wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
خطبة "استقالة الأبوين" للأستاذ الدكتور محمد القضاة
الأربعاء, March 25, 2009

  الأسرة هي المحضن الاول للطفل ، يتلقى من خلالها ما يحتاجه من غذاء تربوي ورعاية صحية، والذي يزاول مهمة التريية هما الوالدان: الأب والأم ويحيطان به تربوياً كما يحيط السوار بمعصم اليد، إنها مسؤولية تربوية تضامنيه مفروضة عليهما،لانهما ارتضياها يوم اتفقا على إقامة الاسرة بالعلاقة الزوجية ،وبالتالي لا يحق لاي منهما أن يقدم على إستقالة شفوية أو مكتوبة يترك بموجبها مهمته التربويةتجاه أبنائه ،ولم نشهد أحداً في هذه الارض يفعل ذلك ،ولو حدث فإنه سيكون موضع استهجان واستنكار شديدي اللهجة من افراد المجتمع.
    لكن منطق الشجاعة التربوية مع انفسنا يجعلنا ننظر للواقع الذي نعيشه ونستنطقه إن كان يعرف استقالة من هذا النوع ، والجواب لا يحتاج الى طول نظر وروية، فالواقع يثبت فعلاً بما لا يدع مجالاً لشك أن استقالة فعلية واقعية تربوية حدثت وتحدث وموجودة، لا بصورة استقالة فردية فحسب بل بصورة استقالات جماعية يزاولها افراد المجتمع بل المجتمع في مجموعه.
     لقد استقال الآباء تربوياً ولم يعودوا يفهمون من مهامهم تجاه الأبناء، إلا مسؤولية المصروف والكسوة والاكل وتوفير اسباب الراحة، وحسبوا أنهم بذلك قد أدوا الامانة واستحقوا تكريم وتقدير المجتمع لهم ... وأصبح هؤلاء الآباء مشغولين فيما عدا ذلك خارج أسرهم يقتلون أوقاتهم في المهام الادارية والوظيفية ثم التجارية، ناهيك عن الأسفار والحل والترحال، فإن بقي من وقت يومهم رمق آخر النهار اجهزوا عليه في جلسات ما ربما كان فسادها اكثر من صلاحها.
      وكثيراً ما يرجع الآباء آخر الليل ليجدوا ابناءهم في نوم عميق، ويصبحون والأبناء في مدارسهم وهكذا ...ولربما مضت أيام دون أن تقع أنظار الآباء على أبنائهم.
     هؤلاء الأبناء في حقيقة الامر يملكون أباً صلتهم به أنه كان سبباً في وجودهم ،لكنهم لا يملكون أبوة الأب بمعناها التربوي الواسع ...أبوة التوجيه، أبوة التربية أبوة العطاء والتجربة والخبرة، إن وجود هذا الاب بين ابنائه ولو صامتاً، فيه من عمق التربية ما فيه ،فيه التضحية بوقته، فيه التقدير لهم، فيه إحساس المشاركة فيه الطمأنينة ...فما بالك إذا نطق الاب وهو بينهم خيراً أو حل مشكلة أو ناقش همومهم إنه بذلك يكسر الحواجز بينه وبينهم ويسبر غور نفوسهم، بل يصبح مخططاً لحياتهم خارج هذه الاسرة بما يعود عليهم بالنجاح والسداد.

         إن قضية هذه الاستقالة جرح عميق تدمى له صدور كثير من الابناء، وتذبح من خلالها اسر بكاملها.    فإذا انضمت الى هذه الاستقالة الابوية استقالة مقدمة من الام، فلا تسأل عن أسرتها، سينفرط العقد وتتسيب الاسرة بكاملها، ويصبح هؤلاء الابناء يتامى تربوياً ،يقتاتون تربيتهم من الخادمة والشارع وأجهزة الإعلام، وما أدراك ..؟؟
     الأم بهذه الاستقالة فقدت أمومتها كما فقد الاب أبوته، لأنها لم تستحق لقب "أم" في مقابل الولادة فحسب، وإنما استحقته حينما امتزج دمها بدم أبنائها، وامتزج حنانها بمشاعرهم، وأصبحت نفوسهم مهيأة للتلقي التربوي عنها من اول رضاعة لهم .
      وهذه الاستقالة لا تضر الابناء فحسب وإنما تضر الآباء والامهات وهي بالتالي تضر ابناء الابناء وابنائهم وهكذا، وما وصل اليه المجتمع الاوروبي في هذا الشأن خير شاهد، حيث اصبحت القاعدة الاسرية عندهم أن الابوين كلما كبرت سنهما قلت منزلتهما وهانت على المجتمع بل على ابنائهما، واصبح منتهى ما يتمنياه ملجأ مناسباً للعجزة يأويان اليه، وقد يكون لهما من الابناء من هم في قمة الوظائف والمراكز في الدولة، إنهم يعاملون الآباء والامهات كما عاملوهم وكما تدين تدان .
      وعكس هذه القاعدة نجدها في المنهج الإسلامي فإن الابوين كلما كبرت سنهما عظمت منزلتهما وتقديرهما من المجتمع ومن أبنائهما، وحسبك دليلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم يلوم ويعيب من الأبناء من ادرك ابويه شيخين كبيرين ولم يدخل بسببهما الجنة فيقول " رغم أنفه ثم رغم أنفه قيل من يا رسول الله قال : من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كلاهما ثم لم يدخل الجنة ".
     إن قضية هذه الاستقالات التربوية الواقعية قضية خطيرة تحتاج منا الى وقفتين : وقفة من الدول فاحصة شاملة تتناول أسلوب التعامل مع أفراد المجتمع كأسر وكآباء وأمهات وتتناول الأجهزة الإعلامية التربوية ،والهيكل التعليمي وأهدافه، والتنسيق بين ذلك كله ليعالج هذه القضية.
     ووقفة من الآباء والامهات ليراجعوا مهامهم الفطرية التي حملها الله إياهم وسطرها في كتابه وبينها نبيه صلى الله عليه وسلم وطبقها صحبه الكرام ومن واكب مسيرتهم، نحتاج جميعاً الى جلسة مذاكرة نتلقى فيها مهامنا التربوية من جديد تلقياً للتنفيذ في واقع الاسرة والمجتمع، وبغير ذلك سيظل الآباء والأمهات والأبناء في تشرد وهوان وضياع.
     ولقد ساهمت عدة وسائل في سلب الابوين مهمتهما ولعل هذه الوسائل هذا الجهاز الخطير جهاز التلفزيون فكلنا يعلم انه لم تعد الاسرة المحضن التربوي الوحيد الذي يوجه الابناء ويشرف على تربيتهم نفسياً وسلوكياً، ويكون للأبوين فيه سلطة نافذة على الابناء، تنتج الاحترام والتوقير، كما لم تعد المدرسة الموجه الثاني بعد الاسرة، بل إن الوسائل الاعلامية غدت تزاحم وتنازع هذه المواطن التربوية كأشد ما تكون المنازعة، بل إنها بدأت تأخذ زمام المبادرة والتوجيه، وتلغي كثيراً من سلطات الابوين التربوية، وتفك الارتباط التربوي بينهم داخل الاسرة وتوهن الرقابة بل وتعدمها خارج الاسرة.

dralqudah@yahoo.com
من خطب الدكتور محمد القضاة
تم التنسيق في 25/3/2009  
       

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.