االدكتور عزالدين بن زغيبة
رئيس قسم الدراسات والنشر والشؤون الخارجية
مدير تحرير مجلة آفاق الثصقافة والتراث
مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث - دبي
توطئة.
الحمد لله المتفرِّدِ بنعمة الخلق والإيجاد, المتوحِّد بمنَّةِ الإنعام والإمداد, والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ خيرِ العباد، وعلى آل بيته وأصحابه الأسياد.
إن الشريعة جاءت لإقامة مصالح الناس, وتحقيق سعادتهم الدنيوية والأخروية, وبناء عليه فإن كل أمر يفضي إلى إبطال هذه الغاية, أو الإخلال بها مدفوع عن الشريعة, ولمَّا كان التشدد والتطرف في الفهم إلى إحدى الجهتين والتعمق فيهما ذلك شأنه, فإن الشريعة دلّت على رفعهما عن أحكامها وتصرّفاتها.
وبناء عليه كان من بين أعظم المصالح التي أمرت الشريعة المكلف بتحقيقها هي؛ التزامه في جميع تصرفاته بالتوسط والإنصاف, سواء أكان جالباً لمصلحة أم دافعاً لمفسدة, وهو ماذهب إليه جمهور المفسرين، في تفسير قوله تعالى: ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) لأن الإفراط في أحدهما هو التفريط في الآخر, طرفان ينتهي كل واحد منهما إلى ما هو فساد من جهة الخصوص والعموم, ولذا بدأت الآية بقوله تعالى: ( إن الله يأمر بالعدل) الذي حقيقته المعادلة والموازنة بين شيئين؛ أي التزام التوسط بينهما, إلا أن ابن العربي يعطي لكلمة العدل الواردة في هذه الآية معنى أبعد مما سبق ذكره فيقول: العدل بين العبد وبين ربه إيثار حقه تعالى على حظ نفسه وتقديم رضاه على هواه, والاجتناب للزواجر والامتثال للأوامر وما هو في النهاية إلا إقبال على المصالح المطلوبة شرعا, واجتناب المفاسد المدفوعة شرعا.
إن الشارع الحكيم قد بنى وصف الوسط الذي نعت به هذه الأمة, وجعله مناط أهليتها للشهادة على الخلق, على معاني متعددة, منها السماحة والتيسير, والتخفيف, ورفع الحرج, وقد تظافرت نصوص الكتاب والسنة في الدلالة على عناية الشارع الحكيم بهذه المعاني, عناية بلغت بها حد القطع في الاعتبار, ومن ثم فإنك لا تجد حكماً من أحكام الشريعة إلا وهو محاط بأحد المعاني السابقة.
لأن الشريعة التي أرادها الله سبحانه وتعالى أن تكون عامة للخلق شاملة لجميع جوانب الحياة وتفاصيلها دائمة في الزمن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ اقتضى ذلك أن يكون تنفيذها بين المؤمنين بها والمعتنقين لها, سهلاً وميسوراً, ولا يكون ذلك إلا إذا انتفى عنها الإعنات, فكانت سماحتها أشدّ ملاءمةً للنفوس؛ لأن فيها إراحة في حال خويصتها ومجتمعها. إلا أن هناك تخوف حقيقي لدى العديد من مفكري الإسلام وعلمائه, من مسألة الوسطية المتدفقة بغزارة على الساحة الإسلامية هذه الأيام, والهالة الإعلامية المحاطة بها, ومما يعزز هذا التخوف هو الانسحاب النسبي والهادئ للحدثيين من مساحات متعددة لصالح الوسطيين, بل نجد بينهما تناغم في بعض المسائل مما ولد شعوراً قويا بأن هناك شيء ما يطبخ في الكواليس تحت هذا المسمى المنظور إليه بعين الرعاية والاعتبار في الشرع الكريم.
وبغض النظر عن كل هذه الهواجس والتخمينات فإننا سنتناول الموضوع كما ورد في أصوله, وكما ضبط العلماء فروعه وتفاصيله.
ملاحظات بين يدي البحث:
هناك جملة من الملاحظات لابدَّ من بيانها قبل الخوض في تفاصيل هذا البحث.
الملاحظة الأولى: إن استخدام معاني السماحة والتيسير والتخفيف ورفع الحرج في عملية الاجتهاد ليس أمراً جديداً، ولا وصفاً مبتكراً وإنما هو قديم قدم الاجتهاد نفسه؛ بل هي ملازمة له منذ بزوغ فجره في العهد النبوي, فلم يتخلف الصحابة ولا التابعون من بعدهم ولا كبار الفقهاء ولا المجتهدون في جميع عصور التشريع عن استخدام تلك المعاني بجميع أنواعها في اجتهاداتهم ؛ بل كانت المعول عليها غالبا؛ لأن نصوص القرآن والسنة النبوية طافحة بالدعوة إلى اعتبارها والنظر إليها
إن الشريعةً التي أساسُها ومبناها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد, وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها, لا يمكن أن يقوم فيها اجتهاد على غير اعتبار تلك المعاني ورعايتها في استنباط الأحكام.
الملاحظة الثانية: إن الله أنزل شريعته على خلقه وبعث فيهم رسلاً وأنبياء ليبيِّنوا لهم ما نزل إليهم من الحق, وورث الأنبياءَ في هذا البيان علماءٌ اجتهدوا في الشريعة واستنبطوا منها للناس فقهاً, واجتهد الناس في تطوير حياتهم, وعملوا لازدهار معاشهم فأنتجوا واقعاً متنوعاً ومختلفاً من مصر إلى مصر ومن عصر إلى عصر, والفقيه من يحسن تطبيق الفقه على الواقع فيحكمه بلجام الشريعة, لا من يوجد العداوة بينهما فلا يبقي للتعاون مجال.
اتّصاف الشريعة بالسماحة واليسر:
إن لوصف السماحة واليسر أثراً بالغاً في سرعة انتشار الشريعة, وتمكّن سلطانها من النفوس, ودوام حالها في الخلق, ولما تجاوزت الأديان السابقة أصل السماحة واليسر, ووقعت في الشدة والعنت, لم يلبث أهلها أن انصرفوا عنها, أو فرطوا في معظمها, وقد سلمت شريعة الإسلام من هذا الأمر, وهو واضح في قوله تعالى: ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ،وفي دعاء المؤمنين الوارد في قوله تعالى: ربّنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا
والذي يلوح لكل باحث في أصول الشريعة وفروعها أنها مبنية على السماحة واليسر, وأنهما من أكبر مقاصدها, ولقد دلت الدلائل الكثيرة, من الكتاب والسنّة والآثار المختلفة على أن هذا الوصف قد بلغ مبلغ القطع في الاعتبار, وسأسوق جملة من الأدلة لبيان ذلك.
قال تعالى: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر الوجه الذي تحمل عليه هذه الآية هو عموم اللفظ في جميع أمور الدين الدنيوية والأخروية وهو ما ذهب إليه ابن عطية, وجماعة من المفسرين،أما ما ورد عن ابن عباس ومجاهد والضحاك من أن اليسر المراد به الفطر في السفر, والعسر المراد به الصوم في السفر،فهو محمول على التمثيل بفرد من أفراد العموم, وعقّب أبوحيان الأندلسي على هذا فقال: (وناسب أن مثّلوا بذالك, لأن الآية جاءت فى سياق ما قبلها, فدخل فيها ما قبلها دخولا لا يمكن أن يخرج منها).
وموقع هذه الآية بعد آية الصيام جاء ليبيّن أن هذا التكليف قد وضع على سبيل السهولة واليسر, فعلى الرغم من قصر المدّة الزمنية التي يستغرقها وهى شهر من أصل اثني عشر شهرا إلا أنه قد رفع عن المريض والعاجز, والمسافر والحائض والنفساء وغيرهم, وإن دل هذا على شيئ, فإنما يدل على رعاية الشريعة لمعنى السهولة واليسر, لأنهما من أوصافها العظمى, وقال الإمام الشعبي في هذا المعنى: (إذا اختلط عليك أمران فإن أيسرهما أقربهما إلى الحق)
واستخلص ابن عطية من هذه الآية أن أي عبادة يكلّف بها العباد, سواء كانت من أعمال القلوب أو الجوارح ماهي إلا في متناول المكلف ووسعه, وفي مقتضى بنيته وإدراكه.
ولقد أكدّ المولى عزّ وجلّ المعنى الوارد في الآية السابقة, بقوله: فإن مع العسر يسرا إنّ مع العسر يسرا) وقد قال في تفسرها: (لن يغلب عسر يسرين)، وقد علق ابن مسعود على ذلك قائلا: (والذي نفسي بيده لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتّى يدخل عليه, ولن يغلب عسر يسرين)
والذي نلاحظه من خلال هذه الآية, هو تأكيدها على هذا المعنى, وذلك بتكرير عبارة: إن مع العسر يسرا) نظرا لأهمية هذا الوصف, ودوره في قيام الشريعة ونفوذها في الخلق, قال ابن عاشور معلّقا : (وجملة فإن مع العسر يسرا) مؤكدة لجمله (إن مع العسر يسرا) وفائدة هذا التأكيد تحقيق اطّراد هذا الوعد وتعميمه؛ لأنه خير عجيب)
ومما يدل على عموم وصف السماحة واليسر لجميع أحكام الشريعة وتصرفاتها, قوله تعالى:, يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا) وقوله تعالى: الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ،
فهاتان الآيتان تتناولان كل ما خفف الله على عباده, فهما عامتان في جميع أحكام الشريعة, وجميع ما يسرّه الله لنا وسهّله علينا, وهو ما ذهب إليه ابن عطية ومن وافقه وبناء عليه فالآيتان تدلان دلالة واضحة على إرادته سبحانه وتعالى اليسر بهذه الأمّة لا العسر, وأن الشريعة بأوصافها هذه تضمن حفظ مصالح الخلق, ودرء مفاسدهم على أيسر كيفيّة.
لقد سبق أن ذكرنا أن الإسلام دين الفطرة, وأن هذه الأخيرة من أعظم أسس المقاصد الشرعية, ومعلوم أن الفطرة في الجملة راجعة إلى الجبلّة فهي مضادة للشدّة والعنت وتنفر منهما, فكان على الشريعة حتّى تلائم هذا الوصف في النفوس أن تكون سهلة سمحة, وهذا هو الضمان القويّ لنفوذها في الخلق.
ولقد ورد في السنة كما في القرآن نصوص عديدة تصف هذا الدين بالسماحة والسهولة واليسر, منها قوله : (أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة) وعلّق الشاطبي على المعنى المستخلص من هذا الحديث فقال: (إن الله وضع هذه الشريعة المباركة حنيفيّة سمحة سهلة, حفظ فيها على الخلق قلوبهم وحببّها لهم بذلك, فلو عملوا على خلاف السماح والسهولة لدخل عليهم فيما كلففّوا ما لا تخلص به أعمالهم) ولا يفهم المكلّف من خلال هذه الأوصاف الّتي حرصت الشريعة على الاتّصاف بها أنه يتتبع الرخص أينما كانت وحيثما وجدت, ويلجأ إلى الاختيار بين أقوال العلماء كما يحلو له وبما يشتهى هواه, بل الأمر فيما سبق جار على الأصول التي بنيت عليها الشريعة, وليس على إطلاقه, قال الإمام الشاطبي: (إنما أتى فيها السماح مقيداً بما هو جار على أصولها, وليس تتبّع الرخص, ولا اختيار الأقوال بالتشهيّ) ومما يؤكد وضع هذه الشريعة على جهة السهولة واليسر بعيدا عن كل إعنات وتشديد قوله : (إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنّتا, ولكن بعثني معلّما ميسرا)2 حتّى تضمن الشريعة سلامة وصفها من الانخرام, بسبب تصرفات المكلّفين, عمدت إلى تحذيرهم من التماس الأشد في أحكامها, فإن ذلك يقعد صاحبه عن العمل والالتزام بها, وبالتالي الحد من نفوذها بسبب هذا التصّرف, قال :, (إن هذا الدين يسر ولن يشادّ الدين أحمد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا)قال ابن المنير في هذا الحديث: (علم من أعلام النبوة, فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل مستنطع في الدين ينقطع)وقال ابن حجر: (ليس المراد طلب الأكمل في العبادة, فإنه من الأمور المحمودة, بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل, أو إخراج الفرض عن وقته)ومثال هذا كمن بات يصلّي الليل كله, ويغالب النوم, إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل, فنام عن صلاة الصبح في الجماعة إلى أن خرج الوقت المختار.
والذي يفهم ممّا سبق أن الشريعة جارية على حدّ التوسّط والاعتدال, وإذا حصل أن مالت إلى جهة طرف ما, فذلك لخلل واقع أو متوقع في الطرف المقابل, فإذا لم يحدث هذا ولاذاك, رأيت التوسط لائحاًً, ومسلك الاعتدال واضحاًً وهو الأصل الذي يرجع إليه, والعقل الذي يلجأ إليه, مثل ما قال الإمام الشاطبي
تحقيق السماحة في تصرفات المكلّفين:
لقد حرصت الشريعة الغراء منذ البداية على تحلية المكلفين بأوصاف السماحة واليسر, بصفتها أكمل الأوصاف لاطمئنان النفوس, وأعون على قبولها الهدى والإرشاد, وكان الرسول أول من خوطب بهذا الأمر, قال تعالى: فيما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ،وانطلاقا من هذا عمل الرسول على تربية أصحابه وأمته على هذه الأوصاف, وغرسها في نفوسهم, وذلك من خلال وقائع ونصوص مختلفة, فهذا الأقرع بن حابس ينهاه الرسول عن الأسئلة التي تترتب عليها أحكام تفضي إلى التشديد والمشقة على الأمة, وذلك عندما سأله عن الحج, أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: (لو قلت نعم لو جبت ولما تستطعتم, ذروني ما تركتكم عليه, فإنّما هلك من كان قبلكم, كثرة مسائلهم, واختلافهم على أنبيائهم). ويؤكد هذا النص وبيعضده في موقعة الخاص, ماورد عنه بصيغة العموم (إن الله فرض فرائضاًً فلا تضيعوها, وحدّ حدودا فلا تعتدوها, وحرّم أشياء فلا تنتهكوها, وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها).
ومن تمام حرصه ورعايته لإقامة وصف السماحة واليسر في الأمة فقد عد من كان السبب في تحريم أمر على الأمة لم يحرم عليها إلا بسبب مسألته مجرما فقال: (أعظم المسلمين في المسلمين جرما, من سأل عن شيئ لم يحرم على المسلمين, فحرّم عليهم من أجل مسألته) وعلّق النووي على الحديث فقال: (ربّما كان لتحريم شيء على المسلمين فتلحقهم المشقة) والذي يجب فهمه من هذا الحديث, عدم القصد إلى منع السؤال مطلقا, الأن ذلك مؤداه إلى المشقة والحرج الذين جاء الحديث لرفعهما, وإنما ورد المنع عن السؤال تكلّفا وفيما لا تدعو حاجة إليه, قال الخطابي: (وهذا الحديث فيمن سأل تكلّفا أو تعنّتا. فيما لا حاجة به إليه, فأمّا من سأل لضرورة بأن وقعت له مسألة فسأل عنها, فلا إثم عليه).
وفي مقابل هذا أثنى على الرجل يتحلّى بالسماحة واليسر في جميع معاملاته وتصرّفاته, سواء كان ذلك مع نفسه أو مع غيره, فقال: (رحم الله رجلا سمحاًً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى) ويرى ابن حجر: أن المقصود بالمسامحة في هذا الحديث, ( ترك المضاجرة ونحوها لا المكايسة في ذلك وفي الجملة هى المساهلة في التعامل).
وعلّق وليُّ الله الدهلوي على هذا الحديث قائلا: (السماحة من أصول الأخلاق التي تتهذب بها النفس, وتتخلص بها عن إحاطة الخطيئة, وأيضا فيها نظام المدينة, وعليها بناء التعاون, وكانت المعاملة بالبيع والشراء والاقتضاء مظنّة لضد السماحة, فسجل النبي على استحبابها) وفي الجملة كان يرهّب من التشديد والعنت في الدين, ويرغب في اليسر والسماحة فقال: (إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة وخير دينكم اليسرة) إن هذه الأوصاف التي سعى الرسول إلى غرسها في أصحابه وأمته, كانت سلوكاً طبيعياً في شخصه يسري في جميع تصرّفاته الخاصّة والعامّة, وهذا مانلمسه من قول عائشة رضي الله عنها: (ما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما) ومن هذا السلوك السامي كانت تنبع وصاياه لأصحابه ورسله إلى الأمم الأخرى, فقد جاء في قوله لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري, عندما بعثهما إلى اليمن: (يسرا ولا تعسّرا, وبشِّرا ولا تنفِّرا, تطاوعا ولا تختلفا) وقد قال في واقعة الأعرابي الذي بال في المسجد: (إنّما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين).
وجوه السماحة واليسر في الشريعة:
إن مسالك السماحة واليسر ووجوههما, كثيرة في هذه الشريعة, وأذكر منها ما يأتي:
1 - وضع جميع الإصر والتكاليف الثقيلة التي كانت على الأمم السابقة, وذلك رأفة بهذه الأمة, وتسهيلاً لأمر دينها, وبناء عليه فإن الشريعة أبطلت كثيراً من الأحكام التي أوجبها الله على الأمم السابقة, مثل قتل النفس لصحة التوبة من أحدهم, واشتراط الصلاة في المسجد, ودفع ربع المال في الزكاة, كما حرّم على الرجل قربان زوجته ليلة الصيام, إذا ما نام واستيقظ قبل طلوع الفجر فمثل هذا التصرّف قد رفع عن هذه الأمّة، قال تعالى : أُحِلَّ لكم ليلة الصيامِ الرفثُ إلى نسائِكم ( ) وفي الجملة فإن كل حكم تضمّن إصراً فهو مدفوع عن هذه الشريعة, قال تعالى : ويحلّ لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم،وقال أيضا : ربّنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربّنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به .
2 - إن الله سبحانه وتعالى لم يجعل ما فيه مشقّة على العباد ممّا تتوقّف عليه الطاعات, والأعمال الداخلة في العبادة كالشروط والأركان, فقد قال : (لولا أنّي أشق علىّ أمتي لأمرتها بالسواك عند كل صلاة) ،والمعنى من هذا الحديث لائحٌ وواضح في عدوله , في جعل السواك من فرائض الصلاة وشروطها, وذلك للمشقّة التي قد تلحق المكلّفين بذلك, وهو مناف لما أسست عليه هذه الشريعة الغراء من التيسير, ونظير هذا قول عائشة : (أعتم النبي بالعشاء حتّى ذهب عامّة الليل, ثم خرج فصلى, ثم قال : (إنّه لوقتها لولا أن أشق على أمتي) .
3 - ما حمل من التصرّفات على الجواز مع اقتضاء أصلها الكلّي المنع مطلقا دون التوقّف على عذر, وذلك تخفيفا وتسهيلاً على المكلّفين ورفعاً للحرج عنهم, فيما تقتضيه حوائجهم في الأحوال العادية, ويطلق الأصوليون على هذا النوع (بالمشروع على خلاف القياس, ومثال هذا السلم, الذي استثني من بيع ما ليس عند الإنسان الذي ورد فيه النهي (نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان) ،ومن هذا القبيل أيضا المثال الذي ساقه المازري فقال :
قد علم أن الشرع ورد بالنهي عن المزابنة, وعن بيع التمر بالرطب, وقد حصل في شراء العرية هذا المعنى, وهو بيع التمر بالرطب الذي في معنى المزابنة وفيه أيضا التفاضل, والتفاضل في التمر قد حرّمه الشرع, ونبّه على علّة منع الرطب بالتمر بقوله : (أينقص الرطب إذا جفّ) قالوا : نعم, قال فلا إذا) ،وعلم أيضا أن بيع الطعام بالطعام نسيئة لا يحل, وقد حصل هنا هذا الممنوع, لأنّه يستلم الرطب, ويدفع عوضه تمراً يابساً عند الجذاذ, فهذه وجوه من التحريم تصوّرت في شراء العرية, ومع هذا أرخص الشرع فيها لمعنى أخرجها عن أصولها .
ومثل هذا الإجارة, فهي مستثناة من أصل بيع المعدوم, وهو باطل شرعاً, وسبب ذلك يعود لانعدام محل العقد وقت التعاقد, ونظر لمسيس الحاجة إليها وحصول الحرج بمنعها, أجيزت على خلاف أصلها, حيث قال تعالى : فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهنّ
وقوله : (ومن استأجر أجيراً فليعطه أجره) .
4 - تشريع الرخص في محل الأعذار المواجبة لذلك حملا للمكلّفين على جهة التيسير, ونفيا للحرج المترتّب عن المشقّة غير المعتادة التي قد تلحقهم إذا ما التزموا بالعزائم في تلك المواقع, قال الإمام الشاطبي : (إن الرخصة أصلها التخفيف عن المكلّف ورفع الحرج عنه حتّى يكون من ثقل التكاليف في سعة واختيار) .
ولقد دلّت الأدلة عموماً وخصوصاً على مشروعيّة الرخص، من ذلك قوله تعالى: فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ،وقوله تعالى : إلا ما اضطررتم إليه ،وقوله: فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ، وقوله تعالى: ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ، وقوله تعالى : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدّة من أيّام أخر وقوله وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيممّوا صعيدا طيّبا ،وتؤكد السنّة المطهرة هذا الأمر, من خلال قوله : (إن الله يحبّ أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته) قال ابن عمر تعليقا على الحديث : (ومن لم يقبل رخصة الله كان عليه الإثم مثل جبال عرفة) ،ومن هذا القبيل قوله : (ليس من البر الصوم في السفر) ،وعلّق الأبي على هذا الحديث فقال : (أي ليس البر الكامل الصيام في السفر بل الفطر أيضاً؛ لأنه سبحانه يحبّ أن تؤتى رخصه) .
وعلّق الشاطبي على هذه الأدلة فقال: (ما ثبت من مشروعية الرخص, وهو أمر مقطوع به, وممّا علم من دين الأمة ضرورة, كرخص القصر والفطر الجمع, وتناول المحرّمات, والاضطرار, فإن هذا النمط يدل قطعا على مطلق رفع الحرج والمشقة) .
وإذا تأملت وجدت أن تشريع الرخص في محل العزائم, يعود إلى عظم المصلحة التي تستند إليها تلك الرخص, أو لحصول المقصود منها, ما يحصل من العزيمة لكن مع سهولة وتخفيف, قال ابن حجر : (إن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطع, كمن يترك التيّمم عند العجز عن استعمال الماء, فيفضي به استعماله إلى حصول ضرر) .
5 - خطابه سبحانه وتعالى للمكلّفين على قدر ميزان العقل الذي أودعه فيهم, وهيأه لاستقبال هذه الرسالة قبل أن يدركوا دقائق الحكمة وتفاصيل الكلام والفروع والأصول, فهذا الرسول يسأل المرأة أين الله فتشير إلى السماء, فيقول: (هي مؤمنة) ،كما أنّه لم يكلّف أصحابه في معرفة القبلة وأوقات الصلاة أن يكون متمكنين من علم الفلك والهندسة وغيرها, فقال في ذلك : (القبلة ما بين المشرق والمغرب)وقد قال مبيناً لهم وقت الحج والفطر بأبسط ما يتّفق مع عقولهم: (الحج يوم تحجون, والفطر يوم تفطرون) .
6 - جعل ما يرغب فيه الناس من قبيل الطاعات, وذلك لكي تتضافر الرغبة الذاتية للمكلفين مع واجب الاستجابة للشرع على عمل واحد, فيكون أداؤه سهلاً، قال الدهلوي: أن يسن لهم من الطاعات ما يرغبون فيه بطبيعتهم لتكون الطبيعة داعية إلى ما يدعو إليه العقل فتتعاضد الرغبتان) ( ), وبناء على هذا المعنى سنّ تطييب المساجد وتنظيفها, وسنّ للمكلّفين الاغتسال يوم الجمعة والتطّيب فيه, ومن هذا القبيل استحب التغنّي وتحسين الصوت في الأذان, ولما كان من طبائع النساء حب التزيّن والتجمّل في المظهر والمنظر جعل ذلك واجباً عليهن لأزواجهنّ, وحرّم عليهن لغيرهم, وذلك لما يفضي إليه من الفساد في الغير, والحرج الذي يدخل على الناظر إليهن.
7 - جعل الأشياء التي تميل إليها فطرة الناس من قبيل الطاعات, حتّى لا يحسّ المكلّف, في أثناء القيام بتلك الطاعات أنّه قد خرج من وضعه المعتاد إلى وضع آخر, قال الدهلوي: (ومنها أن يجعل الشيء من الطاعات رسوماً يتباهون بها, داخلة فيما كانوا يفعلونه بداعية من عند أنفسهم, كالعيدين والجمعة, وهو قوله : (ليعلم اليهود أن في ديننا فسحة) فإن التجمّل في الاجتماعات العظيمة والمنافسة فيما يرجع إلى التباهي ديدن الناس) .
8 - ومن وجوه التيسير في الشريعة أنها عمدت إلى ضبط أعمال البر والطاعات والعبادات بأركان وشروط وآداب, ولم تتركها مفوّضة إلى عقول المكلّفين حتّى يسهل أداؤها, وفي الوقت نفسه نجدها لم تضبط تلك الأركان والشروط والآداب ونحوها شديد الضبط, بل تركت ذلك مفوّضا إلى عقول المجتهدين وما يفهمونه من الألفاظ الدالة على ذلك, لتساير الشريعة أحوال الزمان والمكان دون خلل يلحقها أو يلحق الملتزمين بها, ألا ترى أن استقبال القبلة شرط, لكنّه لم يحدّد له قانون يعرف به, كما أن نصاب الزكاة جُعِلَ مائتا درهم, لكن لم يبيّن الدرهم ما وزنه, كما أن الشريعة قد أوجبت المهر في النكاح, لكنّها لم تحدّد له قيمة معيّنة, وإنّما تركت ذلك محمولاً على أحوال الناس ومعاشهم, واكتفى فيه بالتنبيه على أن المهر إن كان فيه شيء من الرفق, فإن ذلك سيكون مدعاة للبركة في الزوجة, حيث قال : (خير النكاح أيسره) وبناء عليه فلو ضبطت هذه الأركان والشروط والآداب ونحوها على التفصيل المدقّق لصار في حفظ تلك الحدود على تفاصيلها حرج شديد, ولاتّجه الناس إلى شكليات الضبط وتخلّوا عن معاني هذه الأعمال, قال الدهلوي (فالناس إذا اعتنوا بإقامة ما ضبط به البرّ اعتناء شديداً لم يحسّوا بفوائد البرّ, ولم يتوجّهوا إلى أرواحها, كما ترى كثيراً من المجودين لا يتدبّرون معنى القرآن لاشتغال بالهم بالألفاظ, فلا أوفق بالمصلحة من أن يفوّض إليهم الأمر بعد أصل الضبط) .
فقه لابد منه لمن يمارس الخطاب الإسلامي.
إن شخصية الممارس للخطاب الإسلامي الأخلاقية, ونفسه الطيبة, وروحه الزكية, ومحبته للناس, وإخلاصه لأمته, وغيرته على دينه وإسلامه, ومطابقة قوله لفعله, وانفتاحه على الآخر, هي الحجر الأساس في بناء الخطاب الإسلامي المنشود,ولكن هذا البنيان لا يبلغ تمامه إلا بجملة من المتطلبات العلمية يجب توافرها في ممارس الخطاب الإسلامي والمتمثلة في؛ حفظ كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يكون متفتح الذهن، دارساً للعلوم الشرعية، وعنده إلمام ببعض العلوم الأخرى التي تخدمه في عمله, وإلى جانب هذا كله أن تكون لديه ملكة فقه الخطاب التي تعد السبب الرئيس في نجاح الخطاب الإسلامي
ويمكن أن نجمل هذا الفقه في العناصر الآتية:
الأول: أن يكون على بينة من حكم ما يأمر به وينهى عنه ،تلك المزية الموما إليها بقوله تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ,وقوله تعالى: قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن .
الثاني: أن يعرف أن دعوة الناس إلى الحق نوعان:نوع يقصد به إنقاذ الناس من خلال فساد لاحق, وضرر واقع بهم ،ودعوة يقصد بها تحذيرهم من أمر يخشى عليهم الوقوع في بأسه .
النوع الأول:يتحتم القيام بها لأول وقت ممكن, ويلوح إلى هذا الواجب قوله تعالى: وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قومي اتبعوا المرسلين .
قال الخضر حسين: فقوله (من أقصى المدينة) إظهار لعناية هذا الداعي وشدة رغبته في الإصلاح, حيث لم يثبطه بعد المسافة من السعي إليه, والوفاء بحقه، وقوله: ( يسعى ): تذكرة لدعاة الإصلاح, وإيقاظ لهممهم كي ينفق في هذه الغاية وسعهم ويسارعوا إلى النصيحة جهدهم, لأن السعي في لسان العرب بمعنى العدو والمشي بسرعة .
النوع الثاني: فإن كان مما ينشأ عن تأخيره حرج التحق بالأمر الواقع ووجبت المبادرة إلى الدعوة حسب الطاقة , أما إن كان بين الدعوة وبين وقوعها فسحة جاز إرجاؤها إلى زمن الحاجة, وما يقوله بعض أهل العلم من جواز السكوت عن العلم إلى أن يسأل عنه, إنما يحمل على هذا النوع الذي لم تدع الحال إلى معرفته في الوقت الحاضر .
الثالث: إن مهمة الدعاة ليست على منوال واحد ولا ميزان واحد في مخاطبتهم للناس, ودعوتهم للحق, وإنما تختلف باختلاف إدراك الناس للحقائق المعروضة على عقولهم, والحجج المنثورة أمامهم, ومدى سرعة اهتدائهم للدلائل المنصبة على تلك الحقائق, فمن الناس من لم يبلغ في قوة الإدراك والشعور وسرعة الخاطر أن ينتبه إلى جهة الحق من تلقاء نفسه, ولو ترك لحاله لتمادى في جهالته, ولكنه يسمع الكلمة تشير إلى موضع الحق فيرمي بصره إليه, ويأخذ في نصب الدلائل الموصلة إلى معرفته.
ومنهم من لا ينتبه للحق بنفسه, ولا يتمكن من إقامة الشواهد عليه لو أنبأته بناحيته, فيفتقر إلى أن تأخذ بيده, وتقوده بما تلقيه من الأدلة حتى يراه رأي العين, إلا أنه انطوى على فطرة سليمة ونظر صحيح, فلا يمكنه بعد أن يفقه الرشد ويستقر على علم أن تنزعه منه, وتغرس في مكانه جهلاً أو ضلالاً.
ومن الناس من يلقي زمامه إلى أيدي الدعاة ويتلقى أقوالهم بالطاعة دون أن يكلفهم الدليل على صحة قضية, أو الوجه في بيان حسن عمل, وإنما يعتمد في الاقتداء بهم على ما اشتهروا به من نحو العلم والاستقامة, وكثرة المريدين من أولي الأحلام الراجحة, وعلامة هذه الطبقة أن يرجع مرشدهم عما بثه من علم, أو ندب له من عمل , فيتقلبوا معه إلى تقليد مذهبه الجديد.
ابحث
أضف تعليقاً