
أجرى الحوار: عامر عبد المنعم
1- ما تقييمك للثورات العربية بعد مرور عام عليها؟
أعتقد أنه من الصعب تعميم أحكام مسبقة على هذه الثورات، فلكل "ثورة" نسخة مختلفة عن الأخرى، خذ مثلاً الثورة التونسية التي استطاعت نسبياً أن تتجاوز مخاضات المرحلة وتؤسس " لنظام" حكم انتقالي توافق عليه معظم التونسيين، وخذ مثلاً الثورة المصرية التي ما تزال في دائرة المراوحة حيث لم تحسم أمرها بعد باتجاه نظام سياسي واضح وتوافقي، وبشكل عام يمكنني أن أقول بأن الثورات العربية في مجملها استطاعت أن تصنع تحولاً تاريخياً في العالم العربي، لكنها ما تزال في طور " النشوء" وهي تحتاج إلى سنوات عديدة لكي تنضج وتكتمل.
المهم في تقييم الثورات العربية هو الإشارة إلى أنَّ المسألة لا تتعلق فقط بسقوط الأنظمة السياسية أو تغيير " الوجوه"، وإنما الأهم من ذلك هو سقوط "أفكار عديدة" في موازاة نهوض أفكار جديدة.
الناس اليوم نهضت لبناء "أفكارها" حين خرجت من دائرة الخوف والقمع والاستبداد، وولادة هذه الأفكار من رحم الثورة، سواءً كانت متعلقة بالعدالة أو الديمقراطية أو الحرية أو الكرامة، يعني أنَّ الأمة ولدت من جديد، وأنَّ دورانها حول الأشياء والاشخاص اقترب من نهايته، لتبدأ دورانها حول " الأفكار" والمشاريع والأهداف، وهذا دليل على أنها استعادت عافيتها وبدأت تضع قدمها على درجة السلم الحضاري والإنساني.
2- ما رأيك في الأداء السياسي للإسلاميين في مصر وتونس؟
لقد استطاع الإسلاميون في تونس أن يقتحموا الساحة السياسية بسهولة وبمنطق عقلاني، وربما يعود ذلك لعمق تجربة النهضة وانفتاحها على التيارات السياسية المختلفة داخل تونس، إضافة إلى تجربة " المحنة" التي سمحت لها بالانفتاح على الآخر سواء داخل العالم العربي أو في الغرب.
نتذكر – هنا- أن حزب النهضة قد استطاع بمشاركة أحزاب وتيارات تونسية أن يُؤسس" أرضية " لتفاهمات سياسية تُوجب بميثاق " توافقي" لممارسة الديمقراطية، كان ذلك قبل أكثر من عشر سنوات على الثورة، وهذا يعني أنّ الإسلاميين في تونس فهموا اللعبة السياسية، وتجاوزوا إشكالية الغلبة والاستئثار بالحكم، نظرياً على الأقل، وقد تكون التجربة الآن امتحاناً صعباً لهم مع أن البداية كما تبدو مشجعة وذلك بوصولهم إلى " تروكيا" للحكم للحكم بمشاركة أهم قوتين سياسيتين وهما اليساريون والديمقراطيون.
المسألة في مصر مختلفة، فالإسلاميون ليسوا " طيفاً" واحداً، هنالك الاخوان وهنالك السلفيون وهنالك الإسلاميون المستقلون، وهنالك تجربة مختلفة لكل منهم، فالسلفيون جديدون على السياسة، والاخوان كانوا محرومون من ممارستها طيلة عقود طويلة.
الآن، بعد الإنتخابات البرلمانية حصل الإسلاميون على الأغلبية وتقدموا إلى الترشح للرئاسة بعد أن وعدوا بخلاف ذلك، وسواءً أصابوا أم أخطأوا، فالمشكلة تكمن في قدرتهم على تحمل " أعباء" المرحلة القادمة لوحدهم وخاصة بعد أن أعربت معظم الأطياف السياسية الأخرى عن رفضها لتوجهاتهم.
أتمنى بالطبع أن يُقدم الإسلاميون في مصر " تجربة " نموذجية ومقنعة، وأن يتجاوزا خلافاتهم البينية، وأن يجدوا مجالاً" للتوافق" مع غيرهم من الأطياف السياسية، لكن استطيع أن أقول بأنَّ أداء اخواننا الإسلاميين في تونس كان أسرع في التعامل مع التحديات السياسية، ومع ضرورات الثورة، ربما يكون ذلك لظروف داخلية وخارجية معروفة، نظراً لعدم وجود تونس في بؤرة " الصراع" مع العدو الاسرائيلي كما هي مصر، أو لأسباب أخرى تتعلق بطبيعة التجربة الإسلامية( على اختلاف تنوعها) في مصر.
3- في تقديرك، لماذا تعثرت الثورة في اليمن وسوريا؟
في تقديرك لأسباب تعثر الثورة في اليمن وسوريا، بالنسبة لليمن أعتقد أن طبيعة المجتمع اليمني فرضت " نسخة " مختلفة من " الثورة "، فالمكون القبلي لا يسمح لأي فريق بالانتصار سياسياً على الآخر، وكان لا بد من أن يخرج صحافة الأطراف من الثورة وفق معادلة " لا غالب ولا مغلوب" .
وهذا ما حصل، حيث استطاع اليمنيون من خلال المبادرة الخليجية أن " يعزلوا" الرئيس السابق، وأن يبدأوا مرحلة انتقال سياسي وديمقراطي، وهذا يرضِ البعض لكنه – مع كل التحفضات- مخرج مناسب لأن بديله هو مزيد من الصراع والدماء وانهاك الدولة والمجتمع.
المسألة السورية مختلفة تماماً . فمن يحكم سوريا هو الحزب الذي اختزل" في طائفة " واحدة ، وبالتالي فإنّ من مصلحة هذه الطائفة أن " تقاتل" لتضمن وجودها.
أضف الى ذلك الموقع السياسي والجغرافي الذي يجعل من سوريا منطقة " صراع " للنفوذ بين القوى المختلفة، سواءً أكانت في الاقليم أو في العالم، وهنا تبدو المعادلة الإسرائيلية حاضرة بقوة في الحدث، كما يبدو موقف الغرب " متأرجحاً" بين البحث عن بديل يستطيع أن يطمئن اليه.
بشكل عام رغم أن الثورتين في اليمن وسوريا قد تعثرتا، والتعثر هنا يختلف بينهما في الدرجة لا في النوع، إلاّ أنهما استطاعتا أن تؤسسا لمرحلة جديدة، ففي اليمن حصل ذلك نسبياً، لكن في سوريا لا اعتقد أن النظام سيستمر، ولا أعتقد أن الثورة اشهرت هزيمتها أو استسلمت، على العكس من ذلك، الثورة السورية بدأت سلمية وواجهت اسوأ انواع القمع والقتل من قبل النظام، لكنها مستمرة ومستعدة- كما نرى- للتضحية من أجل" التغيير" وتحقيق طموحات الشعب السوري في الحرية والكرامة.
4- ما تأثير الثورات العربية على مستقبل الأمة؟
الأمة العربية قبل الثورات العربية كانت مثل الرجل المريض، والإنسان العربي أوشك آنذاك أن ينعى الأمة، ولو دققت في واقع أمتنا من حيث" اليأس" والتخلف والشعور بالدونية والمهانة لأدركت أنَّ ما حصل كان بمثابة " ليلة قدر" انفتحت على الإنسان العربي فاستيقظ من حلمه على واقع جديد بات يشعر فيه بأنه ولد من جديد، على صعيد "العواطف" كانت الثورات العربية " ملهمة" لكل عربي، وكان بوعزيزي مصدر " اعتزاز" للجميع، وكان الجميع يتسمرون أمام الشاشات لمتابعة " ميادين" التحرير وكان خبر سقوط " الأنظمة" من أجمل الاخبار التي يسمعونها.
التقنية الأهم تتعلق " بالنظر" العقلي لهذه الثورات، وهذا يتطلب البحث عن "مشروع" يوحّد الدول في داخلها ومع محيطها العربي، وهذا لن يتحقق الا إذا استطاعت هذه الثورات ان تخرج من مخاضاتها وارتباكاتها وأن تؤسس لحالة "وعي" جديد ، وهو أمر يحتاج من النُخب السياسية إلى خطاب عقلاني موحّد، وإلى مراعاة حقيقية لأولويات الأوطان والأمة ... وفي مقدمة هذه الأولويات " وحدة الجماعة – الوطنية" بدلاً من الانجرار خلف مصلحة " الجماعات والفئات والأحزاب" على حساب مصلحة الأمة.
واسمح لي أن ادعو من خلال هذا المنبر العزيز اخواننا في مصر تحديداً، وفي البلاد التي ما زالت الثورات فيها مستمرة ان يخرجوا من إطار " الاشتباك" والخصومة ومن دائرة الصراعات السياسية غير المفهومة، لكي يؤسسوا المداميك الاولى لمشروع " نهضة الأمة" العربية .
ذلك أن الشعوب التي دفعت دمها ثمن هذه الثورات ضد انظمة القمع والتخلف فهي لن تقبل العودة إلى أنظمة شبيهة أو مقلِّدة للماضي، وهي في ذات الوقت تريد أن ترى مشروع " الأمة" القادم الذي تستطيع من خلالها أن تتنافس مع العالم أو تقف امامه بندية وتكافؤ.. لكي تستعيد احترامها ومنزلتها اللائقة بها.
5- هل تعتقد أن للجامعة العربية دورا في الفترة القادمة؟
الجامعة العربية مجرد حاضنة " للأنظمة" والحكومات العربية، ودورها الوحيد هو محاولة " التنسيق" بين هذه المكونات ولذلك المشكلة ليست في الجامعة وانما في مكوناتها، وإذا كانت هذه الجامعة ما تزال تحمل " شركة " الأنظمة التقليدية التي سقط بعضها، فإن البحث عن دور جديد لها لا يمكن أن يتم إلا إذا " تأسست " من جديد وفق قواعد مختلفة وآليات تناسب عصر الثورات التي حصلت .
من المفارقات هنا أن الجامعة ما تزال جامعة حكومات، ولا مكان للشعوب فيها، بخلاف المؤسسات " الجامعة " في العالم العربي، كما أن قضية حقوق الإنسان التي لم تعد مطلباً أو شأناً داخلياً بالنسبة للعالم العربي وإنما شأن عالمي وانساني هذه القضية الهامة لم تدخل بعد في " اولويات" ميثاق الجامعة العربية، ولم تدرج الآليات المناسبة للتعامل معها.
يمكن – بالطبع- أن يكون ثمة دور للجامعة، هذا مطلوب بالتأكيد لكن لا بدّ من أن تغير الجامعة مضامين عملها وآلياتها وتعاملها مع أعضائها، وأن " تثور" على نفسها لكي تضطلع بمسؤولياتها في عالم عربي تغيّر كثيراً... ولم تعد تقبل بأن يحكم بالقمع ... ولا أن تكون مؤسساتها مجرد هياكل ديكورية... أو مقاعد تتحرك بالريموت.
6- ما نصائحك للحكومات العربية التي لم تحدث بها ثورات لإصلاح نفسها؟
أقول لكل مسؤول عربي، لا يمكن لأحد أن يُعاند التاريخ أو أن يقف في وجه سنن التغيير، وقد دقّت لحظة ولادة الشعوب العربية من جديد، ولا بدّ من أن يفتح الجميع لواقطهم لاستقبال ذبذبات شعوبهم وفهمها والاستجابة لمطالبها.
لقد بدأت مرحلة تاريخية في العام الماضي، انطلاقاً من تونس وبعدها مصر ثم ليبيا وسوريا، وهي ليست مرحلة عابرة ولا طارئة، يمكن أن تستمر لسنوات طويلة، ويمكن أن تتأخر في بعض البلدان العربية لكي تصل، لكنها ستصل، ربما بأشكال مختلفة، لكن المهم أن نفهم استحقاقات هذا :" التغيير" ونستجيب له بدل ان نعانده أو ننكره او نتعامل معه بمنطق العنف. لأن العنف لن يولد الا العنف والدم والسقوط.
مرّة ثانية أنصح الحكومات العربية التي ما زال الإصلاح " مستعصياً" فيها، أو الأخرى التي ما تزال مترددة او ترفض التغيير، بأن تتحرك باتجاه شعوبها وأن تؤسس لمصالحات حقيقية بين الرأس والجسد، فقوة أي نظام أو حكم أساسها رضى الشعب والناس عنه.
7- ماهو دور المنتدى العالمي للوسطية في الوقت الحالي؟
لقد قام المنتدى ابتداءً على رسالة التجديد واحياء الأمل وتعزيز التواصل بين مكونات الأمة الثقافية والسياسية والمذهبية والحركية وقد وفر من خلال مؤتمراته تبادلاً معرفياً بين قيادات العمل الإسلامي المستنير وعزز منهج الاعتدال لدى هذه التيارات والحركات وحذر من التطرف واخطاره على أمن المجتمعات الإسلامية وعلاقاتنا بالحوار الحضاري.كما كانت ملتقياتنا وندواتنا ومؤتمراتنا ساحات لتأصيل منهج الاعتدال والوسطية ووفرت ارثاً فكرياً ومكتبة منتشرة لفكر الوسطية والتوازن وقد كانت رابطة التجديد بانطلاقتها من القاهرة رأس قاطرة تقود إلى أهمية نفض الغبار عن كثير من المصطلحات الفكرية والسياسية وتؤصل لدور طليعي للعلماء في الإصلاح والبناء واقامة دولة المدنية التي اقامها رسول الله صلى الله عليه وسلم على اساس المواطنة والحرية والتعاون وهي ما نسميها الان الدولة الدستورية الحديثة او الدولة المدنية.
جريدة الفتح المضرية: 20/04/2012
ابحث
أضف تعليقاً