wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
الدكتور فتحي العيوني من الجمهورية التونسية

المرأة التونسية

 بين الاستحقاقات الدوليـــــــــــــــــــــــــــــــــــــتة

 والقوانين المحلية

المقدمة:

اعتبرت السلطة السياسية المنبثقة عن المجلس القومي التأسيسي إبان الاستقلال أن الرصيد البشري للبلاد هو رأس المال للثروة الوطنية في غياب ثروات طبيعية على نحو ما هو موجود في بلدان أخرى. لذلك وجب الاستثمار في هذا الرصيد من خلال مجموعة من البرامج التنموية ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال منظومة تشريعية تستنهض همم كافة أفراد الشعب من نساء ورجال دون تمييز جنس على آخر. فسعى المشرع إلى العناية خاصة بالمرأة لإلحاقها بركب الرجال سواء على مستوى التعليم أو العمل. وتم سن عدة قوانين تهدف إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المساواة مع الرجل في الحقوق المدنية والشخصية . ثم اتخذ المسار التشريعي نسقا تصاعديا في اتجاه إعطاء مزيد من الحقوق للمرأة لتشمل المجال السياسي والجمعياتي إلى أن بلغ ذروته بعد الثورة بإقرار مبدأ التناصف ودسترة المكاسب التي تحققت للمرأة على مدى السنين الماضية لذلك أمكن للمرأة التونسية اليوم أن تتباهى بحقوقها ومكاسبها أمام عدة نساء سواء في العالمين العربي والإسلامي أو في العالم الغربي لأنها حقوق ومكاسب تستجيب لأغلب الاستحقاقات الدولية سواء في المجال السياسي (الجزء الأول) أو في المجال الاجتماعي (الجزء الثاني) أو في المجال العائلي (الجزء الثالث).

 

 

 

الجزء الأول : المجال السياسي

جاء بالفصل الثالث من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16/12/1966 أن "الدول الأطراف تتعهد بكفالة تساوي الرجال والنساء في حق التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية المنصوص عليها بهذا العهد" وهو يمثل دعوة صريحة إلى جميع الدول المنخرطة في العهد إلى اعتماد مبدأ المساواة بين الجنسيين.

ولم يتوانى المشرع الدستوري التونسي في إعتماد هذا المبدأ وجعل منه قاعدة دستورية بالفصل 21 الذي جاء فيه "المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء أمام القانون من غير تمييزه". ثم أكده بوضوح بالفصل 46 بالفقرة الثانية التي جاء فيها "تضمن الدولة تكافئ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات.

ويتجلى تساوي المرأة مع الرجل في الحقوق السياسية خاصة في مجال الحقوق الانتخابية من جهة وفي مجال حرية التنظم من جهة ثانية.

 

الفرع الأول : الحقوق الانتخابية 

اقتضى الفصل 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أن كل مواطن يحق له :

المنصوص عليها في هذا العهد "... وعملا بهذا المبدأ يعترف هذا العهد في الفصل 25 بالحق لكل مواطن في :

  1. أن يشارك في إدارة الشؤون العامة إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون في حرية.
  2. أن ينتخب وينتخب في انتخابات نزيهة تجرى دوريا بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري، تضمن التعبير الحر عن إرادة الناخبين.
  3. أن تتاح له على قدم المساواة عموما مع سواه، فرصة تقلد الوظائف العاملة في بلده.

أما الاتفاقية الخاصة بالحقوق السياسية للمرأة فقد اعترفت للنساء :

  1. بحق التصويت في جميع الانتخابات بشروط تساوي بينهن وبين الرجال دون أي تمييز.
  2.  بالأهلية في أن ينتخبن لجميع الهيئات المنتخبة بالاقتراع العام، المنشأة بمقتضى التشريع الوطني بشروط تساوي بينهن وبين الرجال دون أي تمييز.
  3. بالأهلية في تقلد المناصب العامة وممارسة جميع الوظائف العامة المنشاة بمقتضى التشريع الوطني بشروط تساوي بينهن وبين الرجال دون أي تمييز.

وأخيرا طلبت الاتفاقية الدولية للقضاء على كل مظاهر التمييز المسلط على النساء في فصلها (7) من الدول الأطراف اتخاذ  جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز المسلط على النساء في الحياة السياسية والعامة للبلاد وبوجه خاص أن يكفل للمرأة على قدم المساواة مع الرجال الحق في :

  1. التصويت في جميع الانتخابات والاستفتاءات العامة والأهلية للانتخاب بجميع الهيئات التي ينتخب أعضاؤها بالاقتراع العام.
  2. المشاركة في صياغة سياسة الحكومة وفي تنفيذ هذه السياسة، وفي شغل هذه الوظائف العامة وتأدية جميع المهام العامة على جميع المستويات الحكومية.

أما على المستوى الوطني فإن الدستور التونسي يعترف بمساواة كل المواطنين أمام القانون في الفصل 21 ويسند صفة الناخب إلى كل مواطن يتمتع بالجنسية التونسية منذ 10 سنوات على الأقل وبالغ من العمر 18 سنة (الفصل 53 و54) كما يحدد الدستور طريقة الاقتراع بـ : عام وسري وحر ومباشر (الفصل 55).

وقد بدأت المرأة التونسية تمارس حقوقها الانتخابية منذ سنة 1957 إذ أنها حرمت من هذا الحق في بداية الاستقلال عند انتخاب أعضاء المجلس القومي التأسيسي الذي أحدث منذ 1956 لوضع دستور للبلاد. فكانت غائبة في مرحلة وضع الدستور لكنها شاركت في العملية الانتخابية منذ 1957 عند انتخاب أعضاء المجالس البلدية على المستوى المحلي وخاصة منذ 1959 بعد إصدار الدستور في غرة جوان 1959.

فالنساء تتمتع حاليا بصفة الناخب حسبما يقتضيه الفصل الثامن من المجلة الانتخابية الذي ينص على أن "حق الانتخاب يتمتع به جميع التونسيين والتونسيات البالغين من العمر 18 عاما كاملة والمتمتعين بالجنسية التونسية منذ 10 أعوام على الأقل وبحقوقهم المدنية والسياسية والذين لم تشملهم أي صورة من صور الحرمان التي نص عليها القانون".

 

أما بعد الثورة تدخل المشرع الدستوري بنفسه لدفع المشاركة السياسية للمرأة مسافات متقدمة لا فقط على نظيرتها في العالمين العربي والإسلامي بل وحتى في العالم العربي في خطوه اعتبرت ثورة في مجال الحقوق السياسية للمرأة وتفعيلا حقيقيا لمبدأ المساواة مع الرجال في ذلك المجال فتم التأكيد على ضمان تمثيلية المرأة في المجالس الانتخابية من خلال الفصل 34 الذي جاء فيه ان الدولة تعمل على "ضمان تمثيلية المرأة في المجالس المنتخبة" كما تم إقرار مبدأ التناصف كآلية للمشاركة الفعالة في الإستحقاقات السياسية وذلك  من خلال الفصل 46 الذي نص على أن الدولة "تسعى إلى تحقيق التناصف بين المرأة والرجل في المجالس المنتخبة".

وقد تكرس هذا الاستحقاق الدستوري المتمثل في  تحقيق مبدأ المساواة بين النساء والرجال من خلال القانون الإنتخابي عدد 16 لسنة 2014 المرؤرخ في 26/05/2014 المتعلق بالانتخابات والإستفتاء الذي استمد نصوصه من المرسوم عـ35ـدد لسنة 2011 الذي صاغته الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي المحدثة بعد الثورة.

فقد أكد القانون عدد 16 لسنة 2014 على صفة الناخب كحق لكل تونسي وتونسية (فص 5 وحق الترشح دون تمييز (فصل 19) وأقر مبدأ التناصف صلب الفصل 24 الذي جاء فيه "تقدم الترشّحات على أساس مبدإ التناصف بين النساء والرجال وقاعدة التناوب بينهم داخل القائمة. ولا تقبل القائمة التي لا تحترم هذا المبدأ إلا في حدود ما يحتمه العدد الفردي لمقاعد المخصصة لبعض الدوائر" وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن تطبيق القانون الانتخابي في صيغته التي وقع اعتمادها بالنسبة لانتخابات 23/10/2011 قد أفرز تركيبة للمجلس الوطني التأسيسي تتكون في 42 % من النساء وهي نسبة كبيرة قياسا على ما تفرزه الإنتخابات في أكثر الدول  تحررا وإيمانا بالمساواة وبحقوق المرأة.

الفرع الثاني : حق التنظم 

اقتضى الفصل 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أنه يحق لكل مواطن "المشاركة في أية منظمات وجمعيات غير حكومية تهتم بالحياة العامة والسياسية للبلاد".

كما إقتضى الفصل 22 على أنه :

  1. لكل فرد الحق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين بما في ذلك حق أنشاء النقابات والانضمام إليها من اجل حماية مصالحة.
  2. لا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية في مجتمع ديمقراطي لصيانة الأمن القومي والسلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة والآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم".

وجاء أيضا في الفصل السابع من  إتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة تأكيد على حق المرأة في : "المشاركة في أية منظمات وجمعيات غير حكومية تهتم بالحياة العامة والسياسية العامة".

أما على مستوى التشريع الوطني فقد حرص المشرع الدستوري بعد الثورة على إعطاء هذا الحق قيمة دستورية من خلال الفصول 35 و36 و37 فقد جاء بالفصل 35 : "حرية تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات مضمونة" والفصل 36 : "الحق النقابي بما في ذلك حق الإضراب مضمون" والفصل 37 : "حرية الاجتماع والتظاهر السلميين مضمونة".

ولم يكتف المشرع بالتنصيص على هذه الحريات وضمانها بل شدد على حمايتها. ولئن خول للقانون بموجب أحكام الفصل 49 من الدستور تحديد الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بالدستور ولممارستها إلا أنه شترط أن لا ينال أي قانون من جوهر هذه الحقوق، وإشترط كذلك أن : "لا توضع هذه الضوابط إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف إلى حماية حقوق الغير أو لمقتضيات النظام العام أو الدفاع الوطني أو الصحة العامة. وذلك مع احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها".

فصدر المرسوم 87 سنة 2011 المتعلق بتنظيم الأحزاب والمرسوم عـ88ـدد لسنة 2011 المتعلق بتنظيم الجمعيات ليضمنا حرية تأسيس الأحزاب والجمعيات لكل شخص طبيعي تونسي دون تمييز جنسي. 

 

الجزء الثاني : في المجال الاجتماعي :

  • يمكن تقسيم هذه الحقوق إلى حقوق ذات صبغة أدبية مثل الحق في التعليم والحق في العمل وحقوق  ذات صبغة مادية مثل الحق في الصحة والحقوق المتعلقة بالولادة والأمومة.

 

الفرع الأول : الحقوق الأدبية :

تتعلق هذه الحقوق بالجوانب التي لها تأثير مباشر على تكوين شخصية المرأة وتبوءها المكانة الإجتماعية المطلوبة لتحقيق مساواتها مع الرجل ويمكن حصر هذه الحقوق في الحق في التعليم والحق في العمل.

الفقرة الأولى : الحق في التعليم :

يعترف العهد الدولي الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16 ديسمبر 1966 بحق كل فرد في التربية والتعليم معلنا في المادة 13 ما يلي :

  1. تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل فرد في التربية والتعليم وهي متفقة على وجوب توجيه التربية والتعليم إلى الإنماء الكامل للشخصية الإنسانية والحس بكرامتها وإلى توطيد احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وهي متفقة كذلك على وجوب استهداف التربية والتعليم تمكين كل شخص من الإسهام بدور نافع في مجتمع حر وتوثيق أواصر التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الأمم ومختلف الفئات السلالية  أو الأثنية أو الدينية، ودعم الأنشطة التي تقوم بها الأمم المتحدة من أجل صيانة السلم.
  2. وتقر الدول الأطراف في هذا العهد بان ضمان الممارسة التامة لهذا الحق يتطلب :
  • جعل التعليم الإبتدائي إلزاميا وإتاحته مجانا للجميع.
  • تعميم التعليم الثانوي بمختلف أنواعه بما في ذلك التعليم الثانوي والتقني والمهني وجعله متاح للجميع بكافة الوسائل المناسبة ولاسيما بالأخذ تدريجيا بمجانية التعليم.
  • جعل التعليم العالي متاحا للجميع على قدم المساواة تبعا للكفاءة بكافة الوسائل المناسبة ولاسيما الأخذ تدريجيا بمجانية التعليم

د- تشجيع التربية الأساسية وتكثيفها إلى أبعد مدى ممكن، من أجل الأشخاص الذين لم يتلقوا أو لم يستكملوا الدراسة الابتدائية.

ه) العمل بنشاط على أنماط شبكة مدرسيّة على جميع المستويات و إنشاء نظام منح واف بالغرض و مواصلة تحسين الأوضاع الماديّة للعاملين في التدريس.

3) تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد باحترام حرية الآباء و الأوصياء عند وجودهم، وفي اختيار مدارس لأولادهم غير المدارس الحكوميّة شريطة تقيد المدارس المختارة بمعايير التعليم الدنيا التي قد تفرضها أو تقرها الدولة و بتأمين تربية أولئك الأولاد دينيا وخلقيا وفقا لقناعاتهم الخاصة.

4 ليس في أي من أحكام هذه المادة ما يجوز تأويله على نحو يفيد مساسه بحرية الأفراد والهيئات في إنشاء وإدارة مؤسسات تعليمية شريطة التقيد دائما بالمبادئ المنصوص عليها في الفقرة الأولى من هذه المادة ورهنا بخضوع التعليم الذي توفره هذه المؤسسات لما قد تفرضه  الدولة من معايير دنيا.

كما يتطلب العهد في المادة 14 من الدول الأطراف ... القيام "في غضون سنتين بوضع واعتماد خطة عمل مفصلة للتنفيذ الفعلي والتدريجي لمبدأ إلزامية التعليم ومجانيته للجميع خلال عدد معقول من السنين يحدد في الخطة".

كما تتعرض الاتفاقية الخاصة بمكافحة التمييز في مجال التعليم إلى الإجراءات التي يجب اتخاذها لإلغاء كل مظاهر التمييز في التعليم وتطلب من الدول أن تضمن بالتشريع عند الضرورة عدم وجود أي تمييز في قبول التلاميذ بالمؤسسات التعليمية وأن تجعل التعليم الابتدائي مجانيا وإجباريا والتعليم الثانوي متوفرا وسهل المنال بصفة عامة للجميع وجعل التعليم العالي كذلك متاحا للجميع على أساس القدرات الفردية.

وتقدم الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة مجموعة من الإجراءات للقضاء على التمييز في مجال التعليم وذلك :

  • بوضع "شروط متساوية في التوجيه الوظيفي والمهني والالتحاق بالدراسات والحصول على الدرجات العلمية"
  • التساوي في المناهج الدراسية، وفي الامتحانات وفي مستويات مؤهلات المدرسين وفي نوعية المرافق والمعدات الدراسية.
  • القضاء على أي مفهوم نمطي عن دور الرجل ودور المرأة في جميع مراحل التعليم بجميع أشكاله، وعن طريق تشجيع التعليم المختلط.
  • التساوي في فرص الحصول على المنح والإعانات الدراسية الأخرى.
  • التساوي في فرص الإفادة من برامج مواصلة التعليم بما في ذلك برامج تعليم الكبار ومحو الأمية الوظيفي.
  • خفض معدلات ترك الطالبات الدراسية وتنظيم برامج للفتيات والنساء اللاتي تركن المدرسة قبل الأوان.

كل هذه النصوص الدولية تعترف للنساء بحقهن في التعليم وتضع مجموعة من الإجراءات والتدابير لتدعيم هذا الحق وخاصة بجعل التعليم الابتدائي إلزاميا ومجانيا وتوفير نفس الفرص للنساء والرجال.

أما على المستوى الوطني منذ الاستقلال وضع المشرع التونسي قانون عـ118ـدد لسنة 1958 المؤرخ في 4 نوفمبر 1958 والمتعلق بالتعليم. وكان يرمي هذا القانون إلى إرساء مجانية التعليم. وقد قام المشرع بتدعيم هذه المجانية في 1991 حين وضع قانونا جديدا يقر بمجانية التعليم وبإلزاميته على مستوى التعليم الأساسي إذ يقتضي الفصل 7 من هذا القانون أن "التعليم الأساسي إجباري من سن السادسة إلى سن السادسة عشرة بالنسبة لكل تلميذ ما دام قادرا على مواصلة تعلمه بصفة طبيعية حسب التراتيب الجاري بها العمل".

أما بعد الثورة فقد إرتأى المشرع الدستوري أن يخصص نصا كاملا في الدستور يعنى بالتعليم فقد إقتضى الفصل 39 أن "التعليم إلزام إلى سن السادسة عشرة.

تضمن الدولة الحق في التعليم العمومي المجاني بكامل مراحله وتسعى إلى توفير الإمكانيات الضرورية لتحقيق جودة التربية والتعليم والتكوين".

وتتمثل الأهداف التي يرمي إليها النظام التربوي في تونس في "إعداد الناشئة لحياة لا مجال فيها لأي شكل من أشكال التفرقة والتمييز على أساس الجنس أو الأصل الاجتماعي أو اللون أو الدين".

وبهذا فإن قانون التعليم يتماشى مع أحكام الإتفاقيات الدولية ويضمن حقوق النساء في التعليم ويجبر الأولياء على تعليم بناتهم إلى حد سن السادسة عشرة مع معاقبة الأولياء الذين يمتنعون عن إلحاق أطفالهم بمؤسسات التعليم الأساسي أو بسحبهم دون سن السادسة عشرة رغم كونهم قادرين على مواصلة تعلمهم بصفة طبيعية حسب التراتيب الجاري بها العمل.

ولكن احترام هذه الأحكام مازال محدودا وتدخل السلط ما زال غير كاف للسهر على إلزامية التعليم أو على بقاء البنات في المدارس دون انقطاع ودون ترك الدراسة ناهيك أن آخر إحصائية رسمية أفادت بأن عدد المنقطعين عن التعليم سنويا يتجاوز مائة ألف.

 

القرة الثانية : الحق في العمل  :

تعترف جملة الإتفاقيات الدولية كالعهد الدولي الخاص بالحقوق الثقافية والإجتماعية والإقتصادية واتفاقية التمييز في مجال الاستخدام والمهنة (اتفاقية رقم 11 صادرة عن منظمة العمل الدولية في 25 جوان 1958) وإتفاقية المساواة في الأجور (اتفاقية رقم 100 خاصة بمساواة العمال والعاملات في الأجور لدى تساوي قيمة العمل الصادرة عن منظمة العمل الدولية في 29 جوان 1951). واتفاقية الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي (اتفاقية عـ87ـدد خاصة بالحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي المؤرخة في 09 جويلية 1948). واتفاقية حق التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية (اتفاقية عـ98ـدد خاصة بتطبيق مبادئ الحق في التنظيم النقابي وفي المفاوضة الجماعية الصادرة عن منظمة العمل الدولية في 01 جويلية 1949  بالحق في العمل للنساء والرجال وتضمن ممارسة هذا الحق وكيفية تحسين ظروف العمل عن طريق الحق النقابي. وقد جمعت الاتفاقية الدولية الخاصة بإلغاء كل مظاهر التمييز المسلط على النساء هذه القواعد والإجراءات في الفصل 11 الذي يحث الدول على أن :

  1. تخذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في ميدان العمل لكي تكفل لها على أساس المساواة بينها وبين الرجل نفس الحقوق ولاسيما :
  1. الحق في العمل بوصفه حقا ثابتا لجميع البشر
  2. الحق في التمتع بنفس فرص العمالة بما في ذلك تطبيق معايير واحدة في شؤون الاستخدام.
  3. الحق في حرية اختيار المهنة نوع العمل والحق في الترقية والأمن على العمل وفي جميع مزايا وشروط الخدمة والحق في تلقي التدريب وإعادة التدريب المهني بما في ذلك التلميذة الحرفية والتدريب المهني المتقدم والتدريب المتكرر.
  4. الحق في المساواة في الأجر والحق في المساواة في المعاملة   
  5. الحق في الضمان الاجتماعي
  6. الحق في الوقاية الصحية وسلامة ظروف العمل بما في ذلك وظيفة الإنجاب.
  1. توخيا لمنع التمييز ضد المرأة بسبب الزواج أو الأمومة وضمانا لحقها الفعلي في العمل تتخذ الدول الأطراف التدابير المناسبة :
  1. لحظر الفصل من الخدمة بسبب الحم أو إجازة الأمومة والتمييز في الفصل من العمل على أساس الحالة الزوجية مع فرض جزاءات على المخالفين.
  2. لإدخال نظام إجازة الأمومة المدفوعة الأجر أو المشفوعة بمزايا اجتماعية مماثلة دون فقدان للعمل السابق أو للاقدمية أو للعلاوة الإجتماعية.
  3. لتشجيع توفير الخدمات الاجتماعية المساندة اللازمة لتمكين الواليدن من الجمع بين الالتزامات العائلية وبين مسؤوليات العمل والمشاركة في الحياة العامة ولاسيما عن طريق تشجيع إنشاء وتنمية شبكة من مرافق رعاية الأطفال.
  4. لتوفير حماية خاصة للمرأة أثناء فترة الحمل في الأعمال التي  يثبت أنها مؤدية لها.

إذن فحق العمل مكسب يدعمه الحق في المساواة في الأجر وفي المعاملة ويضمنه الضمان الاجتماعي والوقاية الصحية وحماية وظيفة الإنجاب والأمومية.

أما على مستوى التشريع الوطني  فقد نص الدستور الجديد على أن "العمل حق لكل مواطن ومواطنة، وتتخذ الدولة التدابير الضرورية لضمانه على أساس الكفاءة والإنصاف.

ولكل مواطن ومواطنة الحق في العمل في ظروف لائق وبأجر عادل".

كما تعترف القوانين الاجتماعية أي قانون الوظيفة العمومية وقانون الشغل بمبدأ عدم التمييز بين الجنسين إذ يقضي الفصل 11 من قانون الوظيفة العمومية بأن "ليس هناك أي ميز بين الجنسين في تطبيق هذا القانون باستثناء الأحكام الخاصة التي تحتمها طبيعة الوظائف والتي قد تتخذ في هذا الصدد".

أما الفصل 5 مكرر من مجلة الشغل والذي أضيف سنة 1992 فهو يعتبر أنه "لا يمكن التمييز بين الرجل والمرأة في تطبيق أحكام هذه المجلة والنصوص التطبيقية له".

والإعلان عن عدم التمييز بين الجنسين يفترض العدول عن أي وثيقة أو استبعاد يتم على أساس الجنس ويجبر الإدارة على تطبيق المساواة في كل المجالات والحالات التي تهم عمل المرأة وخاصة الانتداب والترسيم والارتقاء والتدرج وتحمل المسؤوليات والأجور والحق النقابي وحق الإضراب.

ولتدعيم هذا المبدأ نصت هذه التشريعات على  مجموعة من التدابير الاستثنائية اعتبارا لخصوصيات الأوضاع النسائية.

فاعترف قانون الوظيفة العمومية للنساء بحق التمتع بعطلة الولادة مدتها شهران يمكن أن تليها عطلة الأمومة لمدة لا تتجاوز أربعة أشهر مع استحقاق نصف المرتب وذلك لتمكينهن من تربية أطفالهن.

كما نص قانون الوظيفة العمومية على إمكانية الإحالة على عدم المباشرة لمدة سنتين لتربية ولد أو عدة أولاد لم يبلغوا السادسة من عمرهم أو الاعتناء بالأطفال إن كانوا مصابين بعاهات تتطلب عناية مستمرة.

ومنذ 1985 صدر قانون مؤرخ في 05 مارس 1985 خاص بنظام الجرايات المدنية والعسكرية للتقاعد والباقين على قيد الحياة سمح للنساء بالإحالة على التقاعد المبكر عندما يكن أمهات لثلاثة أبناء لا يتجاوز سنهم العشرين عاما أو لإبن مصاب بإعاقة عميقة.

أما قانون الشغل فقد خصص بعض أحكامه إلى خصوصيات الأوضاع النسائية.

وقام بتحجير عمل المرأة ليلا لمدة لا تقل عن إثنى عشرة ساعة متوالية تشمل الحصة الزمنية ما بين العاشرة ليلا والسادسة صباحا مع ترك المجال لرفع  التحجير في حالات استثنائية.

كما حجر المشرع عمل النساء تحت الأرض في المؤسسات والحظائر التي تجرى بها عمليات استخراج المعادن القديمة أو تحويلها أو إيداعها.

وأخيرا أحاط المشرع النساء العاملات ببعض الضمانات لحماية خصوصياتهن وذلك بالسماح لهن بمغادرة العمل بدون  تعيين أجل المغادرة وبدون المطالبة بغرامة قطع العمل في حالة الحمل، وبتمتعهن بحق الراحة لمدة 30 يوما بمناسبة الولادة ويمكن تمديدها كل مرة بما قدره 15 يوما.

فإذا كانت المرأة ترضع طفلها من ثديها فلها الحق في راحتين في اليوم كل منهما نصف ساعة أثناء ساعات العمل لتمكين من إرضاع طفلها وذلك طيلة تسعة أشهر ابتداء من يوم الولادة.

وعلى أصحاب المؤسسات واجب تهيئة غرفة خاصة للرضاعة إذا كانت المؤسسات تشغل على الأقل خمسين إمراة، وتوفير عدد من الكراسي مساو لعدد النسوة العاملات بالمؤسسات إذا تولت النساء مباشرة البضائع وعرضها على العموم، والمحافظة على الأخلاق الحميدة ومراعاة الآداب العامة.

هذه الحقوق التي تتمتع بها النساء في إطار تدعيم وضمان حقهن في الشغل هي حقوق منقولة في معظمها من أحكام الاتفاقيات الدولية الخاصة بالعمل، لكن احترام ه الحقوق والتمتع بها يبقى رهين الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

الفرع الثاني : الحقوق المادية  : الحق في الصحة

يعتبر الحق في الصحة من أهم الحقوق التي يجب أن تتمتع بها النساء حتى يتمكن من الرفاهية ومن المشاركة في عملية التنمية البشرية والإقتصادية.

ويحث العهد الدولي الخاص بالحقوق الثقافية والاقتصادية والاجتماعية الدول الأطراف في الفصل 12 على أ " تقر لكل إنسان بالحق في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسيمة والعقلية يمكن بلوغه .

تشمل التدابير التي يتعين على الدول الأطراف اتخاذها لتامين الممارسة الكاملة لهذا الحق .

أ) خفض معدل الإنجاب وموتى الرضّع وتامين نمو الطفل نموا صحيا

ب) تحسين جميع جوانب الصحة البيئية والصناعية

 ج) الوقاية من الأمراض البيئية والمتواطئة والأمراض الأخرى وعلاجها مكافحتها

 د) تهيئة ظروف من شانها تامين الخدمات الطبية والعناية الطبية في حالة المرض وتطلب الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز المسلط على النساء في المادة 12 من الدول أن تتخذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في ميدان الرعاية الصحية من أجل أن تضمن لها على أساس المساواة بين الرجل والمرأة الحصول على خدمات الرعاية الصحية بما في ذلك الخدمات المتعلقة بتنظيم الأسرة.

 ب‌ - بالرغم من أحكام الفقرة الأولى من هذه المادة تكفل الدول الأطراف المرأة خدمات مناسبة فيما يتعلق بالحمل والولادة وفترة ما بعد الولادة موفرة لها خدمات مجانية عند الاقتضاء وكذلك تغذية كافية أثناء الحمل والرضاعة . إذن فالحق في الصحة يقضي الرعاية الصحية والحماية من الأمراض المعدية لكنه كذلك يتعلق بحماية حقوق المرأة الإنجابية . وهنا قام المشرع خلافا لما هو موجود في سائر الدول العربية بإحداث ديوان قومي للتنظيم العائلي وبإصدار قانون يسمح ببيع الحبوب المانعة للجمل منذ 1961 (قانون عدد7 61 مؤرخ في 9 جانفي 1961 خاص بالأدوية المانعة للحمل) كما اعترف المشرع منذ غرة جويلية 65 بمقتضى قانون عدد24 .65 بحق الإجهاض الاجتماعي وتعميم هذا الحق منذ 1973 حيث أصبح الإجهاض غير مرتبط بشروط متصلة بحالة المرأة المدنية أو العائلية أو بموافقة الزوج إذ يكفي أن تطالب المرأة بإجرائه في الأسابيع 12 الأولى من الحمل في مستشفى عمومي أو مصحة مرخص فيها حتى يبطل الحمل (الفصل 214 من المجلة الجنائي ). كما قام المشرع بحماية المرأة والرجل من الأمراض الشارية منذ 27 جويلية 1992 حين نظم معالجة الأمراض السارية واتخذ مجموعة من التدابير الوقائية أو العلاجي واو تثقيفية الخاصة بكل مرض بما فيها قرار الاستشفاء الوجوبي عند رفض مباشرة أو متابعة العلاج المحدد . وكذلك قام المشرع بحماية النساء الموسوسات بوضع شروط لتعاطي البغاء وهي شروط إدارية وصحية تتصل بالخضوع إلى مراقبة صحية دائمة سواء بالنسبة للمومس أو فيما يتعلق بالبيوت المعدة لهذا الغرض وبوضع الوسائل الوقائية التي تحددها مصلحة المراقبة على ذمة الحرفاء ( قرار صادر بتاريخ 30 افريل 1942).

 

 الجزء الثالث : المجال العائلي والعام  

حرص المشرع على إعطاء المرأة عدة حقوق داخل العائلة تمكنها من ممارسة دورها سواء كزوجة أو أمّ في مستوى من الحقوق تضاهي حقوق الرجل (الفرع الأول). ولم يكتف بمجرد التنصيص على تلك الحقوق وإنما سعى إلى توفير حماية جزائية لها سواء داخل العائلة أو في المجال العام (الفرع الثاني).

الفرع الأول : حقوق المرأة في العائلة  

 إقتضى الفصل 23 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية جملة من الحقوق للمرأة : 

1) الأسرة هي الوحدة الجماعية الطبيعية والأساسية في المجتمع ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة

  1. يكون للرجل وللمرأة ابتداء من بلوغ سن الزواج حق معترف به في التزوج وتأسيس أسرة
  1. لا ينعقد أي زواج إلا برضا الطرفين المزمع زواجهما رضاء كاملا لا إكراه فيه
  2.  تتخذ الدول الأطراف في هذا العهد التدابير المناسبة لكفالة تساوي حقوق الزوجين وواجباتهما لدى التزوج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله وفي حالة الانحلال يتوجب اتخاذ تدابير لكفالة الحماية الضرورية للأولاد في حالة وجودهم . كما تعترف اتفاقية الرضا بالزواج والحدّ الأدنى لسن الزواج وتسجيل عقود الزواج أن الزواج لا ينعقد إلا برضا الطرفين رضا كاملا لا إكراه فيه وبإعرابهما عنه بشخصيهما بعد تامين العلانية اللازمة وبحضور السلطة المختصة بعقد الزواج وبحضور شهود (الفصل الأول). كما تطلب هذه الاتفاقية التي تتعلق بجنسية المرأة المتزوجة إلى تأثير الزواج على جنسية المرأة معتبرة أن انعقاد الزواج أو انحلاله بين احد المواطنين وأجنبي لا يكون بصورة آلية ذا اثر على جنسية الزوجة ( المادة 1- ) كما انه لا يجوز لاكتساب احد المواطنين باختبار جنسية دولية أخرى ولا لتخلي احد مواطنيها عن جنسيته أن يمنع زوجة هذا المواطن من الاحتفاظ بجنسيتها . وكذلك تسمح الاتفاقية للأجنبية المتزوجة من احد مواطني الدولة الطرف في الاتفاقية إذا طلبت ذلك أن تكتسب جنسية زوجها من خلال إجراء تجنس امتيازي خاص.

 وأخيرا اهتمت الاتفاقية الدولية للقضاء على كل مظاهر التمييز المسلط على النساء بوضع النساء في العائلة وطلبت من الدول أن تمنح المرأة والرجل نفس الحقوق فيما يتعلق بالتشريع المتصل بحركة الأشخاص وحرية اختيار محل سكناهم وإقامتهم (الفصل 15) وان تتخذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز المسلط على النساء في كافة الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات العائلية وبوجه خاصة تضمن على أساس المساواة بين الرجل والمرأة.

أ) نفس الحق في عقد الزواج

ب) نفس الحق في حرية اختيار الزوج وفي عدم عقد الزواج إلا برضاها الحرّ الكامل

ج)  نفس الحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند فسخه

د)  نفس الحقوق والمسؤوليات بوصفهما أبوين ، بغض النظر عن حالتهما الزوجية في الأمور المتعلقة بأطفالهما وفي جميع الأحوال يكون لمصلحة الأطفال الاعتبار الأول.

هـ)  نفس الحقوق في أن تقرر بحرية وبادراك للنتائج عدد أطفالها والفصل بين الطفل

والذي يليه وفي الحصول على المعلومات والتثقيف والوسائل الكفيلة بتمكينها من ممارسة هذه الحقوق.

و) نفس الحقوق والمسؤوليات فيما يتعلق بالولاية والقوامة والوصاية على الأطفال وتبينهم أو ما شبه ذلك من الأعراف حين توجد هذه المفاهيم في التشريع الوطني وفي جميع الأحوال يكون لمصلحة الأطفال الاعتبار الأول.

ز) نفس الحقوق الشخصية للزوجة والزوج بما في ذك الحق في اختيار اسم الأسرة والمهنة ونوع العمل.

ح) نفس الحقوق لكلا الزوجين فيما ستعلق بملكية وحيازة الممتلكات والإشراف عليها وإدارتها والتمتع بها والتصرف فيها سواء بلا مقابل او مقابل عوض.

كما قضت نفس الماد في الفقرة الثانية بضرورة تحديد سن أدني للزواج ويجعل تسجيل الزواج في سحل رسمي امرأ إلزاميا.

كل هذه الأحكام المقتطفة من التشريعات ترتكز على مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة وتسند لهما نفس الحقوق فيما يتعلق بالموافقة على الزواج وإبرام عقد الزواج وأثناء الزواج أو عند انحلاله وتجاه الأطفال وفيما يخص التصرف في الممتلكات.

أما على المستوى الوطني فقد حرص المشرع الدستوري على إيلاء الأسرة مكانة متقدمة معتبرا إياها صلب الفصل السابع :"الخلية الأساسية للمجتمع. وعلى الدولة حمايتها".

  واعتبر أن المكاسب التي تحققت للمرأة داخل الأسرة من خلال مجلة الأحوال الشخصية حقوقا مكتسبة لا يجوز النيل منها أو التراجع عنها فلقد اقتضى الفصل 46 أن الدولة تلتزم : "بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعمل على دعمها وتطويرها".

ومن أهم المكاسب التي تحققت للمرأة من خلال مجلة الأحوال الشخصية إلغاء واجب الجبر وتعويضه بالموافقة الحرة والشخصية والمباشرة لكلا الزوجين وتحديد سن أدني للزواج وتقديم شهادة طبية سابقة للزواج من قبل الزوجين واعتبارها  شرطا من شروط الزواج ومنع تعدد الزوجات وإلغاء واجب الطاعة وتعويضه بالمعاملة بالمعروف وبحسن العشرة وتجنب إلحاق الضرر وتعاون الزوجين على تسيير شؤون الأسرة وحسن تربية الأبناء وتصريف شؤونهم بما في ذلك التعليم والسفر والمعاملة المالية ومساهمة المرأة في الإنفاق على الزواج إن كان لها مال وتصرف المرأة في أموالها دون ولاية الزوج.

في نفس الوقت ولمقاومة ظاهرة التطبيق من جانب واحد قام المشرع بتنظيم الطلاق فحجر الطلاق خارج المحاكم المختصة وجعل الطلاق قضائيا بالضرورة. ثم  حدد حالات الطلاق دون تمييز بين النساء والرجال وهي 3 حالات : الطلاق بالتراضي، الطلاق للضرر والطلاق إنشاء. واعترف للمرأة المتضررة من الطلاق بجراية عمرية حتى تتمكن من مواصلة العيش في نفس الظروف التي اعتادت عليها.

وكلف قاضيا خاصا يسمى "قاضي الأسرة" بالحث  على الصلح بين الزوجين قبل إصدار قرار الطلاق.

كما احدث منذ 1993 صندوقا لضمان تسديد النفقة أو جراية الطلاق المحكوم بها لفائدة المطلقات وأولادهن عندما يتعذر عليهن التمتع بهذه النفقة أو هذه الجراية بسبب تلدد المدين.

كما اعترف المشرع للمرأة بحق الولاية عند موت الولي وبعض صلاحيات الولاية في صورة إسناد الحضانة إليها فيما يتعلق بسفر المحضون ودراسته والتصرف في حساباته المالية أو عند عدم ممارسة الولاية من قبل الولي.

وفي 28 افريل 2014 أبلغت الحكومة التونسية الأمم المتحدة بسحب تحفظاتها عن فصول الإتفاقية الأممية المتعلقة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد  المرأة (سيداو) وهي التحفظات المتعلقة بالفقرة الرابعة من الفصل 15 والفقرة الثانية من الفصل التاسع والفقرات ج –و-  د و ز-ح من الفصل 16 والفقرة الأولى من الفصل 29 وهي المواد التي تمنح الدول الأطراف في الاتفاقية الرجل والمرأة نفس الحقوق في ما يتعلق بالقانون المتصل بحركة الأشخاص وحرية اختيار محل سكناهم وإقامتهم وتلك التي تمنح الدول الأطراف المرأة حقا مساو لحق الرجل في ما يتعلق بجنسية أطفالها لكن تم الإبقاء على التحفظ المتعلق بالإعلان العام والذي تلتزم فيه الدولة بعدم اتخاذ أي قرار إداري أو تشريعي من شانه أن يخالف أحكام الفصل الأول من الدستور التونسي الذي ينص على أن الإسلام هو دين الدولة في تونس وبذلك تم غلق الباب بالنسبة للجدل القائم حول ما إذا كان رفع التحفظات على هذه الاتفاقية سيفتح الباب أمام خرف بعض قواعد الشريعة الإسلامية التي تحكم بعض القوانين التونسية مثل تساوي الرجل والمرأة في الإرث وزواج المسلمة بغير المسلم وتشريع التبني وإن كان هذا الأخير معتمدا في تونس في مخالفة صريحة لأحكام الشريعة الإسلامية وخاصة الفصل الأول من الدستور.

 

 

 

الفرع الثاني : الحماية الجزائية للمرأة

حرص المشرع التونسي على توفير حماية جزائية شديدة للمرأة كلما تعرضت إلى تهديد مباشر لكيانها داخل الأسرة سواء تعلق الأمر بوضعها كزوجة أو كإمراة ويعود هذا الحرص إلى الخلفية الفكرية للمشرع التونسي منذ الاستقلال التي اتخذت من حرية المرأة وحمايتها شعارا للمنظومة التشريعية الخاصة بالأحوال الشخصية ولئن كانت النصوص القانونية الجزائية صارمة وموجهة لتأمين حماية المرأة داخل الأسرة كزوجة في جانبها الاعتباري  إلا أنها تظل قاصرة نسبيا على تأمين حماية المرأة في جانبها المادي والجسدي.

 

الفقرة الأولى : الحماية الجزائية للجانب الاعتباري للمرأة

يمكن استنتاج هذه الحماية من خلال النصوص المتعلقة بجرائم إهمال عيال  والتزوج بثانية فلقد أقتضى القانون ...... أن المرأة التي استصدرت حكما بالنفقة وامتنع المحكوم عليه من تنفيذ الحكم بعد إعلامه به بثلاثين يوما  يمكنها أن تقوم بشكاية جزائية من أجل إهمال عيال ولا يمكن للمحكوم عليه الإفلات من العقوبة السجنية إلا بخلاص معاليم النفقة المتخدة بذمته بموجب حكم النفقة المذكور فمعلوم النفقة يعتبر الدين المدني الوحيد الذي يستخلص عن طريق الجبر بالسجن لأنه يتعلق بحق أساسي تتمتع به المرأة عندما تكتسب صفة الزوجة.

كما أن حرص المشرع ذهب إلى أبعد من مجرد تأمين نفقة الزوجة إلى حد حماية كيانها داخل الأسرة فمنع تعدد الزوجات واعتبر التزوج بثانية جريمة عقوبتها السجن لأنها تمثل إهانة للمرأة وحطا من قيمتها واعتبارها.

الفقرة الثانية : الحماية الجزائية للجانب المادي للمرأة

ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في توطئته على أن : "الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم ومن حقوق متساوية وثابتة يشكل أساس الحرية والعدل والسلام في العالم".

ويظيف هذا الإعلام في فصله الأول أن : "جميع الناس يولدون أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق".

ويتعرض العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية إلى مسألة العنف بصفة غير مباشرة كذلك بإتصال بالكرامة فتنص المادة الثانية من التوطئة على أن "الحقوق منبثقة من كرامة الإنسان الأصلية فيه".

كما يعلن في المادة 7 أنه "لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو الإنسانية أو الحاطة بالكرامة" وفي المادة 17 أنه :

  1. لا يجوز تعريض أي شخص على نحو تعسفي أو غير قانوني لتدخل في خصوصياته أو شؤون أسرته أو بيته أو مراسلاته، ولا لأي حملات غير قانونية تمس شرفه أو سمعته".
  2. من حق كل شخص أن يحميه القانون من مثل هذا التدخل أو المساس.

أما الإتفاقية الدولية الخاصة بإلغاء كل مظاهر التمييز ضد المرأة فهي بدورها وكبقية الاتفاقيات والنصوص الدولية الأخرى لا تتعرض بصفة مباشرة إلى العنف المسلط على النساء وتعالجه بالرجوع إلى "محتوى ميثاق الأمم المتحدة الذي يؤكد من جديد الإيمان بحقوق الإنسان الأساسية وبكرامة الفرد وقدره وبتساوي الرجل والمرأة في الحقوق".

وبالإشارة إلى أن التميز ضد المرأة يشكل انتهاكا لمبدأ المساواة في الحقوق واحترام كرامة الإنسان ويعد عقبة أمام مشاركة المرأة على قدم المساواة مع الرجل في حياة بلدهما السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

ولقد صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على إعلام القضاء للعنف المسلط على النساء بمقتضى توصية عـ48/104ـدد مؤرخة في 18 ديسمبر 1993.  تتضمن تعريف للعنف وتنص على مجموعة من التدابير التي يجب اتخاذها للقضاء عليه. فحسب الإعلام المذكور يعتبر عنفا : "  كل إكراه وتضييق لحرية المرأة يمكن أن يكون جسديا أو معنويا أو جنسيا ويمكن أن يحصل في الحياة العامة أو الخاصة في العائلة في إطار مؤسسات الدولة أو في الأماكن العمومية.

وتكمن مقاومة هذا العنف بالامتناع عن القيام به بالقيام بحملات وقائية ومعاقبة كل مرتكبي أعمال العنف حتى وإن كانت الدولة لتحسيس النساء بضرورة الدفاع عن أنفسهم والالتجاء إلى الهياكل القضائية المختصة بوضع خطط عمل وطنية ودولية لمقاومة العنف المسلط على النساء وحماية النساء المعنفات".

أما على المستوى الوطني فإن المشرع التونسي لم يتعرض إلى العنف المسلط على النساء بصفة مباشرة وخاصة ولكن باعتباره ظاهرة إجتماعية تطبق عليها أحكام القوانين العامة ويمكن أن تمس النساء والرجال في آن واحد وذلك باستثناء العنف الجنسي أي الإغتصاب أو مواقعة أنثى قاصر أو دون رضاها أو الاعتداء بالفاحشة أو إجبار إمراة على تعاطي البغاء في غير الصور المنصوص عليها بالتراتيب الجاري بها العمل أو محاولة إسقاط حمل ظاهر أو محتمل بواسطة أطعمة او مشروبات أو أدوية أو أية وسيلة أخرى سواء كان ذلك برضا الحامل أو بدونه...

كما أن المشرع لم يخصص إلى العنف المرتكب من قبل الزوج على زوجته وبصفة عامة إلى العنف المرتكب داخل العائلة تدابير خاصة إذ أنه إكتفى في تعديل المجلة الجنائية سنة 1993 باعتبار العنف المسلط على أحد الزوجين ظرف تشديد عند معاقبة مرتكبيه وقد نص الفصل 218 جديد من هذه المجلة على أن : "من يتعمد إحداث جروح أو ضرب او غير ذلك من أنواع العف ولم تكن داخلة في ما هو مقرر بالفصل 319 يعاقب بالسجن مدة عام وبخطية قدرها ألف دينار. وإذا كان المعتدي خلفا للمعتدى عليه أو زوجا له يكون العقاب بالسجن مدة عامين وبخطية قدرها ألف دينار. ويكون العقاب بالسجن مدة 3 أعوام وبخطية قدرها ثلاثة ألاف دينار في صورة تقدم إضمار الفعل. وإسقاط السلف أو الزوج المعتدى عليه حقه يوقف التتبعات آو المحاكمة أو تنفيذ العقاب. والمحاولة موجبة للعقاب".

كما أنه هناك أواع أخرى من الجرائم التي ترتكب ضد النساء وتفاقمت في السنوات الأخيرة لم يهتم بها لمشرع مثل التحرشات الجنسية سواء داخل أماكن العمل أو خارجها.

أما بعد الثورة فإن المشرع الدستوري أبى إلا أن يعالج موضوع لعنف ضد النساء من خلال نص دستوري صريح ليكون أرضية صلبة وقاعدة عامة تستمد منه القوانين الوسائل الكفيلة بحماية المرأة من هذه الظاهرة وذلك  من خلال أحكام الفصل 46 الذي جاء فيه صراحة ما نصه :"تتخذ الدولة التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضد المرأة". وقد وردت هذه التوصية الدستورية تحت عنوان صريح لكامل النص يعتبر بصفة ضمنية أن حماية المرأة حق مكتسب لها تلتزم الدولة بحمايته والعمل على دعمه وتطويره فقد جاء بمطلع الفصل 46 وكأنه عنوان ما نصه : "تلتزم الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعمل على دعمها وتطويرها.

وقد تنادت في المدة الأخيرة عدة أطراف لسن قانون ضد العنف المسلط على النساء وتم تقديم مشروع للغرض في ذلك.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  • الخاتمــــــــــــــــــة  -

 

التقنين هو تحويل قاعدة منظمة لسلوك اجتماعي ما من قاعدة عرفية إلى قاعدة مكتوبة عامة ومجردة وملزمة تصدرها سلطة مختصة ذات سيادة على الإقليم وساكنيه. فالتقنين هو إخراج القاعدة من مصدرها المادي الذي يمكن أن يكون الدين آو الأخلاق أو العلم أو الفلسفة أو الحقائق الاقتصادية والاجتماعية إلى آخره وتكريسها ضمن نص مكتوب له قيمة تشريعية يسمى المصدر الشكلي.

فالنص القانوني بقدر ما يعكس مستوى الوعي والسلوك لدى المجتمع وفق ما تقتضيه أحكام العرف والعادة فإنه كذلك يساهم في الارتقاء بمستوى نضج المجتمع بما يحقق له مسايرة نسق التطور والتقدم  دون تصادم مع الموروث الحضاري الذي يمتلكه. ولئن اتسمت خطوات المشرع التونسي بالجرأة والشجاعة إلى حد التهور أحيانا عند التعامل مع الموازنة القائمة بين تطوير منظومة القوانين الوضعية بما يحقق الالتحاق بركب الحضارة والتطور والمرجعية التشريعية المستمدة من الفقه الإسلامي والخلفية الثقافية العربية الإسلامية للمجتمع التونسي إلا أنها ساهمت في زرع نفس تشريعي تجديدي مطرد  قادر على استيعاب جميع مدارس التحديث والتأصيل.

 

 

 

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.