wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
الصيام .. تهذيب للنفس وتربية للإرادة
الاثنين, April 12, 2021

يمتاز هذا الشهر الفضيل بأنّه شهر الصيام الذي اختصّ الله به نفسه، وحعل جزاءه عنده وحده، فقد ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: “كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، ولا يجهل، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم. مرتين، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك. وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه”.
ومن الخصائص التي يختصّ بها الصيام دون غيره من العبادات:
1- الربانية:  فتشريع الصيام في الإسلام تشريع رباني، فالله تعالى هو الذي شرعه، وفرضه على المسلمين بنص قوله تعالى:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ “.[البقرة: 183].
وهذه الخصيصة من أهم الخصائص، فالله تعالى هو الذي فرض الصيام، فلم يفرضه نبي مرسل، أو ملك مقرب، ولا دخل لأي مخلوق أياً كان في فرض الصيام، فهو الفريضة الربانية التي فرضها الله تعالى على المسلمين في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والله تعالى فرض الصيام على من كان قبل أمة محمد عليه الصلاة والسلام. 
والمسلم في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو يؤدي فريضة الصيام يشعر بالغبطة والسعادة تملآن جوانحه، فهو يعلم أن الله تعالى هو العليم بمصالح العباد، فهو سبحانه وتعالى حين شرع لهم فريضة الصيام، وفرض كيفيته التي لم يتركها سبحانه للمسلمين كي يجتهدوا في تقديرها، ولو تركها لهم لاتسعت بينهم دائرة الخلاف، ولما وسعها رحب الأرض الواسع خلافاً.
إن من مظاهر الرحمة الإلهية بالمسلمين في تشريع فرض الصيام أن الله تعالى هو الذي فرض كيفية هذا الصيام، لكي تتوحد الأمة بذلك فالحمد لله على فضله، ورحمته.
2- حفظه من التبديل والتغيير: إن الصيام في الإسلام محفوظ بعناية الله من التبديل والتغيير والزيادة، والنقصان، فبرغم ما مر بالمسلمين في تاريخهم من ظروف قاسية، وبرغم ما ظهر في ساحة المسلمين في بعض الفترات من ملاحدة، فلم يجرؤ أحد على مجرد المجاهرة بإنقاص أيام الصيام، وبقيت هذه الفريضة محفوظة مصانة، والمسلمون اليوم جميعاً يعرفون شهر رمضان بأنه شهر الصوم لا خلاف بينهم في ذلك، ويعرفون أن شهر الصوم قد يكون ثلاثين يوماً، أو تسعة وعشرين حسب رؤية الهلال، لا خلاف بين المسلمين في ذلك.
3- ومن خصائص تشريع فرض الصيام: أن تشريعه يعكس وسطية التشريع الإسلامي، فالصوم في الإسلام وسطية واعتدال فهو وسط بين إفراط وتفريط، وسطية تراعي طبيعة التكوين البشري في الإنسان المسلم المكلف بالصوم، والإنسان هو مجموع مكون من الروح والجسد، فالروح لها أشواقها، وصفاؤها، وجاذبيتها وقوتها، فهي تجذب الإنسان إلى أصلها ومركزها، وتذكره بمنصبه، ومركزه، ومهمته، وغايته، وتثير فيه الأشواق والطموح، وتبعث فيه الثورة على المادة الكثيفة الثقيلة، والجسد يجذبه إلى أصله ومركزه التراب بكل ما فيه من كثافة، وثقل، وكل خصائص التراب، والإنسان بذلك تتجاذبه هاتان القوتان: قوة الروح بكل خصائصها وقوة الجسد بكل خصائصه ومكوناته، والإسلام جاءت أحكامه مراعية لهذا التكوين العجيب في الإنسان، فلم تعامله على أنه ملك، أو شيطان، فكان التوازن والاعتدال في هذه الأحكام التي راعت فيه جانبه الروحي، كما راعت فيه في ذات الوقت الجانب المادي في تكوينه، فكان الصوم في غاية المواءمة للإنسان في الإسلام فهو ليس وصالاً، وليس حرماناً من كل شيء، وليس طويلاً بل هو أيام معدودات لها بداية، ولها نهاية.
4- ومن خصائص التشريع الإسلامي في فريضة الصيام: أن الصيام نتيجته قيمة أخلاقية عالية هي رأس الأمر كله في الإسلام وتلك هي تقوى الله تعالى مصداقاً لقول الله تعالى:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ “.[البقرة: 183]. فغاية الصيام في الإسلام هي التقوى، وللتقوى في الإسلام مكانة رفيعة، وفضلها عظيم فهي الأمان والنجاة من عذاب الله، والمصير إليها واجب، والله تعالى أوجب الصيام لأجلها فهي الحكمة الشرعية التعبدية للصوم وما جاء سوى ذلك من مصالح بدنية أو اجتماعية فإنها تبع.
5- ومن خصائص التشريع الإسلامي في الصوم: أن الصوم عبادة خفية لا يطلع عليها إلا الله تعالى، فالصائم يدع طعامه وشرابه وشهوته امتثالاً لأمر ربه سبحانه، فلا رياء في الصوم، ولذلك أضاف الله تعالى الصوم إليه كما جاء في الحديث القدسي:(كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).
والصيام أعظم مرب للإرادة، وكابح لجماح الأهواء، فأجدر بالصائم أن يكون حراً يعمل ما يعتقد أنه خير، لا عبداً للشهوات، إنما روح الصوم وسره في هذا القصد والملاحظة التي تحدث هذه المراقبة، وهذا هو معنى كون العمل لوجه الله تعالى”.
6- ومن خصائص التشريع الإسلامي في فريضة الصيام: أن الصيام يجيء مرة كل عام مدة شهر اسمه: شهر رمضان، وشهر رمضان هو الشهر الذي أنزل فيه القرآن، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} سورة البقرة  (185).
7- ومن الخصائص: أن الإسلام هدف في تشريعه من وراء فرض الصيام إلى بناء الفرد المسلم بناءً تتجلى من خلاله شخصية المسلم وهي تتحلى بمكارم الأخلاق، وجميل الصفات، فليس المقصود من الصوم في الإسلام مجرد الإمساك عن شهوات الفرج، والطعام والشراب، أو حرمان الصائم يوماً كاملاً مدة شهر قمري من كل ما يشتهيه مما أحله الله تعالى له، فمن المعلوم أن من مقاصد الشريعة الإسلامية إصلاح المجتمع الإنساني، وإقامة هذا الإصلاح على أساس من الخلق الكريم، والفضائل الثابتة التي لا يقوم مجتمع فاضل إلا عليها، والإصلاح لا يثمر ثمرته، ولا يرجى بقاؤه إلا إذا كان منبعثاً من قلب الإنسان ونفسه وشعوره، ووجدانه، والإسلام يهدف فيما يهدف إليه أن يقوم الإصلاح على أسس روحية، ومعان نفسية لا على أساس من سلطة الحاكم وسطوة القانون فحسب وإلا فسرعان ما يمرق الإنسان من قيود الخير والحق والفضيلة إذا غفل الرقيب أو وجد ثغرة ينفذ منها إلى التحلل من سلطان القانون.
8- ومـن الخصائص: أن الصيام يربي في النفس الصبر وقوة الإرادة، وأول صفة ينميها الصوم في نفس الصائم هي قوة الإرادة في الصبر على الشهوات المباحة، وإذا علمنا أن أكثر الفساد والاضطراب في حياة الناس إنما يأتي من ضعف الإنسان أمام شهواته وأهوائه أدركنا ما للصوم من أثر بعيد في حركة الإصلاح والتطهير وتكوين المجتمع المثالي الكريم، فمن الصفات التي يربيها الصوم في نفس الصائم صفة الصبر والاحتمال، والصبرُ على الطاعات، واحتمالُ ما يحيط بها من مكاره ومشاق، والصبر عن المعاصي والشهوات، فمن لا صبر له في الحياة فهو مجرد شبح يتحرك في هذه الحياة، فالحياة لا تستقيم إلا بالصبر، ولا يزال الصائم يروض نفسه على الصبر حتى يصير عادة، وحينئذ يمكن للمسلم أن يشق عُباب الحياة المتلاطم بأمواج الفتن، والبلايا والشدائد والمكاره بكل ثبات وقوة.
فوائد الصيام
1- الفوائد التعبدية: تتجلى الفوائد التعبدية للصيام في أنه طاعة لله تعالى، وإقبال عليه بكثرة العبادة، والإكثار من القربات، والطاعات، ومن شأن ذلك أن يزيد في إيمان الصائم، فالإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، وفي شهر الصيام صلاة التراويح، والتهجد، والمسلم يصلي صلاة التراويح طوال هذا الشهر، ويصلي صلاة التهجد في العشر الأواخر منه، وذلك من شأنه أن يجعل المسلم يتعود على صلاة الليل والتهجد فيه بعد رمضان لأنه قد ذاق حلاوة هذه الصلاة.
2- الفوائد الاجتماعية:  يتمثل الأثر الاجتماعي للصوم، في صلة الرحم، وزيارة الأصدقاء، والعطف على الفقراء، والمسلمون يفضلون شهر الصيام لأنهم يحسون بأثره الاجتماعي الطيب عليهم، والمجتمع المسلم مرتبط بصيام رمضان ارتباطاً وثيقاً، حيث تتأثر أجزاء المجتمع كلها بمظاهر الصيام الطيبة، وتختفي كثير من المظاهر غير المرغوبة من المجتمع في شهر الصيام، ويسود فيه جو الرحمة، والرفق والإحسان، والإحساس بأخوة الإسلام، فالمسلمون يكثرون فيه من الصدقة، وكثير منهم يوقتونه موعداً لإخراج زكاة أموالهم، وتراهم يتعاطفون ويتسابقون في البذل والإحسان، ويهرعون إلى المساجد في أوقات الصلوات المفروضة، وبعد الإفطار يستعدون لصلاة التراويح بعد أداء صلاة  العشاء.
ومن فوائد الصيام الاجتماعية حصول المساواة فيه بين الأغنياء والفقراء والأقوياء والضعفاء، حيث يفطرون في وقت واحد ويمسكون في وقت واحد في البلد الواحد، ومشاعر الجميع واحدة في هذين الوقتين، وهو أمر يربي الأمة على الوحدة والتساوي في المشاعر والأحاسيس، وعلى تقدير أهمية الوقت وأثره في الحياة، فالمجتمع المسلم تحصل له فوائد اجتماعية كثيرة بشهر الصيام ويجد أثرها في حاضر حياته، وفي مستقبلها.
3- الفوائد النفسية: في الصيام تهذيب للنفس، وقهر للشيطان بتضييق مجاري قوته من الطعام، والشراب والشهوات، فهو بذلك واحة النفوس المسلمة تفيء إليها بعد رحلة أحد عشر شهراً في صحراء المشاكل الحياتية، التي لا نهاية لها، والتي لو استمر معها المسلم طوال العام لكان لها تأثيرها السيئ على نفسه، وعلى شخصيته، فجاء الصيام ليشكل في حياته محطة يستريح فيها، ويتخلص فيها كذلك من أعباء المادة.
4- الفوائد الشخصية: والشخصية المسلمة هي الشخصية المعبرة عن قوة نفس صاحبها، لأن من ملك زمام نفسه، قويت شخصيته، ويجيء الصوم ليصب في هذا الاتجاه، فالصوم تعبير عن الإرادة القوية، فالله تعالى فرضه على المسلمين، ليقوي من إرادتهم، ويشد من عزيمتهم، ويرفع من همتهم، ولم يمنعهم في يوم صومهم من الطعام والشراب ليعذبهم، ولكن ليهذبهم ويطهرهم، فإذا تمرنوا على ترك ما هو ضروري لوجودهم سهل عليهم ترك الشهوات والمعاصي وهي ليست من ضروريات وجودهم بل إنها بالعكس جناية على حياتهم، وخطر على وجودهم.
5- الفوائد التربوية: ومن فوائد الصوم أنه يُعَوِّدُ الأمة على تحقيق المساواة، لتكون واقعاً ملموساً في حياتها بحيث تتوحد المشاعر، والأحاسيس بالرباط الأخوي الخالد بين المؤمنين، وتتشارك الأمة في السراء والضراء، ومن شأن ذلك أن يجعل الأمة ترتفع إلى مستوى ما يراد بها، ومنها من وراء فرض الصيام عليها، فالعزة والكرامة أساسهما التضحية والإيثار والرحمة والمحبة، وغلبة الحق. وانتصاره على الباطل مرهون بالتزام طاعة الله، والتزام حدوده، والبعد عن نواهيه، والوفاء بحق الله تعالى في الصوم صوماً يرضيه، ويرضى به عن أهله.
إن الذين يضيقون بالصيام، فيقصرون فيه، إنما يضيقون بالإسلام لأن الصيام أحد أركان الإسلام التي بني عليها، والبناء لا يقوم إلا على أركانه كلها، فليس الإسلام بأركانه ومنها الصوم غِلاً أو قيداً في أعناق أتباعه، ولكنه رحمة الله تعالى للعالمين.
6- الفوائد الصحية: قال العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله:”ومن فوائد الصيام الصحية أنه يفني المواد الراسبة في البدن ولا سيما أبدان المترفين أولي النهم وقليلي العمل، ويجفف الرطوبات الضارة، ويطهر الأمعاء من فساد الذرب والسموم التي تحدثها البطنة، ويذيب الشحم، أو يحول دون كثرته في الجوف وهي شديدة الخطر على القلب، فهو كتضمير الخيل الذي يزيدها قوة على الكر والفر… وقال بعض أطباء الإفرنج: إن صيام شهر واحد في السنة يذهب بالفضلات الميتة في البدن مدة سنة”.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.