حَوْلَ مفهوم الوسطيّة
أ. إبراهيم العجلوني
نملكُ بشبكة المفاهيم أن نقترح ألواناً من المقاربات العقليّة لسديم الوجود، وأن نستقِرّ على قّدْرٍ من يقين بأنّ في طَوقِنا أن نُدْرِكَه مَظهراً وجوهراً، ولَقَدْ يبلغُ بنا هذا الظنّ أو "اليقين الذاتي" درجةً نرى عندها أنّ هذا الإدراكَ مطابقُُ لحقائق الأشياء، ثُمّ لا نلبثُ أنْ نكتشِفَ مسافةَ خُلْفٍ واضحةً بين ما نَظُنُّ وما هو كائنُ؛ الأمرُ الذي يؤكّد أنّ اصطناع المفاهيم، بما هو حيلةُُ ذهنيةُُ بإزاء الظواهِر، طبيعيةً أو اجتماعية، ماديّةً أو معنويةً؛ مَحمولُُ على رغبتنا –وهي رغبة متجذّرة في بنيتنا الشعورية– في أن لا تند واقعةُُ ما، صغيرةُُ أو كبيرةُُ، ذريّةُُ أو مركبةُُ -باصطلاح المناطقة الوضعيين– عن إدراكنا، وفي أن نستخرج من المجهول كل ما نستطيع استئناسه من حقائق الوجود.
وإذا نحن أردنا إخضاعَ هذه "الوسطية"، التي كَثُرَ الحديث عنها؛ لهذا التصوّر لطبيعة المفاهيم وأسباب تشكّلها، فإنّ بنا أن نسأل عن المِهاد الموضوعيّ التي نشأت فيه الحاجة إليها، أو عن جملة الشروط الثقافية والسياسية والاجتماعية التي دفعت أقواماً منا، على امتداد ديار الإسلام إلى البحث عن مقالةٍ مُسْعفةٍ، أو عن تكأةٍ مفهومية لدفع ما يلَفق لنا من تُهمٍ بالغلو والتطرّف، أو بالانغلاق دون ثقافة الغرب المستعمر الذي لم نَبْلُ منه إلا "انفتاحه" الدمويّ علينا، وتقحّمه المعتنفِ لواقعنا، ومصادرته القسرية على مطلوباتنا في التحرّر، والحريّة وتحقيق الذات.
إن مما وقعنا فيه دون أن ننتبهُ إلى خطورته؛ هو تلك المناداة بأن نكون مكاناً سوىً بين شرق وغرب، وبين شيوعية ورأسمالية، وبين أصالةٍ لا نكاد نتبين إلا القليل من ملامحها ومعاصرة نلهث في غبارها. وقد سَمّى بعضُنا هذا الميدان "حياداً إيجابياً"؛ على حينِ كان حياداً مرتعش الأوصال، تتخايل خَلْفَه علائم الوهنِ، وتخترقه أذرع الأقوياء المتنفّذين!
وإنّ مما يبعث على التأمل أن ترفع "الوسطية" لافتةً على هذه النّزعة في التماس طُرُقِ النجاة في عالم الثنائية القطبيّة قبل سقوط الاتحاد السوفيتي، ثمّ في العالم المُرَزّأ الذي يتفرّد فيه الأميركان بقهر الأمم والأوطان؛ وإن كان ذلك بتوكيد الانفتاح على الغرب والاستعداد لقبول ثقافته –بخيرها النّزرِ وشرّها المستطير– بعد أنْ صار في حكم الواقع الرازح الذي لا ينجلي أنّ لا أحدَ من سياسيي عالمنا العربي الإسلامي بقادرٍ على رفْض تحكّمات هذا الغرب وإملاءاته أو حتى مساءلته الحيّية حولها !
لقد أتَتْ على أمتنا أحيان متتابعة من الدّهر، لَمْ نَرَ أحداً من أعلامها أو علمائها نَظَر في هذه "الوسطية" التي يَظنّ كثيرُُ منّا أنه يدفع بها الأذى من جهةٍ، ويسوّغ الذات والصّفات في عالم يريدُ لها المحو من جهة أخرى؛ فإن قال قائل: "إنّنا أمةُُ وسطُُ" بالنصّ القرآني، وإنّ هذا أمرُُ إلهيُُ لا ينبغي أن يفوتنا؛ فإنّ هذه ستكون مناسبةً للنّظر في دائرة المعنى الذي نتوسّمه للأمّة الوسط في القرآن الكريم، ولبيان أن الأمر قد تشابَهَ على كثير مِنا؛ وأن ثّمة أفقاً متراحباً لا شأن له بهذا الفَرَق الذي يعتري من لا يعتصمون بحبل الله وهم يضطربون في الأرض، حائرين حيناً بين جبابرتها، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، أو متلددين بإزاء قوّة باطشة متفرّدة؛ لا بُدّ أن يقصمها قاصم بإذن ربّها؛ ولو بعد حين.
إنّ مادة (وَسَطَ) كما هي في الاستعمال القرآني قد وَرَدَتْ في خمسة مواضع: موضعينْ في سورة البقرة (الآيتان 143 و 238)، وموضعٍ في سورة المائدة (الآية 89)، ورابع في سورة القلم (الآية 28)، وخامس في سورة العاديات (الآية 5).
أما أوّلُها: فهو قوله تعالى: {{وكذلك جعلناكم أمّةً وسَطاً لتكونوا شهداء على الناس}} حيث يكون المسلمين أمّةً في مَرْتبة الشهود العقلي والقيمي على البشرية، وفي موقع المسؤولية الحضاريّة أيضاً. وهم لا يبلغون ذلك إلاّ بالجهد المعرفيّ الفائق وبالمناقبيّة الأخلاقية العالية، وتلك هي الأفضلية المرهونة بأسبابها، لا التميّز العرقي المزعوم، ولا ما يتحدّرُ في الأصلاب من أخلاط الأعراق والأنساب.
وأما ثانيها: فهو قوله تعالى: {{حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى}}. وقد اختُلِفَ في تحديد هذه الصلاة على نحوٍ نفهم منه أن المقصودَ هو فضْلُها لا توسّطها بين آناتِ الزمان. فهي الصلاة الفُضلى سواءً أكانت هي صلاة الصبحِ، أم الظهرِ، أم العصرِ، أم المغربِ؛ وإنّ في ذلك لحكمةً بالغة؛ إذ ستكون هذه الصلوات كلّها مُستراداً لوجدان المسلم، وفُرَصاً لخشوعه ومُلْتمساً للأفضلية الخيرية التي يسعى لتمثّلها وتحقيقها.
وأمّا قوله تعالى في سورة المائدة: {{ فكفّارتُهُ إطعام عشرة مساكين من أوسَطِ ما تطعمون أهليكم}} فالمقصود به بحسبِ كثيرٍ من المفسّرين، أن يكون طعام المساكين هذا من أفضلِ الطعام، أو ممّا ينتخبُه أحدنا لا مما يُغمضُ فيه.
وأمّا قوله تعالى في سورة القلم: {{قال أوسطهم أَلَمْ أقُلْ لكم لولا تسبّحون}} فإن الأوسط هنا هو الأمثل والأحكم والأفضل.
وكذلك نلمسُ معنى العلوّ والظهور في قوله تعالى في سورة العاديات: {{فأثرْن به نقعاً فوسَطن به جمعاً}} إذ يعلو الغبار الذي تثيره سنابك الخيول المغيرة المحتدمة جَمْعَ القومِ ويغمر هاماتهم.
مَعَانٍ لو أخذناها مجتمعة لتناءَت بنا عن كلّ وَسَط حِسابي مُبتذل، وعن كل حاجزٍ بين فريقين، وبرزخٍ بين ماءَين. ولأظهرتْنا على أنّ الإيمان والإسلام، والإخلاص، والأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر هي العناصرُ التي تجعل ممّن تتوافرُ فيه إنساناً "وسطاً"، فاضلاً، شاهداً على غيره. ولاستقرّت بنا أخيراً على أنْ نستبرئ لديننا ووعينا في آنٍ من أن نكون رقماً بين رقمين، حَسْبُ أو ثرىً يابساً بين حَقْلينً. وبالله وحدة التوفيق، وهو الهادي إلى سواء السبيل…
ابحث
أضف تعليقاً