية بن عروة السعدي عن أبيه روى عنه ابنه عروة)، فعن عروة بن محمد بن عطية السعدي قال: حدثني أبي قال: قدمت على رسول الله في أناس من بني سعد بن بكر، وكنت أصغر القوم، فخلفوني في رحالهم، ثم أتوا رسول الله ، فقضوا حوائجهم، فقال: (هل بقي منكم أحد؟) قالوا: نعم يا رسول الله، غلام منّا خلفناه في رحالنا، فأمرهم أن يدعوني، فقالوا: أجب رسول الله، فأتيته، فلما دنوت من رسول الله قال: {ما أغناك الله فلا تسأل الناس شيئاً، فإن اليد العليا هي المُنطِية، واليد السفلى هي المُنطَاة، وإن مال الله لمسؤول ومنطي}، فكلمني رسول الله بلغتنا) .
ومن أبناء محمد رحمه الله عروة بن محمد بن عطية السعدي رحمه الله، الذي كان عاملاً لعمر بن عبد العزيز رحمه الله على اليمن ، وقال على بن المديني:(كان عروة والياً على اليمن عشرين سنة، وخرج حين خرج وليس معه غير سيف ومصحف).
وعن عروة بن محمد قال: (لما استعملت على اليمن قال لي أبي: أوليت اليمن؟ قلت: نعم، قال: فإذا غضبت فانظر إلى السماء فوقك، وإلى الأرض أسفل منك، ثم أعظم خالقهما)، فهذا يدل على أن محمداً بقي إلى خلافة عمر بن عبد العزيز رحمه الله؛ لأن عمر هو الذي ولّى عروة اليمن، وفي اختيار عمر بن عبد العزيز له دليل على صلاحه.
قال ابن عساكر: محمد بن عطية بن عروة السعدي من بني سعد بن بكر، يقال: إن له صحبة والصحيح أن لأبيه عطية صحبة وهو من أهل البلقاء، وفي موطن آخر قال: وهو في الطبقة الثالثة من التابعين، مات على رأس المائة .
رابعاً: التابعي الجليل عبادة بن نُسَي قائد جنود الأردن: التابعي الجليل، التابعي عبادة بن نُسَي؛ أبو عمر، قاضي طبرية وقائد جنود الأردن، العالم، سيد أهل الأردن في زمانه، قال البخاري : (عبادة ابن نسي الشامي سيدُهم)، وهو ثقة، فاضل من الطبقة الثالثة كبير القدر؛ ذكره ابن حبان رحمه الله في الثقات ، وقال: (عبادة بن نسي، يروى عن جماعة من التابعين أصحاب معاذ وأبي الدرداء رضي الله عنهما)، وروى عنه أهل الشام وهو شاب، وقال الفيروزآبادي في القاموس:(الأردن منها عبادة بن نسي)، ولي عبادة قضاء الأردن من قِبَل عبد الملك بن مروان، ثم ولاه الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله الأردن نائباً له، وقائداً لجند الأردن، مما يدل على قدرته العسكرية وكفاءته العلمية، وصلابته في الحق، توفي عبادة بن نسي الأردني الكندي في سنة (118هـ) رحمه الله، وترجم لحياته علماء التراجم؛ كالبخاري وابن عساكر وغيرهما، بأوصاف حسنة، وسيرة طيبة.
خامساً: التابعي الجليل نعيم بن سلامة السبائي الأردني كاتب الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز: سمع الحديث الشريف من ابن عمر رضي الله عنهما، وسأله بعض المسائل، وروى عن رجل من الصحابة من بني سليم، وكان عاملاً على خاتم سليمان بن عبد الملك، وعلى خاتم عمر بن عبد العزيز أيضاً، وسمع مكحولاً، وسليمان بن موسى، وعطاء الخراساني، وعباده بن نسي، وقتادة بن دعامة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وابنه عيسى بن عبد الرحمن، وابن جريج وغيرهم، وقال ابن معين: (هو ثقة)، وكذلك قال أبو زرعة الدمشقي، ومما يرشدك إلى عظيم فضله أنه كان كاتباً للخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز رحمه الله.
سادساً:التابعي الجليل عروة بن رويم اللخمي الأردني: قال الذهبي : الفقيه المحدث أبو القاسم حدث عن أبي ثعلبة الخشني، سمع الحديث الشريف من أبي إدريس الخولاني، وروى عنه محمد ابن مهاجر، وهشام بن سعد، وسعيد بن عبد العزيز، ويحيى بن حمزة، ومحمد بن شعيب، ووثّقه ابن معين، قال سعيد بن عبد العزيز: توفي سنة أربعين ومائة (140هـ).
سابعاً: التابعي الجليل عتبة بن حكيم الهمداني الأردني : تلميذ التابعي نعيم بن سلامة السبائي، وهو من علماء الحديث المشهورين؛ سمع الحديث الشريف من طلحة بن نافع، وسمع مكحولاً، والزهري، وعطاء الخراساني، وعبادة بن نسي، وقتادة بن دعامة، وعبدالرحمن ابن أبي ليلى، وابنه عيسى بن عبد الرحمن، وابن جريج وغيرهم، وروى عنه الأحاديث يحيى بن حمزة الدمشقي، ومسلمة ابن علي، ومحمد بن شعيب، وإسماعيل بن عياش، وبقية بن الوليد، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم، وقال ابن معين: هو ثقة، وكذلك أبو زرعة الدمشقي، قال أبو القاسم الطبراني: كان ينزل بطبرية، وهو من ثقات المسلمين، ورد اسم عتبة في صحيح البخاري؛ فقد ذكر ابن حجر أنه وقع اسمه في كتاب العلم من صحيح البخاري ضمناً، وذلك عقب حديث (من يُرد الله به خيراً يفقهه في الدين) ؛ إذ قال: (وإنما العلم بالتعلم، وقد وصل ذلك أبو بكر ابن أبي عاصم في كتاب العلم) ، وبيّن ابن حجر سنده في تغليق التعليق المشهور، والله تعالى أعلم رحل عتبة رحمه الله في طلب العلم عموماً، وفي طلب علم الحديث على وجه الخصوص، ويذكر أنه توفي في مدينة صور، ولا شك أنه كان يعلم الُحديث هناك، آنذاك، توفي في صور، سنة سبع وأربعين ومائة (147هـ)؛ وهذا يُشعر بقرب زمانه من العصر الزاهر؛ عصر النبي ؛ مصدر الإشعاع والنور.
المبحث الرابع: المدارس الإسلامية والقصور والقلاع
وأسواق الحجيج في المدن والقرى الأردنية
أولا: الحميمة بها قبر الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك وسكنها علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم وفيها المسجد العباسي وهي منطلق الدولة العباسية وولد فيها أكثر الخلفاء العباسيين: الحُميمَةُ تصغير الحمة، وهي في اللغة الأرض؛ صلبة حجارتها سوداءُ ملساء، لازقة بها، متدانية ومتفرقة، تنبت نبتاً ليس بالقليل ولا الكثير ، وهي بلدة أردنية، من أرض الشراة، تقع قريباً من مدينة معان، وتقبع البلدة على سفح جبل يبلغ ارتفاعه (1237م)، عرفت في العهود القديمة بمكانتها، إذ كانت من المدن التي بلغت أوج ازدهارها وتطورها في عهد الأنباط؛ إذ أصبحت من المحطات التجارية البارزة لاستقبال قوافل التجارة؛ القادمة من الجزيرة العربية والذاهبة شمالاً إلى الشام، وقام الأنباط بتزويد الحميمة بالمياه، عبر قنوات حجرية من الينابيع المجاورة؛ حيث استخدمت المياه للشرب وري المزروعات، وبعد نهاية دولة الأنباط عام (106م) وقعت الحميمة تحت الحكم الروماني؛ حيث اتخذها الرومان حامية لهم وجعلوا منها محطة للبريد والاستراحة.وفي الإسلام أصبحت مدينة عربية إسلامية شامية، أعزها الله بمساجدها وبرجالها جند الإسلام، واستمرت مدينة عامرة ومزدهرة، وزادت مكانتها عندما سكنها التابعي الجليل علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم؛ إذ أعطاها له الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك سنة (95هـ/713م)، فاتخذها مقراً دائماً له وداراً للضيافة، وبنى بها قصراً ، وتوفي بها عام (125هـ/ 743م) وبها قبره ، ولكن القبر غير معروف اليوم، ظلت الحميمة في عهده هادئة ساكنة، وكان يقال لها:(العباسية)؛ نسبة إلى الدولة العباسية كون المنطقة هي منطلق الدولة العباسية؛ حيث وفرت الأمن للعباسيين وذلك لبعدها عن عاصمة الأمويين في دمشق، ولوقوعها على طريق الحج والتجارة للقادمين من الشام؛ حيث كان الدعاة يجتمعون بالعباسيين؛ ويتلقون التعليمات منهم، وبقيت كذلك إلى أن عمت الدعوة العباسية خراسان والعراق وانتهت بزوال الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية في عام (132هـ/ 750م)، وبعد نجاحهم غادروا الحميمة إلى العراق، وأسسوا دولتهم هناك والتي استمرت الدولة العباسية فيها لأكثر من أربعة قرون اشتهرت في عهد العباسيين بأنها مدينة عريقة بجمال طبيعتها، وغزارة مياهها، وعليل هوائها، وخضرة أشجارها، وقد احتضنت من أجساد آل البيت الأطهار، وفيها المواقع التاريخية والأثرية، وفيها إلى اليوم بقايا المنازل والقصور التي بناها الأنباط والرومان، والمساجد التي بناها الأمويون، ومما يجلب الانتباه جبالها الوردية؛ التي تشبه جبال البتراء، والتي يحلو الاستمتاع بالنظر إليها ومشاهدتها.
عاش في الحميمة كثير من الخلفاء والعلماء والقادة العباسيين، ومنهم من وُلد فيها، وقد نقل ابن سعد قول أحدهم: سمعت الأشياخ يقولون: لقد أفضَت الخلافة إليهم، وما في الأرض أحد أكثر قارئاً للقرآن ولا أفضل عابداً وناسكاً منهم بالحميمة؛ ومن هؤلاء الأفاضل والفضليات:التابعي الجليل علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم، ومحمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وداود بن علي بن عبد الله بن عباس، وسليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، وعبدالله بن علي بن عبد الله بن عباس، وعبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فاطمة بنت علي بن عبد الله بن العباس، موسى بن محمد بن علي، إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله ابن العباس، والسفاح؛ عبد الله بن محمد بن علي، وأبو جعفر المنصور، وعيسى بن موسى بن محمد بن علي، وزينب بنت الأمير سليمان، محمد بن جعفر بن عبيد الله بن العباس.
ثانياً: البلقاء (السلط) قلاعها وعلماؤها: البلقاء عند السابقين كورة بجوار عمان، كانت تنسب عمان إليها؛ فيقال: عمان البلقاء، وقد وردت عمان بهذه النسبة في الحديث النبوي الشريف؛ إذ قال رسول الله : (حَوْضِي من عَدَنٍ إلى عَمّانَ البَلْقَاءِ، مَاؤُهُ أَشَدّ بَيَاضاً مِنَ اللّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَأَكْوَابُهُ عَدَدُ نُجُومِ السّمَاءِ، مَنْ شَرَبَ مِنْهُ شَرْبَةً، لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَداً) ، سميت البلقاء بهذا الاسم بسبب جمالها، فهي من البلق، وهو سواد وبياض، وهذا يعني الألوان المزدهية الكثيرة، والخيرات الوفيرة، ولذلك كانت عمان تُنسب إلى البلقاء؛ كما في الحديث آنف الذكر، وكانت تمتد إلى مؤتة، قال ياقوت : (البلقاء كورة من أعمال دمشق، بين الشام ووادي القرى قصبتها عمّان، وفيها قرى كثيرة ومزارع واسعة، وبجودة حنطتها يضرب المثل، ذكر هشام بن محمد عن الشرقي بن القطامي أنها سميت البلقاء لأن بالق من بني عمان بن لوط عليه السلام عمرها ، ومن البلقاء قرية الجبارين التي أراد الله تعالى بقوله:{إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ} ، وقال قوم: وبالبلقاء مدينة الشراة؛ شراة الشام، أرض معروفة، وبها الكهف والرقيم، فيما زعم بعضهم، وذكر بعض أهل السير أنها سميت ببلقاء بن سويدة من بني عسل بن لوط عليه السلام، وأما الاشتقاق فهو من البلق، وهو سواد وبياض مختلطان، ولذلك قيل: أبلق وبلقاء، والبلق أيضاً الفسطاط)، ولعلها سميت البلقاء بهذا الاسم لجمال طبيعتها، وألوانها المزدهية، فقد كانت كثيرة القرى، كما هي اليوم، لكنها في السابق أوسع منها اليوم، تمتد من اربد شمالاً إلى مؤتة جنوباً إلى أريحا غرباً، واسعة المزارع، يضرب المثل في خصبها، ووفرة مائها، وجودة حنطتها، والبلقاء اليوم محافظة وسط الأردن ممتلئة مدناً وقرىً وأودية، يقال: إن أبا عبيدة لما مرّ بأرض البلقاء قاتلهم حتى صالحوه، وكان أول صلح وقع بالشام، وفي عهد هشام بن عبد الملك ولّى صفوان بن سلمة على البلقاء، ووليها ولده علي بن صفوان بعده في زمن السفاح، وكان قد ساد قضاعة بالشام، وولي البلقاء ابنه شراحيل بن علي بعده، وعقد له المهدي على بعث الأردن إلى إفريقية ، وفيها قلاع كثيرة أشهرها قلعة السلط، وذكر المؤرخون أسماء نخبة من العلماء من أهل البلقاء، ووصفوهم بوصف البلقاوي؛ إشارة إلى أنه من البلقاء، وأولهم الصحابي الجليل سَيمَويه البلقاوي الذي كان يتاجر بالحنطة إلى المدينة المنوّرة، ومنهم من ذكره ياقوت الحموي في معجم البلدان ، ومن هؤلاء: مهدي بن إبراهيم البلقاوي، ويحيى بن عبد الله بن أسامة القرشي البلقاوي، ومحمد بن زيد أبو زيد البلقاوي، والإمام الحافظ أبو الخير الزبيدي، وقريش بن المستنير بن المستهل أبو فراس الربعي، ومحمد بن عبد الله الصلتي الهكاري.
ثالثاً: قصر الأزرق الأيوبي بناه القائد الإسلامي عز الدين أيبك: تقع مدينة الأزرق بجوار شجرة الباقوعية التي استظل الرسول e تحتها، وهي واحة يانعة؛ لما تحتويه من مياه عذبة، وأشجار مختلفة، والتي انتشرت بها الحيوانات المختلفة الأنواع بالإضافة إلى وقوع هذه الواحة عند بوابة وادي السرحان؛ وتتميز بأشجار النخيل المنتشرة في سهل الواحة؛ فتضفي عليه الظلال والخضرة؛ مما يدل على أهمية هذه الواحة، وفيها قلعة يقال لها: قصر الأزرق، ويقع في البادية الأردنية، ويعود تاريخه إلى العصر الروماني، وقد أعيد بناء هذا القصر في العهد الأيوبي، كما يفيد النقش الأثري الذي يعلو بوابة القصر، الذي يشير أن القائد الإسلامي عز الدين أيبك أمر بعمارة هذا القصر سنة 634 هجرية، إبان فترة حكمه التي امتدت من عام (۱۲۱۳ – 1238م) ، ويمكن أنه أعاد بناءها حيث قام ببناء جامع كبير وسط باحة القلعة.
رابعاً: العقبة (أيلة) فتحها النبي e وهي بلد لقمان الحكيم ومنها رواة للحديث النبوي الشريف وشيخهم الزهري وقلعتها مدرسة إسلامية: بلدة قديمة؛ قال المقريزي : (مدينة على شاطئ البحر فيما بين مصر ومكة، سُميت: بأيلة بنت مدين بن إبراهيم عليه السلام، وأيلة، أول حدّ الحجاز، وقد كانت مدينة جليلة القدر على ساحل البحر الملح، بها التجارة الكثيرة، وأهلها أخلاط من الناس، وكانت حدّ مملكة الروم في الزمن الغابر.... والطور الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام على يوم وليلة من أيلة، وكانت في الإسلام منزلاً لبني أمية، وأكثرهم موالي عثمان بن عفان t، وكانوا سقاة الحاج، وكان بها علم كثير، وآداب ومتاجر وأسواق عامرة، وكانت كثيرة النخل والزروع، وعقبة أيلة لا يصعد إليها من هو راكب، كان بأيلة مساجد عديدة، وبها كثير من اليهود، ويزعمون أن عندهم بُرد النبيّ e، وأنه بعثه إليهم أماناً، وكانوا يخرجونه رداء عَدَنياً ملفوفاً في الثياب قد أبرز منه قدر شبر فقط)، والعقبة خليج على البحر الأحمر، ذكرها ياقوت الحموي ، وذكر أنها مدينة على ساحل بحر القُلُزم مما يلي الشام، وبحر القُلُزم هو البحر الأحمر؛ سمي بهذا الاسم نسبة إلى بلدة على ساحله اسمها القُلُزم، وقال ياقوت : (سمي بحر القلزم قلزماً لالتهامه من ركبه وهو المكان الذي غرق فيه فرعون وآله، تُعدّ العقبة في بلاد الشام، وقيل: هي آخر الحجاز وأول الشام، كانت قبل الإسلام مدينة لليهود؛ وهم الذين حرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت؛ قال الله تعالى: {واسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ} ، وكان من خبر أهل القرية أنهم كانوا من بني إسرائيل، وقد حرّم الله عليهم العمل في يوم السبت، فزين لهم إبليس الحيلة، وقال: إنما نهيتم عن أخذ الحيتان يوم السبت، فاتخذوا الحياض، فكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم الجمعة، فتبقى فيها، فلا يمكنها الخروج منها لقلة الماء، فيأخذونها يوم الأحد، وسكنها النصارى أيضاً، ولما غزا رسول الله e تبوك خشي ملك أيلة أن يرسل إليه جيشاً يحاربه، فقدم على النبي e، فصالحه، ولما وجّه أبو بكر رحمه الله الجيوش إلى الشام سنة اثنتي عشرة، فبعث عمرو بن العاص قبل فلسطين؛ فأخذ طريق أيلة، وبعث يزيد بن أبي سفيان وأبا عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة، وأمرهم أن يسلكوا التبوكية على البلقاء من علياء الشام ، ودخل عمر بن الخطاب أيلة، ومعه المهاجرون والأنصار ، وفي سنة ست وستين وخمسمائة (566)، أنشأ الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، مراكب مفصلة، وحملها على الجمال، وسار بها من القاهرة في عسكر كبير لمحاربة قلعة أيلة، وكان قد ملكها الفرنج، وامتنعوا بها، فنازلها في ربيع الأوّل، وأقام المراكب وأصلحها وطرحها في البحر، وشحنها بالمقاتلة والأسلحة، وقاتل قلعة أيلة في البرّ والبحر حتى فتحها في العشرين من شهر ربيع الآخر، وقتل من بها من الفرنج وأسرهم، وأسكن بها جماعة من ثقاته، وقوّاهم بما يحتاجون إليه من سلاح وغيره، وعاد إلى القاهرة في آخر جمادى الأولى، لقد دفن فيها عدد من العلماء؛ منهم: عبد الله بن أحمد اللخمي التونسي الفرياني، مات راجعاً من مكة إلى مصر، وابن الشاهد الجمالي، وعبد الحكم بن أعين بن الليث مولى رافع مولى عثمان بن عفان، وابن سحلول والشمس الهيثمي، ومحمد أبو النجا المرشدي، وسكن العقبة قوم من بني أمية، وأكثرهم موالي عثمان t، كانوا سقاة الحاج، وسكنها الزهري المحدّث، وللزهري هناك ضيعة، فكان يُكتب عنه الحديث هناك ، وكان طلاب العلم من أهل العقبة يرحلون إلى مصر؛ لقربها منهم، وكانت تُعدّ جغرافياً بلدة من مصر، ولذلك انتشروا في مصر، وتذكر وفاة بعضهم في البلاد المصرية، وأصلهم من أيلة ، والذي يتأمل في كتب الحديث يجزم أن مدرسة أيلة في الحديث عريقة؛ كثُر تلاميذها، واتسع سورها، وأنها كانت ثغر الشام الباسم بأكمله في الحديث النبوي الشريف وعلومه وممن ينسب إلى أيلة من رواة الحديث:التابعي الجليل خالد بن عقيل الأيلي، والتابعي الجليل عقيل بن خالد الأيلي، وإبراهيم بن عقيل بن خالد الأيلي، والتابعي الجليل زياد بن عقيل الأيلي، وسلامة بن روح بن خالد بن أبى عقيل الأيلي، ومحمد بن سلام بن عبد الله بن عقيل بن خالد الأيلي، ومحمد بن عزيز بن عبد الله بن زياد بن عقيل، ويونس بن يزيد بن أبي النجاد، وأبو علي بن يزيد الأيلي، وسعيد بن يزيد الأيلي، وعنبسة بن خالد بن يزيد بن أبي النجاد، يزيد بن يونس بن يزيد الأيلي.
خامساً: علماء الكرك وقلعتها جوهرة الصحراء: استولى عليها الظاهر بيبرس وهي مليئة بالآثار عامرة بالمشاهد: الكرك محافظة أردنية، تقع في جنوب الأردن، قريباً من أرض مؤتة، وفي الشمال الغربي من مدينة معان، ولقد وُصف كثير من العلماء بأنه كركي، ونسبوا إلى الكرك (كرك الشوبك) كما تسمّى في التاريخ، قال ياقوت الحموي :(كرك- بفتح أوله وثانيه وكاف أخرى- اسم لقلعة حصينة جداً، في طرف الشام، من نواحي البلقاء، في جبالها، بين أيلة وبحر القُلزُم وبيت المقدس، وهي على سن جبلٍ عالٍ، تحيط بها أودية إلا من جهة الربض)، يريد قلعة الربض، التي تربض على أعلى قمةٍ في عجلون، وكانت الكرك تعرف بكرك الشوبك، وهناك قرية كبيرة قرب بعلبك بها قبر طويل يزعم أهل تلك النواحي أنه قبر نوح عليه السلام، تسمى كرك نوح، وشتان بينهما في المسافة، وتشرف القلعة غرباً على منطقة الأغوار الجنوبية؛ قال ابن بطوطة : (هو من أعجب الحصون وأمنعها وأشهرها، ويسمى بحصن الغراب والوادي يطيف به من جميع جهاته، وله باب واحد قد نحت المدخل إليه في الحجر الصلد، ومدخل دهليزه كذلك، وبهذا الحصن يتحصن الملوك، وإليه يلجأون في النوائب)؛ فهي من القلاع ذات الأهمية بالنسبة للعديد من الدول والحضارات؛ وهي محاطة من جميع الجهات بواجهات دفاعية طبيعية، باستثناء الجهة الشمالية التي حفر لها خندق في الصخر؛ يوصل القلعة بالمدينة، ويدعم الخندق برجان، ولقلعة الكرك أربعة أسوار لا زالت جميعها قائمة، وإن كانت بعض الأبراج المنصوبة عليها قد اعتراها التغيير، بفعل ما تعرضت له المنطقة من زلازل متلاحقة، أو نتيجة الحروب والحصار، أو بسبب عوامل الزمن، وتتألف القلعة من الداخل من جزأين رئيسيين؛ الجزء الأسفل ويقع في الجهة الغربية على يمين الداخل للقلعة، والجزء الأعلى ويقع على يسار الداخل من جهة الشرق، وقد شهدت القلعة أحداثاً تاريخية كبيرة فرضتها طبيعة القلعة؛ ويعود تاريخ الكرك إلى العصر الحديدي نحو سنة 200ر1 قبل الميلاد، وتعاقب عليها المؤابيون والأشوريون والأنباط واليونان والرومان والبيزنطيون، ودخل المسلمون الأردن، وظلت الكرك في العصر الإسلامي محمية، واشتهرت المنطقة كافة بالتحركات السياسية في عهد الخلفاء الراشدين، وفي الدولتين الأموية والعباسية.
1. احتلت قوات الصليبيين مدينة الكرك، اشتهرت الكرك إبان الحروب الصليبية، بعد استيلاء الصليبين على بيت المقدس، فأقام الملك بولدين الأول المتوفى 509 هـ حصناً؛ لحماية الحدود الجنوبية الشرقية لمملكة بيت المقدس، وأصلها الأول معبد، وأطلق عليها الصليبيون اسم (جوهرة الصحراء)؛ وكانت الكرك مركز المملكة الصليبية، إلا أن المملكة الصليبية كانت مشهورة بالتهور والوحشية، وذلك من خلال خرق المواثيق والمعاهدات، كما كانت تتعرض لقوافل التجار والحجاج في طريقهم إلى مكة المكرمة، وقامت بشن حملات على عديد من الموانئ العربية على شواطئ البحر الأحمر، وبلغت الغطرسة أنها حاولت تهديد موطن الإسلام الأول مكة المكرمة؛ الأمر الذي دفع صلاح الدين الأيوبي إلى استجماع قواه العسكرية، وقام بحمله قويه على هذه المدينة، وأحرقها ونجح في طرد الصليبيين منها، بعد أن ظلت القلعة في قبضة الصليبيين مدة تزيد عن أربعين سنة.
2. أصبحت هذه القلعة حصنا أيوبياً، إذ استسلمت القلعة لقوات صلاح الدين، فدخلت في الحكم الأيوبي، وقتل حاكمها أرناط وذلك عام أربع وثمانين وخمسمائة (584 هـ /1188م)، استخدم صلاح الدين القلعة موقعاً لإطلاق أسلحته ومنجنيقاته على قوات الصليبيين حتى أخرجهم من المنطقة، وبذلك أمكنه السيطرة على وادي عربة وخليج العقبة، بالإضافة إلى حصن الشوبك، وقد مكّن الحصنان الصليبين من قطع الاتصال بين مصر والشام، والسيطرة على طرق القوافل الذاهبة جنوباً إلى المدينة، ومكنت الملك من بسط سيطرته على حقول القمح في الكرك وطرق التجارة والقوافل، وعاشت عصرها الذهبي في العصر الأيوبي عندما جعلها السلاطين عاصمة لملكهم، وقاموا ببناء المدارس، ودور العلم، ومراكز الاستشفاء، وبنوا الأبراج الجديدة لتحمي القلعة من هجمات الأعداء، وطمسوا بإصلاحاتهم وما جروه عليها من تعديلات المعالم الصليبية فيها مما أعادها قلعة إسلامية.
3. استولى الظاهر بيبرس على القلعة سنة 1262م، وبرزت النقوش الإسلامية على جدران القلعة باسمه؛ فعلى أحد الأبراج: (إنها عمارة مولانا السلطان، الملك الظاهر، السيد الأجل الكبير، العالم العادل المجاهد، المرابط المؤيد المظفر المنصور، ركن الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، سيد الملوك والسلاطين، ناصر الحق مغيث الخلق ملك البحرين، صاحب القبلتين خادم الحرمين الشريفين، محيي الخلافة المعظمة، ظل الله في الأرض، قسيم أمير المؤمنين بيبرس بن عبدالله الصالحي أعز الله أنصاره)، وفي الفترة المتأخرة من تاريخها وخصوصا في نهايات الدولة المملوكية تدنت أهمية القلعة، وتعرضت لغزوات القبائل البدوية، ولم تكن القلعة ومنطقة الكرك تحت أية سلطة مركزية في ذلك الوقت، وأضحت القلعة منفى سلاطين المماليك، وكان أول المنفيين إلى الكرك من سلاطين المماليك أحد أبناء السلطان الظاهر بيبرس؛ وذلك عام 1279 م، ونُفي إليها محمد بن قلاوون عام 1293م، ومن الكرك عاد محمد بن قلاوون للكرسي مرة أخرى عام 1309 م, وبقي للكرك هذا الوضع الغريب طوال دولة المماليك.
4. عام 1516م تمت سيطرة العثمانيين على الكرك والقلعة، وأصبحت حامية تركية، وأعيد استخدامها مركزاً للجند، بعد أن دُمر جزء كبير منها أثناء عملية السيطرة عليها واحتلالها.
5. في العصر الحديث شهدت المزيد من التطوير والتحسين وأعمال الصيانة التي شملت مرافق القلعة وأسوارها وأبراجها.
لقد وُصف كثير من العلماء بأنه كركي، ونسبوا إلى الكرك، وهم:البرهان الكركي إبراهيم ابن موسى، والبرهان إبراهيم بن عبد الرحمن الكركي.
سادساً: مسجد عجلون وقلعتها منظر وتاريخ: تربض مدينة عجلون على سفح مرتفع يطل على غور الأردن، وهي شهيرة بقلعتها التاريخية التي تسمى قلعة الربض، لأنها تربض فوق أعلى قمة في جبال عجلون، وتجذب هذه القلعة أعداداً كبيرة من الزائرين؛ لما لها من قيمة دينية، ذكر ابن كثير أنه في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة (728هـ) حدث حادث عظيم في عجلون في ذلك العام؛ فقال: (جاء إلى مدينة عجلون سيل عظيم، من أول النهار إلى وقت العصر، فهدم من جامعها وأسواقها ورباعها ودورها شيئاً كثيراً، وغرق سبعة نفر، وهلك للناس شيء كثير؛ من الأموال والغلات والأمتعة والمواشي ما يقارب قيمته ألف ألف درهم، والله أعلم، وإنا لله وإنا إليه راجعون)، ولقد زار الرحالة ابن بطوطة مدينة عجلون، وهو في طريقه من القدس إلى دمشق، ووصفها فقال: (هي مدينة حسنة، لها أسواق كثيرة، وقلعة خطيرة، ويشقها نهر؛ ماؤه عذب) ، وتتميز عجلون بجمالها الطبيعي، وغاباتها الكبيرة، وطقسها الرائع صيفاً، ووفرة منتجاتها من الزيتون، وكافة أنواع الخضار والفواكه، التي تعتمد على مياه العيون، وتعدّ عجلون مصيفاً مميزاً، وتخلو أراضيها من الصحراء، وتكسو الأشجار جبالها التي ترتفع أكثر من ألف متر عن مستوى سطح البحر، كانت موطن الغزلان، لارتفاع تلك القمم، وشدة اكتظاظها، وكثرة غابات الصنوبر والبلوط، وتمتاز بنسماتها الرطبة الندية، وقد تغنّى بها القدماء والمعاصرون من رحالة وأدباء وشعراء، عاصرت عجلون العديد من الأحداث التاريخية، فسكنها الرومان في العصور القديمة، وفتحها المسلمون في عهد الخليفة أبي بكر الصديق ، على يد القائد المسلم شرحبيل بن حسنة في عام 636م، وفي القرن الثالث عشر الميلادي غزاها التتار، وهدموا أجزاء من القلعة، ودمروا المدينة وأسواقها، واستطاع القادة المسلمون في عهد المماليك القضاء على الغزو المغولي، وعادت عجلون إلى الحكم الإسلامي، وفي العهد العثماني أصبحت عجلون نيابة وتتبع ولاية دمشق وأحياناً ولاية صفد في فلسطين، ومثلت عجلون سفراً تاريخياً مجيداً، وصفحة من صفحات المجد الإسلامي التليد، وثغراًَ مدافعاً عن حمى الإسلام ودياره، ولقد ظهرت في عجلون حركة علمية وثقافية، أفرزت عدداً كبيراً من العلماء والمفكرين كان لهم الفضل في نشر الفقه الإسلامي وتعزيز العقيدة، وتشتهر عجلون أيضاً بالحمامات المملوكية التي تضم قاعات للتبريد وأخرى للتحمية، وحول وادي الطواحين تنتشر الطواحين المائية التي استعملت لطحن القمح وإنتاج الدقيق، ومن أهم معالم عجلون الإسلامية قلعتها ومسجدها، وأما قلعة عجلون فتقع على قمة جبل في الجنوب الغربي منها، وترتفع 1023 متراً عن سطح البحر، وقد بناها عز الدين أسامة بن منقذ، وهو أحد القادة البارزين، الذين خاضوا الحروب إلى جانب القائد الشهير صلاح الدين الأيوبي، وتمّ بناؤها في حدود عام 580 هـ، وذلك ما بين عامي 1184– 1185م، واتخذ صلاح الدين القلعة قاعدة له في حملته العسكرية الباهرة لطرد الغزاة الصليبين، ولتقف في وجه التوسع الإفرنجي الصليبي، وتحافظ على طرق المواصلات مع دمشق وشمال سوريا، وتشرف على المعابر الرئيسة، وأهمها وادي كفرنجة، ووادي راجب، ووادي الريان، ويعتبر موقعها استراتيجياً؛ لأنها تسيطر على طرق المواصلات بين سوريا وجنوب الأردن، وكانت له أغراض إدارية واقتصادية؛ حيث شكلت مركزاً إدارياً تابعاً لسنجق دمشق، وكانت كذلك قاعدة للإمداد والتخزين، ومحطة إنذار مبكر، ونقطة انطلاق لتحرير فلسطين من أيدي الصليبيين، وقد استغرق بناؤها عامين، وفي عهد المماليك أصبحت القلعة مركزاً للبريد، بسبب موقعها المرتفع الذي جعل منها موضعاً مثالياً لإحدى المنارات، وهكذا كانت مركزاً للحمام الزاجل الذي كانت تُرسَل الأنباء بوساطته من حدود الفرات إلى القاهرة بين شروق الشمس ومغيبها، إنها على جبل عوف؛ وعوف اسم قبيلة كانوا سادة المنطقة وفرسانها، وأصحاب بأس شديد، ولا يدخلون تحت طاعة أحد، حتى دخلها عز الدين أسامة؛ وبنى القلعة لتكون ثغراً من ثغور الإسلام، شيدت بأيد عربية مسلمة، وبأسلوب معماري وعسكري يأخذ الألباب، وضرب حولها خندق سحيق؛ يمنع الغزاة من الفرسان أو المشاة من الاقتراب أو الاقتحام، ولها مدخل واحد، وبداخلها أبراج كثيرة؛ تزخر بفتحات لاستعمال الرماة، وفيها مسالك صممت بمنتهى الإتقان، وبعض قاعاتها مزودة بخدمات متكاملة؛ لها نوافذ كانت تغلق بحجارة سهلة التحريك في أيام الحرب، وتزال منها النوافذ في أثناء السلم؛ لدخول الشمس والهواء إلى داخل القلعة، وتتميز حجارتها بأنها خشنة وضخمة، تمثل قلعة الربض طراز الفن المعماري عند المسلمين العرب، فلها شكل هندسي مربع، ولها أربعة أبراج يتكون كل برج منها من طابقين، وقد أُضيف البرجان الواقعان إلى يمين المدخل الحالي للقلعة بعد معركة حطين، وتحوي القلعة على صخرة من يستطيع أن يفسر رموزها قد يكتشف جميع مخارج القلعة، وما زالت باقية رغم تعرضها لزلزال عام 1837م، فهي قلعة عنيدة، تذكّر بالنصر المؤزر، قال القلقشندي فيها : (مبنيةٌ على جبل، يُعرف بجبل عوف، المتقدم ذكره في جبال الشام المشهورة؛ تشرف على الغور، وهي محدثة البناء بناها عز الدين أسامة بن منقذ؛ أحد أكابر أمراء السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب في سنة ثمانين وخمسمائة؛ قال في مسالك الأبصار : وكان مكانها دير به راهب اسمه عجلون فسميت به، قال في التعريف: وهو حصن جليل على صغره، وله حصانةٌ ومنعة منيعة، ومدينة هذه القلعة الباعونة - بفتح الباء الموحدة وألف بعدها ثم عين مضمومة وواو ساكنة ونون مفتوحة وفي آخرها هاء - وهي على شوط فرس من عجلون)، وأما مسجد عجلون فيعدّ من أشهر الآثار القديمة في المدينة، وهو بناء مستطيل الشكل من الشرق إلى الغرب، يمثل أقدم المساجد في الأردن، وقد أمر الملك نجم الدين أيوب (الملك الصالح) ببنائه سنة 1247م، كما قام السلطان الظاهر بيبرس سنة 1263م ببناء مئذنة له من الطرف الشمالي الشرقي، وما زال هذا المسجد قائماً حتى وقتنا الحاضر، كما تشتهر عجلون بالحمامات الملوكية التي بناها المماليك، حيث تضم قاعات للتبريد والتحمية، وقد اكتشفت في عام 1985 المواسير الفخارية التي كانت المياه تصل بوساطتها إلى هذه الحمامات، نسب إلى عجلون الشيخ العجلوني الجراحي: إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي بن عبد الغني، الشهير بالجراحي؛ نسبة إلى أبي عبيدة بن الجراح، أحد الصحابة العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم، ونسب العجلوني إليه لقرب مكان ولادته من مقام أبي عبيدة الجراح؛ إذ لا تبعد عجلون أكثر من عشر كيلو مترات إلى الشرق من مقامه، قرية باعون من قرى عجلون، وقد يقال لها: باعونة ، وأشهر علماء باعون قاضي القضاة، شهاب الدين، أحمد بن ناصر بن خليفة الباعوني وبرهان الدين، إبراهيم بن أحمد بن ناصر بن خليفة، ومحمد بن أحمد بن ناصر بن خليفة بن فرح ، والقاضي جمال الدين؛ وبهاء الدين البهاء بن يوسف الباعوني، وعائشة الباعونية.
سابعاً: القطرانة القلعة مدرسة علمية دفن فيها الشيخ حامد العطار والحاميات ومحطتها لرعاية حجاج بيت الله: مدينة القطرانة جنوب عمان على الطريق الصحراوي بين عمان والعقبة، على بعد نحو 90 كم، وعرفت في التاريخ بأنها محطَّة مُهمَّة على طريق الحجّ، وفيها قلعة القطرانة، التي بنيت مع قلاع أخرى في عام 937هـ/1531م، خصوصاً لحماية طريق الحج، حيث أن هذه القلعة كانت إحدى المراحل الرئيسية على طريق الحج؛ مثلها مثل القسطل، وزيزياء، وقلعة الحساء، وتقع على الطريق التي أمر بشقِّها السلطان سليمان القانوني، وكما هو معروف فإن طريق الحج هذه تقع على الطريق الرومانية القديمة، لذلك فإنه من الممكن أن تكون القطرانة قد بنيت على آثار إحدى القلاع الرومانية، فيعود تاريخ القلعة إلى العهد التركي، وعلى كلٍ تعتبر من أهم وأقدم معالم المكان، وتقع القلعة إلى الشمال الغربي من البلدة، والذي يسترعي الانتباه الخزان المستطيل الشكل الذي يقع في الناحية الشمالية من القلعة، ويقوم بتغذية هذا الخزان بالماء قناتان اصطناعيتان، والخزان بركة ماء قديمة، يرتبط تاريخها بالقلعة، وتؤكد وجود البشر في هذا الموقع منذ أزمنة بعيدة، وقد ذكر الشيخ عبد الرزاق البيطار أن في القلعة دفن الشيخ حامد بن أحمد بن عبيد العطار الشافعي الأشعري الدمشقي، وقد قام رحالة عديدون بزيارة القطرانة منذ أوائل هذا القرن، ومنهم ستزن الألماني، وبيركهارت السويسري، وزارها الألماني برونوف عام 1898م، ونستنتج من تقارير هؤلاء الرحالة أنها كانت قائمة منذ عام 1805م، وربما تكون قد بنيت قبل هذا التاريخ.
ثامناً: الحسا سكنها الفقيه ابن سحمان الشريشي وقلعتها محطة استراحة للحجاج: تبعد قلعة الحسا مسافة نحو 150 كم، إلى الجنوب من عمَّان، وتقع القلعة إلى الشمال من مدينة الطفيلة على بُعد (70) كم من الجانب الأيمن في الطريق الصحراوي باتجاه العقبة، وإلى الغرب من سكة حديد الحجاز بستة كيلو مترات من بلدة الحسا الصحراوية، وتقع هذه القلعة على الطريق السلطاني؛ وطريق الحج، بدأت العناية بالحسا أيام المماليك، لأنها طريق الحج، وهي معرضة للسيول الجارفة؛ فهناك نص تاريخي لابن طولون ذكر فيه أن نائب دمشق أقام بالحسا حتى وصول وفد الحجيج؛ فقال: (وفي سنة ثمان وثمانين وثمانمائة وفي عهد الملك الأشرف قايتباي حصل على أهل الحسا مشقة عظيمة، لم يعهد مثلها، بسب الثلج الذي نزل عليهم، فقد قُتل به خلق كثير، وذهب للناس أموال لا تعد ولا تحصى)، وذكر البديري الحلاق حادثة أخرى؛ فقال: (في سنة ألف ومائة وستة وخمسين هجرية كان سليمان باشا العظم والياً بدمشق الشام، وكان في ركب الحج الشريف، جاء خبر عن الحج الشريف بأنه غرق في الحسا قريباً من القطرانة، وذهب على ما قيل مقدار نصف الحاج، من خيل وجمال وبغال، ونساء ورجال وأموال وأحمال، وقد غرق لأحد التجار سبعة عشر حمل، كل حمل لا يقام بثمن، فاستغاثوا بحضرة سليمان باشا العظم والي الشام، وأمير الحاج)، ومن العلماء الذين ماتوا في الحسا الشيخ كمال الدين، أحمد بن جمال الدين أبي بكر، ابن سحمان الكبري الوائلي الشريشي الفقيه الشافعي، ذكر ذلك المقريزي .
تاسعاً: قلعة الشوبك الحصينة ومدرستها الإسلامية: تقع في الشمال الغربي من بلدة معان، قال ابن خلكان : (الشراة - بفتح الشين والراء- صقع بالشام في طريق المدينة المنورة، بالقرب من الشوبك، وهو من إقليم البلقاء، وفي بعض نواحيه القرية المعروفة بالحميمة، وهي قرية كانت لعلي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم وأولاده في أيام بني أمية)، حرر الشوبك صلاحُ الدين الأيوبي عام 1189هـ ، وأصبحت مدينة تضاهي دمشق في بساتينها وعيون مياهها، وفي أواخر القرن التاسع عشر أصبحت حامية عثمانية لتوطيد الأمن وحفظ النظام على طريق الحج الشامي، وكانت الكرك والشوبك وما حولهما بعد وفاة صلاح الدين من نصيب الملك العادل، ثم المعظم شرف، ثم الناصر داوود، فالملك المغيث، حتى استولى عليهما بيبرس عام 661هـ/ 1262 ، وأما قلعة الشوبك ففيها قال ياقوت الحموي : (قلعة حصينة في أطراف الشام، بين عمان وأيلة والقُلزم- البحر الأحمر- قرب الكرك، وذكر يحيى بن علي التنوخي في تاريخه أن يقدور الذي ملك الفرس سار في سنة 509 هـ إلى بلاد ربيعة من طيئ، وهي ياق والشراة والبلقاءُ والجبال ووادي موسى، ونزل على حصن قديم خراب يعرف بالشوبك بقرب وادي موسى فعمّره، ورتب فيه رجاله وبطل السفر من مصر إلىِ الشام بطريق البرية مع العرب بعمارة هذا الحصن)، ولقد نسب إلى الشوبك علماء أفاضل؛ منهم:القاضي ضياء الدين؛ أبو الفضائل؛ دانيال بن منكلي بن صرفا، ويوسف بن دانيال بن منكلي بن صرفا، والشيخ نور الدين علي ابن أبي الهيجاء.
تاسعاً: قلعة دار السرايا التي بناها العثمانيون في اربد وهي طريق البريد القديم: أقيمت في أيام الحكم اليوناني للبلاد حيث كانت تعرف باسم اربيلا، ومنه اسمها الحالي إربد، لكنّ ياقوت الحموي ذكرها بفتح الألف؛ فقال: (أربد بالفتح ثم السكون والباء)، وقال في تعريفها:( قرية بالأردن، قرب طبرية، عن يمين طريق المغرب، بها قبر أم موسى بن عمران عليه السلام، وقبور أربعة من أولاد يعقوب عليه السلام فيما زعموا)، وفي بعض كتب التراجم (إربل)، وهي مدينة قديمة تاريخية؛ ولها ذكر أيام الحكم اليوناني للبلاد، وتعد هذه المدينة الجميلة المنظر والموقع ذات أهمية حيوية، استطاعت أن تستقطب اهتمام العديد من الكتاب والمهتمَين، نظراً لأهمية هذه المدينة الإستراتيجية والتجارية والاقتصادية، وتمتاز بأنها دائمة الخضرة، سكنها بعض الأنبياء السابقين؛ وأبناؤهم؛ قال ابن فضل الله العمري : (قبر أمّ موسى بن عمران بقرية يُقال لها إرْبِل من أعمال طبريَّة، عن يمين الطريق، وبها أربعة من أولاد يعقوب)، ولا أثر فيها لمقام أم رسول الله موسى عليه الصلاة والسلام، وفي عهد الفتوحات العربية الإسلامية تمكّن شرحبيل بن حسنة فاتح الأردن من فتح إربد وبيسان وجرش وبيت راس، ولما قسّمت الشام إلى مقاطعات كانت إربد تابعة لجند الأردن؛ الذي كانت عاصمته طبرية، وكان ليزيد بن عبد الملك الخليفة الأموي قصر في إربد، ينزله كلما أراد، وتوفي فيه، بنى الظاهر بيبرس ملك مصر والشام المتوفى سنة ست وسبعين وستمائة (676 هـ) سلسلة من المحطات للحمام الزاجل، والأبراج؛ لنقل الأخبار بالإشارات بين العراق ومصر بطريق فلسطين، مارةً بعجلون وإربد، وكان هذا الخط على جانب عظيم من الانتظام، والسرعة في نقل الأخبار بين أجزاء المملكة الواسعة الأرجاء، ويُروى أن أي حدث كان يطرأ فيما بين النهرين كانت تصل أخباره إلى السلطان في القاهرة خلال اثنتي عشرة ساعة، ومرَّ بإربد الرحالة بيركهارت السويسري عام 1812م وذكرها بقوله: (إربد هي المكان الرئيسي في المنطقة التي تدعى البطين، وتقوم قلعة إربد على تلّ، وتقع القرية عند سفحه، والصخر الكلسي الذي يمتد عبر المعراض وعجلون وبني عبيد)، وذكر بيركهارت أن الأثر الوحيد في هذا المكان هو بركة كبيرة قديمة حسنة البناء، وقد طرحت حولها عدة توابيت حجرية كبيرة، مصنوعة من ذات الصخر مع بعض النقوش البارزة المنحوتة منها، ولا أثر لهذه البركة اليوم؛ إلا إذا أريد بها البركة المشهورة في مدينة الحصن، وازدهرت اربد في العهد العثماني؛ ففي عام 1851م شكلت الحكومة العثمانية سنجق عجلون وكان تابعاً لدرعا، واتخذت اربد مركزاً لهذا السنجق، وضم نواحي الكورة وبني جهمة والسرو والوسطية وبني عبيد والكفارات وجبل عجلون وجرش، وكانت إربد مركزاً لأرزاق الجيش العثماني؛ قال القلقشندي: (المملكة القبلية جلّ البلاد الشامية، وبها أرزاق العساكر الإسلامية، وطريق الحاج إلى بيت الله الحرام، وزيارة نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام، وإلى الأرض المقدسة، التي هي على الخيرات مؤسسة، وإلى الأبواب الشريفة السلطانية، وممر التجار قاصدين الديار المصرية، ومنازل العربان، ومواطن العشران) ، ووصف القلقشندي طريق البريد القديم؛ فقال : (وقد كان الطريق قديماً من بيسان إلى طيبة اسم، ثم إلى أربد، وكانت غاية في المشقة، إذ كان المسافر ما بين بيسان وطيبة اسم يحتاج إلى خوض الشريعة، وبها معدية للفارس دون الفرس، وإنما يعبر فيها الفرس سباحة، وكان في هذا من المشقة ما لا يوصف، لا سيما أيام زيادة الشريعة وكلب البرد: لقطع الماء ومعاناة العقاب التي لا يشقها جناح العقاب، ولكن الأمير الطنبغا كافل الشام رحمه الله نقل هذا الطريق وجعلها على القصير حيث هي اليوم، ونقل المركز من الطيبة إلى زحر حين غرق بعض البريدية الجبليين بالشريعة؛ ثم من المجامع المذكورة إلى زحر، ثم منها إلى اربد)، ولأهميتها وتوسطها بنى العثمانيون قلعة السرايا في منتصف القرن التاسع عشر فوق الطرف الجنوبي لتل اربد، وفي عام 1304 هـ 1886 م أعيد بناء القلعة لتصبح مقر الحكومة، وتشبه في مخططها القلاع والخانات التي أسسها العثمانيون على درب الحج الشامي، أي مجموعة من العقود تحيط بساحة مكشوفة، ويخفي تحت سطحه بقايا إربد القديمة من فترات مختلفة، ويُنسب إلى إربد علماء أفاضل بلفظ (الإربدي)؛ من أشهرهم حسن بن أحمد بن أبي بكر بن حرز الله الإربدي، وشرف الدين، القاضي، قاسم بن محمد الإربدي، وأحمد بن سليمان بن محمد بن سليمان، الإربدي، ويحيى بن عبد الله الإربدي، وينسب إلى قرى إربد نخبة من العلماء منهم شهاب الدين، أبو العباس أحمد بن راشد بن طرخان الملكاوي، وعبد الرحمن بن موسى بن راشد بن طرخان الملكاوي، وبرهان الدين إبراهيم بن محمد بن راشد الملكاوي، ويوسف بن أحمد الجمّال الملكاوي، ةأحمد بن موسى الزراعي الحبراصي، وعلاء الدين الحَبَكي، عبد الرحمن الطََيبي والمهندس محمد الطيبي باني مقام معاذ من طيبة بني علوان،وعبد الغني بن الجناب الجُمْحي من علماء بلدة جُمحى ، والعز القدسي من علماء كفر الماء.
عاشراً: سوق الحجيج والبركة العظيمة في زيزياء (الجيزة) الزِّيزاءُ في اللغة العربية هي الأَكَمَةُ الصغيرة ، وهي أرض فسيحة مفتوحة؛ بجوار مأدبا، كانت محطة استراحة لحجاج بيت الله، قال ياقوت: ( زَيْزَاءُ من قرى البلقاء كبيرة يطؤها الحاج، ويقام بها لهم سوق، وفيها بركة عظيمة) ، ويُذكر أن الذين بنوها قبيلة المصري؛ يقال: (إنهم أعقاب من تخلف من جيش إبراهيم باشا بعد انسحابه من فلسطين، كانوا يقطنون سابقا غزة، ورحل قسم منهم إلى شرقي الأردن، وشرعوا في استثمار الأرض التي بجوار مأدبا، ثم بنوا عليها قريتي زيزياء، وسحاب )، فقام بتجهيز أربعة ألوية لأربعة قادة وأمرهم أن يسلكوا طرق القوافل؛ حيث سلك أبا عبيدة طريق وادي القرى ثم ذات المنار، ومنها إلى معان، ثم إلى مؤاب حيث التقى مع الروم بين زيزياء وعمان وانتصر عليهم، إن إبراهيم (باشا) المذكور في النص قائد، من ولاة مصر، وأصله تركي، أرسله محمد علي سنة 1247هـ بجيش إلى سورية، فاستولى على دمشق وحمص وحلب، وانقادت له بلاد الشام، وفي سنة 1254 هـ تولى السلطان عبد المجيد، فاتفق مع الانكليز على إخراج إبراهيم من سورية، فانتهى الأمر بخروجه وعودته إلى مصر توفي 1264 هـ / 1848، ازدهرت زيزياء في العصر الأموي كغيرها من مناطق البادية؛ فقد كانت من المنازل المشهورة على طريق الحجاج، وكان الوليد في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك يتخذ منها مكانا للصيد والنزهة، وينزل على بركة زيزياء، تقع البركة إلى الشمال من زيزياء، وبقى الحجاج في العصر القديم يمرون بها للتزود بالماء، وتتخذ شكلاً مستطيلاً؛ تبلغ أبعاده (87×74) متراً بينما يبلغ عمقها 17.5 قدماً، وتتقدمها مصفاة لتنقية المياه من الترسبات الطينية قبل دخولها إلى البركة، وما تزال هذه البركة بحالة جيدة إلى يومنا هذا.
حادي عشر: الرمثا إحدى محطات الحج ومدرستها إسلامية: تقع مدينة الرمثا في الجهة الشمالية الشرقية من إربد، وعلى بُعد 22 كم عنها، ويقال: هي كلمة سريانية بمعنى مرتفعات، أو صهاريج، أو بركة لجمع ماء الشتاء، ولعلها سميت بهذا الاسم من الرمث؛ وهو أخْضَرُ يَضْرِبُ إلى الغُبْرَةِ ، والمتأمل في أرض حوران عموماً يجدها كذلك، وقد مرّ الرحالة بيركهارت السويسري بالرمثا في ربيع عام 1812م، وقال: (الرمثا إحدى محطات الحج؛ التي تقع قرب بركتين مكونتين من ثلاثة جدران مرتفعة في سطح الوادي، وحين مررنا كانت إحدى عشائر عنيزة الكبيرة تسقي مواشيها من مياه البركتين، والقرية مبنية على عدة تلال، وتضم حوالي مائة عائلة، وفي ضواحيه عدة آبار عذبة المياه)، كانت الرمثا قرية مأهولة في هذا الجانب من حوران؛ ويسكنها الفلاحون؛ لخصبها؛ حيث التربة في غاية الخصب، ووفرة مائها؛ فقد كان فيها عشرة آبار للماء المتجمع من الأمطار، وهي عذبة المياه، وفيها أيضاً بركة صغيرة تقع في ضواحيها؛ وهي مشهورة بخضرتها ، إن تاريخ الرمثا العلمي يدل على وجود مدرسة علمية فيها؛ فقد نسب إليها بعض العلماء؛ باسم (الرمثاوي)، ولكن أكثرهم كان يتلقى العلم في دمشق؛ لقربها، ولكونها كانت في فترة من الزمن مركزاً للخلافة الإسلامية؛ مما حدا بطلاب العلم من الأردن أن يأرزوا إليها؛ وممن نُسب إلى الرمثا: الحسن بن علي بن سرور بن سليمان، وشرف الدين موسى بن (شهاب الدين) أحمد بن موسى، وعبد الله بن خليل بن فرج.
ثاني عشر: من علماء رحاب المفرق التابعي الجليل أحد القراء السبعة عبد الله بن عامر اليحصبي: رحاب بلدة من محافظة المفرق؛ في الشمال الشرقي من الأردن، متميزة بخصب أرضها وسهولتها، وطيب هوائها، وهي بلدة مشرفة على ما جاورها من البلاد، عند زيارتك منطقة آثار رحاب في محافظة المفرق تجد في حجارتها حكايات، وفي جدرانها الفسيفسائية نقوشاً تروي تاريخاً مليئاً بالحكايات، ولقد تم العثور على مسجد أيوبي مملوكي فيها، ومما يشدّك إليها أن أهلها جسّدوا اسم عالم شهير، أنجبته بلدهم؛ فنصبوه في الميدان الأهم في وسط بلدهم؛ وهو التابعي الجليل، والإمام الكبير القارئ عبد الله بن عامر اليَحصُبي، أبو عمران، ويقال أبو عامر؛ قال ابن الجزري : ( قال أيوب عن يحيى بن الحارث: ولد ابن عامر سنة إحدى وعشرين، وقال خالد بن يزيد سمعت عبيد الله ابن عامر اليحصبي يقول: ولدت سنة ثمان من الهجرة في البلقاء في ضيعة يقال لها: رحاب وقبض رسول الله ولي سنتان وذلك قبل فتح دمشق، وانقطعت إلى دمشق بعد فتحها ولى تسع سنين)، وقال الزركلي : ( ولد في البلقاء في قرية يقال لها رحاب).
ثالث عشر: معان محطة استراحة للحجاج وقلعتها حصن ومدرسة إسلامية: مدينة مَعَان تقع عَلَى الطَّرِيقِ بَيْنَ الْمَدِينَةِ المنورة وَعَمَّان، وَهِيَ قَاعِدَةُ إقْلِيمِ الشَّرَاةِ، وَهُوَ إقْلِيمٌ وَاسِعٌ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالْبَلْقَاءِ، وَهي مَدِينَةٌ مُهِمَّةٌ وسط البادية، وهي رمز في الحضارة الإسلامية، كانت محطة استراحة لحجاج بيت الله؛ ومن هنا سميت بهذا الاسم؛ فإن أهل اللغة يقولون: المعان المنزل، والمحدثون يقولونه بالضم وإياه عَنَي أهل اللغة ، ذكرت مدينة معان في السيرة النبوية العطرة، والذي أبرزها في هذا الباب أن جيش مؤتة استراح فيها، وقد ورد في كتب التاريخ أنه كان يسكنها بنو أمية ومواليهم ، والذي يبدو للعيان أنه كان فيها مدرسة علمية؛ وقد برز من علمائها علي بن محمد بن يزيد المعاني، والحسن بن علي بن عيسى الأزدي المعاني، ومن معالم معان الإسلامية القلعة، وهي من آثار الدولة العثمانية الباقية حتى الآن, تم إنشاؤها عام 1566م في زمن السلطان سليمان القانوني، ويتبع لها بركة كبيرة استغلت لتجميع المياه، وجاء بناؤها لتلبي حاجه الحجاج ولاتخاذها مقراً للجنود العثمانيين، وذكر معان كثير من الرحالة العرب والمسلمين في أثناء مرورهم بها للحج، مثل حجيج بن قاسم الوحيدي (1584م) والشيخ حسن البوريني قاضي قافلة الحج الشامية (1615)، وذكرها بالتفصيل ثلاثة من الرحالة، أحدهم عبد الله الحسيني الموسوي (1629)، وإبراهيم بن عبد الرحمن الخياري (1672) والذي وصف بساتينها وبيوتها وأسواقها والسلع التي تباع فيها والقلعة القائمة بها، والثالث هو الشيخ عبد الغني النابلسي (1693) ومما وصفها بأنه فيها قلعة وبيوت حسان وماء عذب.
رابع عشر: تل الحصن والمدرسة العلمية في ديون dion: تقع إيدون في ظاهر اربد الجنوبي، ولا يُعرف سبب تسميتها بهذا الاسم، ويُذكر أنها تقوم على البقعة التي كانت تقوم عليها بلدة dion "ديون"، وهي إحدى المدن القديمة الديكابولس؛ أي المدن العشر، وموقع الحصن وإيدون وآثارهما يوحيان بأنهما كانتا مدينتين مهمتين، وهما اليوم كمدينة واحدة ملتصقة بمحافظة اربد، وأرضها منبسطة، ومنظرها يدل على عراقة تاريخها، وخصبة أرضها، وتقدم سكانها، وتقع الحصن في الجنوب من اربد، وترتفع 680 مترا عن سطح البحر، وفيها تلّ تاريخي؛ اكتشفت فيه أضرحة تعود بتاريخها إلى سنة 3000 قبل الميلاد، وعليها نقوشات وكتابات رومانية وبيزنطية، وهي مشهورة بالتل البديع وبالبركة الرومانية، التي ما زالت حتى الآن تختزن مياه الأمطار، وكذلك تشتهر بكثرة الآبار القديمة؛ مما يدل على أنها كانت مسكونة باستمرار منذ أقدم الأزمنة حتى وقتنا الحاضر، مر الرحالة بيركهارت بقرية الحصن في أيار من عام 1812 م ذكرها في رحلته بقوله: (الحصن هي القرية الرئيسية في المنقطة التي تدعى بني عبيد، وهي تقوم على منحدر الجبل) ، والذي يظهر أنه كان في إيدون والحصن مدرسة علمية؛ لأنه يُنسب إليها بعض العلماء الأجلاء؛ من أشهرهم: احمد بن يحيى، ومحمد بن يحيى، وأحمد بن احمد بن محمد بن تقي الدين
خامس عشر: القصور الإسلامية في الصحراء الأردنية: تنتشر في الصحراء الأردنية الكثير من القصور الإسلامية، والتي تجسد الطابع الأموي، إذ اهتم بها بعض خلفاء بني أمية بناءً وترميماً، وأهمها:
1. قصر المشتى: يقع هذا القصر قرب عمان على بعد (32 كم ) إلى الجنوب الشرقي منها وإلى الجنوب الغربي من الموقر، ويتفق معظم الباحثون أن طراز البناء يعود إلى العهد الأموي، وهو قصر فسيح يتميز بالعقود والقناطر، ومن أجمل ما في قصر المشتى من الناحية الفنية الزخارف المحفورة في الحجر الجيري في الواجهة الجنوبية التي يقع بها المدخل، وكان ارتفاع هذه الواجهة ستة أمتار، وقد أهدى السلطان عبد الحميد سنة 1903 هذه الواجهة إلى القيصر غليوم، وفي سنة 1912 سمح لبعثة ألمانية أن تأخذ هذه الواجهة الأمامية منه، وأصبحت نواة القسم الشرقي للمتحف الإسلامي في برلين.
2. قصر الخرانة: يبعد هذا القصر الأموي عن عمان إلى الشرق حوالي 55 كم، بني سنة 92 هـ (710م ) أي خلافة الوليد بن عبد الملك، وهو من أهم الآثار الأموية المصانة؛ إذ يعتبر من المباني التي لا تزال محتفظة بكامل بنائها إلى حد ما بغض النظر عن بعض الانهيار القليل في جزئه الشمالي الغربي من جراء العوامل الطبيعية، وبني هذا القصر بمحاذاة وادي الحرانة، وهو مربع الشكل يبلغ طوله 35م، ويتكون من طابقين، ويتكون من 61 غرفة، ويتميز البناء بهندسته المعمارية التي تجعله شبيهاً بالقلعة، ويقوم في كل زاوية من زواياه برج دائري، وآخر نصف دائري يقع بين كل زاويتين.
3. قصر عمرة: يقع هذا البناء الأموي الصغير بمحاذاة وادي البطم، حيث يبعد إلى الشرق من عمان بحوالي 85 كم، وهو من الأبنية الأموية الجميلة، ويعتبر تحفه فنية معماريه إسلامية نادرة في قلب الصحراء؛ لاحتواء جدرانه الداخلية على رسومات جدارية، وعلى الأرضيات الفسيفسائية ويضم هذا القصير أحد الحمامات التي بنيت في العهد الأموي، ويشتهر بقبته الرائعة وزخارفه الجميلة، والرسوم التي تمثل مشاهد من رحلات الصيد، ويتكون هذا البناء من قاعة رئيسية للاستقبال، وعلى جدران هذا القصير أيضاً رسوم لملوك الأرض، وفي ساحته بئر ماء كان يتم رفع الماء منها بواسطة ساقية قديمة، وكان الماء ينساب في الممرات الفخارية تحت أرضية القصير لتدفئة البناء وفق نظام يشبه نظام التدفئة المركزية المعمول بها حالياً، وينسب هذا البناء إلى الوليد بن عبد الملك في الفترة الواقعة ما بين (86-96 هـ) (705-715م)، إلا أن البعض الآخر بنسبة إلى الوليد بن يزيد (125-126 هـ) (743-744 ( .
4. قصر عين السل:يبعد هذا القصر باتجاه الشمال الشرقي عن الأزرق حوالي 1750 متر، وهو أحد القصور الأموية ذات المساحة الصغيرة؛ وهو مربع الشكل؛ يبلغ طوله ضلعه 17م، بني من حجارة البازلت السوداء، يقع هذا القصر في وسط مزرعة تابعة له، ويوجد في جهته الغربية حمام يتألف من ثلاثة آو أربعة غرف، ومن هنا تبرز أهمية هذا القصر، ويدل على انتشار بناء الحمامات في الفترة الأموية.
5. قصر الطوبة:يقع قصر الطوبة على بعد 95 كيلومتراً من عمان، ويقع إلى الجنوب من قصر الخرانة، وهو قصر ضخم؛ أنشئ من الآجر المشوي بالنار، ويعتبر هذا القصر من القصور الأموية الخالدة التي حافظت على جزء كبير من بنائها رغم تعرضه للكثير من عوامل التعرية، ويقع على إحدى الطرق التجارية والتي كانت تربط البلقاء مع شمال الجزيرة العربية، ولبعد هذا القصر ولموقعة النائي حيث يبعد حوالي 140كم جنوب شرق عمان، ويرجع تاريخ هذا القصر إلى عهد الخليفة الأموي الوليد بن يزيد ( 743-744 م ).
6. قصر برقع: أحد القصور الأثرية الإسلامية يقع بما يقارب 25 كم إلى شمال غرب منطقة الرويشد، وهي إحدى القرى الأردنية والتي تقع إلى الشمال الشرقي من الأردن حيث تتمركز على الطريق المؤدي إلى بغداد حيث بني من حجارة البازلت السوداء المتوفرة في تلك المنطقة كونها من مناطق الحرة، ويعود تاريخه إلى سنة700م، أي في فترة حكم الوليد بن عبد الملك ويتمركز هذا القصر على الضفة الشرقية لسد برقع.
7. حمام السراج: يقع إلى الشرق من قصر الحلابات، أنشأه الأمويون منطلقاً منه لرحلات الصيد والقنص، ويحتمل أنهم أنشأوا فيه بعض الحمامات كما يدل اسمه، ويشبه في طراز بنائه إلى حد بعيد قصر عمرة.
المبحث الخامس: المعالم الإسلامية في مدن الديكابولس
الديكابولس decepolis تحالف روماني؛ ضم أهم المدن في منطقة بلاد الشام؛ وهي كلمة مكونة من كلمتين (ديكا) ومعناها عشرة، و(بولس) ومعناها مدينة، فمعناها (المدن العشر)، وقد ضم هذا التحالف أهم المدن الواقعة على أطراف الإمبراطورية الرومانية في سوريا وفلسطين، ويجمع تلك المدن أمور؛ منها: اللغة والثقافة والموقع والوضع السياسي، وكانت مدن التحالف مركزاً للثقافة اليونانية والرومانية، جنباً إلى جنب مع الثقافة السامية التي انبثق عنها في تلك المنطقة الثقافة الآرامية والنبطية واليهودية، وأرادت الحكومة الرومانية أن تزدهر ثقافتها في أقصى ما وصلت إليها إمبراطوريتها؛ لذلك شجعوا على نمو تلك المدن العشر، وسمحوا لهم ببعض الاستقلال السياسي؛ فكانت كل مدينة نوعاً من (دولة المدينة)، ولها سلطة ما على ما يحيطها من المناطق الريفية المجاورة، ويربط المدن العشر شبكة طرق، ويرجح أن المدن قد نشأ بينها روابط تجارية قوية عززتها تلك الشبكة من الطرق الرومانية الجديدة وفي الأردن ثمان مدن منها:
أولاً: العاصمة عمّان طرف حوض الكوثر وفيها المسجد شبيه المسجد الحرام بمكة: العاصمة عمان أكبر مدن الأردن، وهي مدينة قديمة، ترتفع 750 متراً عن سطح البحر، وتتكوّن من 14 جبلاً تقريباً، كان اسمها ربّة عمّون أو فيلادلفيا، وهي واحدة من أقدم المدن التي لا زالت مأهولة منذ فجر التاريخ، وكانت تعدّ من مدن الديكابولس العشرة، ازدهرت في أيام الرومان، وهي قصبة أرض البلقاء، قال السمعاني : (عمان مدينة البلقاء، سميت بعمان بن لوط عليه السلام)، وورد اسمها في الحديث النبوي الشريف؛ فعن ثوبان t أن رسول الله قال: (حوضي من عدن إلى عمّان البلقاء، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأكوابه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً) ، قال ياقوت الحموي :(قيل إن عمان هي مدينة دقيانوس- الذي فتن أصحاب الكهف - وبالقرب منها الكهف، والرقيم معروف عند أهل تلك البلاد، والله أعلم)؛ أقول: يقع الكهف في الضواحي الشرقية لمدينة عمان اليوم، دخلت في الحكم الإسلامي منذ العام الثالث عشر الهجري، الموافق للعام الرابع والثلاثين وستمائة للميلاد؛ في عهد أبي بكر الصديق؛ إذ فتحها يزيد بن أبي سفيان رضي الله عنه، واعتنى الخلفاء المسلمون أيما اعتناء بعمان، وحافظوا على آثارها، كانت عمان مركزاً تجارياً، ومحطة استراحة، للمسافرين؛ فقد ذكرها التابعي الجليل الشاعر أبو وجزة يزيد بن عبيد السلمي المتوفى 130 هـ / 747 في شعره؛ فقال :
حَنَّت بأبواب عَمَّانَ القطاةُ وقد قضى به صحبها الحاجاتِ والوطرا
وقال المقريزي: (في سنة 757هـ عمرت مدينة عمان من البلقاء للأمير صَرْغَتمش، ونقل إليها الولاية والقضاء من حسبان، وجعلت أم تلك البلاد، وهي بلد قديم من بناء عمان ابن أخي لوط، بناها بعد هلاك قوم لوط، وقيل هي مدينة دقيانوس الملك الذي أخرج منها أصحاب الكهف، والرقيم هناك موضع معروف، وبها ملعب سليمان بن داود عليهما السلام) ، وذكر الإصطخري أن في عمان دار ضيافة لزبيدة بنت جعفر ابن المنصور الهاشمية العباسية، أم جعفر: زوجة هارون الرشيد، وبنت عمه، وأنه ليس بالشام دار ضيافة غيرها، وزبيدة رحمها الله توفيت 216 هـ/ 831 م- من فضليات النساء وشهيراتهن ومن آثار عمان المسجد الكبير في وسط عمان، ذكر العلماء أنه جامع يشبه المسجد الحرام شكلاً، وأنه مرصع بالفسيفساء؛ قال الرحالة محمد بن أحمد البشاري المقدسي المتوفى عام 380هـ الموافق 990م: (عمّان على سيف البادية، ذات قرى ومزارع، ورستاقها البلقاء، وهي معدن الحبوب والأنعام، بها عدة أنهار، وأرحِيَة يديرها الماء، ولها جامع ظريف في طرف السوق، مفسفس الصحن، شبه مكة ، وبها قصر جالوت على جبل يطل عليها، وعليه مسجد وملعب سليمان بن داود عليه السلام، وهي رخيصة الأسعار، كثيرة الفواكه) ، أما قصر جالوت فالمراد به القلعة الشهيرة، وقد يكون المراد بملعب سليمان هو المدرج الروماني الآن، وأما المسجد المذكور فهو المسجد الجامع الذي أقيم الآن مقامه المسجد الحسيني الكبير، واختلفت الأقوال في اسمه القديم؛ فقد يطلق عليه بعضهم المسجد الأموي، بينما يسميه آخرون المسجد الجامع، وسماه بعضهم المسجد العمري، والعباسي، واسمه المتفق عليه حالياً المسجد الحسيني الكبير نسبة إلى الشريف حسين بن عون رحمه الله.
ينسب إلى عمّان كثير من العلماء رواة الأحاديث النبوية الشريفة؛ الذين سطعت أنوارهم على ثراها، وتنسموا عليلها، ومن هؤلاء الأفاضل: السائب بن أحمد والسائب بن عمر و قاضي عمان حفص بن عمر، ونصر بن مسرور بن محمد الزهري، وأسلم بن محمد بن سلامة بن عبد الله بن عبد الرحمن أبو دفاقة، و محمد بن كامل العمّاني.
ثانياً: أم الجمال الواحة السوداء سكنها الأمويون والعباسيون: أم الجمال مدينة أثرية، تقع في الطرف الشمالي الشرقي من الأردن، بالقرب من مدينة المفرق، وتعتبر إحدى المدن العشرة في حلف الديكابولس، وكانت تعرف باسم (كانثا) وتختلف اختلافاً واضحاً عن مدن الحلف الأخرى، إن أبنيتها الفخمة تعطي مثالاً فريداً متميزاً من الحضارات القديمة، وتعرف باسم الواحة السوداء؛ وذلك لما بها من أعداد كبيرة من الأحجار البركانية السوداء، وفيها تكثر بقايا المنازل التي شيدت من الحجر البازلتي، وفي العصر الأموي الإسلامي ازدهرت أم الجمال؛ فقد سكن الأمويون المدينة، وبشكل كثيف، واحتفظت المدينة بدورها التّعبدي والاجتماعي، وتؤكد الحفريات التي أجريت في مبنى الحاكم الروماني بأنه قد استخدم في الفترة الأموية، وأضيفت إليه حمامات خاصة به كما تم تبليط قاعة الاستقبال الرئيسية وبعض الغرف بالفسيفساء، ولونت جدرانه بالفسيفساء بعد إعادة تجصيصها، ورسم الحصان على بعض الجدران؛ مما يؤكد إلى جانب غيره من الأدلة على بقاء المدينة مزدهرة في العهد الأموي، إلى أن ضربها الزلزال المدمر الذي شهدته المنطقة عام 749م، وانتقلت بعد ذلك بوجيز عاصمة الخلافة الإسلامية إلى بغداد عاصمة العباسية، الأمر الذي أدى إلى تناقص أهمية أم الجمال الإستراتيجية كمدينة عسكرية وتجارية مهمة على طريق الحج والتجارة؛ مما أدى تناقص عدد السكان فيها لفترة طويلة، وان بقيت مأهولة بعض الشيء إبان الفترة العباسية، تزخر أم الجمال بأعداد كبيرة من أحواض المياه للاستخدام الخاص والعام؛ لأن مدينة أم الجمال بعيدة عن مصادر المياه، وقد وجد حديثاً بعض القنوات لجر المياه من تحت الأرض، ويرجح أن سكان أم الجمال كانوا يحصلون على المياه عن طريق سحبها من أماكن بعيدة بواسطة هذه القنوات.
ثالثاً: تل الخضر عليه السلام والآثار الإسلامية في بيت راس: تقع بلدة بيت راس إلى الشمال من مدينة اربد، وتقوم على أنقاض مدينة المدينة الرومانية القديمة كابتيولياسCapitolias ؛ وتعتبر مدينة بيت راس الأثرية من المدن الهامة في العصور القديمة؛ وذلك نظراً لموقعها الاستراتيجي المميز على الطريق التجارية الموصلة بين مدن الديكابولس الممتدة شمالاً وجنوباً، إن كلمة (راس) تعني المكان المرتفع، وكلمة (بيت) تعني مكان السكنى؛ لذلك فإن المعنى العام هو (السكنى في المكان المرتفع)، ويتراوح ارتفاع بعض أجزاء البلدة عن سطح البحر 660 متراً، و لقد ورد في كتب التاريخ أن بيت راس كانت حصناً منيعاً، وأنها خصبة غنية بالحدائق، وقد تغنى الشعراء بالعنب الذي كان يصنع منه الخمر؛ وذكره الصحابي الشاعر الجليل حسان بن ثابت t؛ قال أبو عبيد البكري : ( بَيْتُ رَاس هو حصن بالأردن، سمي بذلك لأنه في رأس جبل)، وقال الصاغاني : (بيت رأس: اسمُ قرية بالشام من قُرى حَلَب، وكورة بالأُردُن؛ وهذه هي المُرادَة بِقَول حسان بن ثابت t قبل الإسلام :
كأنَّ خَبيئَةً من بيتِ رأسٍ يكونُ مِزاجَها عسلٌ وماءٌ)
وذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان ؛ فقال: (بَيتُ رَأس: اسم لِقَريَتَين في كل واحدة منهما كُرُوم كثيرة ينسب إليها الخمر، إحداهما بالبيت المقدس، وقيل بيت رأس كورة بالأردن، والأخرى من نواحي حلب)، إن من المعالم الإسلامية فيها تل منسوب إلى الخضر عليه السلام؛ ومعروف أن هذا مصطلح يطلق على كل ولي عموماً، كما يطلق على الخضر نفسه، والله أعلم؛ فقد يُراد به مقام رجل صالح دفن فيه، ولم يأخذ هذا الاسم عبثاً، فهناك على قمته توجد بقايا حجارة، وآثار حوطة، وعامودان صغيران متبقيان الآن، يدلان على وجود مقام قديم، وقد أثبتت الحفريات الأثرية التي أجرتها دائرة الآثار العامة على أنها ما زالت عامرة في العصور الإسلامية الأموية فقد سكن فيها يزيد ابن معاوية t وكذا العباسية والمملوكية والعثمانية وإلى يومنا هذا، وكشفت أيضاً عن معصرة قديمة للزيتون وهي عدة أقبية أرضيتها من الفسيفساء الملون.
رابعاً: أم قيس (جدارا) فتحها شرحبيل t وحافظ على آثارها: تقع في الشمال الغربي من اربد وعلى بعد 28 كيلو متراً؛ وهي تقوم على طرف منطقة جبلية عالية ترتفع 360 متراً عن سطح البحر، ونحو 600 متر عن سطح بحيرة طبرية، وأجمل ما تقع عليه العين في أم قيس وغور الأردن، ووادي اليرموك وللشمال من هذه القرية تقع حمامات الحمة الساخنة، وعرفت هذه الحمامات في العصور القديمة باسم "حمة جدر" اسم أم قيس القديم، جدد الرومان بناءها وأنشأوا فيها حمامات عظيمة زودوها بشبكة من القنوات، وقرية أم قيس تقوم على البقعة التي كانت عليها بلدة (جدارا gadera)، وكانت إحدى المدن العشر المعروفة باسم مدن decapolis، وفي أيام المسيح كانت مدينة شهيرة، ولم تزل آثارها باقية إلى يومنا هذا، ومن هذه الآثار مسرحان صغيران وساحة كبيرة تتناثر فيها الحجارة، وقواعد الأعمدة وبعض الأضرحة المنحوتة في الصخور ، وفي عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t فتحتها الجيوش الإسلامية بقيادة شرحبيل بن حسنة t، وحافظت جيوش المسلمين على آثارها، ومعالمها التاريخية، وحماماتها الكبريتيّة السّاخنة.
خامساً: حرثا قويلبة (أبيلا): تعتبر القويلبة (أبيلا) إحدى المدن العشرة في حلف الديكابولس، وقد ظلت مدينة مسكونة تاريخيا إلى اليوم، وتغيّر اسمها فأصبح اسمها اليوم(حرثا) تقع شمال الأردن ضمن محافظة أربد، تبعد 12 كم شمال إربد، وعلى الطرف الغربي لوادي القويلبة؛ الغني بمياهه الجارية ومزروعاته دائمة الخضرة، تنتشر على الطرف الشرقي للمدينة المقابر الأثرية، محفورة في الصخر، والبعض منها ذا أبواب بازلتية تكسو جدرانها قصارة، وتكسو جدران بعضها قصارة تعلوها رسومات جدارية؛ ذات ألوان زاهية ويوجد أوان فخارية وأسرجة، وتماثيل وأوان زجاجية وحلي وأساور وأقرطة وعقود وردية.
سادساً: جرش زارها رسول الله e مرتين قبل البعثة وفتحها شرحبيل وازدهرت في العصر الأموي: تقع بين اربد وعمان، وعلى 40 كيلو متراً من الأولى، و48 كم من الثانية، وترتفع 600 متر عن سطح البحر، كانت مركزاً رسمياً من مراكز الإمبراطورية الرومانية القديمة، وهي Jerasa إحدى المدن العشر الديكابولس، والتي شهدت هذه المدينة ذروتها في ذلك العهد، حيث تعكس عبقرية المكان المنزلة الرفيقة لهذه المدينة، يتجلى مشهدها الرائع عن مدينة عامرة بالشوارع المرصوفة والأعمدة المذهلة والمسارح والساحات والميادين والحمامات والأسوار الحصينة والأبواب الخارجية، وتمثل جرش الأثرية نموذجا لتلاقي الحضارات، وتزاوج الثقافات، التي نشأت في حوض البحر الأبيض المتوسط، إضافة إلى روح الشرق والتقاليد العربية في العصور الإسلامية الأولى، وقد عثر علماء الآثار في داخل هذه الأسوار على بقايا مستوطنات تعود للعصر البرونزي، والعصر الحديدي، ولعهود اليونان والرومان والبيزنطيين، ومما يجدر التنبه إليه أن بلداً باليمن يسمى جُرش – بضم الجيم- بينما بفتحها لا شك يراد به مدينة جرش في الأردن، لقد زارها الرسول e مرتين قبل البعثة أثناء المتاجرة بأموال خديجة رضي الله عنها؛ فلقد روى البيهقي في السنن الكبرى عن جابر t قال: (استأجرت خديجة رضي الله عنها رسول الله e سفرتين إلى جرش كل سفرة بِقَلُوص )، ولقد صحح الحاكم هذه الرواية بلفظ (آجَرَ رَسُولُ اللّهِ e نَفْسَهُ مِنْ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِد ٍ سَفْرَتَيْنِ إلَى جَرَشَ كُلّ سَفْرَةٍ بِقَلُوص)؛ وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد) ؛ وجرش هنا هي الأردنية؛ لأنه لم ينقل أن النبي e دخل اليمن، قال ابن القيم : (وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِه ِ مِنْ حَدِيثِ الرّبِيعِ بْنِ بَدْرٍ عَنْ أَبِي الزّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ، ٍ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، قَالَ فِي النّهَايَةِ: جُرَشُ بِضَمّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الرّاءِ مِنْ مَخَالِيفِ الْيَمَنِ وَهُوَ بِفَتْحِهِمَا بَلَدٌ بِالشّامِ، قُلْت: إنْ صَحّ الْحَدِيثُ فَإِنّمَا هُوَ الْمَفْتُوحُ الّذِي بِالشّامِ) ، ولقد وصلها العرب المسلمون بقيادة شرحبيل بن حسنة t في زمن أمير المؤمنين عمرt وسيطرت عليها وذلك في عام 635 ميلادياً، وكتب عنها ياقوت في كتابه معجم البلدان قائلاً: (جرش، هذا اسم مدينة عظيمة كانت، وهي الآن خراباً، حدثني من شاهدها وذكر لي أنها خرابة وبها آبار عادية، وفي وسطها نهر جار يدير عدة رحى عامرة إلى هذه الغاية، وهي في شرقي جبل السواد من أرض البلقاء وحوران، وهي في جبل يشتمل على ضياع وقرى قال للجميع جبل جرش اسم رجل وهو جرش بن عبدالله بن عُلَيم ... ويخالط هذا الجبل جبل عوف ، وإليه ينسب حمى جرش وهو من فتوح شرحبيل بن حَسَنَةَ في أيام عمر t) وقال : (مدينة جُرَش من بلاد حوران، يحكى الهول من غرائب آثارها، وقد أضحت خاوية على عروشها، خالية من أهلها وسُكَّانها، لا يُحسّ بها حسيس، ولا يوجد بها أنيس) .
المبحث السادس :جهود الهاشميين في المحافظة على المعالم الدينية في الأردن وإعمارها
إن للهاشميين المآثر الجليلة على المملكة الأردنية الهاشمية؛ فهم الذين أسسوها، وشيدوا بناءها، وأقاموه على جذور راسخة؛ وماضٍ تليد؛ فلقد زارها الرسول e مرات في رحلاته التجارية إليها، واستظل تحت أشجارها، وأكل من ثمارها، واستضافه أهلها.
وبعد نبوة النبي e أرسل الهاشمي جعفر ابن أبي طالب t إلى الأردن، وضريحه في مؤتة مع أضرحة الصحابة يعطر سماء المزار الجنوبي، وفي الحميمة سكن التابعي الجليل علي بن عبدالله بن عباس رضي الله عنهم في الحميمة، وأنجب الهاشميين الخلفاء.
وما زالت وفود الخير تفد على هذا البلد الطيب، حتى قدِم الملك المؤسس عبدالله الأول رحمه الله، فرسّخ الأساس، وأقام أعمدة البنيان، وما زال أولاده وأحفاده بتلك الأمجاد والآثار محتفين محتفلين، يرفعون المآذن والقباب، ويبنون المقامات والآثار، ويرسمون السير والأمجاد، ويسطرون البطولات بماء الذهب، ويفتخرون بالثلة الطاهرة النقية، استعراضاً لتلك المكرمات الإلهية، واستنطاقاً لبطولات الأجداد، وتشيداً لصروح المجد التي بدت جلية في جنوب الأردن وشماله ووسطه؛ يحكون حالهم، ويصورون علاماتهم، وينطقون بألسنتهم، ويكتبون بأقلامهم، ليكون كلٌ منهم نبراساً يسير عليه مبتغو الهداية وطالبو الاسترشاد إلى سواء السبيل، وليكون فخراً للمفتخرين، ونموذجاً للمقتدين.
لقد جسّدوا حقيقة الكرم في تعاملهم، وأتت أفعالُهم مساوية لعزائمهم، وصدق القائل:
عَلَى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تَأْتِيِ العَزَائِمُ وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المَكَارِمُ
إنّ آل بيت النبي e هم أصحابُ الولاية الشرعية والسياسية في المملكة الأردنية الهاشمية، وهم شجرةٌ يانعة طيبة؛ أصلُها ثابت؛ وجذرها راسخ، باسقةٌ في الطولِ سيقانُها، وامتدت في العلياءِ فروعُها، واخضرّت أوراقها، وطابت ثمارُها، وآتت أكُلَهَا كلَّ حينٍ بإذن ربها.
إنهم سادة أبرزوا الإحسان في أضْفَى حُلله، وتبَوَّأوا في الكرم أعلى منازله، فرَفَلَوا من السيادة في أغلى أثوابها، وأتوا بيوتَ الجود من أبوابها، وباشَرَوا المكارم فالتزموها واعْتَنَقوها، بعد أن حَلَّقوا بها مع النجوم في عليائها، وسارعوا إلى صافي النبع فشربوا معيناً لم يُكدّر، ونقياً لم يُعكّر؛ وهذا يؤكد أن العائلة الهاشمية خادمة للرسالة المحمدية، فهم الذين يعتزون ويفتخرون في كل مجلس بأنهم من حراس هذا الدين، والقائمين على نشره، وتوضيح صورته للعالم أجمع.
وإن جلالة الملك عبد الله الثاني - حفظه الله بالقرآن العظيم والسبع المثاني - يتوقد حيوية ونشاطاً، وقد شدّ النطاق، وبلغ في الإنفاق الحدّ المطاق، ليرفع المعالم الإسلامية؛ فتعددت مكارمه الدينية على المملكة حتى شملت البلاد، وعمّت الأرجاء، وتنوّعت الإنجازات؛ فما من مقام إلا وجهده فيه للعيان ظاهر، وما من حجر أساس لإعمار جديد إلا ووضعته يدُه الكريمة، فسُطر على صفحات المجد الباهر.
فلله درّه من ملك بانتظام الملك ضمين، وكريم أمِين، يزيّن بحضوره أهلَ مملكته، ولا يُضام من يجلس بحضرته، سيد جُمِعَ له إلى القُدْرة الحكمة، وإلى التواضع الرفعة والحِشْمة، فتبوَّأ مكانة حُفَّتْ بالمكارم، وروضةً خُصَّت بالمجد الزاهر، وانهال عليه الخير من كل صوب، والخير يُرقب في مضارب حِسان الوجوه، الذين أشرقت وجوههم، وصفت نياتهم، فمن مثله أدام الله ظلَّه - بمنّه وكرمه - ما طَلَع نَجْم وبزغ فجر!! ولا حرمنا من حضرته المأنوسة، وبسمته المبهجة، ومكانته المرموقة.
وقد تم إنجاز إعمار مقامات كثيرة؛ منها مقامات الأنبياء هود، وشعيب وهارون ويوشع عليهم السلام، ومسجد أهل الكهف، ومقامات الصحابة الكثير، وقد أمر جلالته بتشكيل صندوق لإعمارها؛ وتبرع بإخلاص بماله الخاص.
الخاتمة
كما بدأت بالحمد والصلاة على النبي أختم بهما؛ فالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ...... وبعد؛
فهذا غيض من فيض الأنبياء والصحابة والتابعين والخلفاء والعلماء والمعالم الإسلامية في تاريخ المملكة الأردنية الهاشمية، بحدودها المعروفة الآن، ولكن الباحث عن اسم في الأسماء المتشابهة، والألقاب المترادفة، والبلدان المتماثلة، والعبارات المتقاربة، لا شك أنه حيران؛ يخوض في بحر؛ تلاطمت أمواجه، وكثرت أصدافه.
وهكذا عشت مع هذا البحث، وكلما كنت أبحث عن اسم عالمٍ؛ فتتشابه الأسماء، وتختلط الأعمار، وتتفاوت الدرجات والمراتب، فأتحيّر؛ ولطالما التقطت من لآلئ ذلك البحر اسم عالم؛ فأفرح به، فأجد نفسي بعد ساعات من البحث في غير الأردن، رغم التوافق في الاسم، فأقول: لعله رحل؟! فألتمس الدليل فلا أجده؛ فأرجع بعد طول المسيرة مكتفياً بالساعات التي عشتها مع صديق جديد، وعَلَم فريد، ولكنه ليس من الأردن، فألتمس البركة منه، وتستمر المسيرة الخيّرة.
وإنني معترف بالتقصير، في البحث والتنقيب، لكن الأمل عريض، والسبيل أضحى أسهل من ذي قبل – والحمد لله – فكلما وجدت الجديد وأعانني الجواد على إعادة طباعة هذا الكتاب أضفته – بإذن الله - في مظانه، وزينت به صفحة جديدة أو صفحات من صفحاته، ثم إنني متعطش لآراء القراء، ونصائح الفضلاء؛ علّني أقف على الخطأ فأصوبه، وعلى النقص فأتممه.
ولن أضع القلم حتى اعتذر عن الهفوات والنقص إن حصل- دأب البشر – رغم أني التزمت إبان المسيرة الاستيعاب والتقصي، فلم أدخر جهداً في سبيل الإحاطة بما يتطلبه هذا الكتاب الشيق، وآمل ممن قرأ هذا الكتاب فوجد فيه نقصاً أن يُتم نقصي بإرشادي، والله الهادي إلى سواء السبيل.
والحمد لله رب العالمين
ابحث
أضف تعليقاً