wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
تجليات مفهوم الوسطية لدى بعض الحركات الإسلامية د. حسان الصفدي أولاً: غاية البحث يشكل ما وصلت إليه، الأمة من نكوص حضاري وتخلف وتجزئة واستضعاف، الهاجس الذي يقض مضاجع كل الغيورين عليها. وتتعدد الآراء والرؤى عن كيفية النهوض بحال الأمة، والانطلاق بإمكاناته

الوسطية في الإطار الحزبي

أ. محمد يتيم / حزب العدالة والتنمية

مقدمــة
الوسطية من مميزات أمة الرسالة، فهي التي تؤهلها لأداء الشهادة على الآخرين، وأن يشهد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: {{وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً}}.
والوسط لغة يرتبط بمعاني الخير والعدل والنفعة والجودة والرفعة، وذهب غير واحد من المفسرين في تفسير قوله تعالى: {{قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبّحون}} إن كلمة أوسطُهم تعني أعدلُهم وأعقلُهم وأمثلهم. يقول صاحب التحرير والتنوير الشيخ الطاهر بن عاشور: فالوسط هو العدل والخيار.
والوسطية ترتبط كذلك بمعنى الاستقامة على الدين وعلى النهج التي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم دون إفراط وتفريط، كما ترتبط بمعاني حرية الإرادة والفاعلية والاستقلالية. 
وفي الحديث عن عبد الله بن جابر قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطاً وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن يساره ثم وضع يده على الخط الأوسط فقال: "هذه سبيل الله" ثم تلا هذه الآية الكريمة: {{وإن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتّبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله}}.
الوسطية إذن منهج يرفع الدين، والعمل به يقوم على نبذ الغلو في الدين والتزيد فيه بالتشديد على النفس أو التشديد على الآخرين. كما يقوم على نبذ التفريط والتضييع لعقيدة التوحيد وأحكام الشريعة وآداب الإسلام وأخلاقه وأنظمته. فذلك كله مفضي بصاحبه إلى الحسرات والندامة.
والوسطية بهذا المعنى الذي يفيد التوازن والتزام القاعدة التي يقررها الحديث النبوي الشريف: "لا إفراط ولا تفريط"، لا تعني الهروب من الموقف الصعب إلى الموقف السهل، ولا العكس أيضاً، وليست هي انعدام الموقف الواضح المحدد من المشكلات، بل هي تعبير عن خاصية التوازن في جميع الأمور والمواقع: توازن بين الروح والجسد، وبين الدنيا والآخرة، وبين الدين والدولة، وبين الذات والموضوع، وبين الفرد والجموع، وبين الفكر والواقع، وبين المادية والمثالية، وبين المقاصد والوسائل، وبين الثابت والمتغير، والقديم والجديد، وبين العقل والنقل، وبين الحق والقوة، وبين الاجتهاد والتقليد، إلى آخر هذه الثنائيات.
ومن الواضح أن الوسطية بما هي خاصية للإسلام عقيدة وشريعة ونظاماً، ليست وصفة جاهزة أو خاصية مكتسبة بإطلاق للأمة أو لهذه الجماعة أو تلك، بل هي موضوع اجتهاد وجهاد متواصلين للعمل باستمرار وفق القاعدة الذهبية التي أشار إليها الحديث النبوي الشريف: "لا إفراط ولا تفريط"، وهو السر في جعلها مطلباً ودعاء نردده كلما صلينا في سورة الفاتحة عندما نقول: {{إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}}.
الوسطية إذن هي خاصية الأمة الإسلامية كما أخرجها الله وكما أرادها أن تكون، وهي مقصد وهدف وجب على هذه الأمة أن تتحقق به من خلال جهاد واجتهاد دائمين، جهاد علمي وفكري، وتربوي وثقافي، وجهاد علمي، مما يقتضي أن يقوم في الأمة باستمرار مجددون عدول ينفون عن الإسلام غلو الغالين، وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين.

الوسطية في المجال الحزبي 
للوسطية مظاهر وتجليات في العقيدة والعبادة والأخلاق والنظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وفي السلوك الفردي والجماعي. وأريد من خلال هذه العرض إبراز تجربة ومحاولة للعمل، وتنزيل خاصية الوسطية في المجال الحزبي من خلال مثال حزب العدالة والتنمية في المغرب، وأبادر فأقول أن تنزيل الوسطية في المجال الحزبي يجب أن يستند على ثقافة شرعية قائمة على مقومين أساسيين:

فقه عميق للشريعة  و  فقه عميق للواقع.
أولاً: فقه عميق للشريعة.   
يستحضر القواعد الأصولية بضبط مفهوم الوسطية حتى لا يتحول إلى تفريط وتسيب وتصالح مع الواقع الفاسد بدعوى تجنب الغلو والتطرف، وذلك لا يتمّ فقط بمجرد استحضار النصوص الجزئية متفرقة متناثرة، مفصولاً بعضها عن بعض، بل وجب رد فروعها إلى أصولها، وجزئياتها إلى كلياتها، ومتشابهاتها إلى محكماتها، وظنياتها إلى قطعياتها حتى يتألف منها جميعاً نسيج واحد مرتبط بعضه ببعض، متصلة لحمته بسداده ومبدؤه بمنتها.
ويمكن تقسيم الفقه اللازم من أجل جعل ممارسة الوسطية ممارسة حية في الواقع السياسي الحزبي في خمسة أنواع من الفقه:
1- فقه الموازنات: فالاختلال على هذا المستوى يؤدي في نظرة المسلمين لأمور الدنيا أو أمور الدين إلى تقديم ما حق التأخير، وتأخير ما حق التقديم، بينما يُعلّمنا صاحب الرسالة عليه أزكى الصلوات أن الأعمال درجات، وأن القضايا مستويات.
2- فقه الموازنات : وقوام هذا الفقه الموازنة بين أقدر المصالح والمفاسد. فإذا حد المقاصد بين المصالح والمفاسد فلا بدّ من الموازنة، بحيث يكون درء المفسدة مقدماً على جلب المصلحة، وبحيث تكون الموازنة بين خيري الخيرين من أجل تحصيل أعظمهما وتفويت أرذلهما، وبين شري الشرين من أجل تحصيل أدناهما وتفويت أعظمهما.
3- فقه االنصوص: وقوام هذا الفقه النظر في علل الحكم وتجنب النظرة الظاهرية في فهم النصوص، فالقرآن جاء بالأحكام معللة سواء تعلق الأمر بالعبادات أو بالمعاملات، ومن ثمّ وجب البحث دوماً عن مقصود الشرع من الحكم الذي ساقه. وقد حدد الأصوليون في خمسة وهي: النفس والعقل والدين والعرض والنسل والمال.
4- فقه النصوص : وهو فقه يقوم على التمييز بين الظني والقطعي، وبين المحكم والمتشابه، وبين ما يحتمل تفسيرات عدداً، وما لا يحتمل إلا تفسيراً واحداً، والتمييز في السنة بين ما هو للتشريع وما ليس للتشريع، وما هو للتشريع الدائم والتشريع المؤقت.
5- فقه والمآلات : إذ لا يكفي معرفة الحكم الشرعي واستخراجه (تنقيح المناط)، بل لا بدّ من استحضار مآلات هذا الحكم في الواقع، وهل يحقق مقصود الشارع من تنزيله أم يترتب عليه عكس مقصوده (تحقيق المناط).

ثانياً: فقه عميق للواقع:
فقه الواقع هو الفقه الذي يمكن تنزيل الأحكام الشرعية ومقاصدها مراعاة للأولويات واستحضاراً للمقاصد والمآلات، ومراعاة أيضاً للموازنة بين المصالح والمفاسد. ويشمل هذا الفقه على المستوى السياسي اليوم وهي أنواع من الفقه منها:
1- الفقه بالتاريخ السياسي الإسلامي: لأخذ العبر بأسباب السقوط والنهوض، وأسباب الفتن السياسية ودروسها وعبرها.
2- الفقه بالتاريخ السياسي الإسلامي المعاصر: ونقصد بالأساس دراسة التجارب السياسية الإسلامية المعاصرة للاعتبار بأسباب الإخفاق والنهوض، والوقوف عند عوامل وأسباب الانتكاس، وعوامل النجاح في التجارب الحركية والسياسية والحزبية المعاصرة.
3- دراسة الخصوصيات التاريخية والسياسية لكل بلد على حدة: لطبيعة أنظمتها السياسية من حيث قابليتها للانفتاح السياسي أو من حيث انغلاقها وطبيعتها الشمولية، لما لذلك كله من أثر في إنجاح تجربة الوسطية في المجال الحزبي أو مواجهتها والوقوف ضدها، ودراسة مراكز القوى المناهضة للوجود السياسي للأحزاب ذات المرجعية الإسلامية ومعرفتها، وتحديد آليات اشتغالها وتحريفها.
4- دراسة الواقع الجيوسياسي الإقليمي والعالمي: لتحديد التحديات التي يطرحها أو الإمكانيات التي يفسحها.
.

منطلقات الوسطية في المجال الحزبي:
لقد تبلورت في الثقافة السياسية المعاصرة لدى بعض الحركات السياسية الإسلامية اتجاهات رافضة للمشاركة السياسية من خلال البوابة المؤسسية  والحزبية. وإذا كانت تجارب المشاركة الحزبية في العالم الإسلامي قليلة بالمقارنة مع عدد الدول، ويرجع ذلك أساساً لسيادة أنظمة ديكتاتورية وغير ديمقراطية تصادر الحريات وتصادر حق الحركات الإسلامية على الخصوص في تأسيس أحزاب سياسية، تحت ذرائع متعددة. فينبغي الإشارة والتأكيد على أن بعض تلك الحركات لا تزال محكومة بمنطق الرفض، وفكر المقاطعة والنظر إلى العمل السياسي من خلال البوابة السياسية باعتباره شراكاً تنصبه الأنظمة لتبيع الحركات الإسلامية وإفراغها من محتواها. 
في حين أن البعض الأخر منها لا يزال محكوماً بمخلفات الصدام وآثار المناطحة السياسية، التي قادت عدداً من قياداته ورموزه وأجياله إلى المحن والسجون والمنافي والاغتيال. في حين أن فريقاً ثالثاً لا يزال محكوماً بآثار الصدمة التي واجهها المسلمون في المشرق العربي على الخصوص بسقوط "دولة الخلافة"، ومن ثم توقف سقف فكرهم السياسي عند شعار إقامة "دولة الخلافة" دون أن يكون لديهم تصور معاصر لهذا المطلب يكشف تجلياته الواقعية وتنزيلاته الدستورية.
وفي مقابل ذلك تفاعلت بعض الحركات الأخرى مع واقعها السياسي من خلال إعمال فقه الأولويات وفقه الموازنات وفقه المقاصد، وتعاطت مع واقعها السياسي المحلي والجهوي والعالمي، للدفع بتجربة المشاركة السياسية والحزبية، وتقطع أشواطها متقدمة في ذلك الاتجاه كما هو الشأن في تجربة حزب العدالة والتنمية.
لقد تأسست تجربة حزب العدالة والتنمية استناداً على مجموعة من المتطلبات التأصيلية منها:
1- ترجيح مبدأ المشاركة والمخالفة : انطلاقاً من أنّ الأصل عند الإنسان المسلم هو المشاركة، وأن المقاطعة والمنابذة استثناء يقدر بقدره، ولا يشترط في المشاركة أن تؤدي إلى إزالة المفاسد كلها، بل إذ رجح أنها ستزيل بعضها أو تقلل منها كان الإقبال عليها أولى. فإذا لم تجلب تلك المشاركة بعض المصالح فلا أقل من أن تمنع من اتساع دائرة المفاسد انطلاقاً من القاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح".
2- مبدأ التدرج : باعتبارها سنة تخضع لها الظواهر الكونية والطبيعية والظواهر الاجتماعية أيضاً، والأخذ بهذا المبدأ في مجال التعبير السياسي هو أولى حيث تتميز الظواهر الاجتماعية والثقافية والسياسية بطابعها المعقد. كما تثبت التجارب التاريخية أن السعي للقفز على هذه السنة كان مصير أصحابه الفشل والاصطدام بالواقع العنيد، بحيث لا يخدم قضية الإصلاح بقدر ما يؤخرها حُقباً طويلة.
3- العمل في نطاق الوسع وتحقيق الممكن التاريخي: ومن لوازم الأخذ بسنة التدرج العمل من أجل الإصلاح في نطاق الوسع والممكن، مع الإبقاء على وضوح الرؤية والمنهج وشمولية الأهداف، ومعناه أيضاً الاشتغال بدائرة التأثير والعمل على تحصين مكتسبات الأمة، والحفاظ عليها وتوسيع دائرتها بدل الاشتغال بدائرة الاهتمام التي قد لا تعدو أن تكون أحلاماً قد تكون مشروعة ولكنها لا تدخل في نطاق الممكنات التاريخية، والنتيجة تكون في هذه الحالة تضييع الفرص المتاحة، وعدم ملء الفراغات والمساحات المقدور عليها وتركها للخصوم السياسيين والمناوئين المتربصين.

مستلزمات الوسطية في المجال الحزبي
غير أن نجاح منهج الوسطية في المجال الحزبي مرهون بمجموعة من الشروط منها:
1- وجود حد أدنى من الانفتاح السياسي لدى المنظمة الحاكمة وقبولها لحد أدنى من التعددية، ومن الاعتراف بحق التوجهات السياسية والحركية ذات المرجعية الإسلامية في تأسيس الأحزاب السياسية.
2- أن تقبل تلك الحركات بمبدأ التداول السلمي على السلطة، واحترام قواعد العمل الديمقراطي كآلية لذلك التداول، ومعنى ذلك إقرار الطرفين بمبدأ الاعتراف المتبادل، لأنه لا سبيل للوجود السياسي الحزبي في إطار النفي المتبادل بين الطرفين، والإقصاء والإقصاء المضاد.
3- إقرار الدول الإسلامية التي تنص دساتيرها على أن دينها الرسمي هو الإسلام على ذلك مهما تكن مظاهر الانحراف والمخالفة الظاهرة في الممارسات والمؤسسات، على اعتبار أن الإقرار الدستوري بالإسلام ديناً للدولة هو شبيه بإقرار الفرد باللسان إذ يحكم لصاحبه بالإسلام ويطالب بعد ذلك بالعمل بمقتضياته.
ومن المعلوم أن ذلك الإقرار هو الذي يعطي مشروعية للمطالبة بإعادة صياغة الأنظمة القانونية والاجتماعية والثقافية على أساس أحكام الشريعة ومقاصدها، ورفع كل مظاهر التعارض بينها، إذ لا معنى لمطالبة دولة ما بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية إذا نزعت عنها الصفة الإسلامية.
4- الانطلاق من أنّ الإسلام عميق في نفوس الشعوب وهي الأغلبية الغالبة من النخب، بينما فئات محدودة انسلخت عن انتمائها الحضاري والتاريخي، كما أن الإسلام رغم كل ما يقال لا يزال له وجود وتمكين في كثير من المؤسسات والنظم الثقافية والتعليمية والاجتماعية القائمة، ووجب النظر إلى ذلك كله باعتباره مكتسبات تتعين المحافظة عليها والدعوة إلى توسع دائرتها. إن هذه المستلزمات وغيرها هي التي تجعل العمل الحزبي الوسطي ممكناً يلي: مجال حركته وتأثيره كما تحدد بسقف أهدافه التي يتعين محاسبته على هؤلاء لا على ضوء أهداف أخرى قد تكون أهدافا لحركات رافضة أو انقلابية أو ذات أهداف "يوتوبية" مجردة تستحضر الممكنات التاريخية، وتتحرك في نطاق دائرة الاهتمام لا في نطاق دائرة التأثير.

.
النتائج المرجوة للوسطية في المجال الحزبي
نستطيع أن نحدد بعض النتائج المرجوة للوسطية في المجال الحزبي فيما يلي :
أولاً: المدافعة وعدم إخلاء الساحة. 
من بين المرجحات الموضوعية للمشاركة السياسية الحزبية ذات المرجعية الإسلامية ذلك الموقف المناهض الذي تقابل به هذه المشاركة من لدن القوى المعادية لحق الصحوة الإسلامية في الوجود القانوني على شكل أحزاب وتنظيمات سياسية. إن الكيد المتواصل والتربص المستمر بهذه التجارب، بل منع قيام مثل هـذه التجارب، وذلك حتى تبقى تلك الحركات هامشية موشومة بالصورة النمطية التي كونها عنها الإعلام المعادي، إن ذلك كله يشهد لرجحان خيار الوسطية في المجال السياسي الحزبي، ولذلك كانت الوسطية فكراً وممارسة في الوسط الحزبي محاربة ولا تزال، ويسعى خصومها دائماً إلى حشرها في الزاوية حتى يسهل دمغ جميع تيارات الصحوة الإسلامية بالصورة التي تقدمها بعض المجموعات المعزولة القائمة على أساس فكر الغلو وسلوك العنف.
ثانياً:  نقل الصحوة الإسلامية من مرحلة الشعارات إلى مرحلة البرامج، ومن فكر المواجهة والتدمير إلى فكر الإصلاح. 
من مقاصد خصوم الصحوة الإسلامية وتيار الوسطية السعي دوماً إلى حصرها في الهامش، وحرمانها من الاحتكاك بالواقع والاقتراب منه والتعرف عليه في مفرداته وتعقيداته، بما يترتب على ذلك من أعمال الفكر والاجتهاد لإبداع الحلول له في نطاق أحكام ومقاصد الشريعة، ذلك أن رجال الصحوة الإسلامية إذا تمكنوا من هذا وأضافوه إلى رصيدهم من الأمانة والاستقامة الخلقية فإنهم ينالون بذلك ثقة مضاعفة من شعوبهم، وكان ذلك سبيل في فوات مصالحهم وامتيازاتهم وإظهار عورهم وفشلهم.
ثالثاً: الإسهام في تقديم صورة عملية لإمكانية اقتران الممارسة السياسية والحزبية بالمبادئ والقيم في زمن ساد فيه الاعتقاد بأنهما نقيضان لا يجتمعان وأمران لا يتلازمان، وضخ شحنة من الأخلاق في الممارسة السياسية، وهو ما نسميه نحن بالإسهام في تخليق الحياة السياسية.

الوسطية الحركية والحزبية : تجربة مغربية
تميّز المغرب المعاصر خلال السنوات التي تلت الاستقلال، أي الستينات والسبعينات بطغيان نوع من التطرف السياسي للحركات السياسية التي كان توجهها العام هو التوجه اليساري. ولم تسلم بعض فصائل الحركة الإسلامية من هذه العدوى في بداية تجربتها إذ ظهر تأثرها واضحاً بخصائص الفكر الانقلابي، وفكر المواجهة مع الواقع الاجتماعي والسياسي. غير أن الرواد الأوائل من الشباب الذين أسسوا الحركة الإسلامية سرعان ما قاموا بعملية مراجعة في بداية الثمانينات قادتهم إلى القطعية مع الغلو الديني والتطرف السياسي، مما مكَّن المغرب من أن يتجنب مبكراً أي في بداية التسعينات السقوط في تجارب شبيه لتجارب بعض الدول المجاورة.
ولقد تجسد ذلك الفكر الوسطي في حركة التوحيد والإصلاح التي هي عبارة عن تجربة اندماجية ووحدوية بين عدة تنظيمات إسلامية.
وإذا كانت السلطات المغربية قد تعاملت مع التنظيمات الإسلامية بنوع من الحذر وعدم الاعتراف القانوني بها طيلة عقدي الثمانينات والتسعينات، فإنها في نفس الوقت تعاملت بنوع من التسامح والترقب وهو ما عززه التوجه الوسطي داخلها وإصرارها المتواصل على ضرورة العمل في إطار المؤسسات القائمة.
ولقد سعت هذه الحركة من خلال مكوناتها (أقصد حركة التجديد والإصلاح) (ورابطة المستقبل الإسلامي) إلى الحصول على الترخيص بإنشاء حزب سياسي، ولكن كلا المحاولتين قوبلت بالرفض من قبل السلطات، فكان أن بادرت قيادة الحركة في إطار المرونة في الوسائل إلى الاتصال بالدكتور عبد الكريم الخطيب وهو شخصية وطنية معروفة ببلائها في الفترة الاستعمارية، فتوافقت قيادة كلا الطرفين على المبادئ الأساسية للعمل السياسي وتمّ تحديدها في ثلاثة شروط :    1- الإسلام كمرجعية في الإصلاح.
                     2- العمل في إطار الملكية الدستورية.
                      3- نبذ العنف.

وفي سنة 1996م انعقد المؤتمر الوطني الاستثنائي للحزب معلناً عن ميلاد مرحلة جديدة من العمل السياسي ليس داخل الحزب فقط بل وفي المشهد السياسي العربي، وفي سنة 1997م شارك الحزب في الانتخابات البرلمانية وتمكن من انتزاع تسعة مقاعد في مجلس النواب بالرغم من التزوير الفاضح الذي مورس ضده من أجل حرمانه من تكوين فريق نيابي (12 نائباً)، ثمّ تمكّن الحزب من ذلك بعد فوز أعضاء جدد في انتخابات جزئية وضم نواب آخرين ليصل عدد أعضائه إلى (14 عضواً)، ولما تشكلت أول حكومة للتناوب الديمقراطي سنة 1998م في عهد الملك الحسن الثاني رحمه الله بقيادة عبد الرحمن اليوسفي زعيم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ساندها الحزب وسمى موقفه بـ "المساندة النقدية" مبدعاّ بذلك مصطلحاً جديداً في الحياة السياسية المغربية بعد أن اعتذر عن المشاركة في الحكومة، قبل أن ينتقل إلى موقع المعارضة بعد ذلك بسنتين ونصف.
وفي الانتخابات التشريعية لسنة 2002م وتشكيل حكومة إدريس حطو اختار الحزب عدم المشاركة فيها، ليكون بذلك أكبر حزب في المعارضة التشريعية بـ (42 نائباً) منهم (8 نائبات) ليكون بذلك أول فريق نيابي من حيث تمثيل النساء إلى جانب أقدم حزب هو حزب الاستقلال.
في المرحلة الأخيرة، وما تلا تفجيرات الرمادي في السنة الماضية من محاولات سياسية متربصة لاستغلالها ضد حزب العدالة والتنمية، رغم أن الحزب قد بادر منذ اليوم الأول إلى إدانة تلك الأعمال الإجرامية، واعتبرها مرفوضة شرعاً وعقلاً، وذكّر بمبادئه المبدئية والسياسية الرافضة لكل أشكال التطرف الديني واللاديني، والتزامه بمبادئ الوسطية والاعتدال والعمل على نشرها في المجتمع.
لكن الحزب فوجئ بتعميم الإعلام الرسمي على مواقفه، وبرزت أصوات سياسية تدعو إلى انتهاج أسلوب الإقصاء والتضييق على الحريات الفردية والجماعية، وتبني الفكر الشمولي وصبت جام غضبها على حزب العدالة والتنمية، وعلى جماعات التيار الإسلامي المعتدل لتطالب بإقصائها جملة وتفصيلاً، وتحميلها مسؤولية ما حدث، وطالب وزراء يساريون وكتاب وصحفيون صراحة إلى إزالة الحزب من الخريطة السياسية.
وفي مقابل ذلك سلك الحزب منهج الصبر والهدوء في وجه الحملات المذكورة، وإلى مبادراته في التواصل وتوضيح مواقفه، إلى أن أصبحت الدعوات الاستئصالية مهمشة في الساحة السياسية والإعلامية.
وعلى عكس الجهات التي طالبت بحل الحزب فقد سلكت الدولة أسلوباً يتسم بحد مقبول من الاتزان وعدم التسرع، وجاء خطاب الملك محمد السادس يوم (29 مايو 2003م) مؤكداً أن المغرب هو بعد 16 مايو أشدّ صلابة وأكثر إصراراً، وأقوى عزيمة على بناء مغرب الوحدة والديمقراطية والتنمية والتقدم والتضامن والتسامح، كما أكدّ على اعتماد مقاربة شمولية في مقابل ظاهرة الإرهاب بدل المقاربة الأمنية التي يروّج لها كثيرون.
والخلاصة أن اعتماد منهج الوسطية من لدن مكونات من الحركة الإسلامية في المغرب، إضافة إلى نوع من التسامح والتعقل من الدولة قد مكّن من اندماج جزء من الحركة الإسلامية في العمل السياسي عن طريق البوابة الحزبية، فغدا حزب العدالة والتنمية من أهم مكونات هذا المستحق ومن منشطيه الأوائل، بل أضاف عنصراً من عناصر الاستقرار السياسي القائم في المغرب.
ولقد مكن ذلك من إدخال مفهوم جديد في الممارسة الحزبية وعلى رأسها الشفافية في تدبير الشأن الداخلي، وإعمال أعلى أنواع الديمقراطية في التداول على السلطة داخل الحزب، بل يمكن القول إنه من الأحزاب النادرة التي تعقد مؤتمراتها بانتظام وفي مواعيدها ضارباً بذلك المثل من نفسه على ما يدعو إليه السلطة والمجتمع.
ولقد ساعد في ذلك تقدير ذاتي من الحزب للإكراميات الداخلية والخارجية وتقديره الموضوعي لإمكانياته الذاتية، ونظره إلى العمل الحزبي باعتباره مجرد بوابة يجب أن تتكامل مع بوابات ومداخل أخرى في الإصلاح، إلى أن يعمل مبدأ التحكم في مشاركاته الانتخابية كي تكون محكومة بمبدأ الكيف لا مبدأ الكم، وتتجنب أي شكل من أشكال استفزاز الخصوم المتربصين من خلال اكتساح ممكن، ولكن نتائجه السياسية غير مضمونة العواقب سواء بالنسبة للحزب أو لمجمل الوضع السياسي الداخلي والإقليمي.

 

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.