تجليات مفهوم الوسطية لدى بعض الحركات الإسلامية
د. حسان الصفدي
أولاً: غاية البحث
يشكل ما وصلت إليه، الأمة من نكوص حضاري وتخلف وتجزئة واستضعاف، الهاجس الذي يقض مضاجع كل الغيورين عليها.
وتتعدد الآراء والرؤى عن كيفية النهوض بحال الأمة، والانطلاق بإمكاناتها من حال النكوص الحضاري الذي ترزح تحته إلى غدٍ أفضل، تؤهلها له إمكاناتها ومخزونها الحضاري وتطلعات أبنائها.
ويحتل الطرح الإسلامي موقعاً مميزاً بين جملة هذه الرؤى والآراء، كونه الأقرب إلى ضمير الأمة، بل إنه يمثل هويتها الحقيقية وملاذها الذي لا تركن إلا إليه، ومنذ بدايات محاولات النهوض المعاصرة، كان للفكر الإسلامي وما تجلى عنه من جمعيات وجماعات وأحزاب النصيب الأوفر من الاهتمام، أكان هذا الاهتمام تأييداً أو معارضة أم دراسة ونقداً وتحليلاً.
ومن هنا تأتي هذه الدراسة –وهي تمثل جهد المقل– محاولة لتسليط الضوء على التطورات التي حصلت لدى بعض الحركات الإسلامية المعاصرة، والتي تتبنى الفكر الوسطي، نتيجة تأثرها بمفهوم الوسطية الإسلامية. وما مدى نجاحها في ذلك، وما هي التحديات الملقاة على عاتق تلك الحركات التي نهضت لهذه المهمة، وما هي الآفاق المأمولة لها في قادمات الأيام.
ثانياً: مفهوم الوسطية
إن حديثنا يتناول "بعض" معاني الوسطية، والتي نرغب في تتبع آثارها لدى بعض الحركات الإسلامية المعاصرة، وذلك لأننا لا نستطيع الادعاء أن لدينا تعريفاً جامعاً مانعاً لمفهوم الوسطية، بل إننا نعتقد أن الوسطية في الإسلام هي مفهوم ممتد، يصاحب هذه الأمة في كل أحوالها وأجيالها ومحاور رسالتها، وهذا ما نفهمه من دلالات النظم القرآني العظيم {{وكذلك جعلناكم أمة وسطاً}}
فما هي مواصفات أمة الوسط التي جاء بها القرآن الكريم ؟
أمة الحق: تدور هذه الأمة مع الحق حيث دار، وتنتقل من الصحيح إلى الأصح، ومن الفاضل إلى الأفضل، في حركة سعي دائب نحو الحقيقة فالله هو الحق، والجريمة تكمن في معرفة الحق ثم إنكاره، وأن كتمان الحقيقة إزدراءاً أو استخفافاً بمصدرها جريمة في حق النفس والناس {{وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون}} (البقرة: 145).
أمة المرجعية: هذه الأمة لا تصدر من فراغ، وإنما تركن إلى من بيده ملكوت السماوات والأرض، والذي يهدي إلى الصراط المستقيم {{قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}}(البقرة: 142)، والامتثال إلى هذه المرجعية هو الركن الركين الذي يحفظ لهذه الأمة رشدها فعدم إتباع هذه المرجعية هو انقلاب على الأعقاب ونكوص وتراجع وضلال.
أمة الواقعية: جاءت رسالة الإسلام لتخرج الناس من الظلمات إلى النور {{ألر كتابٌ أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد}}(ابراهيم: 1). وتبني لهم مجتمعاً تسوده الفضيلة ويحكمه العدل، ولا يمكن للإسلام أن يكون نظرية حبيسة الكتب أو العقول. بل إن معجزة هذا الدين أنه -وكما قال سيد قطب رحمه الله- أخرج أمة من كتاب، وتعامل مع الناس بحسب واقعهم فأخذ بأيديهم فارتفع بهم إلى حيث تستطيعه إمكاناتهم ومواهبهم في آفاق السمو والارتقاء. وتتجلى واقعية الإسلام في كل أحكامه، والتي تأخذ بيد الأمة إلى رشدها بحسب الاستطاعة، وتتعامل مع الحياة بفقه الواقع.
أمة السعي والحركة: وأمة الوسط ضاربٌة في الأرض، ساعيةٌ في وجوه الخير، متشوفةٌ إلى ما هو أسمى وأكمل، سباقةٌ إلى كل مكرمة. والسعي في التصور الإسلامي، سمة أصيلة تشمل العقيدة والفكر والعبادة والكسب وتصاحب المسلم في كل دوائر حياته، فالعقيدة يكتسبها بالسعي والعلم {{فاعلم أنه لا إله إلا الله}}(محمد: 19). والعبادات كلها تتطلب جهداً وحركة، والرزق –قد كفله الله تعالى– ومع ذلك فالسعي له واجب، والقعود عنه إثم وخطيئة، والنصيحة –بمعناها الإسلامي– من نقد إيجابي وإرشادٍ وتوجيه، هي الدين " الدين النصيحة"، والتعامل مع الناس بصدق واستقامة وأمانة هو الدين " الدين المعاملة"، ولكل وقتٍ سعيه وحركته الواجبة {{فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله}}(الجمعة: 10). ويبقى السعي مطلوباً وأداؤه واجباً حتى لو استحالت ضمن الحسابات البشرية إمكانية قطف الثمار وجني النتائج (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها فإن له بها أجراً).
أمة العدل: وتضع الأمة الأمور في نصابها، وتحقق التوازن في حياتها، وتعطي كل ذي حق حقه. فأمة الوسط هي أمة العدل كما وصفها صلى الله عليه وسلم بقوله "وسطاً عدلاً"، فلم يأت الدين إلا ليقوم الناس بالقسط {{لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط}}(الحديد: 25). ومهمة المؤمنين الشهادة بالقسط، وتعاليم الإسلام تتوالى بالأمانة والإحسان والقسط والعدل والوفاء بالعهود {{ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون}}(المائدة: 8).
أمة النموذج: فإذا ما تحققت في الأمة مواصفات الوسطية المذكورة آنفاً واقعاً في حياة الناس، أصبحت أنموذجاً وقدوة، وتنزلت مكارم الأخلاق التي جاء بها الوحي واقعاً تراه البشرية في أمة الوسط عقيدة وفكراً وسلوكاً. وهذا النموذج الحي الواقعي هو الذي يقود إلى ثمرات الوسطية العليا والتي تتمثل في أمة الشهادة.
أمة الشهادة: إن من عدل الله تعالى، أن لا يدع الناس حيارى لا يجدون إلى الهداية سبيلاً، ولذلك فقد أرسل الرسل وأنزل الكتب وأقام الحجة ودلّل على ذاته وصفاته بما شاء سبحانه، وبما يستطيع الإنسان الراغب في الوصول إلى الحق إدراكه والقناعة بأنه الحق، وقد كان الأنبياء والرسل نموذجاً حياً لأقوامهم يعلمونهم ويزكونهم ويقدمون لهم القدوة والأسوة، وتبقى سيرة محمد صلى الله عليه وسلم محققة لهذا المعنى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها {{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}}(الأحزاب: 21). وتحمل أمة الرسالة الخاتمة، نبراس النبوة، إذ لا نبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم، وتقع عليها مسؤولية تحقيق المثال الإسلامي الذي يقيم به الله الحجة على خلقه، فتكون أمة الإسلام بواقعها وبالنموذج الذي تقدمه، شاهدة على الأمم {{وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس}}.
ثالثاً: تجليات بعض مفاهيم الوسطية لدى حركات إسلامية
وهنا نريد أن نتتبع بعضاً من تحققات مفاهيم الوسطية الآنفة الذكر لدى حركات إسلامية، فهي محاولة لتأسيس رؤية نقدية تنظر في مدى موافقة توجهات هذه الحركات الفكرية وكسبها العملي للوسطية الإسلامية.
في مبدأ الحاكمية
إن الحاكمية في المعنى التشريعي والتي تعني أن الله تعالى هو الذي يشرع لخلقه ويأمرهم وينهاهم، ويحلل لهم الحلال ويحرم عليهم الحرام هو ما عليه إجماع الأمة {{إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيّم}}(يوسف: 40). وكل كتب أصول الفقه تبحث هذه القضية عند البحث في مواضيع الحكم والحاكم والمحكوم به. وفي هذا يقول الإمام الغزالي في "المستصفى من علم الأصول"، "في البحث عن الحاكم يتبين أن (لا حكم إلا لله) وأن لا حكم للرسول، ولا للسيد على العبد، ولا لمخلوق على مخلوق، بل كل ذلك، حكم الله تعالى ووضعه لا حكم غيره"(1)
وقد حدث في تاريخ الفكر الإسلامي إشكالية كبيرة حول هذا المفهوم فمنذ القرن الأول الهجري قال الخوارج كلمتهم المشهورة {لا حكم إلا لله} وكان رد الإمام علي رضي اله عنه بليغاً حين قال: " كلمة حق يراد بها باطل! نعم، لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون: لا إمرة إلا لله! ولا بدّ للناس من أمير بر أو فاجر".
فما هي الحاكمية التشريعية التي يجب أن تكون لله وحده؟ يجيب عن هذا السؤال العلامة يوسف القرضاوي فيقول: " هي الحاكمية العليا والمطلقة التي لا يحدها ولا يقيدها شيء، فهي من دلائل وحدانية الألوهية، وهذه الحاكمية لا تنفي أن يكون للبشر قدر من التشريع أذن به الله لهم. إنما هي تمنع أن يكون لهم إستقلال بالتشريع غير مأذون به من الله، وذلك مثل التشريع الديني المحض كالتشريع في أمر العبادات، والتشريع في أمر الحلال والحرام، والتشريع فيما يصادم النصوص الصحيحة الصريحة، أما فيما عدا ذلك فمن حق المسلمين أن يشرعوا لأنفسهم"(2).
وقد كان أبو الأعلى المودودي وسيد قطب –رحمهما الله– أكثر من ركزّ في العصر الحديث على هذا المفهوم، وقد كان لهما أسبابهما الموضوعية في شدة التركيز على ذلك، ذلك أن التخوف كان مبرراً في ذلك الوقت من أن تُغيّب هذه الفكرة، إذ كان التساؤل المطروح: هل الإسلام منهج حياة؟ أم هو علاقة بين المرء وربه لا تتجاوز جدران المساجد وبعض أخلاقيات الحياة، فكان لا بدّ من التركيز على إحياء هذا المفهوم. ولكن أقواماً حمَّلوا أفكار أبو الأعلى المردودي وسيد قطب أكثر مما تحتمل أو أخذوها معزولة عن سياقها، فحكموا بعدم جواز إعطاء أي صفة تشريعية للناس.
وقد أوضح عباس محمود العقاد هذه المسألة حين قال " أنه لا تعارض بين القول أن الأمة هي مصدر السيادة وبين القول أن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة هما مصدر التشريع، فإن الأمة هي التي تفهم الكتاب والسنة وتعمل بهما وتنظر في أحوالها لترى مواضع التطبيق ومواضع الوقف والتعديل، وتقر الإمام على ما يأمر به من أحكام أو تأباه"(3) .
وقد ذهب المودودي إلى أن " مبدأ سيادة الأمة الذي نصّ عليه الإسلام في قوله تعالى {{وشاورهم في الأمر}} هو المبدأ الذي وصلت الإنسانية إلى إقراره بعد كفاح طويل، ولذلك يجب أن يستمر هذا المبدأ في ظل الدولة الإسلامية" (4)
وهكذا نرى أن تحرير المسألة يستدعي القول إن الحاكمية لله والسيادة للشريعة والسلطان للأمة.... فأين تقف الحركات الإسلامية من هذا المفهوم؟
في هذا يذكر حزب الوسط في مصر أن "الأمة مصدر السلطات، فهي المُكْسِب للشرعية، وهي المجسد للمرجعية، والحَكَم بين البدائل. ومن هذا يصبح اتفاق الأمة أو إجماعها، هو المصدر الرئيسي لإقرار المبادئ العامة.
ويركز حزب الوسط في مصر على تفعيل المادة الثانية من الدستور المصري والتي "تضمن المرجعية العامة للدولة بالإسلام وللتشريع في مبادئ الشريعة الإسلامية"(5).
أما حزب العدالة والتنمية المغربي، فإنه يتحدث عن "ضرورة إنطلاق أي إصلاح سياسي من أصالتنا الدينية والتاريخية وخصوصيتنا الثقافية، كما أن إسلامية الدولة التي يؤكد عليها الدستور تستوجب انطلاق جميع برامجنا وسياساتنا من المرجعية الإسلامية"(6).
والسؤال إذا كانت إسلامية الدولة التي يؤكد عليها الدستور تستوجب إنطلاق جميع البرامج والسياسات من المرجعية الإسلامية؟ فما هي الإضافة التي يقدمها حزب العدالة والتنمية على المستوى الإسلامي عن غيره من الأحزاب؟. ثم هل إسلامية الدولة "الدستورية" مطبقة على أرض الواقع؟ ثم ماذا لو تغيرت هذه المرجعية للدولة بفعل صناديق الاقتراع؟.
أما حزب الوسط الإسلامي في الأردن، فينص في مرتكزاته على أن "الإسلام قانون الحياة الإنسانية التي لا تستقيم شؤونها إلا به، فكما أن الله قد خلق الإنسان في أحسن تقويم فقد أنزل له شريعة تضبط له حياته على أرفع وأجمل صورة"(7)
"والأمة مصدر السلطات، وكل مؤسسات الدولة والحكم، وكل القوانين والأنظمة والتشريعات، يجب أن تنبثق عن إرادة الأمة الحرة، وعندما ننادي بإحياء الأمة والمجتمع بنظم الإسلام وهديه ويكون هذا خيار الأمة وقرارها يصبح دور السياسي والمشرع تنفيذ إرادتها بتقنين الحياة على هدى الإسلام وتشريعاته"(8).
وفي حين تطرح حركة النهضة في تونس أن الأمة مصدر السلطات، وأن المرجعية العليا هي للشريعة يكون زعيمها راشد الغنوشي في غاية الوضوح إذ يقول "إذا ما طُرِحت أنا وبرنامجي وحركتي "وإسلامي" على الشعب التونسي ورفضني. ماذا ستكون النتيجة؟ سأنسحب بكل روح رياضية وسأستأنف المعركة في السنوات المقبلة ممارساً عملية الإقناع. سأعرض نفسي، فإذا ما رُفِضْتُ سأستأنف وسائل الإقناع المعروفة. إذا كنت أؤمن أن الشريعة الإسلامية ينبغي أن تطبق بحذافيرها من جهة، وأؤمن بالديمقراطية فلا تناقض، لأني أريد أن أقدم قناعاتي للشعب حتى يقبلها أو يرفضها، فإذا رفضها انسحبت إلى المعارضة، ومارست وسائل الإقناع الأخرى التي هي التربية والتكوين والإعلام والتوجيه والتعليم، ثم عندما أُحِس أن الشعب قد اقتنع أرشح نفسي لجولة مقبلة، ...."(9).
ولا بدّ من وقفة تأمل واعية نستعرض فيها المرتكزات التالية:
أ- إن الحاكمية العليا لله وهو -سبحانه– الذي أعطى الإنسان مسؤولية فهم النص وتنزيله على أرض الواقع، وتشريع ما يلزمه فيما لا نص فيه إهتداءاً بمقاصد الشريعة.
ب- إن الأمة هي التي تختار ما يناسبها، والحاكم والحكومة هي وكلاء عن الأمة في تسيير شؤونها.
ج- إن الواقع الحالي فيه اختلاف كبير عن واقع المسلمين فيما مضى، فاليوم هناك تيارات في الأمة لها طروحاتها السياسية التي لا تعتمد المرجعية الإسلامية، فنحن أمام واقع شائك ومعقد ولا بد من فقه جديد للتعامل معه مرتكز على أصول التصور الإسلامي ومتعمق في فهم هذا الواقع الجديد.
د- إن التيار الإسلامي مطالب بأن يبين للأمة أفضلية الخيار الإسلامي ويقنعها بجدواه برامجاً وخططاً.
هـ- إذا لم تقنع غالبية الأمة بطروحات التيار الإسلامي، فليراجع نفسه لأنه لم يحسن عرض بضاعته النفسية المستمدة من الإسلام، وعليه إعادة حساباته ومحاولاته من جديد.
و- لا يصح في حال من الأحوال فرض الخيار الإسلامي على الناس دون رضاهم، فالله قد منح الإنسان حرية الاختيار حتى يؤمن بوجوده سبحانه فكيف بما هو أدنى من ذلك؟! وليس دور الدعاة إلا البيان. وهذه مسألة يجب أن تواجهها الحركات الإسلامية بمنتهى العمق والشفافية، حيث أن الوسطية تقتضي إقامة العدل في المسألة، وضبط إيقاع الحركة بحيث يحافظ على البوصلة الهادية، إذ أن الحاكمية العليا هي لله وحده ولا يصح أن ينازعه فيها أحد، ودور الحركات الإسلامية هو التعليم والتذكير وتقديم البرامج والخطط التي يقتنع الناس بجدواها كي تنصلح حياتهم بالإسلام.
في مبدأ المواطنة
ما هو الموقف من أتباع الديانات الأخرى في حال وصول الإسلاميين إلى السلطة؟.. هل هم أهل ذمة؟.. أم هم مواطنون كاملوا المواطنة، شركاء في بناء الوطن والأمة؟
من أجل بيان هذا الأمر لا بد من الرجوع إلى أول دستور مكتوب في الإسلام، عقده صلى الله عليه وسلم في أوائل العهد المدني وهو وثيقة المدينة:
(بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من محمد النبي "رسول الله" بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس …. [ثم تعدد الوثيقة قبائل المسلمين وعشائرهم وتصل إلى اليهود] وأنه من تبعنا من اليهود فإن له النصر والأسوة. غير مظلومين ولا متناصر عليهم ..... وأنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً ولا يحول دونه على مؤمن .... وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم، فإته لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته [ثم تعدد الوثيقة بطون اليهود] وأن لهم ما ليهود بني عوف. [ثم تذكر] وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حَدَثٍ، أو شِجارٍ يُخاف فساده، فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الله على اتقى ما في هذه الصحيفة وأبره، وأنه لا تُجار قريش ولا من نصرها، وأن بينهم النصر على من دَهَم يثرب)(10).
تجعل هذه الوثيقة غير المسلمين المقيمين في الدولة مواطنين فيها، لهم مثل ما للمسلمين وعليهم مثل ما عليهم، طالما أنهم داخلون ضمن النظام العام للدولة، وقد جاءت التوجيهات النبوية الكريمة –مع هذه الوثيقة– لتعطي التصور الشمولي لموقع غير المسلمين في الدولة: "من آذى ذمياً فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله". " من آذى ذمياً فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة".
وعهد النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل نجران جدير بالتدبر إذ جاء فيه "ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أموالهم وأنفسهم وأرضهم وملتهم وغائبهم وشاهدهم.... ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل منهم حقهم فبينهم النَصَفُ غير ظالمين ولا مظلومين..."(11).
أما الذمة فهي في الاصطلاح الفقهي "عقد مؤبد يتضمن إقرار غير المسلمين على دينهم، وتمتعهم بأمان الجماعة الإسلامية وضمانها بشرط بذلهم الجزية وقبولهم أحكام دار الإسلام في غير شؤونهم الدينية "(12).
كما أن الجزية وكما يذكر د. محمد سليم العوا: "بدل عن اشتراك غير المسلمين في الدفاع عن دار الإسلام، لذلك أسقطها الصحابة والتابعون عمن قَبِل منهم الاشتراك في الدفاع عنها، فعل ذلك سراقة بن عمرو مع أهل أرمينيا سنة 22 هـ ، وحبيب بن مسلمة الفهري مع أهل أنطاكية...."(13). ويخلص د. العوا إلى نتيجة مؤداها "إن غير المسلمين من المواطنين الذين يؤدون واجب الجندية، ويسهمون في حماية دار الإسلام لا تجب الجزية عليهم"(14).
ويعرض لهذه الحقيقة د. عبد العزيز كامل فيقول "ثم جاءت مع القرن العشرين صيغة جديدة من الوجود الإسلامي، كان من أهم ما تميزت به –وبخاصة في القطاع العربي– اشتراك المواطنين مسلمين ومسيحيين في الكفاح الوطني من أجل الاستقلال"(15).
وهكذا نرى أن مفهوم المواطنة ينسحب ليشمل كل من يشترك في الولاء والنصرة لنظام الأمة العام ويساهم في بناء المجتمع وحمايته، وتبقى الخصوصيات الدينية محترمة للجميع ومن قِبَل الجميع. ويشهد التاريخ لنا بهذا، حيث انه قد لفت نظر المؤرخين الأوروبيين ظاهرة النفوذ الكبير لغير المسلمين في جهاز الحكم الإسلامي وهي ظاهرة غير مسبوقة في أي حضارة أخرى، بقول آدم متز: "من الأمور التي تعجب لها كثرة عدد العمال والمتصرفين غير المسلمين في الدولة الإسلامية، فكأن النصارى هم الذين يحكمون المسلمين في بلاد الإسلام"(16).
وفي تعليقه على أوضاع اليهود في الأندلس يقول سيمون دينوه "لأول مرة يتمكن قسم من الشعب اليهودي من التمتع بحرية الفكر"(17).
وبعد هذا الاستعراض لموقع غير المسلمين في الدولة الإسلامية... ماذا تقدم الحركات الإسلامية اليوم في هذا الشأن؟
عند الحديث عن الوحدة الوطنية ينص حزب الوسط الإسلامي في مصر "فمشاركة الأخوة المسيحيين في الدفاع عن تراب هذا البلد الأمين، يعني وطناً واحداً، ومواطنين مسلمين ومسيحيين، يتمتعون بحقوق المواطنة كاملة، لهم عين الحقوق المدنية والسياسية والقانونية..... وعليهم عين الالتزامات في إطار من المساواة الكاملة"(18).
أما حزب العدالة والتنمية المغربي فيتبنى أن: "مجال اشتغال الحزب هو المجال السياسي، والانتماء إليه هو إنتماء سياسي على أساس المواطنة. وهو ما يجعله حزباً مفتوحاً لجميع المواطنين، ما داموا ملتزمين بتوجهاته وبرامجه السياسية وقوانينه"(19).
ويقف حزب الوسط الإسلامي في الأردن نفس الموقف لينص في منطلقاته على ما يلي "يؤمن الحزب أن أبناء الوطن لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات. وأن من حق الجميع تولي المواقع المختلفة حسب الكفاءة، وأن باب العضوية في الحزب مفتوح لجميع ابناء الوطن الذين يؤمنون بمنطلقاته ليكونوا أعضاء فاعلين فيه يساهمون في نشاطاته وتحقيق أهدافه"(20). وينص في مرتكزات خطابه "إننا في سعينا لتقديم البرامج الإسلامية للمجتمع والناس، نلتقي فيها مع المسلم الذي يرى فيها الخير لحياته وتحقيق معاني تدينه، ونلتقي مع غير المسلم الذي يقتنع معنا بصوابها ونجاعتها لحل مشاكل الحياة"(21).
هذه المواقف تشكل مناخاً إيجابياًّ في سبيل تعزيز وحدة العمل الوطني، إلا أنها بحاجة إلى تعزيز عملي لا نرى آثاره الواضحة حتى الساعة
في مبدأ التعدد: " الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها" (الترمذي وابن ماجه). هكذا يفتح التوجيه النبوي الشريف للمؤمن آفاقاً المعرفة ليرتادها، ويوسع له أفق النظر والاعتبار لا تحدّه عوائق التاريخ ولا الجغرافيا ولا الأعراق ولا المذاهب.... هكذا يكون المسلم باحثاً عن الحقيقة، مقراً بوجود خير وحكمة عند غيره هو بحاجة إليها، وقد تأسس هذا البعد في ضمير المسلم من الوحي الذي جعل التعارف من وسائل نجاح الإنسان في تحقيق غاية وجوده ألا وهي عبادة الله وتقواه.{{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}}(الحجرات: 13). فتعرّفُ الإنسان على ما عند الآخرين ليبني على الصالح عندهم، ويعتبر من الطالح، ويتعارف على الأقوام والشعوب والجماعات فيتبادل معهم الخبرة والتجربة والاعتبار، هو السبيل إلى بلوغ الكرامة الإنسانية الحقة، وتحقيق معاني العبودية لله في الأرض تقوىً وصلاحاً وإعماراً ونماءً {{إن أكرمكم عند الله أتقاكم}}.
وعليه فإن " حركة الاجتماع الإنساني يجب أن ترتكز إلى سنة التعارف بكل ما تحمله من معاني الالتقاء والقبول بالآخر وحسن الاستماع إلى ما لديه، والتعرف إلى مواهبه وإمكاناته، ونبذ حواجز الفرقة، والحوار وتبادل الخبرات للوصول بالحياة الإنسانية إلى كل ما هو أكرم وأطهر".(22)
وقد استوعب المسلمون مذاهب وحضارات وثقافات شتّى وأثّروا بها وتأثروا منها، فكان نتاج ذلك تلك الحضارة الإسلامية التي كانت ملء سمع الدنيا وبصرها.
ثم إن وجود المخالف في الرأي في حد ذاته ضرورة لصاحب الرأي، حيث إنه يحفزه على تعميق الرؤية وتصويب الخطأ وإزالة الزلل، بينما لو أن الساحة خلت لرأي أو مذهب أو حزب واحد لأسِنَتِ الحياة وفَسُدَتْ، ولعل هذا بعض معاني قوله تعالى {{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً}}(الحج: 40). فبقاء معاني الخير والصلاح في هذه الدنيا قد جعله الله منوطاً بسنة التدافع والاختلاف.
فإذا كانت التعددية سمة من سمات الوسطية، فما هي تجلياتها لدى الحركات الإسلامية المعاصرة؟.
يقول سعد الدين العثماني أمين عام حزب العدالة والتنمية المغربي "إن متطلبات التغيير والإصلاح أكبر من أن تدعي منظمة سياسية أو حزبية واحدة القدرة على النهوض بمتطلباتها.... وإن اختلاف الرؤى والمناهج والبرامج السياسية وجب ان يكون مدعاة للتنافس في الخير والتدافع الحضاري من أجل خدمة المصلحة الوطنية العليا... وعملياً ُُعُرف الحزب في الساحة السياسية بانفتاحه على مختلف القوى السياسية واستعداده المستمر لوضع برامج نضالية معها في قضايا مشتركة"(23).
ويعتقد حزب الوسط الإسلامي في الأردن أن "التعددية الفكرية أصل من أصول الحياة ورحمةٌ منَّ الله بها على عباده حتى يستمر نماء العطاء الإنساني وتكامله"(24). "وأن كل الناس من خلال مفاهيم الوسطية الإسلامية والذين تعبر عنهم التصورات الأخرى بـ " الآخر" يصبح رفيق درب نتقدم إليه بما لدينا من خير وهدى ونسعى للإستماع إلى ما عنده من الفكر والتصور، على مستوى الأفراد والمؤسسات والأمم والحضارات"(25).
وقد سعى الحزب وفي عامه الأول إلى تأسيس مجلس يضم كافة الأحزاب الأردنية على القواسم الوطنية المشتركة، ونجح في تأسيس "تجمع الاصلاح الديمقراطي" من مجموعة من الأحزاب منها ماهو إسلامي ومنها ما هو وطني أو يساري، تلتقي على مهمة تنمية الحياة السياسية وتعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية في الأردن.
وتتعرض حركة الاتجاه الإسلامي في تونس إلى موضوع التعددية: "إن حركة الاتجاه الإسلامي ليس عندها أي تحفظ تجاه أي طرف سياسي آخر سواء أكان هذا الطرف إسلامياً أم غير إسلامي، إننا لم نقدم أنفسنا على أننا نمثل الإسلام، ولكن لنا رؤية للإسلام كما لغيرنا رؤيته ولا نرى مانعاً من تمثيله معنا، فإذا كانت أطراف اخرى لها تحفظات إزاء أطراف أخرى، فحركة الاتجاه الإسلامي ليس لها تحفظ إزاء أي طرف آخر يقبل الحوار، ويقبل الصراع الديمقراطي في البلاد ولا ينفي وجود غيره"(26)
في مبدأ التدرج
إحتاج الوصول إلى الحكم النهائي في موضوع القبلة مرحلتين متدرجتين، كما احتاجت كثير من الأحكام التشريعية إلى المرحلية رفقاً بالعباد وأخذاً بأيديهم ليرتقوا إلى ما تتطلبه تلك الاحكام من وعي ودربة وإيمان ومؤهلات.
فالخمر تطلب تحريمه عدة مراحل، وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها: لو تنّزل تحريم الخمر في مكة لما امتنع عنها أحد، بينما لما جاء الحكم النهائي بالتحريم القطعي سالت أزقة المدينة بالخمر إمتثالاً لأمر الله تعالى.
وإذا كان الواجب على المسلمين بذل وسعهم في الاستجابة لأمر الله بإقامة شريعته، فما هو المطلوب منهم إن تعذّر تحقيق ذلك كاملاً؟ هل ينتظرون حصول معجزة تحقق لهم ذلك، أم يسعون لتحقيق المستطاع، والاستطاعة عند الأصوليين هي مناط التكليف إعمالاً لقوله تعالى {{لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}}(البقرة: 286).
أدلة في صحة التدرج
عمر بن عبد العزيز: الخليفة الراشدي الخامس، والذي اتفق المسلمون على عدالته ورشده، ورغم انزعاجه من النظام الوراثي الذي آل بواسطته الحكم إليه، إلا أنه لم يستطع تغييره بسبب ضغوط بين أمية وتراكم الفساد، وأصلح ما استطاع ورد من المظالم ما تمكن من رده. فاستحق ثناء المسلمين عليه عبر العصور.
النجاشي: هو ملك الحبشة الذي وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بالملك الذي لا يظلم عنده الناس، وقد دخل في الإسلام دون أن يتمكن من إجراء تعديلات ذات بال على حكمه، ولقد أثنى عليه صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه بأداء صلاة الجنازة على روحه.
حلف الفضول: الحلف الذي تداعت له بطون قريش في الجاهلية وتحالفوا وتعاقدوا ألا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها أو من غيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه حتى ترد إليه مظلمته، وفيه يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لقد شهدت في دار عبدا لله بن جدعان حلفاً لو دعيت به في الإسلام لأجبت، تحالفوا أن ترد الفضول على أهلها وألا يَعزِ (يغلب) ظالم مظلوماً)(27). ويظهر الموقف النبوي هنا وبكل جلاء ووضوح، أن المسلم يلتقي مع الآخرين على أي معنى أو جهد أو مشروع يمكن أن يحقق الخير للناس ولو لم يلتق مع الآخرين إلا على هذا الجهد، وإفترق عنهم في كل ما سواه.
يقول العلامة القرضاوي "إن التدرج سنة كونية وسنة شرعية أيضاً... ومن هنا كان على الذين يدعون إلى استئناف الحياة الإسلامية، وإقامة دولة الإسلام في الأرض، أن يراعوا سنة التدرج في تحقيق ما يريدون من أهداف آخذين في الاعتبار سمو الهدف ومبلغ الإمكانات وكثرة المعوقات"(28).
ويقول د. حسن الترابي "فالدين في تعاليمه يؤثر التدرج كما نهج التشريع الحاكم للمسلمين.... والتدرج ترسلاً بإيقاع الشرع أثبت وأسلم من أن تغشاه فلتات الخطأ أو لفحات الفتنة، من التطبيق الفوري المستعجل المستوعب للتجديد غير المعهود المقتحم للغريب بغير تروٍّ مطمئن"(29).
إن الارتقاء بالمجتمعات والدول نحو الإسلام هي عملية تحضر وترقي، ولا يمكن الوصول إليها إلا بالجهد والمثابرة والتعليم والتزكية وهي مهمات الرسل التي بذلوا أعمارهم من أجلها، ولم يكن عبثاً أن ينزل القرآن على مدى ثلاث وعشرين سنة {{وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً}}(الإسراء: 106).
بعد هذا الاستعراض لمعاني سنة التدرج في التصور الإسلامي وكمفهوم من مفاهيم الوسطية الإسلامية، فما هي تجلياته لدى الحركات الإسلامية؟ نجد لدى حزب العدالة والتنمية في المغرب هذا المفهوم واضحاً وآثاره العملية جلية، "إن الإصلاح الناجع يخضع لقاعدة التدرج والتراكم، فالتدرج سنة تحكم على الظواهر الطبيعية والإنسانية والاجتماعية. وتُثبت التجارب التاريخية أن السعي للقفز على هذا القانون وتلك السنة كان مصير أصحابه الفشل والاصطدام بالواقع العنيد. والتدرج عملية بناء تنأى عن السقوط في نزعةٍ مغامرةٍ تعصف بالمكتسبات. كما أنها لا تعني التصالح مع واقع التخلف والفساد وسائر أنواع الاختلال "(30).
ويتبنى حزب الوسط الإسلامي "الانضباط بسنن التدرج في الاصلاح والتنمية والعمل وفق منهاج فقه الممكن، وعدم حرق المراحل، والرسم في الفراغ"(31)
في المنهج الحركي
5/1- إن الأصل الذي يجب أن يكون واضحاً لدى الحركات الإسلامية الوسطية، أن رسالتها الاساسية هي الأخذ بيد أهلها ومجتمعاتها نحو الإسلام العظيم، وأن لا تغيب هذه القضية عن أهدافها ووسائلها.
5/2- إن رسالة الوسطية، رسالة هداية ورحمة، حيث يقول صلى الله عليه وسلم (إنما أنا رحمة مهداة).
5/3- التركيز على البُعد الاجتماعي في الإسلام، وبالتالي الانحياز الدائم للجماهير بالجمع بين الدعوة إلى الإسلام والدعوة إلى مطالب الناس الاجتماعية. فإذا كان الخطر الخارجي والذي يتمثل في الاستعمار والصهيونية شديداً، فإن الفقر والتخلف والبطالة والقهر وسوء توزيع الثروات وغيرها كثير، هي مخاطر داخلية أدت إلى إفساح ثغرات في كياناتنا تُسهل على الأخطار الخارجية النيل منّا .
5/4- الشورى أساس من أسس الدين، وعلى الحركات الإسلامية العمل على ترسيخ الشورى في كافة دوائر المجتمع أفراداً ومؤسسات، وأن تضرب المثل في تحقيقها ضمن دوائر الحركة ذاتها مع ترسيخ الشفافية الكاملة والعلنية في أداء الحركة الداخلي والخارجي.
5/5- تبني قضية الحرية -قضية مركزية للحركة- وأن يكون هذا التبني خياراً استراتيجياً لا ينفك ولا ينصرم، لأن الأمم لا تنهض إلا بالحرية، والدين لا يقام إلا بها، والشعوب لا تلتف إلا حول محرريها.
5/6- الاهتمام بتربية عناصرها على الإستقامة والأخلاق الإسلامية، وتزكيتهم بالتربية الروحية، ليكونوا نماذج في العطاء والخلق والنزاهة.
5/7- المصداقية: إن القبول عند الله منوط بالصدق والإخلاص، وإحساس الأمة عالٍ جداً في قضية المصداقية عموماً عند كل من يتصدى للعمل العام، وعلى وجه التخصيص لمن يحمل راية إسلامية، فإن وجدت الجماهير فيه الصدق والنزاهة أَسْلَمَتْ له قيادها، وإن شاب مصداقيته أي شائب نَفَرت منه وتركته وشأنه.
5/8- الاستفادة من كافة الخبرات والكفاءات المتوفرة داخل الخط الإسلامي وخارجه، والانفتاح على قوى المجتمع والتفاعل معها أخذاً وعطاءً، وإيثار الآخرين لتقديم النموذج وبناء الثقة، لتصبح فعاليات المجتمع ومؤسساته هي "الرهط" {{ولولا رهطك لرجمناك}} والعزوة للحركة وبرامجها.
5/9- الإعلان الصريح أنها مع دولة الدستور والقانون والمؤسسات، والدفاع عن هذا، حتى مع اعتراضها على بعض بنود الدستور أو القوانين. يقول ابن تيمية في الفتاوى "إن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة"
5/10- النقد والمراجعة: {{إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}} فهذا شأن المؤمنين، التوبة من الأخطاء، والتي تتطلب نقداً للأداء ومراجعة للمسيرة، ثم تصحيحاً وتصويباً، وتخليصاً وتطهراً من الزلات والسقطات. وأن يكون هذا النقد الذاتي والمراجعة والمحاسبة سمة أصيلة للحركة، ومنهجاً دائماً من أجل الإرتقاء دوماً بالأداء والتخلص من الأدواء الداخلية التي إن استَفْحَلَت قَتَلَت، وإرضاءً لله تعالى الذي يقول {{ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}} فلا يصح أن ينهض أبناء الحركة الإسلامية للدعوة إلى الإصلاح ونقد أخطاء المجتمع والدولة وهم لا يقومون بهذه المهمة في حق أنفسهم.
هذه بعض المعالم، نقدمها بين يدي الحركات الإسلامية، عسى ان يكون فيها رشدٌ للطريق وعونٌ على أداء الرسالة.
رابعاً: تحديات وآفاق
ما هو المطلوب من الحركات الإسلامية الوسطية؟ .... ماذا ينتظرها من أدوار؟.... ماهي التحديات التي تواجهها في الطريق؟... ثم ما هي الآفاق التي يمكن أن تبلغها...؟ وما هي المقومات التي لا بد لها من تملكها لبلوغ تلك الآفاق؟..
كل هذه التساؤلات وغيرها كثير، ينتظر الحركات الإسلامية الوسطية، ولا بد لها من الإجابة عليها .
1- الحركة الإسلامية ضرورة وطنية:
يشكل الإسلام لحمة المجتمعات العربية والإسلامية وضميرها وهويتها، وهي لا تركن إلا إلى صوت الإسلام، لأنه يشكل صدى أعماقها، ونبض تاريخها ومجدها. ولهذا فإن الإسلام يشكل صمام الأمان في حياة هذه المجتمعات. وأنّ الحركة الإسلامية مطالبة أن لا تكتفي بفهم هذه الحقيقة، والاستناد عليها كورقة ضغطٍ في التدليل على قوتها ومدى تأثيرها، بل الانتقال لموقف إيجابي، تقدم فيه نفسها كقوة وطنية تسعى من خلال برامجها إلى مزيد استقرار ونماء وتقدمٍ لبلادها، وتسعى وباستمرار لإقناع السلطات الحاكمة أن استقرار البلاد وأمنها وتنميتها مطلب استراتيجي أصيل للحركة الإسلامية، وبالتالي الانتقال بالسلطات من حالة التخوف من الحركة الإسلامية إلى حالة العرفان بقدرها وأهميتها ودورها.
ويستند دور الحركة في عملية التنمية إلى العوامل التالية:
أ- القبول الجماهيري: فلدى الحركة القدرة على تفعيل دور الجماهير، وزيادة اهتمامها بالشأن العام والتخفيف من سلبية الجماهير في بلادنا وعزوفها عن المشاركة واكتفائها بالنقد السلبي.
ب- الإسناد الحضاري: إن مضمون خطاب الحركة الإسلامية يتناغم مع أشواق الأمة وتطلعاتها، خطاب يستند إلى إرث حضاري عظيم يمثل ذاكرة الأمة المشرقة وأمجادها التليدة، وعليه فإنه قادر عندما يوظف التوظيف الإيجابي أن يشكل رافعة لنهوض جديد، ومستقبل واعد، مرتكز إلى أصالة مجيدة.
ج- بناء الإنسان الرسالي: إن الحركة الإسلامية مؤهلة أكثر من أي تنظيم آخر لبناء الإنسان صاحب الرسالة، الذي يحمل هدفاً ويبتكر له وسائله الناجعة، ولديه الاستعداد للبذل والتضحية، ويحمل روح الدأب والمتابعة، ولديه القدرة على تحمل الصعاب والمشاق، كل هذه المواصفات هي التي تصنع الإنسان الباني للحضارة المحقق للتنمية، إنسان الواجب قبل الحق، والعطاء قبل الأخذ.
كل هذا مرهون بإزالة حالة الاحتقان والشك المتبادل بين السلطة والحركة، لتتحول كل هذه الفاعلية من مواجهة السلطة إلى مواجهة أعداء الأمة الخارجيين من استعمار وصهيونية، والداخليين من تخلف وفقر وجهل وعطالة حضارية.
2- مهام ثقافية وحضارية:
إن الوسطية الإسلامية بإقامتها لمعاني العدل والقسط، ووضعها للأمور في نصابها الصحيح، وإحداث التوازن بين الدنيا والآخرة، والفرد والمجتمع، والقيم والمادة، مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى لتصويب حال الإنسان المعاصر، يقول د. مصطفى الفيلالي: "إن الإنسان اليوم في قعر سرداب ثقافي عميق في الوقت نفسه الذي ترفعه مكاسبه الفنية إلى أعلى مراتب الاقتدار، يغزو الفضاء ويطاول الكواكب بعد أن تملك الأرض، ولكنه العجز والرداءة في ملامحه الشخصية ذاتها وعلى مستوى كفاءته الأخلاقية، فهو المراهق المغامر، ولا يزال عاجزاً عن أن يتحكم في النفس ويكفها عن فجورها. نحن أمام أزمة قيم ومفاهيم، يقوم فيها الاختلال بين قدرات الإنسان وبين قيمته الشخصية، وهو يقوم على الاختصار في مشكلة المعرفة على طلب كيفية الأشياء وخصائصها المحسوسة دون ماهية الاشياء ودواعي وجودها...."(32).
هذه الصورة للإنسان هي الواقع المعيش اليوم، فما هو السبيل؟ وكيف الخلاص؟ يجيب الفيلالي قائلاً: "إن الفكر الإسلامي يخلع على الكون دلالة رسالية، فتصبح المعرفة شهادة والشهادة مسؤولية ويصبح العلم بحقائق الكون تمهيداً لإدراك مقاصده، ويرتفع هذا الإدراك إلى مرتبة التكليف الرباني ....
3- بين النخبوية والجماهيرية:
لا بدّ أن يكون للحركات الوسطية كسب فكري تُقنع به النخب المثقفة التي تملك ناصية القيادة الفكرية للأمة، إلا أنها يجب أن تنتبه إلى إمتلاك خطاب جماهيري قادر على إقناع جماهير الأمة من حيث أسلوبه ومضمونه، أسلوبه الذي يبتعد عن مصطلحات النخبة، ويتقرب إلى الجماهير بمصطلحاتها، ومضمونه الذي يمس حاجات الناس وتطلعاتهم وآلامهم وآمالهم وحاجاتهم المشروعة، ولعل هذا بعض معاني قوله تعالى {{وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم}}.
4- بين المبدأية والبراغماتية:
إن الحركة الإسلامية حركة عقيدية، تعتمد في مبرر وجودها على مبادئها التي تحملها وتنادي بها، ولكنها بحاجة إلى المرونة في سعيها لتحقيق إستراتيجيتها، وإلى العملية في تعاملها مع الوقائع المستجدة، وإلى التدرج في تنزيل أهدافها، وإلى الواقعية في إتخاذ مواقفها. والتحدي الأساسي هو في قدرتها على التوازن بين الحفاظ على مبادئها وعدم التفريط فيها والتعامل السياسي البراغماتي في تحقيق وتنزيل هذه المبادئ واقعاً في الأرض.
5- بين شمولية التصور وفقه الاستطاعة:
تشكل الشمولية في التصور والشريعة الإسلامية واحدة من أهم خصائصهما. وعليه فإن على الحركة الإسلامية أن تبقى واضعة نصب أعينها تنزيل الإسلام بشموله خيراً وبركة في واقع الناس، وهي مدعوة مع هذا وبنفس الدرجة أن ترتب أولوياتها من حيث التنزيل بحسب الاستطاعة، وهو تحدٍٍ كبير على الحركات الوسطية أن تحسن التعامل معه فلا تقزّم المشروع الإسلامي ليكون متناسباً في حجمه مع واقع الاستضعاف، ولا تحرق المراحل وتتجاوز الاستطاعات المتوفرة لتنزيل ما لا طاقة لها به، بل عليها وضع سلم صحيح للأولويات ضمن الإمكانات المتوفرة وضمن رؤية شمولية تحقق التراكم في الإنجاز، ودوام تنمية الاستطاعات.
6- بين مشروع الأمة النهضوي وإدارة السياسة:
فقد سعت الحركات الإسلامية إلى الإصلاح في عديد محاور الحياة، والأحزاب الوسطية الإسلامية وقد اختارت الأداء السياسي محوراً لعملها، مطالبة بدوام مراقبة الوسطية في كسبها بين الاداء السياسي وهو ضروري ومطلوب، وبين السعي لنهضة الأمة في كل مرافقها، وقد تستطيع بعض هذه الأحزاب النجاح في المزاوجة بين العمل السياسي وألوانٍ من العمل العام أخرى، كالعمل الاجتماعي والتربوي والثقافي وغيرها، ومن لم يستطع منها ذلك فعليه إدامة العلاقة مع المؤسسات المجتمعية التي تقوم بهذه الأدوار، والتنسيق معها لتكون مجموع الجهود الميذولة متساوقةً ومتكاملة ضمن رؤية إصلاح عامة.
7- بين نموذج الطهر والعفاف وضرورات السياسة:
ينشأ الداعية المسلم على إيثار الآخرة على الدنيا، والتعفف عن المغانم طمعاً فيما عند الله، وبذل ما في اليد دون انتظار أجر دنيوي. وهذه مواصفات أساسية تشكل النموذج الذي يعتقد الناس في حامله صلاحية حمل راية الإسلام، وتتطلب ضرورات السياسة، مواصفات شخصية أخرى لدى العامل في الحقل السياسي، من ثقافة ودراية وسرعة بديهة ومتابعة وسعة حيلة ومرونة وتكّيف، وهي مواصفات أساسية أيضاً لا بدّ لنجاح السياسي في عمله من امتلاكها، لكنها لا تعطي لدى عامة الناس الانطباع الشائع عن المتدين، والتحدي هو: كيف يستطيع حامل لواء الوسطية المزاوجة والموازنة بين نقاء نفسه وشفافية روحه ونظافة سلوكه من جهة وبين براعته السياسية في أدائه العام، سؤال كبير وتحدٍ، النجاح فيه ليس سهلاً. وصدق صلى الله عليه وسلم حين قال ( ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة)
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمبن
الهوامش
1- الإمام الغزالي. " المستصفى من علم الأصول
2- بينات الحل الإسلامي. ص177 – يوسف القرضاوي.
3- الديمقراطية في الإسلام –1971 عباس العقاد.
4- نحو الدستور الإسلامي –ص132 – أبو الأعلى المودودي.
5- أوراق حزب الوسط ص17 د. رفيق حبيب.
6- حزب العدالة والتنمية – من اجل نهضة شاملة "المنطلقات" ص2.
7- حزب الوسط الإسلامي – فكرة ومنهاج ص15.
8- حزب الوسط الإسلامي – فكرة ومنهاج ص28
9- الإسلاميون والديمقراطية – أحمد بن يوسف.
10- مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة - ط5 ص59- ص62 محمد حميد الله.
11- كتاب الخراج ص 78 القاضي أبو يوسف.
12- أحكام الذميين المستأمنين ص22- عبد الكريم زيدان.
13- في النظام السياسي للدولة الإسلامية ص256 د. محمد سليم العوا.
14- في النظام السياسي للدولة الإسلامية ص257 د. محمد سليم العوا.
15- بحث حقوق الإنسان في الإسلام في كتاب معاملة غير المسلمين ج1 ص90 مؤسسة آل البيت – د.عبد العزيز كامل.
16- الحضارة الإسلامية في القرآن الرابع الهجري ج2 ص67.
17- مجلة الازمنة الحديثة جان بول سارتر.
18- أوراق حزب الوسط – تقديم د. رفيق حبيب.
19- من محاضرة للسيد سعد الدين العثماني/ امين عام حزب العدالة والتنمية المغربي بعنوان الإسلام السياسي وتحديات الإصلاح لوتداول السلطة.
20- حزب الوسط الإسلامي" فكرة ومنهاج" ص30.
21- حزب الوسط الإسلامي "فكرة ومنهاج" ص 15.
22- حزب الوسط الإسلامي - الاردن – " فكرة ومنهاج" ص18.
23- محاضرة د. سعد الدين العثماني/ الإسلام السياسي وتحديات الاصلاح وتداول السلطة.
24- حزب الوسط الإسلامي " فكرة ومنهاج" ص18.
25- حزب الوسط الإسلامي "فكرة ومنهاج" ص 19.
26- الإسلام الاحتجاجي في تونس ص27 – د. محمد عبد الباقي الهرماسي.
27- نور اليقين في سيرة سيد المرسلين – ص22 الشيخ محمد الخضري
28- الصحوة الدينية الإسلامية - ص 397 د.مصطفى الفيلالي.
29- السياسة والحكم – ص82 – د.حسن الترابي.
30- محاضرة الإسلام السياسي وتحديات الاصلاح وتداول السلطة ص9_ سعد الدين العثماني
31- حزب الوسط الإسلامي "فكرة ومنهاج" – ص21.
32- الصحوة الدينية الإسلامية – ص386- د. مصطفى الفيلالي
مراجع البحث
أولا: الكتب
- القرآن الكريم.
- الحديث النبوي الشريف.
- أحكام الذميين والمستأمنين – عبد الكريم زيدان.
- أوراق حزب الوسط – مصر ط1 د. رفيق حبيب.
- الإسلام الاحتجاجي في تونس- ورقة بحث – مركز دراسات الوحدة العربية – د. محمد عبد الباقي الهرماسي.
- بينات الحل الإسلامي – مؤسسة الرسالة ط1 – د. يوسف القرضاوي.
- حزب الوسط الإسلامي " فكرة ومنهاج" ط1 – عمان – الأردن.
- الخراج – القاضي أبو يوسف.
- الديمقراطية في الإسلام – دار المعارف 1971 – عباس محمود العقاد.
- السياسة والحكم –دار الساقي ط1 –د. حسن الترابي.
- الصحوة الدينية الإسلامية- ورقة بحث/ مركز دراسات الوحدة العربية- د. مصطف الفيلالي.
- في النظام السياسي للدولة الإسلامية – دار الشروق – ط1 – د.محمد سليم العوا.
- مجموع الفتاوى – تقي الدين أحمد بن تيمية.
- مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة – دار النفائس ط5 – محمد حميد الله.
- معاملة غير المسلمين في الإسلام/ بحث حقوق الإنسان في الإسلام –مؤسسة آل البيت –د. عبد العزيز كامل.
- المستصفى من علم الأصول – دار صادر بيروت- الإمام الغزالي.
- من أجل نهضة شاملة " المنطلقات" حزب العدالة والتنمية –المغرب.
- الموافقات –أبو إسحاق الشاطبي.
- نحو الدستور الإسلامي – القاهرة المطبعة السلفية – أبو الأعلى المودودي.
- نور اليقين في سيرة سيد المرسلين – مؤسسة علوم القرآن ط3- الشيخ محمد الخضري.
ثانيا: الدوريات والمجلات والمحاضرات
- جريدة الحياة 14/ 1/ 1993 – الإسلاميون والديمقراطية – احمد بن يوسف.
- محاضرة سعد الدين العثماني/ الإسلام السياسي وتحديات الإصلاح وتداول السلطة، ألقيت خلال مؤتمر الأحزاب السياسية في العالم العربي./ الواقع الراهن وآفاق المستقبل في عمان 12- 13 حزيران 2004.
- مجلة الأزمنة الحديثة العدد 252 – جان بول سارتر.
ابحث
أضف تعليقاً