wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
المثقف العربي ومنظومة القيم العربية للدكتور صبري ربيحات

ضمن برنامج اللقاء الشهري لمنتدى الوسطية طُلب مني الحديث في موضوع “المثقف العربي ومنظومة القيم العريبة”….الموضوع شائك ومعقد تسبح فيه المفاهيم وتتداخل لدرجة يصعب معها أن تعري المفاهيم وتلامسها لترى أوجه العلاقة بينها، فالمثقف والثقافة والقيم مفاهيم فيها من المرونة والنسبية والتداخل ما يقتضي إعادة تعريفها والالتزام بمدلولات التعريف الإجرائي لكي لا يُساء الفهم. ولا يختلف مفهوم الأمة عن المفاهيم الأخرى في صعوبة تحديده مع وجود النزاعات والتحول وتضارب المصالح وتعثر مسيرة بناء الدول وتنظيمها وإصلاحها في العالم العربي،
قبل بدء اللقاء سألني أحد الإخوة عن تعريف المثقف فرجوته أن يؤجل السؤال لأني أود توضيح المفهوم بطريقة تناسب الموضوع أكثر من اشتقاق تعريف يبحث في صفات أفراد ويركز على سمات يمتلكونها دون النظر إلى تأثيرها وفعاليتها واتجاه التأثير وحجمه ومداه ، فالمثقفون أشخاص يعرفون واقع مجتمعهم ويتلمسون أوجاعه وهمومه ، يفكرون بها وتتحول إلى قضايا تهمهم وينشطون داخلها من منطلقات معرفتهم وإحساسهم..بعض المثقفين يسعون لخدمة القيم التي تنتمي إلى مربع الفضائل وآخرون يوظفون ثقافتهم لخدمة مصالحهم من خلال التفرغ لإنتاج فتاوي أو صياغة تشريعات أو الترويج لسياسات وبرامج وتشريعات وممارسات لا تخدم القيم التي تتفق مع الفطرة ولا تخدم غير مصالح السلطة…

في العالم العربي تتم صناعة المثقفين وقد يحظى الأشخاص قليلوا الموهبه والأبعد عن النزاهة والصدق والموضوعية باهتمام حكومي وإعلامي لقاء ما يقدمونه من خدمات لتدعيم بنية السلطات وتبرير الفساد والطغيان تحت غطاء الثقافة ، فالمثقفون ليسوا عشيرة أو جماعة متشابهة بل هم أشخاص يملكون وعيا ومعرفة وفهما بواقع مجتمعاتهم قد لا يتحوّل إلى رفد مسيرة المجتمع نحو النهوض بقدر ما يكوت عائقا ومعطلا للتحول والتغيير.

كذلك المثقفون ، فإن القيم تتباين بتباين أنماط الحياة الريفية والمدنية وشكل المجتمعات الزراعية والرعوية والصناعية وما بعد الصناعية…لذا فإن قِيم الصدق والعدالة والنزاهة والشجاعة والأمانة التي تتبناها المجتمعات التقليدية تتصادم مع منظومة أخرى من القيم العملية البراجماتية المرتبطة بنشاطات المنافسة والسوق والتخصص والأجور في المجتمعات الصناعية وما بعدها. ولا يمكن تجاهل التباين بين قِيم الكبار والصغار والقيم التي تجدها في البنى الاجتماعية ذات الطابع الجمعي واختلافها عن قيم المجتمعات التي تسودها الفردية. ففي مجتمعاتنا هناك خلط بين الرشوة و(الكمسيون).. و(الفهلوة) و(الشطارة) ..والغش والمثابرة ..والنجاح الاقتصادي والفساد ..والكرم والاستعراض ..والنفاق وحسن الخُلق ..والوطنية والتزلف..والخوف والطاعة ..والعمل الخيري والاختلاس.. 
في مجتمعنا لا توجد قيم مشتركه تنظمه.. فالناس يختارون من بين باقات القيم المعروضة ويدخلون في جدل سفسطائي لتبرير مناوراتهم وكذبهم وخداعهم… المجتمع استهلاكي وضعيف الانتاجية ومقهور وهناك رغبة في الإبقاء على هذه الحاله في حين يجري الحديث عن التغيير.

منذ الاستقلال الذي حققته الشعوب العربية لم يطرأ على واقعها الكثير بل تم تحويلها إلى إقطاعيات…تتحدث عن التنمية لكنها لم تُحْدِثها بالمعنى الذي يدفع بمواطنيها إلى الإبداع والتأثير والإسهام في المسيرة للحضارة الإنسانيّة ، حروب وصراعات وتكديس أموال وبناء جيوش وضرائب وأنفاق لا متناهي على جوانب لا تأثير لها على نوعية الحياة….والمثقف العربي غائب أو مغيّب…. المشاريع الفكرية للنهوض العربي أجهضت لطغيان الخطابة على العمل فالمجتمع تقدم في خطب حُكّامه وكتابات المثقفين وتقارير الإعلاميين الذين انحازوا إلى مصالحهم على حساب قيم الحق والعدل والنزاهة والحرية ، فالمجتمع العربي يحتاج إلى منظومة قيم يؤمن بها القادة والشعوب ويعمل الجميع على تعريفها وتبنيها وتكريسها في الخطاب والسلوك وإلى مثقفين يتمتعون بالمصداقية والتأثير وتشريعات تحترم وتُنفّذ على الجميع.. جميع الثورات العربية كانت ثورات في الخطابة والشعارات وجانبت التأثير الذي يمكن أن يلامس حياة الأفراد وهُوية ومكانة الأمة ومستقبلها….الاستغراق في التفسير والتأويل والتبرير جهد لا يجدي كثيرا إذا كانت القيم لا تحترم حق الناس في التقدم والسعادة والرفاه…معظم القيم التي يجري الحفاظ عليها في حديث من هم في مواقع النفوذ يتم تجاوزها في سلوكهم مما يعمق حالة التناقض والفصام الذي تعايشه الأمة. اللقاء اليوم مثيرا ومفيدا في طرح الكثير من الأسئلة التي يحتاج الإجابة عنها إلى مزيدا من البحث والنقاش والتحليل…

 

أولا : المثقف والسلطة وأزمة الأخلاق

 

إن من أكثر الأخطار التي تواجه الأمم أن يتولى السلطة فيها الجهلاء...فتزاوج الجهل مع السلطة وصفة كارثية...لذا فقد رأى الفلاسفة ومنذ زمن بعيد أن السلطة والحكم أمور ينبغي أن تناط بالعقلاء وجاء اصطلاحي "الحكمة"و "الحكم" من نفس المصدر مما يعني أن الصِلة بينهما كبيرة للغاية.
من هنا فإن المجتمعات تحتاج دوما إلى الأدوار التي ينهض بها من اتفق على تسميتهم "بالحكماء أو العقلاء أو المثقفون" باعتبارهم ضمير الأمة والموجِّه لمسيرتها والضامن لرشادها
والمثقف شخص يعي ثقافة الأمة وفكرها وهُويتها ويملك القدرة على إنتاج المعرِفة والتأثير في طرق التفكير والشعور والسلوك لمن يتعرضون لما ينتجه من أفكار وأعمال لتجيب عن أسئلة وحاجات الناس المتجددة للمعرفة والفهم والتفسير.

من هنا كان المثقف صانعا للوعي وقادرا على التوجيه والتأثير في العقل الجمعي وفي الصورة التي يحملها الناس عن أنفسهم وثقافاتهم كما إنه المرآة التي تصوِّر المجتمع وتنقل صورته للثقافات الأخرى..فقد عرفنا الحضارة اليونانية من أعمال (هوميروس) و(سقراط) و(إفلاطون) و(أرسطو) وعرف العالم عنا من أعمال (ابن رشد) و(الفارابي) و(ابن خلدون) أكثر مما عرفنا عن سيرة حكام أثينا أو خلفاء الدولة الإسلامية وأمراءها إبّان عصر هؤلاء العلماء والفلاسفة والمفكرين.

في التاريخ الإنساني هناك مسيرة حضارية أسهمت فيها البشرية جمعاء ، فالحضارة الإنسانيّة مثل النهر ترفده إسهامات الأمم لكنه يستمر في الجريان وإن جفّت بعض روافده أو أصبحت غير قادرة على تغذية الجريان...وفي فترة من تاريخ الأمة العربيّة الإسلاميّة كانت لها إسهامات كبيرة في تغذية نهر الحضارة البشريّة بل كانت الرافد الأهم ، فلوّنت مياهه بلونها وحفظت لها الإنسانية هذا الإسهام في مجالات الطب والفلك والرياضيات والهندسة وعلم البحار وغيرها من العلوم.
بعد ذلك ومنذ أكثر من خمسة قرون توقف التأثير العربي وتراجعت الأمة إلى عصورٍ أقل ما يمكن وصفها بالثانوية أو بالتابعة والمستهلكة لما تنتجه الأمم الأخرى من حضارة وتكنولوجيا وفكر..وقد جاء هذا التراجع لأسباب عديدة ليس أقلها فقدان الأمة لهُويتها وتعريفها لذاتها وتخليها عن عناصر القوة التي مكنتها من النهوض والازدهار.

في كل المراحل التي نهضت فيها الأمة أو تراجعت كان الدور الأهم للثقافة والمثقفون بالمعنى الواسع للمفهوم أي كل الأشخاص الذين امتهنوا إنتاج المعرفة والوعي ونشره وامتلكوا القدرة على القيادة والتأثير في مجتمعاتهم فهم الذين رسموا ملامح هُوية الأمة وحددوا مجالها ومساراتها.

من هنا فإن دور المثقف لا ينحصر في المعرفة والإبداع كحالة فردية وإنما يتسع ليشمل التفاعل والتأثير والاشتباك الدائم مع قضايا المجتمع ومعاناته..فهوة بمثابة الموجه المعنوي للأمة والحارس لبنيتها التحتية المعنوية وبغير ذلك فإن المثقف لا يعدو أن يكون حالة عابرة معزولة لا تستحق القراءة والتحليل.

ثانيا :- الثقافة والهُوية كإطار للتفكير والتأثير :- بصورة عامة يقصد بالثقافة كل ما يدخل في تشكيل هُوية الجماعة من لغة ودين وأعراف وعادات وتقاليد وفنون وأفكار وأساطير وقوانين وتراث ولباس وطعام وحكايات يتم تناقلها من جيل إلى جيل من خلال التنشئة والتدريب. وتمتاز الثقافة بالحيوية والتجديد فهي لا تتحجر بل تتفاعل وتتقبل ما يمكن أن يضاف إليها بعد أن يتجانس مع مكوناتها الأصيلة التي تميزها عن غيرها من الثقافات الأخرى.

فالثقافة ليست الشعر والكتابة كما يحلو للبعض أن يعرّفها وليست قراءة الكتب والحصول على درجات علمية وإنما هي الوعاء الذي يحوي مركب العناصر التي تخلق هُوية الأمة وتميزها عن غيرها من الأمم الأخرى ...ولا يعني ذلك أن لا تشترك الأمم ببعض العناصر أو تكون متقاربة فاللغة والدين عناصر تشترك فيها أمم كثيرة قد تختلف في عناصر ومكونات ثقافية أخرى..ويرى البعض أن الثقافة للأمة هي عقل الأمة أو إطار تفكيرها وشعورها وسلوكها...وإن هذا الإطار هو الذي يضفي صبغته على أعضاءها فيكسبهم طرق التفكير وحدود التفكير ومجالاته وميادينه..كذلك يدربهم على الاستجابة للمثيرات المختلفة التي تتفاعل مع القيم المكتسبة من الثقافة فيتحدد الشعور وعلى ضوء ذلك يمكن أن نفسِّر تباين سلوك الأفراد المنتمين لثقافات مختلفة في الموقف الواحد...لتجد البعض متسامحا أو متقبلا أو عنيفا في ردة فعله حيال نفس المثير.
ثالثا:- دور المثقف في المجتمعات العربية : - لا بد من النظر إلى طبيعة هذه المجتمعات وتركيبتها السياسية وبناء السلطة وتوزيع الأدوار والأهمية التي يمنحها المجتمع لهذه الأدوار من خلال نصيب الدور من عنصري الشهرة والمكافئة. فغالبية المجتمعات العربية والإسلامية مجتمعات غير ديمقراطية . وتستخدم نظما سياسية مركبة تزاوج بين شكلية النظم السياسية الحديثة وفلسفة ونموذج أشكال الحكم التقليدي المستندة إلى سلطة الحاكم الواحد الممسك بكل المقاليد والمتحكم بالسلطات الشكلية الأخرى...في مثل هذه المجتمعات فإن أدوار الأشخاص القادرين على إنتاج الفكر وإعادة إنتاج الوعي محصورة جدا وبعيدة عن دوائر التأثير إن لم تكن مراقبة ومحاصرة ومستبعدة.

فالتوجه العام لهذه النظم محصور في المحافظة على الوضع الراهن بالرغم من استخدام بعضها لمفردات حداثية من وقت لآخر ومحاولة خلق إحساس لدى المراقبيين بوجود مساعي للتطوير والتحديث..ففي هذه المجتمعات يجد المثقف نفسه أمام واحد من ثلاثة خيارات تتنافى مع طموحاته وتتعارض مع رسالته وتضعف من تأثيره بل تشوِّه صورته في مجتمعه وأمام نفسه وتتمثل هذه الخيارات في :

1- الانفصال عن القضايا العامّة والانشغال في التنظير والقراءة والكتابة البعيدة عن الهم العام خوفا من أن يغضب السلطة أو لتجنب الشك في النوايا التي قد تقف وراء كتاباته أو إسهاماته وفي التاريخ غير البعيد إنسحب مئات الأكاديميين وأهل الثقافة والفكر من المشهد الثقافي في الأردن في أعقاب أحداث السبعين لكي لا تُفسر إسهاماتهم بأنها مناوئة للنظام وبقيت هذه الروح مسيطرة على علاقة المثقف الأردني مع قضايا مجتمعه حتى يومنا هذا...فخلافا للأدوار التي قام بها أساتذة التاريخ والسياسة والاجتماع في العالم الصناعي يتجنب العلماء العرب والمثقفون البحث في هذه القضايا إلا بالقدر الذي توجههم له السلطات الحاكمة.

2-الهجرة خارج البلاد الإسلامية بحثا عن مناخات تمكنهم من التعبير والتأثير في العقود التي أعقبت سنوات الاستقلال للمجتمعات العربية تعرّض المثقفون العرب إلى أشكال عديدة من التنكيل والتعذيب والمحاكمات والطرد مما دفع العديد منهم للبحث عن بيئات آمنة تمكنهم من العيش بسلام وتوفر لهم فرص ممارسة التفكير في القضايا التي اشغلتهم وشعوبهم وقد أسهم ذلك في تنامي ظاهرة هجرة الأدمغة وتجفيف المحيط العربي من عناصر الإبداع والتجديد الذي هو بأمس الحاجة لها.

3- مهادنة السلطة والعمل على خدمة النُظم السياسية القائمة بأدوارتفسيرية وتبريرية تتنافى مع المنطق ورسالة الثقافة..ففي كثير من البلدان العربية يجري استخدام المثقفين لتجميل خطاب السلطة وتسويقه داخليا وخارجيا مقابل منافع شخصية..فتنحصر أدوارهم في إعداد الخطب والدفاع عن السياسات ووضع القرارات في أطر وسياقات يقبلها الناس وإيجاد الفتاوى والمبررات والغطاء للممارسات التي تتبعها السلطة وإلباسها أثواب تجعلها تبدو أقل بشاعة مما هي عليه.

وفي الحالات الثلاث سالفة الذكر يبدو المثقف العربي في أزمة أخلاقية شوهت صورته وأفقدته رسالته وحرمت المجتمع من الأدوار التي كان من الممكن أن يقوم بها...فالمثقف العربي مأزوم وهو أول الضحايا للأزمة الأخلاقية التي أوجدها النظام السلطوي الأبوي العربي وما فيه من تناقضات...وقد أدت أزمة المثقف العربي إلى إيجاد أزمة اجتماعية ثقافية أوسع طالت شرائح المجتمع وطبقاته كافة.

فالناس قد يقبلون على قبول الواقع الذي شوّهه المثقف بأن قدّمه في قالب يخالف حقيقته فأسهم بذلك في تضليل المواطن الذي سرعان ما يكتشف التناقض وتتصاعد لديه الشكوك وتتعمق الأزمة....
في مجتمعاتنا هناك عبث دائم باخلاقنا وقيمنا وهويتنا وتحايل مستمر لا ينقطع ويعاند تيار التاريخ فلكي يحافظ الحكام على نفوذهم يتم الاستعانة ببعض طبقات المثقفين من الكُتّاب والشعراء والصحفيين والأكاديميين ورجال القانون من الذين دفعتهم الظروف وضعف نفوسهم وشهواتهم إلى التنازل عن أدوارهم في نشر الوعي والتنوير والتجديد ونشر الفكر الحداثي لحساب التبرير والتفسير والفتاوى لإدامة النُظم التي تدفع لهم لقاء خدماتهم.

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.